16 فعالية فكرية وثقافية ومسرحية.. ورشة حوار مع «شعب تويتر»

افتتاح دورة جديدة من معرض الرياض الدولي للكتاب الثلاثاء المقبل بنافذة على الشباب

جانب من معرض الرياض في دورة سابقة
جانب من معرض الرياض في دورة سابقة
TT

16 فعالية فكرية وثقافية ومسرحية.. ورشة حوار مع «شعب تويتر»

جانب من معرض الرياض في دورة سابقة
جانب من معرض الرياض في دورة سابقة

تشهد العاصمة السعودية الرياض الثلاثاء المقبل تنظيم معرض الرياض الدولي للكتاب، وهو الحدث الذي يستقطب حضورا واهتماما كبيرين من المثقفين والجمهور، كما يأتي هذا العام بعد تزايد الاهتمام بالفعاليات المصاحبة.
وتهيمن على فعالياته هذا العام ندوات الحوار مع الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، وتنظيم الندوات التي تستضيف الشباب الفاعلين في هذه المواقع.
وذكر الدكتور زيد الفضيل رئيس اللجنة الثقافية لـ«الشرق الأوسط»، أن البرنامج الثقافي للمعرض يحدد أهداف المشروع الحضاري الوطني للسعودية على المدى المتوسط والبعيد، موضحا أن فقرات البرنامج تشتمل على 16 ندوة ومسرحيتين وعدد من الورش التي تخدم الثقافة والفكر والأدب.
ويشمل البرنامج أيضا تنظيم أمسية فكرية بعنوان «الوعي العربي والسياقات الراهنة» تبحث مدى تأثر الوعي العربي الحالي وعوامل تشكل شخصيته وحضور المرأة فيه ووعيه الفكري بما يدور من سياقات راهنة. ويشارك في هذه الندوة الكاتب الدكتور مصطفى المرابط من المغرب، والأكاديمي المفكر الدكتور مصطفى حجازي من لبنان، والأكاديمية الناشطة الدكتورة ابتسام الكتبي من الإمارات، وأستاذ الأدب الدكتور هاجد الحربي من السعودية، ويديرها الإعلامي السعودي فهد الشريف.
كذلك، تشارك الناقدة الدكتورة هويدا صالح من مصر، والروائي الدكتور أمير تاج السر من السودان، والناقد الدكتور حسن النعمي من السعودية في ندوة بعنوان «الرواية والمجتمع المدني»، تناقش العلاقة التبادلية بين الرواية ومفاهيم المجتمع المدني ويديرها الدكتور محمد أبو ملحة.
وعلى الصعيد المحلي، ووفق زيد الفضيل رئيس اللجنة الثقافية، هناك ثلاث نوافذ رئيسية وهي ندوة «نحو مشروع حضاري وطني» تشارك فيها الباحثة الدكتورة خولة الكريع، والمستشار الاقتصادي الدكتور محمد الصبان، والكاتب الدكتور يوسف مكي، ويديرها الكاتب الدكتور عبد المحسن هلال للحديث حول قضايا التنمية الاجتماعية وآفاق وتطلعات المشاريع العلمية والاقتصادية والفكرية للسعودية.
والندوة الثانية المتعلقة بالإعلام الجديد بعنوان: «الإعلام الجديد.. منهجية النقد وإلغاء السرية» يشارك فيها عدد من الناشطين الشباب وهم: عبد المجيد الكناني المختص بـ«يوتيوب»، وعبد الله المغلوث الناشط في «تويتر»، ويوسف الحضيف المهتم بـ«بودكاست»، وبندر المطلق المختص بـ«تيدكس»، بمعية الإعلامي ناصر الصرامي من قناة «العربية»، ويديرها الإعلامي محمد الطميحي.
وتسلط الندوة الثالثة، وعنوانها «المكتبات الوطنية نحو بناء مجتمع المعرفة»، الضوء على واقع مجتمع المعرفة وكيفية بنائه عمليا مع الأخذ في الاعتبار مفاهيم وآليات الاستراتيجية الوطنية للتحول إلى اقتصاد ومجتمع المعرفة، من خلال الحديث عن المكتبات الوطنية الكبرى في المملكة وهي مكتبة الحرم المكي الشريف ومكتبة الملك فهد الوطنية ومكتبة الملك عبد العزيز العامة بالحرس الوطني ومركز الملك فيصل للدراسات والبحوث، ويديرها الدكتور عبد الله السفياني.
ويحتوي البرنامج الثقافي على أمسية شعرية تشارك فيها الشاعرة والأديبة الكبيرة الدكتورة فوزية أبو خالد، والشاعرة الكبيرة زينب غاصب، بجانب الشاعرين الشابين محمد خضر وخليف غالب، ويديرها الشاعر عبد الله السفر، فيما يقدم الدكتور خالد اليحيى وفريق عمله ندوة مكثفة بعنوان «أنا أقرأ» تهتم بموضوع تقنيات القراءة.
وستقام ست ورش متنوعة في الموضوع والطرح، إذ يقدم الدكتور سامي الجمعان من السعودية والدكتور فيصل القحطاني من معهد الفنون المسرحية بالكويت ورشة متخصصة في كيفية كتابة السيناريو المسرحي والتلفزيوني والسينمائي والأفلام التسجيلية.
وينظم محمد بدوي ورشة في كيفية استثمار التقنية ووسائط التواصل الاجتماعي الاستثمار الأمثل ماديا ومعنويا، فيما تسلط ورشة «آفاق النشر الإلكتروني» الضوء على تطوير صناعة النشر الإلكتروني في السعودية والعالم من خلال استضافة مدير شبكة «غوغل» في العالم العربي لويس كلاودو بمشاركة مهتمين بهذا الشأن.
أما مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، فسيقيم ورشة عمل عن التحاور مع «شعب تويتر»، أي المداومين على التواصل بـ«تويتر»، لتحويل طاقتهم إلى عمل إيجابي بناء، فيما ستكون آخر الورش مع هيئة سوق المال لمعرفة السبل المثلى للاستثمار بشكل صحيح.

* تكريم الخطاطين
وستكرم اللجنة الثقافية في هذا العام عددا من الخطاطين ومنهم عبد القادر شلبي الذي كلفه الملك عبد العزيز بتجديد بعض الكتابات من آيات قرآنية وأحاديث شريفة وأسماء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، المكتوبة على واجهة القبلة بالمسجد النبوي الشريف.
كما ستكرم محمد كردي الذي كتب بخطه المصحف الشريف، وله مؤلفات في الخط العربي منها كتاب بعنوان «تاريخ الخط العربي وآدابه» وهو أحد المراجع الرئيسة في تاريخ الخط العربي. كذلك تكرم اللجنة محمد آل سعيد، الذي تقلد مهمة خطاط وزارة المعارف على عهد وزيرها الأول الملك فهد بن عبد العزيز، كما أسندت إليه كتابة آيات قرآنية على جدران الحرم المكي الشريف عام 1357هـ وعلى حزام الكعبة المشرفة في أول كسوة سعودية، واختير أيضا خبيرا عامًّا لمكافحة التزوير ومضاهاة الخطوط. ويمتد التكريم لعبد الله المدني الذي كتب على الجدار الجنوبي ونوافذ وأبواب المسجد النبوي الشريف كلمة «التوحيد» وأسماء الصحابة في عام 1370هـ، له كتاب بعنوان «بدائع خطية من الروضة النبوية».
وتضم قائمة الخطاطين المكرمين كلا من عبد الرزاق خوجه المعروف بخطاط العملة السعودية، إذ أسند إليه القيام بالكتابة على العملة السعودية على عهد الملك فيصل والملك خالد والملك فهد يرحمهم الله، وكذلك تكريم خير الله تركستاني الذي طبعت منظمة التربية والثقافة والعلوم الدولية (اليونيسكو) له مليون نسخة من أحد روائعه الخطية.
ويشمل التكريم عبد الله الصانع الذي تولى رئاسة قسم الخط العربي في وزارة التخطيط بالرياض عام 1400هـ، كما سيكرم الدكتور عبد الله فتيني وهو أول طالب حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في مجال الخط العربي في المملكة، وله أكثر من خمسة عشر بحثا ومؤلفا في مجال الخط العربي، كما أسس الجمعية العلمية السعودية للخط العربي بجامعة أم القرى، وهو أحد مؤسسي الجمعية السعودية للخط العربي أيضا، بجانب ناصر الميمون، وجمال الكباسي.

* تكريم المصورين
ويكرم المعرض فئة المصورين الفوتوغرافيين من واقع تسمية ممرات المعرض بأسمائهم، وجرت تسمية 37 مصورا فوتوغرافيا وفق آلية منهجية، ومن أولئك الرعيل من الراحلين أنس أبو السمح، ونبيل جنبي، والدكتور طارق الجهني، وصالح العزاز، وعمر بادغيش، وحامد شلبي، وعيسى صالح عنقاوي، وخالد محمد خضر.
ويمتد التكريم ليشمل المصورين سعود عبد الرحمن محجوب، وعلي المبارك، وعبد الله الدبيخي، ومحمد صالح شبيب، ونهى فؤاد آل غالب، وفوزي محجوب، ومديحة العجروش، وسوزان إسكندر، وسوزان باعقيل، والأميرة ريم الفيصل، وحمد العبدلي، وكريم العنزي، وخالد البدنة، وبكر سندي، وعباس الخميس، وعبد العزيز مشخص، وغيرهم.
يشار إلى أن المعرض خصص هذا العام 16 ندوة على الصعيدين العربي والمحلي، منها ندوات تتعلق بالدولة الضيف (إسبانيا)، بجانب عرضين مسرحيين، وندوة حوارية مفتوحة لتسليط الضوء على قوانين الملكية الفكرية، وأسس التعاقد القانوني بين المؤلف والناشر، بالإضافة إلى إطلاق توصية باسم «توصية الرياض لتعزيز العلاقة بين المؤلف والناشر».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.