سوريا بعد التدخل الروسي.. رهانات التوغّل البريّ

عمق الأهداف بمناطق المعارضة يصل إلى 60 كيلومترًا.. وبوتين يمهد لمبادرة سياسية بضربات جوية

سوريا بعد التدخل الروسي.. رهانات التوغّل البريّ
TT

سوريا بعد التدخل الروسي.. رهانات التوغّل البريّ

سوريا بعد التدخل الروسي.. رهانات التوغّل البريّ

خلط التدخل العسكري الروسي في سوريا، الأوراق السياسية والميدانية مجددًا، وانسحبت تداعياته على الدور الذي لعبته الولايات المتحدة الأميركية في سوريا منذ بدء الصراع، وسط مؤشرات على إعادة الصراع إلى ما قبل 25 مارس (آذار) 2015، ومخاوف من تمكين قوات نظام الرئيس السوري بشار الأسد من استعادة حضورها في مناطق استراتيجية، كانت قد خسرتها بشكل دراماتيكي إثر انهيارات متتالية في الشمال والشمال الغربي. وحسب مصدر معارض فإن المعارضة السورية «استبقت خطط الهجمات المعاكسة باجتماعات شاركت فيها الفصائل الفاعلة، وتوصلت إلى أن خيارات المواجهة قرار وجودي، على قاعدة أننا واجهنا النظام بكل آلاته وانتصرنا عليه، كما واجهنا تدخلا من قبل حزب الله، ولن يردعنا التدخل الروسي عن المواجهة».
يقرأ راصدو التدخل الروسي في سوريا أنه يرمي إلى إصابة أكثر من عصفور بحجر واحد. فهو من جهة، يمهّد للقوات النظامية السورية وحلفائها، مثل حزب الله اللبناني وميليشيات حليفة لها، «لاستعادة قدرتها على التقاط الأنفاس في الميدان»، كما يقول معارضون في شمال سوريا. ومن جهة أخرى، «يسعى لتثبيت نفوذه في المنطقة، مقابل انحسار الدور الأميركي، وإحجام تركيا عن المبادرة، بفعل الحسابات الداخلية لحزب العدالة والتنمية، عشية الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية». وهذا، فضلاً عن أن موسكو «تستثمر في الميدان قبل إخراج رئيسها فلاديمير بوتين مبادرة جديدة للحل السياسي من جيبه، يكشف عنها بعد فترة وجيزة من الضغط العسكري لصالح النظام».
وسط تلك المؤشرات والحسابات السياسية، يتشارك الطرفان، النظام والمعارضة، الرهان على الحسابات الميدانية، لتغيير الواقع: فالنظام وحلفاؤه - بدعم روسي - يسعون لفرض شروط جديدة على أي طاولة متوقعة للمفاوضات، بينما تراهن المعارضة على إطلاق خصمها معركة برية، لكسره، ما دامت «مقوّمات الرد على القصف الجوي مفقودة، بغياب منظومات دفاع جوي لدينا».
* عنصر المباغتة
لم يغيّر التدخل الروسي، منذ أسبوع، الخريطة الميدانية على الأرض. إذ ما زالت قوات المعارضة تحتفظ بمواقعها في شمال ووسط سوريا، فضلاً عن أن بعض كتائبها، ما زالت قادرة على خوض الاشتباكات في ريفي محافظتي إدلب وحماه. وجلّ ما تحقق «ارتباك في صفوفنا»، كما قال مصدر معارض لـ«الشرق الأوسط»، مضيفًا: «الضربات المفاجئة، دفعتنا للتريث، وإخلاء المواقع بهدف إعادة تموضع، وتنفيذ انتشار جديد، يحول دون ضربنا، وهو ما قلص هجماتنا، نظرًا لعجزنا عن صد الهجمات الجوية».
ولا يعتبر هذا «الارتباك» مفاجئًا. فالخبير العسكري السوري عبد الناصر العايد شرح لـ«الشرق الأوسط» أن تجميد المعارك «هو أمر طبيعي في حالات مشابهة»، موضحًا: «حين تُشنّ الهجمات الأولى، ستؤثر حكمًا على عنصر المباغتة، كما أنه يتطلب وقتًا كي تتكيف القوات على الأرض مع طبيعة الهجمات». وأضاف العايد «المقرات والأسلحة هي هدف الطائرات الروسية اليوم، لذلك نمرّ بمرحلة حرص، وهذه ليست علامة على أن الطائرات الروسية قد حققت أهدافا كبيرة، لأننا ننتظر الميدان، كما أن النظام وحلفاءه، لا يستطيعون تحقيق أي إنجاز من غير توغّل برّي، ذلك أن الضربات لا يمكن أن تحسم شيئا أو تؤثر على تموضع قوات المعارضة».
العايد قال إنه «إذا كانت هناك أي مقارنة مع وضع عين العرب (كوباني) إثر الضربات الأميركية ضد (داعش)، فإن المقارنة هنا غير صحيحة، لأن عين العرب حدث صغير. المقارنة مع شمال سوريا، تصح مع الموصل أو الرمادي أو تكريت، لأن عدد الأهداف كبير جدًا، وكل مقاتل وعربة، هي هدف كبير». وإذ أكد أنه لا يمكن الحديث عن أربعين أو خمسين طائرة بوصفها تدخلاً حاسما، يلفت إلى أنها «عملية دعم وإسناد ستفقد أهميتها لحظة التلاحم الميداني حيث يفقد الطيران دوره».
لا تتخطى أهداف الطائرات الروسية المقرات العسكرية ومواقع مفترضة لقوات المعارضة، أخلتها منذ الضربة الأولى، حسب مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان» رامي عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط». فالمستهدفون في شمال سوريا، «هم المدنيون في المقام الأول الذين تجاوز عددهم الخمسين، إضافة إلى عدد قليل من مقاتلي المعارضة»، وذلك «إثر صواريخ استراتيجية تقذفها الطائرات الروسية من خلال معدل يفوق العشر طلعات جوية يوميًا». وأوضح عبد الرحمن أن كل طلعة جوية «تشارك فيها 6 مقاتلات حربية وقاذفات استراتيجية، وترمي كل منها أربع صواريخ على الأقل». وذكر أن الصواريخ «تشبه حاويات القنابل العنقودية، لكن كل قنبلة ضمن الصاروخ، لها مفعول قوي يعيق الحركة ويدمر مساحات شاسعة».
* المنطقة المستهدفة بالغارات
تمتد الغارات في وسط وشمال سوريا، على شعاع يزيد على مائة كيلومتر، يبدأ من آخر نقاط سيطرة النظام في سهل الغاب ومرتفعات الساحل، وعمق يصل إلى ستين كيلومترًا في شمال حمص، وهي مناطق خاضعة بمجملها لسيطرة قوات المعارضة. وتُضاف إليها أهداف قريبة من مطارات استراتيجية في محافظة حماه وريفي محافظتي إدلب وحلب. ويجمع الخبراء على أن تلك الأهداف الروسية، تسعى إلى تحقيق غرضين: الأول يتمثل في إبعاد نيران قوات المعارضة عن مواقع النفوذ الروسي في الساحل، على ضوء امتلاك قوات المعارضة صواريخ «غراد» معدّلة يبلغ مداها أربعين كيلومترًا.. إلى جانب «خطط مرسومة لدى الروس، لإبعاد قوات المعارضة عن مطارات استراتيجية في العمق السوري»، كما يقول عبد الرحمن، مضيفًا أن موسكو «تنوي تطويرها واستخدامها كقواعد متقدّمة لخطوط الإمداد، مع تطوير عملياتها، وذلك لتوفير الوقت على طائرات لشن هجمات مواكبة لهجمات برّية متوقعة يشنها النظام وحلفاؤه في ريفي حماه وإدلب، وقرب مدينة حلب». وتابع عبد الرحمن أن تلك المطارات هي مطارا كويرس والنيرب في حلب، ومطار حماه، إضافة إلى مطارات ريف محافظة حمص الشرقي.
ويبدو أن خطة المطارات ستتوسّع إلى ريف دمشق، بحسب عبد الرحمن، مستشهدًا بحملة القصف الجوي المكثفة منذ أسبوع على مدينة داريا، بريف دمشق المُحاذية لمطار المزّة العسكري، بالبراميل المتفجرة. هذا، وأفاد إسماعيل الداراني، عضو مجلس قيادة الثورة في دمشق، لـ«الشرق الأوسط» عن أن الطيران المروحي النظامي أسقط خلال 45 يومًا 1150 برميلا متفجرًا على داريا، وذلك منذ سيطرة قوات المعارضة على كتل بنائية محاذية لمطار المزّة العسكري.
حسب عبد الناصر العايد وأوساط معارضة فإن الخطة المتوقعة للتوغّل في سوريا لم تتضح حتى الآن، وسط غارات تنفذ منذ 7 أيام. وشرح العايد «لا يستطيع الطيران الحربي الروسي أن يعطي النظام قدرة على الحسم، لأن التدخل الجوي غير مؤثر في الحروب. إذا كان يريد أن يحقق فارقًا عسكريًا في الميدان، فليس أمامه إلا توغّل المشاة، ولكن يبدو أن الروسي لن يقوم بها، وهو لن يقاتل في الأرض إلا بقوات حليفة وفق خطة عسكرية واضحة، وستكون هذه القوات من حزب الله وإيران، بينما يحاول هو تدمير خطوط الإمداد والبنية المادية للمعارضة، قبل اقتحامها».
وشدد العايد على أن القصف الجوي في سوريا «لا يستطيع قلب الموازين بين ليلة وضحاها»، لافتًا إلى أنه «كلما طال أمد المعركة، ستتلاشى الخيارات، وتزداد المراوحة». وأردف «إذا تمكنّا - أي المعارضة - من استيعاب الهجمة خلال شهر، وأعدنا الصراع إلى شكله القديم، أي المواجهات والالتحام، فإن محاولاته ستجهض في الميدان».
* رهان المعارضة
وحقًا تراهن قوات المعارضة السورية على تدخل برّي روسي، لبدء عملياتها. غير أن تحقيق الإنجازات، مرتبط بالحصول على تسليح استراتيجي. ووفق العايد «إذا تمرّدت الدول المناهضة لهذا التدخل الروسي، على الحظر الأميركي المفروض على تقديم أسلحة للثوار، فإنها ستقلب موازين المعركة، وهذا أمر محتمل».
والاحتمال نفسه يتردد على ألسنة عدد كبير من المعارضين والمطلعين على الشأن السوري، قائلين إن أمر وصول أسلحة «موعودون بها»، بات وشيكًا. فالقيادي المعارض في الشمال محمد الشامس قال لـ«الشرق الأوسط» في حوار معه «أبلغنا من منافذ دولية أن الحصول على صواريخ مضادة للطائرات، هو أمر محال، لكن إمكانية رفدنا بصواريخ مضادة للدروع وصواريخ (تاو) محتملة جدًا، وذلك تعزيزًا للقدرات العسكرية الردعية الموجودة لدى الفصائل، التي استخدمتها في معارك واسعة في السابق». وأردف أن «أكثر من مائتي صاروخ مضاد للدروع، كانت موجودة بيد فصائل جيش الفتح خلال معاركها في إدلب وجسر الشغور وسهل الغاب».
بدوره، أشار إسماعيل الداراني إلى أن فصائل المعارضة في الشمال، موعودة بالحصول على دفاعات أرضية وصواريخ مضادة للدروع، إضافة إلى صواريخ أرض - أرض من نوع «غراد» محدث، لافتًا إلى أن تجربة «أحرار الشام» التي أطلقت 55 صاروخ «غراد» باتجاه الساحل الأسبوع الماضي «كانت بمثابة اختبار للقدرة على رمي ألف صاروخ باتجاه الساحل خلال يومين». وأوضح أن التحرك العسكري وتطوير القدرات «لا يقتصر على الشمال، نظرًا إلى أن الجبهة المؤثرة هي جبهة الجنوب، لتماسها مع دمشق، وستطلق عمليات واسعة، بعد الحصول على أسلحة نوعية». وإذ تحدث عن أن 12 قرية تسكنها غالبية علوية في سهل الغاب «لا تزال تحت سيطرة المقاتلين المعارضين»، أقر بأن «الأمور ستتغير، والتغيّر سيكون لصالحنا».
* المواجهة «قرار وجودي»
هذا، وتستبق قوات المعارضة التوغل البري المحتمل للنظام وحلفائه، بخطط عسكرية. إذ أبلغ محمد الشامي، القيادي المعارض المقرب من «حركة أحرار الشام الإسلامية» في الشمال «الشرق الأوسط» خلال اتصال معه أن قوات المعارضة في الشمال، «استبقت خطط الهجمات المعاكسة باجتماعات شاركت فيها الفصائل الفاعلة، بينها (جبهة النصرة) و(أحرار الشام) و(جيش الفتح) و(جيش الإسلام)، وتوصلت إلى أن خيارات المواجهة قرار وجودي، على قاعدة أننا واجهنا النظام بكل آلاته وانتصرنا عليه، كما واجهنا تدخلا من قبل حزب الله، ولن يردعنا التدخل الروسي عن المواجهة».
واستطرد الشامي «هناك خبراء لدينا وضعوا الخطط، وأعطينا تعليمات للفصائل بضرورة تنفيذ إعادة تموضع وتغيير سياسة الانتشار في المرحلة الحالية، بهدف النفاذ من القصف الروسي، وذلك بعد استهداف مقرين لفصيلين في حمص». وتابع قائلا إن مستودعات الذخيرة «جرى نقلها كحل مبدئي، لكننا ما زلنا موجودين على الأرض، ونواصل عملنا». كما أشار إلى أنه «خلال 48 ساعة، هناك مفاجأة ضخمة جارٍ تحضيرها عبر حركة أحرار الشام وجيش الفتح».
* «الكمون الاستراتيجي»
والواقع أن خيار المواجهة، أوصى به خبراء وقياديون عسكريون معارضون، بينهم الأكاديمي السوري الدكتور بشير زين العابدين، في دراسة أعدّها الاثنين لصالح «مركز عمران للدراسات». وللتعامل مع مخاطر الحشد الروسي وعملياته المرتقبة، أوصى زين العابدين بأن تبادر المعارضة إلى «تبني سياسة (الكمون الاستراتيجي) الذي يتمثل في امتصاص الضربات المبدئية، واستيعاب عنصر المفاجأة من خلال رصد التحركات واستقراء نمط العمليات المعادية، وتجنب استدراجها في مواجهات غير متكافئة في هذه الفترة الحاسمة». يضاف إلى ذلك «تنفيذ استراتيجية إعادة التموضع لتشتيت إحداثيات غرفة العمليات المشتركة ببغداد»، وإنشاء «غرفة عمليات سورية مشتركة»، حيث تمثل عملية إغلاق غرفة العمليات المشتركة في الأردن (الموك) فرصة سانحة لإنشاء غرفة عمليات سورية تعزز مفاهيم الأمن الوطني، وتمنح فصائل المعارضة ما تحتاجه من شخصية اعتبارية في المعادلة الإقليمية، وذلك من خلال تبني استراتيجيات «إدارة الأزمة»، واتباع وسائل احترافية لتبادل المعلومات، ورسم الخطط، وتقدير الموارد المطلوبة، وتوظيف مصادر القوة الكامنة بمختلف أبعادها، ووضع ذلك في إطار قالب تطبيقي يستوعب التحولات الإقليمية والدولية وآليات توظيفها في إفشال خطة التدخل الخارجي.
كذلك أوصى زين العابدين «بإعداد خطة للمحافظة على (المكتسبات الاستراتيجية) عبر تحديد الأولويات، وتنفيذ عمليات الإخلاء، وتنسيق خطط الكرّ والفرّ، وإعادة التشكل في إطار المحافظة على البؤر الاستراتيجية التي اكتسبتها المعارضة، ومن ثَم التوسّع في مناطق (الخاصرة الرخوة) التي لا تصل إليها ميليشيات المرتزقة ولا تطالها عمليات القصف الجوي». وذلك فضلاً عن «التركيز على العمليات النوعية والضربات الموضعية في المناطق الآمنة للنظام من خلال شن عمليات نوعية تطال النظام في مقراته الآمنة وتستثمر مشاعر السخط في صفوف خزانه البشري وخاصة في قلب العاصمة ومحيطها، فضلا عن محافظتي اللاذقية وطرطوس».
* البعد السياسي للتدخل
الواقع أن التدخل الروسي، لا يحمل مؤشرات عسكرية حصرًا. فثمة بعد سياسيّ، سوري ودولي، للانخراط الروسي المباشر في الحرب السورية.
على الصعيد السوري، يتوقع المعارضون أن هناك «خطة حل» أو مقترحات لحل سياسي لدى فلاديمير بوتين، يكشف عنها بعد العمل العسكري. وحسب رأي العايد «يبدو أن هناك في جيب بوتين مبادرة وخطة حل، سيقوي موقف حليفه قبل عرضها للتفاوض»، معتبرًا أنه «غالبًا لا يتمتع بدور الرعاية والإقدام لتنفيذها حتى الآن، وليس واضحًا حتى الآن حدود تدخله، وبعدها يعرض الخطة»، ولفت العايد إلى أن القيادة الروسية «بانتظار أن تنتهي من المرحلة العسكرية الأولى، ويعرض فكرته وتصوره، وهو الهدف الذي يأتي لأجله».
أما على الصعيد الدولي، فإن خطوة روسيا تأتي في لحظة «تراخٍ أميركي»، كما يقول معارضون، إذ كثف الروس وجودهم العسكري في سوريا، «بعد سحب حلف الأطلسي بطارية صواريخ باتريوت موجودة في أضنة التركية»، كما ورد في دراسة «التدخل الروسي في سوريا: المخاطر والفرص الكامنة». وأشارت إلى أن الدفاعات الجوية المتطورة التي نصبها الروس في قاعدة «حميميم»، مثل صواريخ أرض - جو SA15 وSA22. لا يمكن أن تكون موجهة ضد تنظيم داعش المتطرف الذي لا يملك أي مقاتلات أو منظومات دفاع صاروخي، بل إن الهدف الفعلي من نصب هذه هو إنشاء «منطقة عزل جوي» في المنطقة بالتزامن مع سحب حلف شمال الأطلسي (ناتو) دفاعاته الصاروخية، ومبادرة واشنطن إلى سحب بطاريات صواريخ «باتريوت» من منطقة أضنة، بجنوب تركيا، تحت ذريعة تحديث هذه البطاريات، ومن ثم سحب حاملة الطائرات الوحيدة «ثيودور روزفلت» تاركة المجال الجوي لمنطقة شرقي المتوسط بأسره للطيران الروسي.
* «زهد» واشنطن
المدير التنفيذي لمركز «عمران للدراسات» الدكتور عمار القحف قال لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه «من الواضح أن الدور الأميركي زاهد في الشرق الأوسط، والروس حاولوا استغلاله». وشدد على أن ما تسعى له موسكو «هو إعادة لنفوذها إلى المنطقة بشكل نوعي وجديد»، على قاعدة أنه «لا يصارع الوجود الأميركي، بل يثبّت دوره في بلد هو ضمن الحلف الروسي تاريخيًا».
وتابع القحف أن السياسية الأميركية اليوم «زاهدة، مقابل الموقف المتقدم لدول أخرى في الأزمة السورية، مثل دول الخليج العربي ودول غربية أخرى، كون واشنطن، لا تدعم ولا تعارض، بل تراقب، من غير أن تدخل إلى دائرة التأثير المباشر».
وهنا يرفض القحف القول إن الروس اليوم «ينافسون الوجود الإيراني ويحاولون تقويضه»، مؤكدًا أن الروس «لا يحاربون النفوذ الإيراني، بقدر ما هم يسيطرون على الجوّ، ويواكبون التحرك الإيراني على الأرض». كذلك رأى أن الروس اليوم «يضربون فعليًا كل من يحارب (داعش)، وليس معارضي الأسد، كون الفصائل التي يضربونها تحارب (داعش)، وهي مدعومة من الجهات الإقليمية والغرب، وعمليًا، يضعون أنفسهم في مواجهة غير مباشرة مع هذه الدول».
في المقابل لمس القحف «إشارات إيجابية في الوسط السياسي والعسكري السوري المعارض» على ضوء اتخاذ الفصائل، ما عدا المتطرفين، لأول مرة، موقفًا سياسيا يتطابق مع موقف الائتلاف الوطني، قائلا إنه «يتضمن نقلة نوعية بالعمل الجماعي، ويمثل بلوَرة لمستقبل إداري، كون أن جزءًا من الموقعين يمثلون فصائل الداخل ويمارسون دور الدولة البديلة». وأشار إلى «بوادر اتحاد نظرًا إلى أن هناك مفاصل تديرها المعارضة تساهم في توحيد الفصائل وتبني لتحالف سياسي قادم بدعم دول المنطقة، وتغيير موازين القوى على الأرض».



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.