مفتي «داعش» يتقرب من البغدادي بفتاوى التكفير

إسلاميو لندن: البنعلي له تاريخ فاشل في العلوم الشرعية

تركي البنعلي فقيه داعش يلقي خطبة العيد في مسجد الرقة
تركي البنعلي فقيه داعش يلقي خطبة العيد في مسجد الرقة
TT

مفتي «داعش» يتقرب من البغدادي بفتاوى التكفير

تركي البنعلي فقيه داعش يلقي خطبة العيد في مسجد الرقة
تركي البنعلي فقيه داعش يلقي خطبة العيد في مسجد الرقة

بين سرت الليبية والرقة السورية، بات منظّر تنظيم داعش البحريني تركي البنعلي المكنى بـ«أبو سفيان السلمي» يتنقل بشكل يثير الاستغراب، لا سيما أنه يعتبر من أحد أهم الآباء الروحيين للتنظيم المتطرف، إلا أن مصادر التنظيم، وبحسب أصوليين في لندن، أكدوا أنه عاد إلى الرقة، ونشر التنظيم صورًا للبنعلي خطيبًا لصلاة العيد في جامع النور بمدينة الرقة السورية، بعد أن كان قبل فترة وجيزة في مدينة سرت الليبية، بعد أن بثت إذاعة سرت المحلية التي يسيطر عليها تنظيم داعش في فبراير (شباط) الماضي، خطبًا ودروسًا لتركي البنعلي.
واحتلّت شخصية البحريني، البنعلي، الذي سحبت جنسيته، مساحة لافتة في التقارير والتغطيات التي واكبت تقدم تنظيم داعش في سوريا والعراق، ويعتبر اليوم حامل راية التكفير بلا منازع، وهو مفتي التنظيم الإرهابي، وأحد أكثر المؤثرين بين أقرانه، ويُتّهم بتجنيد العشرات من الشباب الخليجيين، وإرسالهم إلى جبهات القتال في الخارج.
قيادات أصولية في لندن أكدت لـ«الشرق الأوسط» أنهم عرفوا البنعلي عن قرب منذ عدة سنوات، بل إن هناك رسائل متبادلة بينهم، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة من رسائل البنعلي الإلكترونية إلى لندنستان قبل انضمامه إلى التنظيم الإرهابي، أي قبل هجرته إلى دولة البغدادي، وأحد هؤلاء هو د.هاني السباعي مدير مركز المقريزي للدراسات بلندن، الذي قدم لأحد كتب البنعلي بعنوان: «السلسبيل في قلة سالكي السبيل» عام 2012، وضمن المراسلات تتضح لغة التزلف والنفاق من البنعلي لشيوخه أبو محمد المقدسي وأبو قتادة والسباعي، ثم ينقلب عليهم ويطعن فيهم بعد انضمامه إلى دولة البغدادي.
من جهته يقول د. السباعي لـ«الشرق الأوسط»: إن البنعلي تلميذ علم شرعي فاشل تحول إلى مفتي التنظيم الإرهابي، وقال: إنه أدرجه معه في دورة شرعية تحت عنوان «مصادر السيرة» عبر «البالتوك» قبل عدة سنوات، ولكنه فشل فشلا ذريعا في النجاح والمرور منها، وأوضح أن البنعلي تحول إلى الفكر التكفيري، وهو اليوم ينفذ تعليمات قادة التنظيم في تكفير كل من لا يسير على هواهم.
ويضيف السباعي، بخصوص التسريبات على «تويتر» الخاصة بالبنعلي، أنه أرسل تلك المراسلات التي كانت مع البنعلي إلى بعض الشباب المحسوبين على العمل الإسلامي في بريطانيا ودول عربية حتى يتيقنوا من حقيقة البنعلي ولا يتبعوا خطاه في التطرف. وأشار إلى أن البنعلي كان يراسله بأسماء عدة وكنيات مختلفة، منها عبد الرحمن وأبو همام الأثري من البحرين، وهي مراسلات متواصلة منذ عام 2008، وكان يقول: تلميذكم البار، ويخاطبني بصاحب القلم السيال وإلى الشيخ المفضال، وإلى شيخ التوحيد أهديك هدية العيد، وأوصاف أخرى.
أحد منظري لندنستان أرسل رسالة لـ«الشرق الأوسط» قال فيها عن البنعلي: «جراء طفولته المعرفية، لم يصدق الفتى نفسه وهو يركب الأوهام، فطفق يهذي ظنًا أنه صار شيئا في غابة الأقزام» ويضيف: «كان قبل العقوق يضرب أكباد الهواتف إلينا ورسائله ببريد شبكة العنكبوت شاهدة على تزلفه، كان يستطير فرحًا بكلمة أو جملة منا يفتخر بها بين أقرانه! ويتوسل إلينا أغيثونا بشهادة مكتوبة تكون له عيدا بين أهله وعشيرته».
واعتقل البنعلي في البحرين العام 2007 مع بعض رفاقه بتهمة التكفير فيما عرف بـ«خلية السقيفة»، إشارة إلى سقيفة بني ساعدة، وقد أطلق سراحه بعد سلسلة من المحاورات نظمها له مسؤولو السجن مع شيوخ سلفيين مقرّبين، ومنع البنعلي من دخول بعض الدول العربية في السنوات السابقة، كتونس ومصر والكويت والإمارات وقطر والسعودية، إلا أنه ظلّ يتمتع بحرية التنقل من وإلى البحرين لغاية مطلع العام 2014.
سافر إلى ليبيا عقب سقوط نظام القذافي، إذ تظهر كثير من الفيديوهات المرفوعة على موقع «يوتيوب» لقاءه بمتطرفين في مدينة سرت وإلقاءه فيهم سلسلة من المحاضرات. وسافر إلى سوريا مرتين على الأقل منذ اندلاع الأحداث فيها آخرها في أغسطس (آب) 2013، كما يتضح من رسائله المنشورة في الأشهر الأولى من العام 2013 والتي كان يختمها بتوقيعه مع عبارة أرض الشام المباركة. وقد عاد منها إلى البحرين قبل أن يعلن عن هجرته النهائية إلى دولة البغدادي في فبراير 2014.
وبالنسبة إلى كتب البنعلي، قال السباعي إنها في الأعم سرقات أدبية من الطراز الرفيع من كتب مشايخ وفقهاء سبقوه في العالم، وهناك مراسلات أخرى مع البنعلي لا أريد أن أنشرها حفاظا على ماء وجهه، وقد أرسلت بعضها إلى الدكتور طارق عبد الحليم لتنظيمها، من أجل تأريخها. ووصف البنعلي بأنه رجل عاق لشيوخه، فقد تمرد على شيخه عاصم البرقاوي أبو محمد المقدسي، وأبو قتادة الفلسطيني، وللشيخ الحدوشي.
وأوضح أن تركي كان في بدايته لا يعرف أين يقف وفي أي صف، مع «القاعدة» أم «داعش» أم السلفية الجهادية، وهو رجل عرف عنه التردد، وكان دائما يسأل النصيحة، لكنه اليوم بات يتصدر الإفتاء في دولة الخلافة ويرفع راية التكفير لمن لا يبايع البغدادي زعيم التنظيم الإرهابي، لا أعرف ماذا حدث له؟ فقد أصيب بعد الانضمام إلى «داعش» بداء الغرور والنرجسية الشديدة، وهذا ينطبق عليه القول: «فلما اشتد ساعده رماني»، من خلال ما سماه في «ترجمة العدناني»، وفيه يقدم لأبو محمد العدناني المتحدث باسم دولة الخلافة، ولكنه أشبه بتعريف المجهول للمجهول. ويقول السباعي: «أول ما صدم صدمني بعد أن وصفني بتلميذ الرافضة»، بعد أن كان يطلب نسخا من كتبي وكنت أهديتها وأرسلتها إليه في المحرق بالبحرين قبل هجرته الداعشية.
ويتطرق السباعي إلى دخول البنعلي امتحانا عبر «البالتوك» في دورة «مصادر السيرة» عام 2009، ولكنه كان مثل تلميذ فاشل لم ينجح من الدور الأول، وليس هذا من باب التعيير، وصممنا له شهادة دراسية أرسلناها إليه في البحرين بعد نجاحه في الدور الثاني. وتطرق السباعي إلى لغة الانحطاط التي كان يتحدث بها البنعلي في رسائله الإلكترونية إلى شيوخه في بريطانيا: «نكتب إليكم من أرض الخلافة إلى أرض الكفر والضلال عند إليزابيث»، مضيفا أن البنعلي: «بدأ يضع نفسه في مصاف شيوخه مثل المقدسي وأبو قتادة»..
وينقل أصوليون حكايات البنعلي داخل التنظيم مع مقربين منه أنه تزوج من امرأتين من التنظيم إحداهما أم سمية التونسية، وأن لديه سبيتين، إلا أنه بات يكفر اليوم كل من يخالفه الرأي، أو لا يبايع البغدادي، حتى يتقرب أكثر من القيادات العليا في التنظيم الإرهابي.
ورغم ذلك فإن المعلومات الواردة من «داعش» في سوريا والعراق، تقول: إن جماعة البغدادي استخدموا البنعلي للطعن في الشيوخ، ولم يسندوا إليه أي منصب رسمي في «دولة الخلافة»، ويقول أحد المقربين منه لـ«الشرق الأوسط» إنه يلقي الدروس الشرعية في مساجد الرقة، ودوره لا يتعدى سوى تفسير نصوص تكفير الجماعات المناوئة لهم مثل «جبهة النصرة» و«أحرار الشام»، وغيرهما من الجماعات المقاتلة، ودوره اليوم هو تبرير أعمال «داعش» من ذبح وقتل للأبرياء وتفجير المساجد وتفخيخ مقار الجماعات المقاتلة أو الأسواق، بالبحث عن مسوغ شرعي لهذه الأفعال، كذلك الرد على الشيوخ الذين يدينون هذه الأعمال الإرهابية.
وفي ذات السياق، يقال: إن الكتيب أو المطوية التي وزعت في المواقع التي سيطرت عليها «داعش» في العراق وسوريا، كانت من صياغة وتأليف تركي البنعلي يطلب من السكان المحليين البيعة للبغدادي وكانت بعنوان «مدوا الأيادي لبيعة البغدادي»، ودعاهم إلى مبايعة زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي، حيث تضمنت المطوية شروحات البنعلي حول أسباب أحقية البغدادي في مبايعته خليفة لهم.
وحسب مصادر الأصوليين في لندن على اطلاع بما يجري داخل «دولة الخلافة»، فإن البغدادي لا يثق في أمور الفتوى، إلا في العراقيين المقربين منه، حيث مهمتهم إصدار الفتاوى، وتعميمها على الجميع، وأعرب بعضهم أن نهاية البنعلي ستكون مثل نهاية أبو عمر الكويتي، الذي بايع البغدادي، وقتله بعد أن اختلف معه، في بعض المسائل، وليست هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها قادة التنظيم أحد المفتين الشرعيين، ثم يكون السجن أو القتل مصير من يعارض أو يفكر في التمرد على زعيم التنظيم.
ويتطرق السباعي إلى رسالة إلكترونية وردت من البنعلي إلى لندن بتاريخ 17 مايو (أيار) 2010. وفيها يقول: السلام عليكم شيخنا كيف أحوالكم؟ ما أخباركم؟ ما آخر إنجازاتكم العلمية؟ لقد سمعت أنكم تعملون على شرح كتاب الشريعة، هل هذا صحيح؟ هل من الممكن أن ترسلوا لي كل مدة من الزمن بعض الفوائد العلمية تخصونني بها، لكي أحدث بها عنكم فأقول : «حدثني شيخنا هاني»، فإنها شرف للعبد الفقير، وأي شرف، تلميذكم البار، وفقكم الله إلى ما يحبه ويرضاه. وفي رسالة أخرى بتاريخ 12 يونيو (حزيران) 2011 يقول البنعلي: أعيد اليوم ما طلبته منكم، الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، وأعيده اليوم عليكم لما اشتد الأمر، فكيف إذا كان العبد الشيخ في عون إخوانه، في شتى بقاع الأرض، أرجو ألا تردني وإن رددتني فأنت على العين والرأس، أقبل منك ذلك، وأنت مكانكم بين الضلوع.. إن اللجنة الشرعية في منبر التوحيد والجهاد يقصدها المستفتون من كل بقاع الأرض، ولكن عدد مشايخ الإفتاء لا يجاوز أصابع اليد، ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، ما رأيكم شيخنا أن تكون ضمن اللجنة، حتى لو تجيب على 3 أسئلة كل أسبوع، تعلم شيخنا أن عددا من المشايخ قد اعتقلوا وعلى رأسهم شيخنا أبو محمد المقدسي نحن بحاجة ماسة إليكم. أما التوقيع هذه المرة، يقول السباعي، فكان «تلميذكم البار أبو همام بكر بن عبد العزيز الأثري»، وهي كنية البنعلي الأثيرة إلى نفسه. وفي رسالة أخرى من البنعلي مؤرخة 21 يونيو 2009: «لقد استمتعنا بمناظرة الظاهري في حكم المعازف، هل تؤذن لي بإرسال البحث الذي تحدثت إليكم عنه، وهو بحث عن النوافح النسكية تلميذكم البار».
وفي رسالة أخرى بتاريخ 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2009» السلام عليكم شيخنا، ما هي آخر أخبار المضايقات التي تتعرضون لها، والدعوى المرفوعة عليكم، بشرنا فقد اشتقنا إليكم. وفي رسالة أخرى بتاريخ 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 يقول فيها: بارك الله فيكم شيخنا الحبيب الأريب، نصيحة رائعة وفيت وكفيت، جعل الله كلماتك في ميزان حسناتكم، شيخي المفضال صاحب القلم السيال.
ويعلق السباعي بالقول: كنت نصحته مرارا ألا يتقعر في اللفظ وأن يقلل من السجع في حديثه إلى الناس وأن يقلل من الاقتباسات من الآخر، وأن يراعي شخصيته في الكتابة، وأن يراعي أخطاءه النحوية وينتبه لها، وتحت يدي
أكثر من 50 رسالة إلكترونية، ثم بعد ذلك يتطاول على الجميع بعد أن بات بوقا للبغدادي، وظل يتزلف لأبو محمد
المقدسي مفتيًا في منبر التوحيد والجهاد، وهو موقع لمناصري فكر «القاعدة».
وتكشف رسائل البنعلي عن اعتداده الشديد بنفسه وعن انتفاخ نرجسي فائض. بل إنه وحسبما يروي عنه أحد الأصوليين، كان يُسأل عن أبو همام الأثري فيزكيه ويمدح علمه ويوصي بمؤلفاته وفي نهاية المطاف تبين أن أبو همام الأثري، هو نفسه تركي البنعلي.
ويقول عن نفسه: «من نعم الله على العبد الفقير؛ أنني في بعض الأحيان أصوب وأصحح للدكاترة والمدرسين؛ حتى قال لي أحدهم لما تعقبت عليه في مسألة: اثنان لا يحسدان؛ الأستاذ لا يحسد تلميذه، والأب لا يحسد ولده. كما يقول أيضًا إني أروي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبر أكثر من ثلاثمائة طريق، فلله الحمد والمنة. حتى قال شيخنا العلامة عمر الحدوشي عن العبد الفقير: لو كان البخاري حيًا لجعله من رجاله، ومن الطبقة الأولى».
وكذلك يقول عن نفسه: أعداء هذا المنهج الألمع، من المرتدين وأهل البدع؛ منعوني من أمورٍ كثيرة؛ كعزلهم إياي من إمامة المسلمين، ومنعهم إياي من التدريس في المساجد؛ لكن ها هو صوت العبد الفقير يعبر القارات، ويصل لشتى المجتمعات، ويُترجم إلى غير العربية من اللغات على رغم أنف كل حاسد لئيم.



اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.


محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)

نجا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من استهداف قُبيل بدء زيارته لمدينة بيدوا عاصمة ولاية جنوب غرب (جنوب البلاد)، في أعقاب تغييرات رسمية جذرية أطاحت برئيس الولاية.

ذلك الاستهداف هو الثاني الذي تدبره «حركة الشباب» الإرهابية ضد رئيس الصومال وينجو منه، خلال نحو عام... ويرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يحمل «رسالة مزدوجة من الحركة، بأن لديها قدرة عملياتية وبإمكانها أن تستغل الظرف السياسي المتوتر»، متوقعاً أن تفرض الحكومة إجراءات أشد ضد الحركة، وتُحكم قبضتها السياسية والأمنية مؤقتاً في ضوء هذا الاستهداف.

وأفادت «وكالة بلومبرغ»، السبت، بأن حسن شيخ محمود نجا دون أن يُصاب بأذى، بعد تعرضه ومرافقيه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا جنوب البلاد، مساء الجمعة، بعد وقت قصير من نزول الرئيس من طائرته، وبدئه في تحية وحدات من الجيش والشرطة ومسؤولين حكوميين.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وأطلقت قذائف الهاون على المطار مباشرة بعد هبوط الطائرة الرئاسية أو أثناء وجود الموكب في المنطقة.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت، عناصر الحماية الخاصة بالرئيس الصومالي وهم يطوقونه بسرعة قبل إدخاله إلى مركبة مصفحة ضد الرصاص، كما تم الإبلاغ عن وقوع انفجارات بالقرب من المطار في ذلك الوقت.

وكان الرئيس حسن شيخ محمود في زيارة رسمية إلى المدينة، لتفقد العمليات الأمنية ولقاء قادة محليين، وأعلنت مصادر حكومية، أن الهجوم «فشل في تحقيق هدفه، وأن الرئيس واصل برنامجه دون انقطاع». فيما أعلنت «حركة الشباب» المسلحة المرتبطة بتنظيم «القاعدة» مسؤوليتها قائلة إنها استهدفت مطار بيدوا بقذائف هاون موجهة نحو الرئيس والوفد المرافق له، وفق إعلام صومالي محلي.

وهذه ثاني محاولة لاغتيال الرئيس الصومالي من «حركة الشباب» الإرهابية، وذلك بعد محاولة فاشلة أولى في مارس (آذار) 2025 بمقديشو باستخدام عبوة ناسفة، أسفرت عن قتلى وجرحى بين المدنيين والأمنيين.

الجيش الصومالي أثناء تنفيذ عملية عسكرية سابقة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الأفريقي والصومالي، عبد الولي جامع بري، أن استهداف موكب حسن شيخ محمود بقذائف هاون «حدث مهم سياسياً وأمنياً؛ لأنه وقع لحظة وصوله إلى المطار خلال زيارة حساسة مرتبطة بترتيبات سياسية في إقليم جنوب غرب».

وأكد أن الحادث يحمل عدة رسائل؛ لأن «(حركة الشباب) هدفت للتأكيد على أن لديها قدرة عملياتية وتستطيع ضرب أهداف عالية المستوى حتى أثناء زيارات رسمية، كما أنها رسالة تحدٍّ للدولة ومحاولة إظهار أنها لا تستطيع السيطرة الأمنية بالكامل، لا سيما خارج العاصمة، ورسالة نفسية للرأي العام لإضعاف ثقة المواطنين».

ولم تؤكد «وكالة الأنباء الصومالية» هذه الأنباء، غير أنها أفادت، السبت، بأن زيارة الرئيس الصومالي المهمة لبيدوا «تأتي في إطار ترسيخ دعائم الدولة، واضعاً ملفات المصالحة الوطنية والتحول الديمقراطي على رأس أولويات الأجندة الرئاسية».

قوات من الجيش الصومالي تنتشر في مدينة بلدوين عقب هجوم سابق من «حركة الشباب» (أ.ب)

وجاءت الزيارة بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة على مدينة بيدوا، وهي العاصمة المؤقتة لولاية (جنوب غرب)، ووصول قوات مسلحة للعاصمة استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين.

ويشير بري إلى أن الهجوم بقذائف الهاون غالباً «ليس عملية اغتيال دقيقة بقدر ما هو عملية استعراض قدرة وإرباك سياسي وإعلامي»، لافتاً إلى «أن التوقيت هنا أهم من الهجوم نفسه، حيث تأتي زيارة الرئيس إلى بيدوا في سياق تغييرات سياسية في إدارة جنوب غرب، وخلافات مع الحكومة وترتيبات انتقالية وإعادة ترتيب النفوذ الأمني في المدينة».

وأضاف: «الهجوم يحمل رسالة مزدوجة ضد الحكومة الفيدرالية، والترتيبات السياسية الجديدة في الإقليم».

ويعتقد بري أنه من المتوقع أن تتعزز شرعية العمليات العسكرية ضد «حركة الشباب» وترتفع لغة التعبئة الوطنية، لافتاً إلى أن الهجوم جاء في لحظة حساسة بعد تغييرات في قيادة الإقليم، «لذلك قد تستخدمه المعارضة للقول إن الوضع الأمني والسياسي غير مستقر نتيجة القرارات الأخيرة، مما قد يتحول إلى ورقة سياسية داخلية».


الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة؛ بهدف ضبط الوضع الاقتصادي بشكل مستدام.

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

ومن المنتظر أن «يؤسس البرنامج لإدارة متكاملة تربط بين استعادة الموارد العامة وحوكمتها، وإلغاء الرسوم والجبايات غير القانونية، إلى جانب إخضاع مختلف الأوعية الإيرادية والكيانات الاقتصادية لرقابة الدولة، بما يعزز كفاءة الإدارة المالية، ويحد من الهدر والتشوهات الاقتصادية».

وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إقرار «المجلس التنفيذي» لـ«صندوق النقد الدولي» نتائج مشاورات «المادة الرابعة» لعام 2025، عقب انقطاع لأكثر من 11 عاماً، التي تُعدّ نافذة محورية لإعادة دمج الاقتصاد اليمني في المنظومة المالية الدولية.

وأشاد «صندوق النقد الدولي» بـ«الجهود التي بذلتها الحكومة اليمنية، والتي أسهمت في استقرار الاقتصاد وبدء التعافي التدريجي من الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية».

وأشارت وزارة المالية، في بيان، إلى أن هذا التوجه «يمثل استجابة عاجلة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني الناجمة عن الحرب التي فرضتها ميليشيا الحوثي، والتي تسببت في صدمات مالية حادة، أبرزها تعطل مصادر النقد الأجنبي، وتوقف صادرات النفط الخام التي تمثل 65 في المائة من موارد الموازنة العامة للدولة».

كما أدت الحرب إلى «انقطاع تدفق الموارد المركزية إلى الخزانة العامة؛ مما قلّص الحيز المالي للدولة، وحدّ من قدرتها على التدخل الاقتصادي، وزاد من انكشاف الاقتصاد أمام الصدمات الداخلية والخارجية»، وفقاً للوزارة.

أعلنت وزارة المالية إطلاق برنامج تصحيح مالي شامل لاستئناف خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية (سبأ)

وشددت «المالية» اليمنية على أنها تقود «جهوداً حثيثة لإعادة ضبط المسار المالي والاقتصادي، والانتقال من مرحلة التشخيص إلى التنفيذ المؤسسي الفعلي، متصدرة الجهود لاستئناف الإجراءات العملية بموجب القرار رقم (11) لسنة 2025 الصادر عن مجلس القيادة الرئاسي بشأن خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية الشاملة».

وتوقعت أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز الشفافية وترسيخ المصداقية الائتمانية للحكومة لدى المانحين والمستثمرين، بما يهيئ بيئة جاذبة للدعم الخارجي والتدفقات الاستثمارية.

وعلى الصعيد المحلي، رجّحت الوزارة أن تسهم الإجراءات في تحسين بيئة الثقة ورفع جودة السياسات الاقتصادية وتهيئة الظروف لاستقطاب الدعم والاستثمارات.

وفي السياق ذاته، أكدت أن نجاح هذه الجهود يتطلب «تفعيل الأدوات الرقابية، وفي مقدمتها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، والسلطة القضائية ممثلة في نيابة الأموال العامة، إلى جانب مختلف الجهات ذات العلاقة».

كما شددت على أهمية إعادة تفعيل «اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات الحكومية»، بما «يعزز الرقابة على المال العام، ويضمن استكمال الدورة المستندية وفق الأطر القانونية، ويسهم في رفع كفاءة الإنفاق العام وضبط صرف المرتبات، ودعم مسارات التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة».

وأكدت وزارة المالية أن المرحلة المقبلة تتطلب ترجمة هذه التوجهات إلى ممارسات مؤسسية مستدامة، بوصفها المدخل الأساسي لإخراج الاقتصاد الوطني من أزمته الراهنة وتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي المنشود.

Your Premium trial has ended