جوديث بتلر فيلسوفة النوع والهوية: كيف نعيش حياة حقيقية ضمن حياة زائفة؟

تبنت مثل إدوارد سعيد «الحل الثالث» ودعت إلى تعايش فلسطيني يهودي في دولة واحدة

جوديث بتلر
جوديث بتلر
TT

جوديث بتلر فيلسوفة النوع والهوية: كيف نعيش حياة حقيقية ضمن حياة زائفة؟

جوديث بتلر
جوديث بتلر

تعد الفيلسوفة جوديث بتلر، أبرز زعماء النظريّة النقديّة المعاصرة (الجيل الثالث). وهي يهوديّة أميركيّة ذات أصول روسيّة – مجريّة، عانت عائلتها من الاضطهاد النازي، وفقدت جزءا من عائلتها في المحرقة النازيّة (حيث أبيدت عائلة جدتها في قرية صغيرة في جنوب بودابست). ولدت الفيلسوفة يوم 24 فبراير (شباط) 1956 بكليفلاند بولاية أوهايو. واهتمت بالفلسفة السيّاسيّة والاجتماعيّة ونظريّة الأدب والدراسات الثقافيّة والجنسانيّة والنوع الاجتماعي والهويّة. حصلت سنة 1984 على أطروحة الدكتوراه من جامعة يال، حول مفهوم الرّغبة عند هيغل، ونشرت رسالتها سنة 1987 تحت عنوان: «ذواتٌ راغِبَة: تأملات هيغيليّة حول فرنسا القرن العشرين»، وطورت فيها فهمًا جديدًا للعلاقة بين الرغبة والاعتراف (دمجٌ لفكر اسبينوزا وهيغل).
غادرت سنة 1993 جامعة جونس هوبكينز، بعد حصولها على كرسي ماكسين إليوت بشعبة البلاغة والأدب المقارن بجامعة بيركلي بكاليفورنيا، وهي السنة التي أصدرت فيها دراستها الشهيرة «هذه الأجساد التي يجب اعتبارها». كما حصلت سنة 2006 على كرسي حنة ارندت للفلسفة في كلية الدراسات الأوروبيّة العليا بسويسرا. وانتخبت سنة 2009 رئيسة محكمة هوسرل حول فلسطين، والتي تجمع المثقفين الأميركيين حول القضيّة الفلسطينيّة لحشد شروط سلام دائم وعادل بين إسرائيل وفلسطين، وذلك بفضل موقفها الثابت من رفض وشجب عنف الدولة الإسرائيليّة.
تنتمي جودي (كما يحلو لأصدقائها الجامعيين مناداتها)، إلى النظريّة النقديّة المعاصرة، بفضل إسهاماتها المتعددة حول قضايا فلسفيّة متنوعة، حافظت من خلالها على إرث مدرسة فرانكفورت. لذلك حصلت سنة 2012 على جائزة أدورنو الذائعة الصيت، عن جدارة واستحقاق، رغم هجوم الصهاينة عليها علنًا. وهناك الكثير من الدراسات التي اهتمت أخيرا بفكرها الفلسفي والسياسي، منها تحديدًا: «الفلسفة السيّاسيّة عند جوديث بتلر»، من تأليف بيرجيت شيبرز (2014)، الذي عالج فيها سياسات تشكّل الذات، فلسفة الإنسان السيّاسيّة، مفارقة العنف، نحو مجتمع ما بعد العلمانيّة. إلى جانب الدراسة النقديّة التي أنجزها ستيفان هابر سنة 2006. تحت عنوان: «نقد مناهضة النزعة الطبيعيّة: دراسات حول فوكو وبتلر وهابرماس»، ناهيك عن مئات المقالات، وسيرتها التي كتبتها سارة صالح تحت عنوان: «جوديث بتلر» (2002)، وفحصت فيها مفاهيم: الذات، الجنوسة، الجنس، اللغة، والنفس.
تَشكَّل الفكر الفلسفي لبتلر منذ مراحل مبكرة من حياتها. وقد جالت في الفكر الحديث، وساجلت اسبينوزا وروسو وهيغل وكانط، وطورت فلسفة فوكو وفرويد والتوسير وجاك لاكان وهابرماس وجاك دريدا وسيمون دي بوفوار. في حوار معها، مع مجلة الفلسفة (العدد 66)، قالت بتلر، إن علاقتها بالفلسفة بدأت من قبو منزلها العائلي، حيث وضع والداها كتابات فلسفيّة مختلفة: «هناك قرأت اسبينوزا (كتاب الإثيقا) وكيركغارد وآخرين». بعد اطلاعها على هيغل، ستتبنى بتلر مفهوم الاعتراف الذي أثر في حياتها السيّاسيّة والفلسفيّة فيما بعد، نظرا لالتصاقه بوضعها الذاتي. فالرغبة في العيش، كما تحدث عنها اسبينوزا، غير ممكنة في نظرها إلا من خلال الاعتراف الهيغيلي، بحيث لا يرتبط الاعتراف بتحقيق الرغبة في العيش فقط، وإنما العيش بطريقة حرة ومختارة، أي أنه يطرح سؤال الهويّة تحديدًا التي لا تنظر إليها كشيء ثابت ومحنط، بل كهويّة تتشكل بحسب الظروف التي ينمو فيها الفرد وبفضل تنشئته الاجتماعيّة التي يخضع لها. وهكذا فمعرفة الذات لا تتم من خلال الغير ولا ترتبط به، لأنها قد تكون هويّة غير اجتماعيّة، أو خاضعة لمعيّاريّة اجتماعيّة هي بمثابة أحكام قبليّة غير صحيحة، لذلك نقرأ لها في كتابها «الذات تصف نفسها»:
«بينما نحن نطلب معرفة الآخر، أو نطالب الآخر أن يعرّف نفسه على نحو نهائي ومؤكد، فإن من المهم لنا ألا ننتظر جوابًا شافيًا بأي حال. إننا بامتناعنا عن السعي إلى القناعة، وبإبقائنا السؤال مفتوحًا، بل حتى ثابتًا، نمنح الآخر فرصة أن يعيش ما دام بالإمكان فهم الحياة بوصفها، على وجه الدقة، ذلك الذي يتجاوز أي وصف قد نقدمه له... إذا كان في السؤال رغبة في الاعتراف، فعلى هذه الرغبة أن تبقي نفسها حيّة بوصفها رغبة وألا تحلّ نفسها... إن الرغبة يجب أن تدوم. في الواقع، يكون الإشباع نفسه، أحيانًا، الوسيلة التي يتخلى بها المرء عن الرغبة، الوسيلة التي ينقلب المرء بها ضدها، ويرتب لموتها السريع».
من المعلوم أن سؤال الرغبة والحاجة إلى الاعتراف عند جودي، ليس أمرًا معزولاً عن العلاقة مع الغير، كما أنه لا ينفصل كليًّا عن سؤال الهويّة وعلاقتها بالذات. فالهوية ليست سابقة على الوجود الاجتماعي بالقدر الذي يكون فيه هذا الوجود هو أساس الهويّة. وقد استعارت جودي هنا، عبارة سيمون دي بوفوار: «المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح كذلك»، وهو ما يقود إلى التساؤل حول الهوية (وأساسًا الهويّة الجنسيّة) التي تتميز اليوم بالتعدد والتنوع: كيف يمكن الاعتراف برغبتي؟ وكيف تؤسس المعايير لهذه الرغبة؟ وهل يمكنك الاعتراف برغبتي لأتصرف كراغبة في شيء ما، ولربما ما يحلو لي؟ لذلك تصرح: «عندما أطرح السؤال الأخلاقي: كيف يتوجب علي أن أعامِل الآخر؟ أنا أقع مباشرة في قبضة مملكة من المعيّاريّة الاجتماعيّة، ما دام الآخر لا يظهر، ولا يشتغل بوصفه آخر بالنسبة لي، إلا ضمن إطار أستطيع أن أراه وأفهمه في انفصاله وخارجيّته. وهكذا، فرغم أني قد أفكر في العلاقة الأخلاقيّة بوصفها ثنائيّة، أو بالأحرى سابقة على الاجتماعي، فإني لا أقع في قبضة مجال المعيّاريّة وحسب، ولكن في إشكاليّة القوة... فالقواعد لا تعمل على توجيه سلوكي وحسب ولكنها تقرر النشوء الممكن للقاء بيني وبين الآخر» (الذات تصف نفسها 69).
تحاول جودي الجواب عن سؤال طرحته في خطابها، بمناسبة نيلها جائزة أدورنو (خطاب تحت عنوان: «أخلاق لعصر هش»): كيف يمكن أن نعيش حياة حقيقية ضمن حياة زائفة؟ بحيث يقر أدورنو أنه «لا توجد حياة حقيقيّة ضمن حياة زائفة»، حياة حقيقية داخل عالم مبني بشكل واسع على اللامساواة والاستغلال والإقصاء. إنه سؤال مركب يطرح من خلاله أدورنو العلاقة بين الأخلاق والشروط الاجتماعيّة، أو بصيغة أعم، العلاقة بين الأخلاق والنظريّة الاجتماعيّة. تصرح بتلر: «أحبذ أن أظهر أنه لا يمكننا أن نناضل من أجل حياة جيّدة، حياة تستحق العيش، دون الاستجابة للحاجيات التي تسمح للجسم بضمان الاستمراريّة». لذا فكيف يمكن التفكير في حياة قابلة للعيش دون افتراض تصور - مثال واحد أو موحد لهذه الحياة؟
فحصت جودي في خطابها ذاك، سؤال الحياة الجيّدة عند حنة آرندت، وتقول: «ميّزت حنة آرندت بشكلٍ حاسم في كتابها «حياة الذهن» (1971) بين الرغبة في العيش والرغبة في العيش الكريم، أو بالأحرى الرغبة في حياة جيّدة. لم يكن البقاء بالنسبة لحنة آرندت ولن يكون هدفًا في ذاته، ما دام أن الحياة لم تكن أصلاً جيّدة. فالحياة الجيّدة وحدها تستحق أن تعاش. لقد وضعت بسهولة حلاً لهذه المشكلة السقراطيّة، ولكن - كما يبدو على الأقل - بشكل متسرع جدًا. لست متأكدة من أن إجابتها ستنقذنا في إغاثة، كما أني لست مقتنعة أنه ذات يوم ستكون إجابة فعّالة». فآرندت «تفصل أساسًا، حياة الجسد عن حياة الذهن، وبموجب هذا، أقامت في كتابها (شرط الإنسان الحديث)، تمييزًا بين الفضاء العمومي والفضاء الخاص. يضم الفضاء الخاص عالم الضرورة، إعادة إنتاج الحياة المادية، الجنسية، الحياة، الموت، والطابع الانتقالي للحياة. كانت تعتبر بشكل واضح، أن الفضاء الخاص يدعم الفضاء العمومي للفعل والفكر. ولكن السياسة في تصورها، تتحدد بالفعل، في الإحساس الفعّال بالكلام. كما يصير العمل اللّفظي، أيضًا، فعلاً سياسيا في الفضاء التداولي والعمومي، ما يجعل دخوله للفضاء العمومي ينطلق من الفضاء الخاص، وبالتالي فالفضاء السيّاسي يعتمد أساسًا على إعادة إنتاج الخصوصي كجسرٍ واضح، من الخاص إلى العام».
هكذا تصل بتلر إلى أن التحرك السيّاسي في الفضاء العمومي، لا يتم فقط عبر الجسد، على من طرق التجمع والغناء أو الهتاف، أو حتى الصمت في الشارع هي جزء لا يتجزأ من البعد الأدائي للسيّاسة، حيث يتحدد الخطاب كفعل جسدي من ضمن أفعال جسديّة أخرى. تتصرف الأجساد حينما تتكلم، وهذا مؤكد، ولكن الكلام ليس وحده طريقة للفعل بالنسبة للأجساد – ومن المؤكد أنه ليس وحده شكلاً للتّحرك السيّاسي.
تعتبر جودي من دعاة الحل الثالث للقضيّة الفلسطينيّة: البحث عن الاعتراف المتبادل بين الشعبين، أي تسويّة للعيش المشترك حيث الأمن والاستقرار. غير أن هذا الأمر يرتبط بالفلسطينيين وبقرارهم الذي تعتبره القرار الحاسم. وقد تذكرت موقف إدوارد سعيد الذي تراجع عن حل الدولتين حيث تقول: «من وجهة نظري أن شعوب هذه الأراضي، يهودًا وفلسطينيين، يجب أن يجدوا طريقة للعيش سويّة على أساس المساواة. ومثل الكثيرين، أتطلع إلى كيان ديمقراطي على هذه الأراضي، وأؤيد مبدأ تقرير المصير والعيش المشترك لكلا الشعبين، وفي الواقع، لكل الشعوب. وأمنيتي، كما هي أمنية عدد متزايد من اليهود وغير اليهود، أن ينتهي الاحتلال، ويتوقف العنف بكافة أشكاله، وأن يتم ضمان الحقوق السيّاسيّة الأساسيّة لكافة الشعوب في (هذه) الأرض عبر تركيبة سيّاسيّة جديدة». ويعود ذلك، إلى اكتشافها الفكر اليهودي في سن الرابعة عشرة من عمرها كما تقول (مجلة الفلسفة العدد 66): «تابعت الدروس حول الدين والعبريّة في معبدي بمدينة كليفلاند، كما اطلعت أيضا على الروايات والكتب حول إسرائيل والهولوكوست. لقد شغلتني هذه المسألة منذ مدة طويلة، وتحضر في الكثير من كتبي»، منها على سبيل المثال: «الخطاب المثير: سيّاسات الأداء» (1997)، و«الحياة النفسيّة للقوة: نظريّات في الإخضاع». وتشكل جودي مثالا لـ«المثقفة الجريئة المتعاطفة»، كما وصفها البيان التضامني للمثقفين الفلسطينيين بعد الهجوم الذي تعرضت له سنة 2012 إبان ترشيحها في ألمانيا. فهي عضو في الهيئة الاستشاريّة لـ«الصوت اليهودي من أجل السلام»، وممثلة في اللجنة التنفيذية لـ«أساتذة من أجل السلام الفلسطيني - الإسرائيلي، في الولايات المتحدة الأميركيّة»، وفي «مؤسسة مسرح الحريّة في جنين».
تطرح بتلر دومًا السؤال (مجلة ف ع 66): هل ينبغي لزوم الصمت؟ هل ينبغي إنكار الوضع اليهودي تحت ذريعة أننا لا نقبل سياسة إسرائيل؟ لا، فإسرائيل لا تمثل كل اليهود، والصهيونية ليست زعيمة اليهودية، لأنه «لا يمكنني شخصيًّا، أن أكون يومًا مناهضة للساميّة. كنت ساذجة! وصرخت أولاً، في وجه هذه الاتهامات في ألمانيا سنة 2012. حينما حصلت على جائزة أدورنو، بأن هذا ليس إلا لغوًا، ولكن ليس الأمر كذلك، إنه حقًا أمر جدي... كانت هذه التجربة صادمة، ومؤلمة جدًا. بالنسبة لليهودي، لا يوجد امتحان أسوأ. وبالنسبة لي كيهوديّة، لا يوجد ما هو أسوأ من الاتهام». وهي ترفض العنف تحت أي مبرر، حيث صرحت في محاضرتها سنة 2010 في الجامعة الأميركية بالقاهرة، في ذكرى إدوارد سعيد: «كنت دومًا ميَّالة إلى الفعل السيّاسي اللاعنفي»، و«إنه لصحيح أنني لا أؤيد ممارسة المقاومة العنفية، كما لا أؤيد عنف الدولة، ولا يمكنني تأييد ذلك، ولم أفعل ذلك يومًا»، وهذا ما تؤكده كتاباتها في هذا المضمار: «حياة قلقة – مستباحة: قوى العنف والعزاء»؛ و«أطر الحرب: متى يؤسى على الحياة؟»؛ و«طرق متفرقة: اليهودية ونقد الصهيونية»؛ «حياة هشة»: حول سلطة العنف والمآثم بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001.



العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة
TT

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها، وبطبيعة تغيراتها في التعاطي مع مفاهيم السوق والاستهلاك والإعلان، فضلاً عن علاقتها بمظاهر القوة والسيطرة المصرفية والمعلوماتية، فما حدث بعد الصدمة الأميركية عام 2001 أفقد العالم كثيراً من مألوفيته واطمئنانه، وجعله مكشوفاً على صراعات معقدة، انهارت معها الاقتصادات التقليدية، وبرزت الشركات العابرة للقارات كتمثيل استحواذي لـ«الزمن الأميركي» وتداعياتها على مستوى اختلاط التاريخ بالآيديولوجيا، والسياسة بالأمن، على نحوٍ جعلهما مهيئين للدخول إلى صياغة «تاريخ جديد»، بدا وكأنه معادل ثقافي وآيديولوجي لتمثلات الليبرالية الجديدة.

هذا التمثيل كان أكثر وضوحاً من التعبير عن نشوء تشكلات ثقافية معقدة، وتناقضات جيوسياسية صادمة، أثارت أسئلة فارقة حول توصيف الثنائيات القديمة لـ«الغرب والشرق» أو «الشمال والجنوب»، إذ كشفت هذه المفارقات عن معطيات بدا بعضها مصنوعاً، وبعضها الآخر مُصمَّماً في مختبرات سرية، تتعامل مع الأفكار مثلما تتعامل مع الفئران، لكن غاياتها تكمن بالخروج بنتائج تتوخى تحويل القوة إلى أدوات قاهرة، مقبولة وخادعة، وإلى أسواق غاوية للاستهلاك، وإلى انقلابات أو حركات أو أدلجات يمكن استعمالها في تكريس مفهوم الهيمنة في السوق والجغرافيا والآيديولوجيا، فضلاً عن توظيفها على طريقة «فوكوياما» في الترويج لإشاعة «الإنسان الأخير» بوصفه تمثيلاً آيديولوجياً لفكرة هيمنة المشروع العالمي للمركزية الأميركية.

ما حدث في العراق بعد عام 2003 ليس بعيداً عن ذلك، فسرديات الدولة الكبرى قد تقوضت، واقتصاد «القطاع العام» فقد قاعدته الإنتاجية، مثلما تعرضت سرديات آيديولوجيا المعسكر والحزب والقائد الرمز إلى انهيار كبير، لتصعد عبرها «سرديات صغيرة» وأدلجات غائمة ومضللة للجماعة والطائفة والهوية، على نحوٍ أعطاها زخماً وعنفاً ضاغطين، لم تعد فيهما توصيفات اليسار واليمين، والاشتراكية والقومية فاعلة، وما برز فيها تبدى عبر صعود سريع وحادّ لقوى لا وضوح طبقي لها، ولا تاريخ لها مع السلطة، فانشغلت بنزعات شعبوية، استغرقها كثير من مظاهر العنف والامتلاك والاستحواذ، لتصعد معها رساميل صغيرة عشوائية، تغذت عبر واقع اقتصادي وسياسي طفيلي وملتبس، لم تصنع منه «الدولة الجديدة» قوة فاعلة، لها برامجها ومشاريعها، ونظرتها لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي. فرغم فشل تلك الرساميل في أن تتحول إلى رساميل كبرى، أو إلى شركات عابرة للقارات، فإن هامشيتها جعلت منها قوة عنيفة، تسلل كثير منها إلى منظومات السلطة الرسمية، لتدخل في نظامها الاقتصادي والأمني، وفي أدلجتها، ولتكوّن وجودها عبر فاعليات ضاغطة، أسهمت في تغيير كثير من سياسات الدولة، ومسارات اقتصادها الرخو. وهذا ما جعلها تلعب دوراً في صناعة الاقتصادات الطارئة، وفي تعطيل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمستدامة، وفي فشل نظامها المؤسسي، فضلاً عن تعرّض جهازها الإداري إلى التضخم والترهل والتشوه البنيوي.

استبدال السرديات القديمة بإعادة صياغة مفهومية لمركزيات الأمة والقومية والتاريخية أفرز أشكالاً هجينة لتلك السرديات الصغيرة، ولمظاهر عنفها واضطرابها في تمثيل المجال التداولي للمفاهيم المجاورة التي تخص الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة والهوية والقانون، باتجاهٍ جعل من الاجتماع السياسي مخترقاً من خلال انتهاكات عميقة، فقد معه تمثيله «الوطني» مقابل تحول بعض الجماعات إلى قوى فاعلة وضاغطة، لا تجمعها سوى مصالح الاستملاك، ونزعات الاستهلاك الكبيرة، أي أن وجودها ظل رهيناً بنزعات تشييد مظاهر إدامة هذا الاستهلاك، من خلال تشييد مؤسسات أهلية عائمة، غير خاضعة إلى رقابة الدولة، ولا علاقة لها بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة الأنماط؛ مستشفيات أهلية، جامعات أهلية، مدارس أهلية، مولات، الشركات، نوادٍ، مقاولات، غيرها. وهذا ما أسهم في تمهيد الطريق إلى تضخم قوة هذه المؤسسات، وتحويل علاماتها التجارية إلى علامات رمزية في صناعة «المجتمع الظل» الذي يتغذى من خلال جماعات الفساد الكبير، والتمثلات الإيهامية للإشباع الرمزي، حتى من خلال التلويح بفرضية العنف الاقتصادي. تلك التي تكرست عبرها نزعات الانفلات عن النظام العام، وتغولت مظاهر التفرد بالاستهلاك، مقابل تعطيل فاعلية أدوات تشكيل الدول الناجحة، عبر ربطها بالسياسات الناجحة والإدارة المهنية الناجحة، وببرامج وخطط التنمية والأمن الاقتصاديين.

تضخم مظاهر الاستهلاك كشف عن كثير من مظاهر رثاثة التأسيس، وترسيم حدود التقدم والبناء الدولتي، فرغم أنها ارتبطت بنشوءات طارئة، وبتشوهات صنعها الاقتصاد الطفيلي، فإن تغولها ارتهن إلى ثقافات هشة، على نحو أسهم بجعل المجتمع العراقي أكثر استعداداً للانقسام الطبقي الداخلي، بين قوى نفعية تتمترس بمظاهر الاقتصاد الزائف، وحيازة رساميل غامضة، وعبر تشكلات طبقية غائمة، وسياسات مكرسة لحمايتها، حتى عبر أدلجات جعلت من العنف جزءاً من أنساقها الحاكمة، فبدت وكأنها طاردة ومتعالية على جماعات تعيش التهوين الطبقي والضآلة الاجتماعية، لكنها غارقة في صراعاتها وفي أوهامها النخبوية والشعبوية، ما أسهم في تحوير موضوع الاستهلاك ليبدو مضللاً، بعشوائية حيازة الثروة ونزعات الاستملاك.

سرديات الاستهلاك

تاريخ العراق مع الاقتصاد الريعي يرتبط بتاريخ التشوهات الآيديولوجية للدولة العراقية منذ قرار تأميم «الصناعة العراقية» عام 1964. فمع صعود الدولة القومية، وأنموذج حكمها الديكتاتوري، تحول هذا الاقتصاد إلى مظاهر للهيمنة، وإلى الخضوع لسياسات الدولة المركزية، وإدارتها المركزية، ليسهم في صناعة وتكريس دولة الاقتصاد، عبر تسميات زائفة، مثل «الاقتصاد الاشتراكي» أو «القطاع العام» فتعطلت معها أي ممارسات للاقتصاد الحر، ولفاعليات الاستثمار.

التلازم ما بين الدولة القومية المركزية وبين الاستحواذ المركزي على الإنتاج أسهم في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نوع من رأسمالية الدولة، المحكومة بمركزية الأنموذج الآيديولوجي المتعالي للخطاب القومي، الذي يتغذى عبر شعار «الثروة ملك الشعب والأمة»، حيث القطاع العام أو «الاشتراكي» يكون هو المجال الناظم لمصالح القوى النافذة في الحكومة والحزب والمعسكر، بما فيها قطاعات التعليم والصحة والتجارة والثقافة.

مع تقويض هذه المركزية الديكتاتورية بعد الاحتلال الأميركي تقوض كثير من تلك المفاهيم، وكذلك تعثرت معها السياسات الناظمة، و«القوانين» التي فرضتها لتيسير أعمال القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والصحية، ما أسهم في تحويل البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشظي، وخلخلة موازين وسياقات العمل، إذ تحولت الدولة الى «مصرف» بعد أن انهارت القطاعات التقليدية الأهلية والعامة، ليبرز «الاقتصاد الاستيرادي» السهل، بوصفه مجالاً تعويضياً، لكنه كان من أكثر مظاهر الاقتصاد تشوهاً، على مستوى رثاثته، واغترابه عن استحقاقات التنمية والبناء، وعلى مستوى إدارته من قبل جماعات هامشية، لها علاقة بالجهاز السياسي، لا بالجهاز الاقتصادي، ولا بفكرة الدولة واستحقاقاتها.

كما أن صعود نوع من «الزبائنية» المتمردة على النظام، كرّس بنية الاقتصاد العراقي الهشّ، وأفقد الموازنات العامة قيمتها الإجرائية، فأكثر من ثلثي هذه الموازنة يذهب إلى «الموازنة التشغيلية»، أي يسهم في تغطية المعاشات، وتغذية الطفيلية العائمة في القطاع العام، فضلاً عن تعطيل واضح في «الموازنة الاستثمارية» التي تكرست عبرها مظاهر غير فاعلة في التنمية، وفي توسيع الإنتاج المحلي، ولا سيما مجال الاستثمارات التكنولوجية والبشرية والمعرفية، فكانت السياسة الاقتصادية مؤسَّسة على أساس برامج محدودة التأثير، في مجال القروض المصرفية، ودعم المشاريع الصغيرة، مع غياب أي دعم واضح لمشاريع الاستثمار الثقافي، ولا سيما مجالي السينما والمسرح، وفي دعم اقتصاديات المعرفة والبحث العلمي.

لقد كرست هذه المظاهر كثيراً من سرديات النمط الاستهلاكي للاقتصاد العراقي، فتتحول المخيلة الشعبية إلى أداة لتبرير وهم التقوّض الطبقي، ولإشباع غرائز الامتلاك، ليكون دافعاً عشوائياً لتوسيع الثروة، عبر العمل الطفيلي، وعبر الفساد غير المُراقب، وعبر صناعة الجماعة السياسية وتمثلاتها فيما سمّي بـ«المكاتب الاقتصادية». بالمقابل، فإن الاقتصاد الريعي تحول إلى مجال لتغذية ذلك الفساد والضآلة الاقتصادية، ما يعني تحجيم البحث عن أي تعظيم لموارد الدولة، لتنمية سياقات عمل الإدارة الناجحة، والسعي إلى توظيف التدفقات المالية في إطار بنية الاقتصاد العام، بما يجعل الطبقة السياسية أكثر انهماماً بتطوير فاعلية الدولة وخطابها من خلال النجاعة الاقتصادية، ليكون الاقتصاد هو الوجه التمثيلي للسياسة، والتقليل من المديونية، على نحوٍ تتقوض معه مركزية الاقتصاد الريعي المشوه.

التوصيف الثقافي للاقتصاد

ليس الاقتصاد الحرّ والسوق الحرة بدعتين، بعيدتين عن التخطيط وعلم الإدارة، وثقافات النظم الاجتماعية والتعليمية، فغياب الوعي بأهمية هذا التخطيط، وبجعل الاقتصادات خاضعة إلى سياسات الدولة، وإلى حرية الاستثمار، والجدية العلمية بتوظيف الثروات، وبمصادرها، وبقواها الفاعلة، تفقد الدولة كثيراً من مشروعيتها، ومن أهليتها في إدارة الشأن العام، وفي تطبيق العدالة الاجتماعية، وفي تنمية ذلك الاستثمار وتوسيع حلقاته، ليكون جزءاً من فاعليات التنمية المستدامة، ومن هوية الدولة الحديثة، فتوصيف الدولة الناجحة يكمن في قدرتها على التنمية، وفي صيانة مشاريعها الاستراتيجية، بما فيها المشروع الاقتصادي، وتطبيق السياسات التي من شأنها أن تمنح الاقتصاد قوة خلاقة، تربط تنمية الاقتصاد بمراكز متخصصة في الأكاديمية العراقية، وبمؤسسات الرقابة الوطنية، وبالجهازين المالي والمصرفي، لأن صياغة التوصيف الثقافي للاقتصاد يسهم في توطيد أركان بناء الدولة الحديثة، ويُعطي لاقتصاديات الثقافة أدواراً مهمة في تثبيت «القيم السيادية» للاستقرار والأمن والإشباع، ولمواجهة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم في ظل التحولات الكبرى، حتى الجاهزية إزاء التحديات الإقليمية ذات الأبعاد الجيوسياسية المعقدة.

لا تعني اقتصاديات الثقافة الاهتمام بصناعتها فقط، بقدر ما تعني الاهتمام العميق بعلاقة هذه الصناعة، وبفاعليتها الإجرائية، وبالأطر العملياتية والاستراتيجية التي تجعل من الثقافة عنصراً بارزاً وفاعلاً في الأمن الثقافي، وفي برامج التنمية، وفي مجال دعم برامج الموازنات العامة الخاصة بالمشاريع الثقافية، بوصفها مصدراً فاعلاً لإسناد مشروع الدولة الناجحة، وتوسع مساحات إنتاج مصادر المعرفة، وبالاتجاه الذي يجعلها تكتسب قوة الفعل من خلال إدامة فاعليات الاجتماع والثقافة والاقتصاد، عبر أطر تشريعية وقانونية تكفل التوصيف الثقافي وديمومته، من خلال ضمان الحقوق، بما فيها حقوق الملكية، وإنشاء الصناديق السيادية لدعم العمل الثقافي، وإدماج الثقافة بالنظام التعليمي والتنموي، على مستوى الموازنات العامة، أو على مستوى عمل الوزارات، وباتجاهات يعضدها القانون، بعيداً عن مزاج السلطة وفهمها للثقافة ومرجعياتها الآيديولوجية والفقهية.


الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
TT

الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»

لم تعد الحرب تُفتتح كما اعتدنا، لا لحظة إعلان، ولا انتقال واضح من السلم إلى الصراع. ما يحدث اليوم أقرب إلى انزلاق بطيء داخل حالة مستمرة، تتراكم فيها الأفعال دون أن تتكوَّن منها صورة واحدة واضحة. نحن لا نشهد بداية يمكن الإشارة إليها، ولا نعيش ذروة يمكن الاتفاق عليها، بل نتحرك داخل توتُّر ممتد، يتخذ أشكالاً متعددة دون أن يستقر على هيئة واحدة. هذا التحول لا يغير فقط طريقة اندلاع الحرب، بل يبدل أيضاً إدراكنا لها، ويجعل التمييز بينها وبين غيرها من حالات التوتر أمراً أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للحسم أو التعريف المباشر.

في النموذج القديم، كانت الحرب تُفهم من خلال نقطة ارتكاز واضحة، جبهة يمكن تحديدها مكانياً، وخط يفصل بين من يقاتل ومن لا علاقة له بالمواجهة. هذا الشكل منح العالم قدرة على التمييز، حتى في أقسى الظروف، بين الداخل والخارج، بين منطقة القتال وبقية الحياة. كان بالإمكان أن يعيش الإنسان خارج الحرب، أو على الأقل أن يتوهَّم ذلك، لأن هناك حدوداً تفصل بين الفعل العسكري وبقية أنماط الوجود. هذه الحدود لم تكن دائماً صلبة، لكنها كانت كافية لإنتاج معنى واضح للحرب بوصفها حالة استثنائية، لها بداية ونهاية يمكن تصورهما.

في الحرب التي جسَّدها فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»، تتجلَّى هذه البنية بوضوح، خنادق متقابلة، مسافة مرئية بين الطرفين، وزمن للحرب يمكن تمييزه عن زمن الحياة اليومية. حتى العنف كان محصوراً داخل هندسة مكانية قابلة للفهم، وكان بالإمكان أن يُروى وأن يُفهم ضمن سياق محدد. الجبهة هنا ليست مجرد موقع، بل بنية تنظّم التجربة وتمنحها شكلاً يمكن إدراكه، وتضع حدوداً واضحة لما هو داخل الصراع وما هو خارجه.

لكن هذا الإطار لم يعد يعمل بالطريقة نفسها. ما كان يُفهم بوصفه جبهة تحوَّل إلى تداخل ممتد بين مستويات متعددة من الفعل. لم يعد هناك فصل واضح بين الضربة والرد، أو بين الفعل العسكري وبقية البنى الاقتصادية والسياسية المحيطة به. الأحداث لم تعد تتتابع في خط زمني يمكن تتبعه بسهولة، بل تتشابك في شبكة من التأثيرات التي يصعب فصل بعضها عن بعض. بهذا المعنى، لم تختفِ الحرب، بل فقدت شكلها القابل للرؤية، وأصبحت أقرب إلى بنية خفية تعمل من تحت السطح.

حين تتحرك الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، لا يبقى الصراع محصوراً في نقطة واحدة يمكن متابعتها بصرياً أو جغرافياً. الأثر ينتقل عبر مستويات متعددة، تتداخل فيها البنية العسكرية مع المالية والتقنية والإعلامية، بحيث يفقد الحدث وحدته الأولى. ما يبدو فعلاً محدوداً في مكان معيَّن، يمتد تأثيره عبر مساحات واسعة من النظام العالمي، ويعيد تشكيل توازنات لا ترتبط مباشرة بموقع الفعل نفسه، بل بتداعياته غير المباشرة. بهذا المعنى، لا تختفي الجبهة لأنها أزيلت، بل لأنها تفككت إلى عناصر صغيرة تعمل في مسارات متفرقة. لم يعد هناك خط واحد يمكن رسمه، بل مجموعة علاقات متغيرة لا تستقر على شكل ثابت. الجبهة لم تعد مكاناً، بل أصبحت نمطاً من التداخل، يتغيَّر بحسب السياق ويتشكَّل وفقاً لتفاعل قوى متعددة، لا يمكن اختزالها في صورة واحدة.

هذا التحوُّل يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالحرب. لم يعد بالإمكان الوقوف خارجها بوصفها حدثاً منفصلاً. حتى من لا يعيش في منطقة المواجهة المباشرة، يتأثَّر عبر تدفقات الاقتصاد، وأسعار الطاقة، وحركة الأخبار، وتبدُّل التوقعات السياسية. التجربة لم تعد مكانية فقط، بل أصبحت ممتدة داخل الحياة اليومية نفسها. الحرب لم تعد تقع في مكان بعيد، بل أصبحت جزءاً من الإيقاع العام للحياة، ومن تفاصيلها الصغيرة أيضاً.

في هذا السياق، لا يعود الأمان حالة مستقرة، بل يصبح نتيجة مؤقتة لتوازن قابل للاهتزاز في أي لحظة. الاستقرار لم يعد وضعاً قائماً بذاته، بل وضعاً مستمراً في التكوين. ما يبدو هدوءاً ليس نهاية للتوتر، بل شكلاً من أشكاله المؤجَّلة، التي يمكن أن تنقلب في أي وقت إلى تصعيد، أو إلى تحوُّلات غير متوقعة.

كما أن فكرة القرار الحاسم تتراجع. لم تعد الحرب تُدار من نقطة واحدة أو لحظة واحدة، بل عبر سلسلة أفعال جزئية، لا يبدو أي منها كافياً لتعريف الحالة ككل. هذا ما يجعل تتبع بدايتها أو نهايتها أمراً غير ممكن بالمعنى التقليدي، لأن الحرب لم تعد حدثاً يبدأ وينتهي، بل عملية تتغير باستمرار، وتعيد إنتاج نفسها.

في مواجهة هذا الواقع، تصبح الحرب الحديثة أقرب إلى نمط إدارة مستمر للتوتر، لا إلى مواجهة تنتهي بانتصار أو هزيمة واضحين. هي حالة تتغير صفتها أكثر مما تنقطع، وتعيد تشكيل نفسها وفقاً للظروف التي تمر بها، وتفرض إيقاعها الخاص على الجميع.

ومن هذا المنظور، فإن وعي هذا التحول ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية، خصوصاً لدول مثل المملكة العربية السعودية التي أدركت مبكراً طبيعة هذا التغير. فتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتنويع مصادر القوة، وبناء منظومات اقتصادية وتقنية متماسكة، ليس إلا استجابة واعية لحرب لم تعد تُخاض على جبهة واحدة، بل في كل اتجاه.

في النهاية، لم يعد السؤال عن موقع الجبهة ذا معنى، لأن الجبهة لم تعد بنية مكانية أصلاً. السؤال الأعمق يتعلق بطريقة تشكُّل الصراع نفسه، حين يفقد شكله المتماسك ويتحوَّل إلى شبكة من التأثيرات المتبادلة. وعند هذه النقطة، لا يعود الإنسان خارج الحرب كما كان يُفترض سابقاً، بل داخل امتدادها، حتى في اللحظات التي يظن فيها أنه بعيد عنها، أو قادر على تجاهلها.

* كاتب سعودي


رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها.

كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر. يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.