نوح.. كوميدي متابعوه بين التفاؤل والتشاؤم

نجم برنامج «ديلي شو» الجديد بـ6 لغات

تريفور نوح في إحدى حلقات برنامجه (ديلي شو)
تريفور نوح في إحدى حلقات برنامجه (ديلي شو)
TT

نوح.. كوميدي متابعوه بين التفاؤل والتشاؤم

تريفور نوح في إحدى حلقات برنامجه (ديلي شو)
تريفور نوح في إحدى حلقات برنامجه (ديلي شو)

في الأسبوع الماضي، بدأ تريفور نوح، المهاجر إلى الولايات المتحدة من جنوب أفريقيا، إدارة برنامج «ديلي شو» الفكاهي اليومي في قناة «كوميدي» الفكاهية، خلفا للنجم الفكاهي جون ستيوارت. بعد الحلقة الأولى، قال ستيوارت إنه أحس براحة وسعادة لأنه هو الذي اقترح، في العام الماضي، أن يخلفه نوح. وكان نوح ظهر في برنامج ستيوارت عدة مرات، وأعجب به ستيوارت.
في أول حلقة، تندر نوح على عدد من الشخصيات والمواضيع:
أولا، تندر على البابا (الذي كان زار الولايات المتحدة الشهر الماضي). وقال: «يذكرني بالسيناتور ساندرز عندما كان شابا» (أشار هنا إلى أن البابا، عكس الذين سبقوه، يدعو إلى آراء ليبرالية، لا تختلف كثيرا عن آراء السناتور ساندرز، الذي ترشح لرئاسة الجمهورية باسم الحزب الديمقراطي. وأشار، أيضا، إلى أن ساندر يواجه تحديات، منها أنه كبير في السن).
ثانيا: تندر على جون بوينار، زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب. وقال: «أكثر من زعامة في الكونغرس، يقدر بوينار على أن ينجح في مسابقات قطع البصل، أو البكاء في الكنيسة» (أشار هنا إلى أن بوينار بكى في العام الماضي عندما كان يتحدث عن والدته. ولا يستسيغ الأميركيون بكاء سياسي).
ثالثا: تندر على موجة الجفاف التي اجتاحت ولاية كاليفورنيا. وقال: «أبشروا أيها الكاليفورنيون، اكتشف العلماء الماء على سطح المريخ. وهم قادمون نحوكم».
رابعا: تندر على نفسه (عادة، يكثر من ذلك). وقال: «عندما كنت صبيا في ضاحية سويتو، لم تكن عندي وظيفة، ولا مرحاض. الآن، أملك الاثنين، وواحد منهما مريح جدا».
لكن، خلت الحلقة الأولى من نكات اشتهر بها نوح. منها نكات عن النساء، وعن اليهود، وعن رجال الدين (كانت النكتة عن البابا لائقة، لكنه أضاف إليها نكتة بذيئة عن حياة البابا الجنسية).
لم ينس نوح أن يثني على «أستاذي الأول»، جون ستيوارت، الذي سبقه في إدارة البرنامج. ثم تندر: «كان جون أبا العائلة (لمذيعي ومقدمي البرنامج). الآن، جاء أب جديد. لكنه أسود».
بعد أول ليلة، علقت صحيفة «واشنطن بوست»: «الحمد لله، لم يغضب أحدا» (يشير هذا إلى خوف من أن أولى حلقات نوح ستكون فيها إساءات كثيرة، في صورة نكات)». وقالت صحيفة «نيويورك تايمز»: «شخصية نوح ربما مثل سفينة نوح» (يشير هذا إلى خلفيته المتنوعة). وقالت إنه مذيع تلفزيوني نادر في خلفيته. ليس فقط بالنسبة للمذيعين الفكاهيين، ولكن، أيضا، بالنسبة لكل المذيعين الأميركيين.
نوح جمع بين الكلام بست لغات (إنجليزية، ألمانية، فرنسية، إيطالية، بانتوية، زولوية) وبين الانحدار من ستة أجناس وأعراق (سود، بيض، يهود، أريين، بانتويين، زولويين).
ولد نوح في جوهانسبورغ، جنوب أفريقيا. والدته، باتريشيا نوح، وتجمع بين العرق الزنجي، واليهودي، والبانتوي. ووالده أبيض، مهاجر من سويسرا، وجذوره ألمانية.
وقت زواجهما، كانت علاقة والديه غير قانونية بسبب التفرقة العنصرية. بل سجنت والدته، وغرمت من قبل حكومة جنوب أفريقيا العنصرية البيضاء. وواجه والده كثيرا من المضايقات (لم يسجن أو يغرم لأنه أبيض). واضطر إلى أن يعود إلى سويسرا. لهذا، تربى الصبي في منزل والدته، وأشرفت جدته البانتوية على تربية في مزيج من الجو الكاثوليكي، والبانتوي، واليهودي (قالت له إن زوجها كان فيه دم يهودي. لكنها، ركزت على الدين المسيحي).
بالإضافة إلى هذا المزيج المثير، تعكس خلفية نوح الحياة وسط سود جنوب أفريقيا. وهي، بالإضافة إلى تراث التفرقة العنصرية، تنتشر فيها الجريمة، والفقر، والتفكك العائلي، والتوتر الاجتماعي. ولم ينج نوح من ذلك. تزوجت أمه من أربعة رجال (واحد منهم السويسري). ولهذا، عنده إخوة غير أشقاء. في عام 2009، بعد أن تزوجت رجلا رابعا، حاول الزوج الثالث قتلها (وحاول قتل نوح، ووصفه بأنه «استعماري صغير»). لكن، مضت ثلاث سنوات قبل أن يدان الزوج الرابع. وذلك بسبب فساد، وتلكؤ، وعراقي في النظام القضائي في جنوب أفريقيا.
الآن، من أسباب شهرة نوح أنه يستغل كل هذه الخلفيات لينشر آراءه عن التفرقة العنصرية، والقبلية، والفساد، والعلاقات بين الأجناس والأعراق والأديان.
قال إنه يأمل أن تساعد محاولة قتله، وقتل والدته، على حل مشكلة العنف المنزلي في جنوب أفريقيا (وغيرها). وقال: «لسنوات، كانت والدتي تذهب إلى مراكز الشرطة. ولم يتم فعل أي شيء. هذا هو النظام القضائي في جنوب أفريقيا. دعاوى من دون فائدة، وتحقيقات من دون نهاية». في عام 2002 عندما كان عمره 18 عاما، صار فكاهيا في حلقات أدبية في مدرسته، وذلك بسبب حديثه (وفكاهياته) عن العلاقة بين والده ووالدته.
في عام 2008، بدأ برنامجا إذاعيا سماه «سفينة نوح». وركز فيه على الشباب، وقال: «ليكن الجيل الجديد مختلفا عن الأجيال السابقة». في عام 2010، نال واحدة من أهم الجوائز الفكاهية في تلفزيونات جنوب أفريقيا. في عام 2011، هاجر إلى الولايات المتحدة. في عام 2012، صار أول كوميدي من جنوب أفريقيا يظهر في برنامج «ديلي شو»، وهناك بدأ إعجاب ستيوارت به.
وقال متفائلون إن نوح سيؤثر على المجتمع الأميركي مثلما يؤثر الرئيس أوباما. وذلك بسبب خلفيته العرقية المتنوعة، وحقيقة أنه أول غير أبيض يدير برنامجا تلفزيونيا رئيسيا. لكن، قال متشائمون إن نوح، مثل أوباما، سيخيب آمال كثير من الأميركيين فيه. وذلك بأنه سيركز على المواضيع التي تهم السود. وسيجعل المشاكل بين البيض والسود فرصة لزيادة شعبيته، وليس لحلها.
قالت صحيفة «نيويورك بوست»: «مثل أوباما، يشع نوح سحرا وذكاء. ومثل أوباما، يتحدر من خلطة عرقية: أم سوداء، وأب أبيض». وأضافت الصحيفة: «تندر نوح على ذلك. وقال: إن كثيرا من الأميركيين، خلال الحملة الانتخابية الأولى، عام 2008، لم يرتاحوا لخلفية أوباما السوداء. لكن، بعد أن فاز أوباما، صار الكثير من الأميركيين يعتبرونه واحدا منهم».
وقال نوح بأنه يمكن أن يكون مثل أوباما. وأن الأميركيين الذين لا يرتاحون له بسبب أمه السوداء سيغيرون هذا الرأي في وقت لاحق.
في الوقت الحاضر، لا يقلق كثير من الأميركيين على تعليقاته الفكاهية عن المشاكل بين البيض والسود. لكن، كما قالت الصحيفة: «يعتبر الأميركيون المشاكل والاختلافات العرقية موضوعا حساسا، مثل موضوع راتب الشخص، أو دينه، أو الجنس بين اثنين. وإذا تحدثوا عن هذه الأشياء، تحدثوا في حذر». وأضافت الصحيفة: «لا بأس من نكتة عن البابا، وعن الفقر، وعن الجنس. لكن، في حدود». لهذا، حذرت نوح ألا يكثر من النكت عن المشاكل بين البيض والسود. وخاصة، عن نفسه كنصف أبيض، أو نصف أسود.
ونصحت نوح: «أوباما لا يتحدث كثيرا عن أبيه وأمه، ناهيك عن التندر عليهما».
لكن، في أول حلقة في برنامجه الجديد، أكثر نوح من ذلك:
تندر على نفسه عندما جاء إلى الولايات المتحدة، ووقف في صفوف الجمارك والجوازات. وقال: «سألوني إذا كانت عندي أي صلة مع مرض إيبولا. وكان إيبولا اسم عمي، أو اسم خالي». وتندر على تصفيق النساء البيضاوات له، وإعجابهن به. وقال: «هذه هي السعادة، السعادة البيضاء».
وتندر على أنه كان أول أسود يزور مدينة في ولاية كنتاكي، وأول أسود يزور مدينة في اسكوتلندا. وطبعا، لم ينس التندر على نفسه عندما استجوبه شرطي أبيض.
موضوع آخر حساس يقدر نوح على التندر عليه، لكنه ربما يريد أن يكون حذرا أيضا: الإسلام والمسلمين (حتى أن الأميركيين الذين ينتقدون الإسلام والمسلمين يفعلون ذلك في حذر). في واحدة من حلقاته الفكاهية، تندر على المسافرين العرب في الطائرات الأميركية (وصفهم بأنهم «سود الطائرات»). وتندر على عبارة أن «كل إرهابي مسلم، لكن ليس كل مسلم إرهابيا». وتندر على نفسه إذا كان صحافيا في صحيفة «شارلي إبدو» الفرنسية (التي قتل إرهابي مسلم عددا من صحافييها). وقال: إن لونه الأسمر كان سينقذه (ربما كان سيقول: إنه عربي).
وأخيرا، مثل أوباما، يتفاءل المتفائلون به، لكن، يقول المتشائمون بأنه، في نهاية المطاف، أسود.



زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
TT

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)

سيرته الإعلامية ومشواره المهني لا يشبهان أحداً سواه. منذ خطواته الأولى في عالم الإعلام، اختار الإعلامي اللبناني زافين قيومجيان أن يسلك طريق الاختلاف، فغرّد خارج السّرب وترك بصمة غير تقليدية في الإعلام المرئي والمسموع. وتمكّن من تكريس هوية خاصة به.حتى منشوراته، ومنها «أسعد الله مساءكم»، و«لبنان فلبنان»، و«لبنان على ال اشة»، عكست حبّه العميق للبنان والشاشة، فطعّمها بذكرياته ومشاهداته وتعلّقه بالوطن، لتتحوّل مع الوقت إلى مرجع للذاكرة الجماعية.

«الإعلامي الأميز عربياً»

في كل لقاء مع زافين، لا بدّ من اكتشاف جديد عنه. وأخيراً، من أخباره أنه تُوّج بلقب «الإعلامي الأميز عربياً» لعام 2025، إثر استفتاء شمل 18600 مشارك من مختلف أنحاء العالم العربي، أجراه فريق هيئة «الملتقى الإعلامي العربي». وهذا لقب لا يُعدّ جديداً على مسيرته، إذ سبق أن صنّفته مجلة «نيوزويك» الأميركية ضمن الـ43 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم العربي. كما احتل المرتبة الثالثة على قائمة «الشخصيات الـ30 الأكثر تأثيراً على تويتر» في لبنان. وهذا، إلى جانب عشرات الجوائز التكريمية التي حصدها عن برامجه التلفزيونية، لا سيما فئة البرامج الحوارية الاجتماعية.

شغفه بالعمل الإخباري

على الصعيد المهني، يقول زافين إن أجمل تجاربه الإعلامية، والأقرب إلى قلبه على امتداد 35 سنة، تبقى التجربة الإخبارية. ويوضح: «أحِب العمل الإخباري وكل ما يتعلّق بتلفزيون الواقع. ولقد أحببت كثيراً فترة عملي مراسل أخبار، وأيضاً في التحقيقات الاستقصائية، والحوارات السياسية، وإذاعة الأخبار... إذ إنني عندما اخترت دراسة الصحافة كان العمل الإخباري هدفي الأول».

اختبر الزمن... ولم يبدّل مبادئه

يعزو زافين قيومجيان «استمراريته» الناجحة إلى جرأته الدائمة على التغيير. وبحسب رأيه: «إذا لم يبدّل الإنسان قشرته الخارجية يذبُل ويموت، وشرط البقاء هو الحفاظ على المبادئ. التغيير يمكن أن يصيب الشكل لكن لا يجوز أن يمسَّ المضمون. وبالتالي، فإن قاعدتي الذهبية ترتكز على (ثلاثية) الحرفية والاحترام والقيَم».

وحقاً، يقتنع بنفسه ويدعو الآخرين إلى الإيمان بذواتهم، بحثاً عن الأفضل على الدوام. ثم يعلّق: «أنا لا أكتفي بالنتيجة الإيجابية... لأنني أرغب بما هو أفضل. أن تكون إعلامياً مخضرماً، وتواكب الأجيال يعني أن تنجح في اختبار الزمن والعمر. قلّة فقط تملك هذه القدرة لأن الثمن المدفوع يكون مرتفعاً».

حوار رئيس الجمهورية

من جهة ثانية، كان زافين أول إعلامي لبناني يُجري حواراً حصرياً مع رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون. وعنه يكشف: «كنت أرغب في هذه المقابلة عن سابق تصوّر وتصميم. وفعلاً، طلبت موعداً من القصر الجمهوري... ومشكورين، كان لي ما أردته. والحقيقة أن الرئيس يدرك طبيعة حواراتي وبساطة أسلوبي البعيد عن الادعاء». ثم يضيف: «كانت المرة الأولى التي ألتقيه فيها وجهاً لوجه وفي مناسبة غير عامة. قرأت الصدق في عينيه، وإصراره على العبور بلبنان إلى ضفة الازدهار والسلام. إنه يتمتع بتواضع وإرادة قوية لإجراء الإصلاحات اللازمة، وهو شخص لطيف وصادق جداً».

يقدم اليوم على شاشة "الجديد" برنامج "سيرة وكمّلت" (إنستغرام)

محطات وشخصيات صنعت الذاكرة

طوال مسيرته الإعلامية، التقى زافين شخصيات سياسية وفنية كثيرة تركت - كما يقول - أثرها في تجربته، من بينها الرئيسان الراحلان إلياس الهراوي ورفيق الحريري في ميدان السياسة، وفي المجال الفني الفنانتان إليسا ونوال الزغبي.

ويتابع: «تعرّفت إلى الهراوي والحريري عن قرب عندما كنت مراسلاً إخبارياً في القصرين الجمهوري والحكومي، ولمست وطنيتهما. فقد آمنا بلبنان وعَملا على نقله من زمن الحرب إلى زمن السلم... أنا أحب الأشخاص الذين يُحدثون تحوّلات ويوسّعون هامش الحرية. أما بالنسبة لأهل الفن فإن إليسا ونوال كسرتا القوالب التقليدية وصنعتا قوانين جديدة تشبه شخصيتيهما».

مهنياً، يعدّ زافين المديرَ العام السابق لـ«تلفزيون لبنان»، فؤاد نعيم، الداعمَ الأكبر له، مستطرداً: «لقد آمن بي وغامر معي في نقل الإعلام من التقليدي إلى الحديث. اكتشفني ووضع يده على روحي، ولولاه لكانت حياتي بالتأكيد أصعب».

الإنسانية: المدرسة الأولى... والأخيرة

في الواقع، تنقّل زافين قيومجيان بين أكثر من محطة تلفزيونية، من «تلفزيون لبنان» إلى «المستقبل» وصولاً إلى «الجديد». وذاع صيته عربياً بوصفه أحد أوائل مَن قدَّموا برامج حوارية جريئة على شاشة فضائية عربية، كاشفاً المسكوت عنه، وغائصاً في عمق البيوت ومشاكلها. وعن هذا الجانب يعلّق: «منذ بداياتي رغبت في تناول هذا النوع من القصص من دون أحكام مسبقة. أنا لا أركّز على الأرقام بل على التجربة الإنسانية. ولا يهمّني عدد الضحايا بقدر ما يهمّني ما عاشته الضحية. إنما أنتمي إلى المدرسة الإنسانية، وأعتزّ بذلك».

النجاح... قدرة على التأقلم

في مرحلة سابقة، غاب صاحب السؤال الشهير «شو حسّيت؟» (بماذا شعرت؟) عن وسائل التواصل الاجتماعي، مفضّلاً الانتقال من الانتشار الواسع إلى جمهور أصغر. وبالفعل، قدّم بودكاست «100 ع 100» بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU). وشارك في مناظرات شبابية «30 - 31»، قبل أن يطلّ اليوم في «سيرة وكمّلت» على شاشة «الجديد»، ولعلها النُّسخة المعاصرة من برنامجه الشهير «سيرة وانفتحت». وهو أيضاً يشارك في برنامج «بونجورين» عبر إذاعة «صوت كل لبنان».

وهنا يقول: «لم أعد بحاجة لإثبات مكاني. أعمل بدافع الشغف. الإذاعة نابعة من حبّي للتواصل مع جيل لا يزال وفياً لها، وفي المقابل أحرص على التواصل مع جمهور أصغر سناً». وفي هذا السياق، كونه أستاذاً جامعياً في الإعلام في الـ«LAU»- حيث تلقى تعليمه الجامعي - يبقى زافين على تماسٍ مباشر مع جيل الشباب. ويوضح: «مهما كانت خبرتي طويلة، أدرك ضرورة الإصغاء إلى الأصغر سناً، تماماً كالفنان النجم الذي يتعاون مع ملحّن مغمور... هذه التنازلات ضرورية لأنها تحمل تحدّيات التجديد».

الشاشة الصغيرة... الرهان المستمر

رغم تنوّع منصّاته، يعود زافين دائماً إلى التلفزيون، مؤمناً بدوره الجامع. ويقول: «أريد أن أشارك في الولادة الجديدة للتلفزيون. صحيح أن الناس استعاضت عنه بالهواتف، لكن الشاشة الصغيرة تبقى التجربة المشتركة الوحيدة للعائلة. طبعاً لن أعيده إلى عصره الذهبي... لكنني سأعمل على تطويره. هذه الولادات تحتاج إلى إعلاميين مخضرمين يكونون جسر عبور بين جيل وآخر».

إعادة الشريط المهني بقالب حديث

ويُسعد زافين اللقاء بالقول عن مرحلته الحالية إنها «مراهقة الخمسين» الإعلامية (جَهْلة الخمسين المهنية)، وفق تعبيره. وفيها يعيد تقديم القصص الاجتماعية التي اشتهر بها بشروط جديدة... ويختتم: «أشعر بالحنين إلى الإعلام التقليدي، وأحاول عبر الإذاعة والبودكاست والتدريس الجامعي الابتعاد عن ضغوط الإعلام السائد، وتحسين قواعد اللعبة الإعلامية على طريقتي».


ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)
TT

ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)

يبدو أن منصات التواصل الاجتماعي تمر بـ«أزمة»، إذ بدا الدور الأصيل لها -وهو التواصل، وبناء الروابط الاجتماعية- يتلاشى، ليبرز الترفيه، ومتابعة الفيديوهات الخاصة بأشخاص «غرباء» باعتبار أنه احتياج أوّلي للمُستخدمين.

هذا الاتجاه يطرح تساؤلات بشأن ماذا سيحدث لاستراتيجيات عمل الناشرين حين يصبح الفيديو لغة المنصات الأولى؟ وكان معهد رويترز لدراسة الصحافة قد لفت في التقرير السنوي «لاتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2026»، أخيراً، إلى أن وسائل التواصل باتت أقل «اجتماعية»، بسبب تحوّل جذري في سلوك المستخدمين إزاء منصات «السوشيال ميديا» التقليدية، مع تراجع المحتوى الآتي من دائرة الأصدقاء لصالح موجز تقوده توصيات الذكاء الاصطناعي، ومقاطع الفيديو.

الدكتور أنس النجداوي، مدير جامعة أبوظبي-فرع دبي، وأستاذ الأعمال الرقمية المشارك، مستشار قناتي «العربية» و«الحدث» للتكنولوجيا ووسائل التواصل، يرى أن منصّات التواصل الاجتماعي تُغير خوارزمياتها بشكل مستمر، غير أن ما برز خلال العامين الماضيين هو انتقال اهتمام هذه المنصات من «مَن تتابع؟» إلى «ماذا يشدّ انتباهك ويبقيك وقتاً أطول على المنصة؟».

وأوضح النجداوي لـ«الشرق الأوسط» أنه «في السابق كانت منصات (السوشيال ميديا) تقوم بتحليل الرسم البياني الاجتماعي، أو Social Graph Analysis لمعرفة شبكة علاقات المستخدم، والأصدقاء، والحسابات التي يتابعها، ومن خلال هذه البيانات تبني ملف اهتمام يحدد سلوك المستخدم بدقة... غير أن الفيديو القصير هو الآن الأداة الأقوى لرفع مؤشر البقاء داخل التطبيق، لأنه سريع، ومتلاحق، ويدفع المستخدم من مقطع إلى آخر، وهو ما يترجم إلى أرباح إعلانية أعلى». وأردف: «وفي المقابل، تصبح النصوص الطويلة، والروابط الخارجية عبئاً، لأنها تخرج المستخدم من المنصة، فتتراجع فرص انتشارها».

عن انعكاس هذا التغير على استراتيجيات عمل الناشرين، يرى النجداوي أن «المؤسسات الصحافية والإعلامية أمام أزمة، لأن النموذج المعتاد للوصول للجمهور تغيّر... ذلك أننا نعيش الآن عصر (الزيرو كليك)، أي أن الروابط لم تعد مُجدية، وزيارات المواقع الصحافية انخفضت، ما يعكس ضرورة أن تغير نموذج العمل». وأوضح من ثم أن هذا التحوّل صنع ما يُسمّى بـ«النيوز إنفلونسر».

وتابع الدكتور النجداوي بقلق قائلاً إن «السرعة يمكن أن تدفع البعض للتبسيط المُخِلّ، أو للإثارة، ما يعني أن مُجاراة الخوارزميات يمكن أن تدفع الناشرين لتقديم محتوى بلا تأثير حقيقي، أو معلومة واضحة، فالمعادلة صارت صعبة؛ كيف تصنع فيديو يناسب الخوارزمية من دون أن تخسر التحقق، والدقة، والثقة؟».

من جهة ثانية، وفق بيانات وفرها «تشارتبيت» لصالح تقرير «رويترز» تراجع متوسط الإحالات إلى مواقع الأخبار من «فيسبوك» بنحو 43 في المائة خلال العامين الماضيين ونصف العام، بينما انخفضت الإحالات من «إكس» بنسبة 46 في المائة، في مؤشر على أن الانتشار عبر الروابط لم يعد يضمن حركة زيارات كما كان سابقاً.

وهنا علّق محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي بدولة الإمارات المتحدة، قائلاً إن الاستثمار في منصات الفيديو مثل «يوتيوب» و«تيك توك» بات خياراً أكثر جدوى من الاعتماد المفرط على الوصول من خلال المنصات التقليدية للتواصل الاجتماعي، أو «غوغل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «صحيح أن (غوغل ديسكوفر) كان مصدراً ضخماً للزيارات، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات جذرية، وبات من الصعب الاعتماد عليه، لا سيما أنه يخضع بالكامل لخوارزميات تتغير باستمرار، وقد ترفع أو تخفض الزيارات بشكل حاد خلال أيام». وتابع أن «سياسة (غوغل) أصبحت واضحة في استهداف إبقاء المستخدم داخل منظومتها عبر ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما يقلل من قيمة الزيارة نفسها، ويضعف العائد التحريري والاقتصادي للناشر».

أيضاً اعتبر عاطف أن «يوتيوب» و«تيك توك» باتتا بيئة استهلاك حقيقية للجمهور اليومي، و«الاستثمار فيهما، لا يعني فقط تحقيق مشاهدات، بل بناء حضور متكرّر، وهوية بصرية، ونمط سردي يتعرف عليه الجمهور بسهولة». وحسب رأيه فإن «الاستراتيجية الأكثر واقعية في 2026 هي التحول من عقلية مصادر الزيارات إلى عقلية أماكن وجود الجمهور، لأن الفيديو القصير أصبح اللغة السائدة... بل حتى (غوغل) نفسها باتت تكافئه داخل (ديسكوفر)، لذلك الاستثمار في الفيديو لم يعد خياراً إضافياً».

واختتم موضحاً أن «إدراج الفيديو القصير ضمن منتجات المؤسسات الصحافية بات ضرورة، لضمان الوصول إلى فئات عمرية جديدة من الجمهور... لكن الفيديو القصير يعد تحدياً أمام الناشرين، لأنه يفرض منطقاً مختلفاً بالكامل في السرد الصحافي. وعلينا أن نقر بأن الجمهور بات أسرع في سلوكه التفاعلي، فهو لا يمنح أكثر من ثوانٍ قليلة قبل اتخاذ قرار المشاهدة، أو التمرير، ما يجعل نوع المحتوى وزاوية تقديمه عاملين حاسمين في النجاح».


الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.