سوريا بعد التدخل الروسي.. رهانات التوغّل البريّ

عمق الأهداف بمناطق المعارضة يصل إلى 60 كيلومترًا.. وبوتين يمهد لمبادرة سياسية بضربات جوية

سوريا بعد التدخل الروسي.. رهانات التوغّل البريّ
TT

سوريا بعد التدخل الروسي.. رهانات التوغّل البريّ

سوريا بعد التدخل الروسي.. رهانات التوغّل البريّ

خلط التدخل العسكري الروسي في سوريا، الأوراق السياسية والميدانية مجددًا، وانسحبت تداعياته على الدور الذي لعبته الولايات المتحدة الأميركية في سوريا منذ بدء الصراع، وسط مؤشرات على إعادة الصراع إلى ما قبل 25 مارس (آذار) 2015، ومخاوف من تمكين قوات نظام الرئيس السوري بشار الأسد من استعادة حضورها في مناطق استراتيجية، كانت قد خسرتها بشكل دراماتيكي إثر انهيارات متتالية في الشمال والشمال الغربي. وحسب مصدر معارض فإن المعارضة السورية «استبقت خطط الهجمات المعاكسة باجتماعات شاركت فيها الفصائل الفاعلة، وتوصلت إلى أن خيارات المواجهة قرار وجودي، على قاعدة أننا واجهنا النظام بكل آلاته وانتصرنا عليه، كما واجهنا تدخلا من قبل حزب الله، ولن يردعنا التدخل الروسي عن المواجهة».
يقرأ راصدو التدخل الروسي في سوريا أنه يرمي إلى إصابة أكثر من عصفور بحجر واحد. فهو من جهة، يمهّد للقوات النظامية السورية وحلفائها، مثل حزب الله اللبناني وميليشيات حليفة لها، «لاستعادة قدرتها على التقاط الأنفاس في الميدان»، كما يقول معارضون في شمال سوريا. ومن جهة أخرى، «يسعى لتثبيت نفوذه في المنطقة، مقابل انحسار الدور الأميركي، وإحجام تركيا عن المبادرة، بفعل الحسابات الداخلية لحزب العدالة والتنمية، عشية الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية». وهذا، فضلاً عن أن موسكو «تستثمر في الميدان قبل إخراج رئيسها فلاديمير بوتين مبادرة جديدة للحل السياسي من جيبه، يكشف عنها بعد فترة وجيزة من الضغط العسكري لصالح النظام».
وسط تلك المؤشرات والحسابات السياسية، يتشارك الطرفان، النظام والمعارضة، الرهان على الحسابات الميدانية، لتغيير الواقع: فالنظام وحلفاؤه - بدعم روسي - يسعون لفرض شروط جديدة على أي طاولة متوقعة للمفاوضات، بينما تراهن المعارضة على إطلاق خصمها معركة برية، لكسره، ما دامت «مقوّمات الرد على القصف الجوي مفقودة، بغياب منظومات دفاع جوي لدينا».
* عنصر المباغتة
لم يغيّر التدخل الروسي، منذ أسبوع، الخريطة الميدانية على الأرض. إذ ما زالت قوات المعارضة تحتفظ بمواقعها في شمال ووسط سوريا، فضلاً عن أن بعض كتائبها، ما زالت قادرة على خوض الاشتباكات في ريفي محافظتي إدلب وحماه. وجلّ ما تحقق «ارتباك في صفوفنا»، كما قال مصدر معارض لـ«الشرق الأوسط»، مضيفًا: «الضربات المفاجئة، دفعتنا للتريث، وإخلاء المواقع بهدف إعادة تموضع، وتنفيذ انتشار جديد، يحول دون ضربنا، وهو ما قلص هجماتنا، نظرًا لعجزنا عن صد الهجمات الجوية».
ولا يعتبر هذا «الارتباك» مفاجئًا. فالخبير العسكري السوري عبد الناصر العايد شرح لـ«الشرق الأوسط» أن تجميد المعارك «هو أمر طبيعي في حالات مشابهة»، موضحًا: «حين تُشنّ الهجمات الأولى، ستؤثر حكمًا على عنصر المباغتة، كما أنه يتطلب وقتًا كي تتكيف القوات على الأرض مع طبيعة الهجمات». وأضاف العايد «المقرات والأسلحة هي هدف الطائرات الروسية اليوم، لذلك نمرّ بمرحلة حرص، وهذه ليست علامة على أن الطائرات الروسية قد حققت أهدافا كبيرة، لأننا ننتظر الميدان، كما أن النظام وحلفاءه، لا يستطيعون تحقيق أي إنجاز من غير توغّل برّي، ذلك أن الضربات لا يمكن أن تحسم شيئا أو تؤثر على تموضع قوات المعارضة».
العايد قال إنه «إذا كانت هناك أي مقارنة مع وضع عين العرب (كوباني) إثر الضربات الأميركية ضد (داعش)، فإن المقارنة هنا غير صحيحة، لأن عين العرب حدث صغير. المقارنة مع شمال سوريا، تصح مع الموصل أو الرمادي أو تكريت، لأن عدد الأهداف كبير جدًا، وكل مقاتل وعربة، هي هدف كبير». وإذ أكد أنه لا يمكن الحديث عن أربعين أو خمسين طائرة بوصفها تدخلاً حاسما، يلفت إلى أنها «عملية دعم وإسناد ستفقد أهميتها لحظة التلاحم الميداني حيث يفقد الطيران دوره».
لا تتخطى أهداف الطائرات الروسية المقرات العسكرية ومواقع مفترضة لقوات المعارضة، أخلتها منذ الضربة الأولى، حسب مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان» رامي عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط». فالمستهدفون في شمال سوريا، «هم المدنيون في المقام الأول الذين تجاوز عددهم الخمسين، إضافة إلى عدد قليل من مقاتلي المعارضة»، وذلك «إثر صواريخ استراتيجية تقذفها الطائرات الروسية من خلال معدل يفوق العشر طلعات جوية يوميًا». وأوضح عبد الرحمن أن كل طلعة جوية «تشارك فيها 6 مقاتلات حربية وقاذفات استراتيجية، وترمي كل منها أربع صواريخ على الأقل». وذكر أن الصواريخ «تشبه حاويات القنابل العنقودية، لكن كل قنبلة ضمن الصاروخ، لها مفعول قوي يعيق الحركة ويدمر مساحات شاسعة».
* المنطقة المستهدفة بالغارات
تمتد الغارات في وسط وشمال سوريا، على شعاع يزيد على مائة كيلومتر، يبدأ من آخر نقاط سيطرة النظام في سهل الغاب ومرتفعات الساحل، وعمق يصل إلى ستين كيلومترًا في شمال حمص، وهي مناطق خاضعة بمجملها لسيطرة قوات المعارضة. وتُضاف إليها أهداف قريبة من مطارات استراتيجية في محافظة حماه وريفي محافظتي إدلب وحلب. ويجمع الخبراء على أن تلك الأهداف الروسية، تسعى إلى تحقيق غرضين: الأول يتمثل في إبعاد نيران قوات المعارضة عن مواقع النفوذ الروسي في الساحل، على ضوء امتلاك قوات المعارضة صواريخ «غراد» معدّلة يبلغ مداها أربعين كيلومترًا.. إلى جانب «خطط مرسومة لدى الروس، لإبعاد قوات المعارضة عن مطارات استراتيجية في العمق السوري»، كما يقول عبد الرحمن، مضيفًا أن موسكو «تنوي تطويرها واستخدامها كقواعد متقدّمة لخطوط الإمداد، مع تطوير عملياتها، وذلك لتوفير الوقت على طائرات لشن هجمات مواكبة لهجمات برّية متوقعة يشنها النظام وحلفاؤه في ريفي حماه وإدلب، وقرب مدينة حلب». وتابع عبد الرحمن أن تلك المطارات هي مطارا كويرس والنيرب في حلب، ومطار حماه، إضافة إلى مطارات ريف محافظة حمص الشرقي.
ويبدو أن خطة المطارات ستتوسّع إلى ريف دمشق، بحسب عبد الرحمن، مستشهدًا بحملة القصف الجوي المكثفة منذ أسبوع على مدينة داريا، بريف دمشق المُحاذية لمطار المزّة العسكري، بالبراميل المتفجرة. هذا، وأفاد إسماعيل الداراني، عضو مجلس قيادة الثورة في دمشق، لـ«الشرق الأوسط» عن أن الطيران المروحي النظامي أسقط خلال 45 يومًا 1150 برميلا متفجرًا على داريا، وذلك منذ سيطرة قوات المعارضة على كتل بنائية محاذية لمطار المزّة العسكري.
حسب عبد الناصر العايد وأوساط معارضة فإن الخطة المتوقعة للتوغّل في سوريا لم تتضح حتى الآن، وسط غارات تنفذ منذ 7 أيام. وشرح العايد «لا يستطيع الطيران الحربي الروسي أن يعطي النظام قدرة على الحسم، لأن التدخل الجوي غير مؤثر في الحروب. إذا كان يريد أن يحقق فارقًا عسكريًا في الميدان، فليس أمامه إلا توغّل المشاة، ولكن يبدو أن الروسي لن يقوم بها، وهو لن يقاتل في الأرض إلا بقوات حليفة وفق خطة عسكرية واضحة، وستكون هذه القوات من حزب الله وإيران، بينما يحاول هو تدمير خطوط الإمداد والبنية المادية للمعارضة، قبل اقتحامها».
وشدد العايد على أن القصف الجوي في سوريا «لا يستطيع قلب الموازين بين ليلة وضحاها»، لافتًا إلى أنه «كلما طال أمد المعركة، ستتلاشى الخيارات، وتزداد المراوحة». وأردف «إذا تمكنّا - أي المعارضة - من استيعاب الهجمة خلال شهر، وأعدنا الصراع إلى شكله القديم، أي المواجهات والالتحام، فإن محاولاته ستجهض في الميدان».
* رهان المعارضة
وحقًا تراهن قوات المعارضة السورية على تدخل برّي روسي، لبدء عملياتها. غير أن تحقيق الإنجازات، مرتبط بالحصول على تسليح استراتيجي. ووفق العايد «إذا تمرّدت الدول المناهضة لهذا التدخل الروسي، على الحظر الأميركي المفروض على تقديم أسلحة للثوار، فإنها ستقلب موازين المعركة، وهذا أمر محتمل».
والاحتمال نفسه يتردد على ألسنة عدد كبير من المعارضين والمطلعين على الشأن السوري، قائلين إن أمر وصول أسلحة «موعودون بها»، بات وشيكًا. فالقيادي المعارض في الشمال محمد الشامس قال لـ«الشرق الأوسط» في حوار معه «أبلغنا من منافذ دولية أن الحصول على صواريخ مضادة للطائرات، هو أمر محال، لكن إمكانية رفدنا بصواريخ مضادة للدروع وصواريخ (تاو) محتملة جدًا، وذلك تعزيزًا للقدرات العسكرية الردعية الموجودة لدى الفصائل، التي استخدمتها في معارك واسعة في السابق». وأردف أن «أكثر من مائتي صاروخ مضاد للدروع، كانت موجودة بيد فصائل جيش الفتح خلال معاركها في إدلب وجسر الشغور وسهل الغاب».
بدوره، أشار إسماعيل الداراني إلى أن فصائل المعارضة في الشمال، موعودة بالحصول على دفاعات أرضية وصواريخ مضادة للدروع، إضافة إلى صواريخ أرض - أرض من نوع «غراد» محدث، لافتًا إلى أن تجربة «أحرار الشام» التي أطلقت 55 صاروخ «غراد» باتجاه الساحل الأسبوع الماضي «كانت بمثابة اختبار للقدرة على رمي ألف صاروخ باتجاه الساحل خلال يومين». وأوضح أن التحرك العسكري وتطوير القدرات «لا يقتصر على الشمال، نظرًا إلى أن الجبهة المؤثرة هي جبهة الجنوب، لتماسها مع دمشق، وستطلق عمليات واسعة، بعد الحصول على أسلحة نوعية». وإذ تحدث عن أن 12 قرية تسكنها غالبية علوية في سهل الغاب «لا تزال تحت سيطرة المقاتلين المعارضين»، أقر بأن «الأمور ستتغير، والتغيّر سيكون لصالحنا».
* المواجهة «قرار وجودي»
هذا، وتستبق قوات المعارضة التوغل البري المحتمل للنظام وحلفائه، بخطط عسكرية. إذ أبلغ محمد الشامي، القيادي المعارض المقرب من «حركة أحرار الشام الإسلامية» في الشمال «الشرق الأوسط» خلال اتصال معه أن قوات المعارضة في الشمال، «استبقت خطط الهجمات المعاكسة باجتماعات شاركت فيها الفصائل الفاعلة، بينها (جبهة النصرة) و(أحرار الشام) و(جيش الفتح) و(جيش الإسلام)، وتوصلت إلى أن خيارات المواجهة قرار وجودي، على قاعدة أننا واجهنا النظام بكل آلاته وانتصرنا عليه، كما واجهنا تدخلا من قبل حزب الله، ولن يردعنا التدخل الروسي عن المواجهة».
واستطرد الشامي «هناك خبراء لدينا وضعوا الخطط، وأعطينا تعليمات للفصائل بضرورة تنفيذ إعادة تموضع وتغيير سياسة الانتشار في المرحلة الحالية، بهدف النفاذ من القصف الروسي، وذلك بعد استهداف مقرين لفصيلين في حمص». وتابع قائلا إن مستودعات الذخيرة «جرى نقلها كحل مبدئي، لكننا ما زلنا موجودين على الأرض، ونواصل عملنا». كما أشار إلى أنه «خلال 48 ساعة، هناك مفاجأة ضخمة جارٍ تحضيرها عبر حركة أحرار الشام وجيش الفتح».
* «الكمون الاستراتيجي»
والواقع أن خيار المواجهة، أوصى به خبراء وقياديون عسكريون معارضون، بينهم الأكاديمي السوري الدكتور بشير زين العابدين، في دراسة أعدّها الاثنين لصالح «مركز عمران للدراسات». وللتعامل مع مخاطر الحشد الروسي وعملياته المرتقبة، أوصى زين العابدين بأن تبادر المعارضة إلى «تبني سياسة (الكمون الاستراتيجي) الذي يتمثل في امتصاص الضربات المبدئية، واستيعاب عنصر المفاجأة من خلال رصد التحركات واستقراء نمط العمليات المعادية، وتجنب استدراجها في مواجهات غير متكافئة في هذه الفترة الحاسمة». يضاف إلى ذلك «تنفيذ استراتيجية إعادة التموضع لتشتيت إحداثيات غرفة العمليات المشتركة ببغداد»، وإنشاء «غرفة عمليات سورية مشتركة»، حيث تمثل عملية إغلاق غرفة العمليات المشتركة في الأردن (الموك) فرصة سانحة لإنشاء غرفة عمليات سورية تعزز مفاهيم الأمن الوطني، وتمنح فصائل المعارضة ما تحتاجه من شخصية اعتبارية في المعادلة الإقليمية، وذلك من خلال تبني استراتيجيات «إدارة الأزمة»، واتباع وسائل احترافية لتبادل المعلومات، ورسم الخطط، وتقدير الموارد المطلوبة، وتوظيف مصادر القوة الكامنة بمختلف أبعادها، ووضع ذلك في إطار قالب تطبيقي يستوعب التحولات الإقليمية والدولية وآليات توظيفها في إفشال خطة التدخل الخارجي.
كذلك أوصى زين العابدين «بإعداد خطة للمحافظة على (المكتسبات الاستراتيجية) عبر تحديد الأولويات، وتنفيذ عمليات الإخلاء، وتنسيق خطط الكرّ والفرّ، وإعادة التشكل في إطار المحافظة على البؤر الاستراتيجية التي اكتسبتها المعارضة، ومن ثَم التوسّع في مناطق (الخاصرة الرخوة) التي لا تصل إليها ميليشيات المرتزقة ولا تطالها عمليات القصف الجوي». وذلك فضلاً عن «التركيز على العمليات النوعية والضربات الموضعية في المناطق الآمنة للنظام من خلال شن عمليات نوعية تطال النظام في مقراته الآمنة وتستثمر مشاعر السخط في صفوف خزانه البشري وخاصة في قلب العاصمة ومحيطها، فضلا عن محافظتي اللاذقية وطرطوس».
* البعد السياسي للتدخل
الواقع أن التدخل الروسي، لا يحمل مؤشرات عسكرية حصرًا. فثمة بعد سياسيّ، سوري ودولي، للانخراط الروسي المباشر في الحرب السورية.
على الصعيد السوري، يتوقع المعارضون أن هناك «خطة حل» أو مقترحات لحل سياسي لدى فلاديمير بوتين، يكشف عنها بعد العمل العسكري. وحسب رأي العايد «يبدو أن هناك في جيب بوتين مبادرة وخطة حل، سيقوي موقف حليفه قبل عرضها للتفاوض»، معتبرًا أنه «غالبًا لا يتمتع بدور الرعاية والإقدام لتنفيذها حتى الآن، وليس واضحًا حتى الآن حدود تدخله، وبعدها يعرض الخطة»، ولفت العايد إلى أن القيادة الروسية «بانتظار أن تنتهي من المرحلة العسكرية الأولى، ويعرض فكرته وتصوره، وهو الهدف الذي يأتي لأجله».
أما على الصعيد الدولي، فإن خطوة روسيا تأتي في لحظة «تراخٍ أميركي»، كما يقول معارضون، إذ كثف الروس وجودهم العسكري في سوريا، «بعد سحب حلف الأطلسي بطارية صواريخ باتريوت موجودة في أضنة التركية»، كما ورد في دراسة «التدخل الروسي في سوريا: المخاطر والفرص الكامنة». وأشارت إلى أن الدفاعات الجوية المتطورة التي نصبها الروس في قاعدة «حميميم»، مثل صواريخ أرض - جو SA15 وSA22. لا يمكن أن تكون موجهة ضد تنظيم داعش المتطرف الذي لا يملك أي مقاتلات أو منظومات دفاع صاروخي، بل إن الهدف الفعلي من نصب هذه هو إنشاء «منطقة عزل جوي» في المنطقة بالتزامن مع سحب حلف شمال الأطلسي (ناتو) دفاعاته الصاروخية، ومبادرة واشنطن إلى سحب بطاريات صواريخ «باتريوت» من منطقة أضنة، بجنوب تركيا، تحت ذريعة تحديث هذه البطاريات، ومن ثم سحب حاملة الطائرات الوحيدة «ثيودور روزفلت» تاركة المجال الجوي لمنطقة شرقي المتوسط بأسره للطيران الروسي.
* «زهد» واشنطن
المدير التنفيذي لمركز «عمران للدراسات» الدكتور عمار القحف قال لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه «من الواضح أن الدور الأميركي زاهد في الشرق الأوسط، والروس حاولوا استغلاله». وشدد على أن ما تسعى له موسكو «هو إعادة لنفوذها إلى المنطقة بشكل نوعي وجديد»، على قاعدة أنه «لا يصارع الوجود الأميركي، بل يثبّت دوره في بلد هو ضمن الحلف الروسي تاريخيًا».
وتابع القحف أن السياسية الأميركية اليوم «زاهدة، مقابل الموقف المتقدم لدول أخرى في الأزمة السورية، مثل دول الخليج العربي ودول غربية أخرى، كون واشنطن، لا تدعم ولا تعارض، بل تراقب، من غير أن تدخل إلى دائرة التأثير المباشر».
وهنا يرفض القحف القول إن الروس اليوم «ينافسون الوجود الإيراني ويحاولون تقويضه»، مؤكدًا أن الروس «لا يحاربون النفوذ الإيراني، بقدر ما هم يسيطرون على الجوّ، ويواكبون التحرك الإيراني على الأرض». كذلك رأى أن الروس اليوم «يضربون فعليًا كل من يحارب (داعش)، وليس معارضي الأسد، كون الفصائل التي يضربونها تحارب (داعش)، وهي مدعومة من الجهات الإقليمية والغرب، وعمليًا، يضعون أنفسهم في مواجهة غير مباشرة مع هذه الدول».
في المقابل لمس القحف «إشارات إيجابية في الوسط السياسي والعسكري السوري المعارض» على ضوء اتخاذ الفصائل، ما عدا المتطرفين، لأول مرة، موقفًا سياسيا يتطابق مع موقف الائتلاف الوطني، قائلا إنه «يتضمن نقلة نوعية بالعمل الجماعي، ويمثل بلوَرة لمستقبل إداري، كون أن جزءًا من الموقعين يمثلون فصائل الداخل ويمارسون دور الدولة البديلة». وأشار إلى «بوادر اتحاد نظرًا إلى أن هناك مفاصل تديرها المعارضة تساهم في توحيد الفصائل وتبني لتحالف سياسي قادم بدعم دول المنطقة، وتغيير موازين القوى على الأرض».



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.