أهالي حضرموت ينشئون قوة لحفظ الأمن بعد تسلمهم المرافق العامة من المتشددين

المسلحون يتجهون للتخلي عن القصر الجمهوري لـ «المجلس الأهلي» خلال أيام

الشيخ عبد الحكيم بن محفوظ
الشيخ عبد الحكيم بن محفوظ
TT

أهالي حضرموت ينشئون قوة لحفظ الأمن بعد تسلمهم المرافق العامة من المتشددين

الشيخ عبد الحكيم بن محفوظ
الشيخ عبد الحكيم بن محفوظ

أعلن المجلس الأهلي الحضرمي إنشاء قوة أمنية، وهي القوة التي أسندت إليها مهام حفظ الأمن والاستقرار وضبط عصابات الإجرام في حضرموت، بما يضمن تأمين أمن الميناء والمطار والإدارات الحكومية.
وتمكنت القوة الأمنية التي أنشأها المجلس الأهلي الحضرمي من فتح مراكز الأمن العام التابع للحكومة الشرعية، وإغلاق مبنى الأمن التابع لأنصار «القاعدة» الذين يسمون أنفسهم «أبناء حضرموت وأنصار الشريعة».
وكشف الشيخ عبد الحكيم بن محفوظ الأمين العام للمجلس الأهلي الحضرمي، لـ«الشرق الأوسط»، عن أنه لم يتبق سوى أيام معدودات تفصل بين موعد المحدد من قبل تنظيم القاعدة لتسليم القصر الجمهوري للمجلس الأهلي، وفقًا للاتفاق الذي أبرمه المجلس في وقت سابق مع (القاعدة) والقاضي بتسليم مؤسسات الدولة.
وقال بن محفوظ: «إن (القاعدة) أوفت بالكثير من وعودها بتسليم المجلس مؤسسات الدولة في المكلا لتسيير حياة المواطنين، ومن تلك المؤسسات ميناء المكلا والبنك المركزي وبعض المرافق الحكومية ومطار المكلا الدولي ومبنى المحافظة».
وتابع: «إن أتباع (القاعدة) سلموا قبل أيام المؤسسة الاقتصادية التي كانوا يتخذونها مكانًا للقضاء والأمن، حيث أغلقوها»، مؤكدًا تسلم المجلس المراكز الأمنية الفارغة منذ أبريل (نيسان) الماضي.
وأكد تكليف قيادات أمنية من المكلا لإدارة المراكز الأمنية التي تم تسلمها، فضلاً عن أنه جرى تدريب الكثير من شباب حضرموت لتغطية الفراغ في تلك المراكز الأمنية من جنود متطوعين ومحققين وقضاة للنظر في شكاوى الناس وحلها.
وأقر بن محفوظ بأن أتباع «القاعدة» أبقوا على القصر الجمهوري في المكلا تحت سيطرتهم، ولم يُتسلم منهم وفق المتفق عليه مسبقًا، مشيرًا إلى أن مصير القصر الجمهوري سيظل معلقًا حتى نهاية شهر الحج الذي لم يتبق منه سوى أسبوع واحد ليحل الموعد النهائي لإخلائه.
وشدد على أن المجلس الأهلي سيعمل على تقييم مستوى استجابة (القاعدة) حتى نهاية ذي الحجة الحالي، على أن يحدد موقفه على ضوء التقييم المرتقب بعد ذلك.
وذهب بن محفوظ إلى أن المجلس كان واضحًا عندما أصدر بيانه الأخير قبيل عيد الأضحى وطالب فيه «القاعدة» بالإيفاء بما تبقى عليهم من التزامات واتفاقات سابقة ووعودهم بتسليم المجلس بقية المرافق المدنية والأمنية والعسكرية ومنها القصر الجمهوري ومعسكر اللواء 27 ميكا في الريان وميناء الضبة مع شكرهم على تفهم وضع المحافظة والعاصمة المكلا وتسليم المرافق السابقة.
وقال الأمين العام للمجلس الأهلي الحضرمي، إنه بعد مرور ستة أشهر بالتمام والكمال على سقوط مدينة المكلا ودخولها في فراغ أمني وسلطوي لا شك أن المواطن في ساحل ووادي حضرموت كان المتضرر الأول من الأزمة التي دخلت فيها المحافظة منذ الثاني من أبريل الماضي، على الرغم من أن الوضع في ساحل حضرموت كان الأفضل بالمقارنة مع ما تعرضت له محافظات مجاورة من حرب وصراع وخراب وقتل وتشريد ونزوح وغيره، فهو أمر لا ينكره أي متابع للوضع حتى اليوم.
وركز بن محفوظ على أن الجميع يعلم أن المجلس الأهلي الحضرمي تصدر بعد الاتفاق بين العلماء و«القاعدة»، المشهد في مدينة المكلا لتسيير حياة الناس بما يستطيع، وبما يملك من قدرات وإمكانات في ظل غياب الدولة منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم.
وأشار بن محفوظ إلى أن آلية تكوين المجلس الأهلي جاءت في ظروف استثنائية يعرفها الجميع انهارت فيها مؤسسات الدولة والمعسكرات والجيش والأمن واختفى كثير ممن كنا نتوقع أن يتقدموا لعدم السماح بدمار وتخريب حضرموت وتعريضها للدمار وسفك دماء الأبرياء، وكان الرأي المتفق عليه أن حضرموت لا ينبغي أن يدخلها الحوثيون ويتوجب أن يشارك الجميع في الدفاع.
وقال بن محفوظ: «تواصلنا مع رؤساء الأحزاب والحراك وطلبنا منهم المشاركة في المجلس الأهلي، حيث تقدم العلماء وبعض الشخصيات المعروفة وحاوروا أتباع تنظيم القاعدة وأخبروهم بأن إمساكهم بزمام السلطة في حضرموت يعني في المحصلة دمار وتعريض حضرموت لخطر مؤكد، ليجري الانتهاء إلى الاتفاق مع (القاعدة) على تسليم المرافق والإدارات والأمن إلى مجلس أهلي يشكل من علماء وشخصيات ومقادمة، وغيرهم»، مضيفًا أن المجلس الأهلي لا ينكر أن الشباب (أبناء حضرموت) الذين سيطروا على المكلا لم يرفعوا راية «القاعدة» حفاظًا على المكلا من الدمار.
وشدد الأمين العام للمجلس الأهلي الحضرمي على أن الأيام مضت وتسلم المجلس الأهلي المطار ثم الميناء وبدأت الحياة تدب من جديد في المكلا بعد أن كانت مدينة أشباح في الأيام الأولى لدخول «القاعدة» والبنك المركزي خالي البنية التحتية للأمن والخدمات غير موجودة.
ودعا من نسي أن يعود بالذاكرة لتلك الأيام لأنه يستغرب ظهور بعض الأصوات والرؤوس التي أطلت بعد مرور خمسة أشهر من الأزمة لتشكيك بالمنجزات، مع التأكيد أن المجلس لن يقصي أحدًا، وأن عقيدته ترحب بكل الأطياف والمكونات تحت مظلة حضرموت دون حزبية أو مناطقية، مشددًا على أن المجلس رفض شخصيات لها ثقلها السياسي لأنها لم تنفذ شرط الابتعاد عن الحزبية والمناطقية.
ودافع بن محفوظ عن المجلس الأهلي الذي اتهمه البعض بأنه احتكر السلطة قائلا، إن «هذا أمر غير صحيح والمجلس يرحب بالجميع، فحضرموت بلد الجميع وينبغي أن تتضافر جهود الجميع لخدمتها وإشراك كل من يرغب صادقًا في خدمة حضرموت».
وبشأن الأصوات التي تتحدث عن عدم اعتراف الدولة بالمجلس، قال الأمين العام للمجلس الأهلي: «أكدنا مرارًا على زيارات وفود المجلس إلى الرياض ولقاءاتهم مع الرئيس ونائبه رئيس الوزراء والمحافظ وتثمين وتقدير الرئيس لدور المجلس الأهلي في حفظ أمن واستقرار حضرموت».
وبشأن مسألة الدعم للمجلس، قال بن محفوظ، إن «الحكومة تعاني من حالة عجز تجعلها غير قادرة على الدعم وتوفير المتطلبات الخدماتية التي تحتاج إليها حضرموت، وليس أدل على ذلك من وضع وادي حضرموت وهو بيد الدولة ومستوى الخدمات فيه سيئ للغاية في مجال الكهرباء والغاز وغيره، وكذلك بقية المدن ولا تزال حتى عدن المحررة من الحوثيين تعاني من ضعف الخدمات».
وفيما يخص مزاعم إخفاقات المجلس الأهلي وعدم تمكنه من توفير الضروريات، قال إن «الجواب عليها من وجوه عدة، أولها أن المجلس الأهلي وضع نصب عينيه منذ قيامه هدفين رئيسيين؛ الأول هو تسلم وتأمين المنشآت العامة والمؤسسات التي يجري تسلمها من (القاعدة)، وأيضًا إيجاد قوة أمنية تستطيع حفظ الأمن والاستقرار وضبط عصابات الإجرام، وعلى هذا جرى تسلّم الميناء والمطار والإدارات ووضعت لها حراسات تابعة للمجلس وكذلك إنشاء قوة أمنية استطاعت فتح مراكز الأمن العام».
وأضاف الشيخ بن محفوظ: «جرى إغلاق مبنى الأمن التابع لأبناء حضرموت القاعدة الموجود في المؤسسة الاقتصادية، وكان المؤمل أن تقوم الحكومة بدعم هذا الجانب بشكل خاص لحاجته الماسة لإمكانات كبيرة وسنذكر سبب عدم الدعم حسب ظننا».
وأبان أن «الهدف الثاني يتمثل في تقديم الخدمات الضرورية للناس بحسب الاستطاعة وبالأخص النظافة والصحة والكهرباء والمياه، ولم يكن الوضع قبل دخول (القاعدة) مثاليًا والخدمات في أحسن أحوالها مع وجود الحكومة وقبل نشوب الحرب التي أشعلها الحوثي فهل يتوقع في ظرف استثنائي والبلاد في حالة حرب والمدن تدمر صنعاء وتعز وعدن وغيرها ولم يكن هناك أحد يسأل عن الخدمات بقدر ما يطالبون بإيقاف الصواريخ والقذائف التي كانت تنهمر عليهم».
وقال بن محفوظ، إنه «في تلك الأثناء عاشت وما زالت حضرموت بقدر من الخدمات أفضل من أي محافظة أخرى، بل أفضل من وادي حضرموت الذي بقيت الدولة فيه وعانى ولا يزال من نقص في الخدمات أعظم بكثير من وضع الساحل».
وأقر أمين المجلس الأهلي بوجود صعوبات وعقبات تواجهها حضرموت، كاشفًا عن «مفاوضات شاقة تجري حاليًا مع (القاعدة) لتسليم المكلا وتجنيبها أي صراعات أو مواجهات عسكرية، على اعتبار أن المدينة لا تحتمل أي توترات أمنية».
وتعهد بن محفوظ بأن المجلس الأهلي ستكون كلمته نهاية شهر ذي الحجة الحالي بموجب البيان الذي أصدره المجلس بضرورة أن تتحمل الحكومة مسؤولياتها بعد أن وصلت إلى عدن وأن تنظر لحال حضرموت كما أن المجلس ينتظر أن يكمل أبناء حضرموت التزاماتهم بتسليم ما تبقى والوفاء بوعد خروجهم من المكلا لتعيش هذه المدينة الهادئة بسلام وأمان.



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.