نبيل فهمي: من الصعب تصور صفقة في سوريا تعود بنا للماضي.. والمرحلة المقبلة قد تتطلب وجوهًا جديدة

وزير الخارجية المصري السابق حذَّر في حوار مع «الشرق الأوسط» من الانتهازية السياسية الإقليمية والدولية بحق المنطقة العربية

نبيل فهمي
نبيل فهمي
TT

نبيل فهمي: من الصعب تصور صفقة في سوريا تعود بنا للماضي.. والمرحلة المقبلة قد تتطلب وجوهًا جديدة

نبيل فهمي
نبيل فهمي

حذَّر وزير الخارجية المصري السابق، نبيل فهمي، من «الانتهازية السياسية» الإقليمية والدولية بحق المنطقة العربية، مشددا في حوار مع «الشرق الأوسط»، على صعوبة تصور «صفقة كبرى» في سوريا تعود بالأمور إلى ما كانت عليه في الماضي، قائلا إن «المرحلة المقبلة في سوريا قد تتطلب وجوها جديدة». وأضاف أن «عدد القتلى في سوريا وعدد اللاجئين والذين خرجوا من ديارهم، وصل إلى أرقام من الصعب معها تصور العودة إلى ما كانت عليه الأمور في بداية الأحداث (في 2011) دون تغيير، وكأن شيئا لم يكن».
وأعرب فهمي، الذي يعد أحد واضعي السياسة المصرية الخارجية بعد ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013،عن اعتقاده بأن المسألة السورية التي يجب أن يشملها أي اتفاق هو ضمان الدولة والمؤسسات، قائلا إنه «يثق في أن كلا من مصر والمملكة العربية السعودية، مهتمتان بهذا»، لكنه أضاف أن «هذا الاتفاق يجب أن يكون بداية لسوريا جديدة». وعما إذا كان يعني أن هذا يتطلب أيضا وجوها سورية جديدة، قال «في أغلب التوقعات: نعم».
* كقارئ لما يحدث في المنطقة، خاصة التطورات وما فيها من تنازع دولي في عدد من الملفات خاصة الملف السوري، هل كنت تتوقع، وأنت وزير للخارجية، خلال العامين الماضيين، أن المنطقة ستصل إلى هذه المرحلة؟
- بل قل هل كنت تتوقع ذلك منذ عشر سنوات، وما يزيد على ذلك، لأن العالم العربي يسير في طريق خطأ. العالم العربي باعتماده على الغير أكثر من اللازم، أصبح ينتقص (من) القرار السيادي العربي. وبغياب التعاون العربي - العربي، وبتضاؤل المصلحة العربية - العربية، بدأ يفتقد هويته. إذا نظرنا إلى الجانب الاقتصادي فإن التجارة العربية البينية (العربية - العربية) لا تتجاوز من 10 في المائة إلى 11 في المائة من حجم التجارة العربية مع العالم الخارجي و80 في المائة من هذه النسبة بين دول مجلس التعاون الخليجي فقط. بما يعني أن باقي العالم العربي لا يتاجر مع بعضه بعضا. وحالة الاستثمار أكثر سوءا من حال التجارة البينية عربيا. وإذا نظرنا إلى النزاعات الإقليمية الموجودة في ليبيا وسوريا وفلسطين والعراق.. في كل هذه النزاعات تم استدعاء طرف أجنبي للتعامل معها. في كثير منها لم يتم التعامل معها من جانب العالم العربي على الإطلاق. رغم أننا في معظم الأحيان كنا نتهم الطرف الأجنبي بأنه السبب الرئيسي للأزمة في الأساس. كل هذا يعكس أن الاعتماد على الغير، بشكل غير سليم، خلق خللا في العمل السياسي الدبلوماسي العربي، وخللا أيضا في قدرات الأطراف العربية في القيام بالحد الأدنى المطلوب للحفاظ على الأمن القومي العربي.
* لو أخذنا حالة سوريا مثلا. ماذا كان في مقدور مؤسسة مثل الجامعة العربية أن تفعله لتجنب التداعيات والمصير الذي آل إليه هذا البلد العربي؟
- أولا لا تستطيع أن تأخذ حالة بعيدا عن الإطار العام. والإطار العام هو أن العالم العربي أصبح مفككا. وأكبر دليل على ذلك أنه لم يعد لديه قدرة التأثير الإيجابي. والدليل على ذلك أيضا، في الحقيقة، أنه حتى بعد المبادرة العربية للسلام في عام 2002 في قمة بيروت، لم ننجح في الضغط على إسرائيل أو على الأطراف الدولية. والمبادرة في حد ذاتها كانت مبادرة إيجابية للغاية. لكن لم يحدث أي تحرك يذكر. شاهدنا ما شاهدناه في العراق بعد ذلك (منذ 2003). ونشهد توغل منظمات إرهابية متعددة في دول عربية كثيرة من المغرب إلى المشرق إلى الخليج. كل هذا يأتي من وجود فراغ عربي. بالطبع هناك أطراف غير عربية تحاول استغلال هذا الأمر. وتستثمر في هذا وتتصرف بأشكال تخالف القانون. كل هذا صحيح.. إلا أن وجود فراغ عربي خلق مناخا للانتهازية السياسية من جانب غير العرب، سواء كان من أطراف إقليمية أو أطرف دولية. والجامعة العربية في بداية الأزمة السورية، في الحقيقة، كان لها موقف إيجابي. هذا كان في البداية. وأرسلت قوات مراقبة عربية إلى سوريا كان يرأسها ضابط سوداني. لكن للأسف الحكومة السورية حينذاك لم تتجاوب بالقدر الكافي، إلا أنه في بداية الأمر كان العرب قد تحركوا أولا، وقبل الأطراف الأخرى. على العموم أريد أن أقول إن إصلاح الوضع العربي أمر عاجل لكن لن يتم بين ليلة وضحاها.
* تقصد أن العالم العربي ينبغي عليه أن يتجه إلى محاولة حل قضاياه بنفسه؟
- لكي تكون صاحب قرار لا بد أن يكون لديك خيارات متعددة. وهذا لا يعني إطلاقا أن تنعزل عن طرف أو تنعزل عن العالم وتعتمد على نفسك فقط.. هذا مستحيل حتى بالنسبة لدول كبرى مثل الولايات المتحدة الأميركية وروسيا. لكن أيضا لا يمكن أن تكون صاحب قرار في تحريك قضية ما، بينما أنت لست شريكا فيها من الأصل. مثلا قضية مفاوضات الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى (5+1). هذا موضوع خاص بمنطقة بالغة الحساسية في العالم العربي. ومع ذلك لم يكن العالم العربي عضوا في هذه المفاوضات أصلا. وتم إبلاغ العالم العربي بالاتفاق بعد نهايته. ولذلك أقول إنه يجب أن نقوم بتنمية الاعتماد على الذات وطنيا. ويجب أن ننمي الاعتماد على الذات إقليميا، بمعني أن نقوم بالتعاون في الجانب الإقليمي سواء على الصعيد الاقتصادي أو العسكري أو التسليح، وكذا في الجانب الدبلوماسي بشأن حل القضايا الآنية. هذا مع الاحتفاظ بعلاقتنا مع الأطراف الأجنبية. وكل هذا يجب أن يدعَّم بتعاون اقتصادي وتركيز خاص على الكفاءات الشبابية بمعنى أن هذه القضية أو هذا البرنامج أو هذا المشروع، سوف يستغرق وقتا، فيجب أن يجد الشباب بُعدهم في هذا.. كلام جيلنا عن الاستعمار الأوروبي في الماضي واستقلال الدول العربية، هذا كان مرحلة، لكن لكي يجد الشاب العربي الموجود على شبكات التواصل الاجتماعي بشكل مستمر.. لكي يجد نفسه في العالم العربي لا بد أن نستوعبه في هذه الأمور.
* في الفترة الأخيرة ظهرت عمليتان للاعتماد العربي على الذات، الأولى واقعية، وأقصد بها التحالف العربي لمساندة الشرعية في اليمن أو ما يعرف بـ«عاصمة الحزم» بقيادة السعودية، والثانية، هي دعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لإنشاء قوة عربية مشتركة لمكافحة الإرهاب. هل يمكن البناء على هذا، لإيجاد تجمع عربي قوي؟
- أولا أنا مؤيد للخطوتين. وأرى أنه كان لا بد من التحرك العسكري في اليمن، أولا، لردع المخالفة التي شاهدناها (من جانب الميليشيات الحوثية)، ثم لإعطاء رسالة لمن يمارس أي ممارسة على حساب العرب، بأن الجانب العربي على استعداد للقيام بنفسه بخطوات رادعة. نفس الشيء بالنسبة لمصر وليبيا. عندما قُتل عدد من المصريين، استخدمت مصر حقها في الدفاع عن النفس من خلال تنفيذ عمليات محددة ثم توقفت. الدعوة إلى إقامة قوة عربية مشتركة دعوة سليمة أيضا وليس المقصود منها الدخول في حروب أو التعامل عسكريا دون تقدير موقف. وبطبيعة الحال سيتم أخذ موافقات من الدول المعنية. المشروع ما زال يحتاج لمزيد من العمل. إلا أن الفكرة هي أن تكون لديك القدرة على الممارسة، هذا أمر مهم جدا، وهي أيضا رسالة سياسية قبل أن تكون رسالة أمنية. وأضيف إلى هذا أن أي عمل عسكري هو وسيلة وليس غاية. أي يجب أن يتبعه مباشرة عمل سياسي ودبلوماسي. وحتى الآن لم نشهد العمل الدبلوماسي العربي بالقدر الكافي.
* بعض المراقبين والسياسيين والدبلوماسيين يقولون إن إيران تمكنت من تحقيق نقطتين لصالحها. الأولى، تخص الاتفاق النووي. والثانية، بدخول روسيا المباشر على خط الأزمة السورية وتوجيه ضربات عسكرية في الداخل السوري. كيف ترى هذا؟
- أعتقد أن إيران نجحت بالفعل في استغلال الفراغ العربي من ناحية، ونجحت في ذلك لأنها استغلت مرحلة العقوبات التي فرضت ضدها لبناء كياناتها داخليا، مما فرض على المجتمع الدولي بالتحديد التعامل معها وصولا إلى الاتفاق النووي. إذن اعتمادها على الذات رغم مرحلة الضغط التي مرت بها، جعلها أكثر قدرة على التعامل مع الغير. هذه مراحل تكتيكية.. أما مسألة دخول روسيا في سوريا فلا ترتبط بإيران تحديدا، بل ترتبط بوجود فراغ أميركي وفشل أميركي في التعامل مع الملف السوري. أولا، فشل الدبلوماسية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط على مدى السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة. بالإضافة إلى انكماش أميركا في الشهور الست الأخيرة وبدء مرحلة التجهيز لانتقال السلطة مع الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة (في 2016). هنا دخل الروس لملء هذا الفراغ. ودخلوا لوجود خشية روسية حقيقية من التطرف والإرهاب. لم يدخلوا دعما لإيران، وإن كانت إيران قد تستفيد من هذا. في اعتقادي أن التدخل الروسي هو تمهيد لمرحلة تفاوض.
* تفاوض من أجل ماذا؟
- تفاوض لحل القضية السورية. أطراف التفاوض روسيا وأميركا وأطراف إقليمية مختلفة. إذن ما يجري هو توظيف لهذا الفراغ لتحسين أوضاعها التفاوضية قبل عملية التفاوض نفسها. وفي اعتقادي، وأرجو أن يكون موقفي سليما، لا أظن أن روسيا أخذت الخطوة الأخيرة في سوريا بغرض التصعيد مع أميركا، وإنما أخذت هذه الخطوة للتمهيد لمسألة التفاوض. وأكبر دليل على ذلك أنه مع قرار الدخول في سوريا، تمت دعوة أميركا للتشاور عسكريا حتى لا يحدث تشابك غير مقصود أو عن طريق الخطأ (بين قوات البلدين). ثم دعوا بعض دول المنطقة الشرق الأوسط، للتشاور معهم استخباراتيا، حول مسألة الإرهاب.
* لكن بالنظر إلى وضع هذه الخارطة، هل ترى أن وجود الرئيس بشار الأسد، في مستقبل سوريا، شرط أساسي، أم أنك ترى أنه ليس شرطا أن يكون نفس الأشخاص موجودين في المشهد الجديد المقبل، حتى لو لم يتم تغيير النظام بشكل جذري؟
- في نهاية المطاف نحن نتحدث عن القضية السورية. والشعب السوري هو الذي يحب أن يقرر من يكون رئيسه المقبل. لكن يجب ألا ننسى سبب المشكلة في الأساس، وألا ننسى أيضا الواقع السياسي على الأرض. في رأيي.. أهم شيء مطلوب الحفاظ على سوريا ككيان ودولة بما في ذلك المؤسسات السورية. أما من يكون الرئيس السوري أو من لا يكون الرئيس السوري، فهذه ليست القضية. ويجب ألا تكون هي القضية. إنما الواقع هو أن عدد القتلى في سوريا وعدد اللاجئين أو الذين خرجوا من ديارهم، حتى داخل سوريا، وصل إلى أرقام من الصعب معها تصور العودة إلى ما كانت عليه الأمور في البداية، دون تغيير. وسياسيا من الصعب تصور وصول الأطراف المتصارعة إلى اتفاق أو صفقة كبرى تنتهي إلى العودة بنا إلى الماضي كما كان، وكأن لم يكن هناك أي شيء. إذن في اعتقادي أن المسألة التي يجب أن يضمنها أي اتفاق، هو ضمان الدولة والمؤسسات. ومن الطبيعي أنه سيكون هناك تفاوض مع هؤلاء الأشخاص ومع هذه المؤسسات كمرحلة أولى، لكن في النهاية، في اعتقادي، يجب أن تكون بداية لسوريا جديدة.
* بوجوه جديدة؟
- في أغلب التوقعات نعم.
* وهل ترى أن مرحلة التشابك التي تشهدها المنطقة حاليا ما زالت تحت السيطرة، خاصة وأن هناك مخاوف من حدوث خلافات بين دول، مثل مصر والسعودية؟
- العلاقة بين مصر والسعودية أكبر من قضية بعينها، حتى نكون واضحين. أعتقد أن مصر والسعودية مهتمتان بالحفاظ على سوريا كدولة، بمعنى سوريا بمؤسساتها. أما مسألة استخدام القوة ضد سوريا أو عدم استخدامها، أو من يحكم سوريا ما بعد الوصول إلى حل، أو مغادرة الرئيس السوري أو عدم مغادرته خلال المرحلة الانتقالية، فهذه كلها أمور تكتيكية. لكن نحن نريد - وأعتقد، بل أثق أننا مهتمون بهذا، وأن السعودية أيضا مهتمة بهذا - الحفاظ على سوريا كدولة وعلى المؤسسات السورية، إنما من الصعب علينا أو على السعودية، أن نعتبر كل ما حدث في سوريا منذ بداية الأحداث (في 2011) كأنه لم يكن، ونعود إلى ما كانت عليه الأوضاع في أول الأمر. أما مسألة من يرحل ومتى فهذا كما قلت قرار سوري. والدليل على ذلك أن دعمنا السريع لخطوات السعودية في قضية اليمن، وبصرف النظر عن أن الموضوع السوري موجود منذ سنوات، ونحن متفقون فيه على بعض الأجزاء ومختلفون على بعض الأجزاء. لكن هذا لم يجعلنا نتردد إطلاقا في دعم السعودية في اليمن، ولم يجعل السعودية تتردد إطلاقا في دعم مصر، بشكل قوي، في أزمات متعددة.
* التوجه المصري في الفترة الأخيرة، والذي شاركت في بنائه بعد ثورة 2013، جعل الكثير من المراقبين يقولون إن مصر اتجهت إلى الشرق، أي إلى روسيا وإلى الصين، وأنها على خلاف مع الولايات المتحدة. كيف ترى هذا؟
- أولا، أنا أعلنت يوم 20 يوليو (تموز) 2013، بعد أن تحملت المسؤولية بأربعة أيام، أن مصر ستنطلق بهدف ضمان حرية قرارها السياسي الخارجي وذلك بتعدد الخيارات المصرية. بمعنى الحفاظ على الصديق القديم وتنمية العلاقة مع أصدقاء آخرين، حتى يكون القرار، في النهاية، قرارا مصريا. أعلنت ذلك ونفذته خلال الأشهر الثلاثة الأولى حيث جرى تبادل الزيارات بين روسيا ومصر على أعلى مستوى. وكذلك الأمر مع الصين واليابان وفي أفريقيا وهكذا. هذا ما أقصده باستعادة القرار العربي. يجب أن يكون لنا علاقات جيدة مع أميركا، وجيدة مع روسيا ومع غيرها. أي أننا مثلا حين نتعاون في مجال الزراعة مع روسيا أو أميركا أو اليابان، يكون من خلال (مصلحة) عربية، وكذلك الأمر بالنسبة للتعاون العسكري أو السياسي. ولا يمكن أن نتصور أنه مع كل نزاع إقليمي في منطقة معينة، أن الدول الكبرى ستسرع في الوقوف معنا. الدول الكبرى ستتحرك حين تكون هناك أزمة كبرى. إذن علينا أن نعتمد على الذات، وطنيا في التعامل مع القضايا الصغرى، أو المتوسطة أو إذا لم يكن هذا كافيا، فيكون بالتعاون الإقليمي العربي - العربي. هذا ما طرحته حينذاك، وهذا ما نفعله اليوم. وأنا مؤيد لذلك تماما. الإضافة المطلوبة الآن هي مزيد من المبادرات السياسية لحل القضايا الإقليمية.

* مهندس الدبلوماسية الخارجية بعد ثورة 2013
* نبيل إسماعيل فهمي دبلوماسي مصري، لعب دورا كبيرا لتحسين صورة مصر في الخارج بعد ثورة المصريين وعزل الرئيس الأسبق محمد مرسي في 2013، حتى أطلق عليه البعض مهندس السياسة الخارجية المصرية لمرحلة ما بعد الثورة. واستمر في عمله كوزير للخارجية من منتصف 2013 إلى منتصف 2014.
* ولد عام 1951 لعائلة دبلوماسية عريقة، فهو ابن إسماعيل فهمي وزير الخارجية الذي استقال أثناء مفاوضات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1979، احتجاجا على المسار الجديد للرئيس أنور السادات في ذلك الوقت.
* تخرج في كلية الهندسة بالجامعة الأميركية بالقاهرة. وشغل موقع سفير مصر لدى الولايات المتحدة من عام 1999 إلى 2008. ويتولى في الوقت الحالي منصب عميد كلية العلاقات العامة في الجامعة الأميركية بالعاصمة المصرية.



«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
TT

«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)

استضافت قبرص، الجمعة، اجتماعاً «عربياً - أوروبياً» تشاورياً، وسط توترات تشهدها المنطقة، ومخاوف من تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة التي تسببت في أزمة اقتصادية عالمية منذ اندلاعها نهاية فبراير (شباط) الماضي، وهدأت مع هدنة بدأت في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي.

ويُعدّ هذا الاجتماع العربي - الأوروبي «جديداً من نوعه، فرضته تطورات المنطقة بحثاً عن توافق أكبر ضد أزمات المنطقة بين دول متضررة وذات تأثير»، وفق سفير مصر الأسبق لدى الاتحاد الأوروبي، رؤوف سعد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وحسب «الرئاسة المصرية»، فقد شارك في الاجتماع الذي انعقد في العاصمة القبرصية نيقوسيا، عدد من قادة الدول العربية، وقادة دول الاتحاد الأوروبي، ورئيس المجلس الأوروبي، ورئيسة المفوضية الأوروبية.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، أن الاجتماع شهد تباحثاً بين زعماء الدول العربية والأوروبية، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي حول المستجدات والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وسبل خفض التصعيد الراهن، واستعادة السلم والاستقرار الإقليميين والدوليين.

الرئيس المصري ونظيره الفرنسي خلال المشاركة في القمة العربية - الأوروبية (الرئاسة المصرية)

ويرى رؤوف سعد، أن هذا الاجتماع التشاوري بين قادة عدد من الدول العربية ودول ومؤسسة الاتحاد الأوروبي «يُعد تجمعاً جديداً من نوعه، يهدف بشكل أساسي إلى حماية مصالح الأطراف كافّة، سواء الأوروبية أو العربية أو منطقة الشرق الأوسط ككل، في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة».

وأوضح سعد أن هذا الاجتماع «تفرضه تداعيات مستمرة، وحالة من الحذر والتخوف الشديد من اتساع نطاق الحرب»، مؤكداً أن «الحرب في غزة، وما تبعها من تصعيد في إيران، وسعت نطاق الأخطار لتتجاوز المنطقة، وتؤثر على العالم أجمع».

توافق أكبر

يرى سعد أن الهدف من هذا التجمع «هو الوصول إلى توافق مشترك أكبر لمواجهة أزمات المنطقة، وكيفية اتخاذ جهود مشتركة لتنسيق المواقف في هذا التوقيت الخطير، الذي قد يشهد تجدد الحرب، مما يصعب السيطرة على آثارها إن لم يتم وقف الحرب».

وأوضح سعد أن قبرص، التي استضافت الاجتماع رغم صغر حجمها الجغرافي، تؤدي دوراً يتجاوز هذا الحجم بفضل تاريخ علاقاتها مع الشرق الأوسط، وانخراطها في التجمع المعني بالغاز في شرق المتوسط، مما يجعلها مدخلاً مهماً للمصالح المشتركة وتعزيز التشاور.

وأبرز الشناوي أن السيسي شدد في كلمته على أن «الأزمات التي تشهدها منطقتنا لا تقف عند حدودها، بل تمتد تداعياتها لتطول الجميع، وفي المقدمة القارة الأوروبية التي تُعدّ من أكثر الأطراف تأثراً بهذه التطورات».

كما أوضح أن ثوابت الموقف المصري «واضحة لا لبس فيها، وفي مقدمتها التأكيد أن المسار السياسي يظل السبيل الوحيد المقبول للخروج من الوضع الراهن، وتحقيق الاستقرار المستدام»، مشدداً على ضرورة الالتزام التام بحرية الملاحة، وأهمية تأمين الممرات الملاحية الدولية، بوصفها قاعدة راسخة ومستقرة في القانون الدولي.

وخلال الاجتماع أكد السيسي أنه «يتعين أن تتسم أي اتفاقيات يتم التوصل إليها بالإنصاف والتوازن، وأن تراعي شواغل كل طرف، وبصفة خاصة الطرف العربي، وهذا ينسحب على الملف الإيراني والملفَين السوري واللبناني». وشدد على «الأهمية البالغة أن يهتم أي اتفاق يتعلق بإيران بالشواغل الأمنية لدول الخليج العربي».

كما لفت السيسي إلى أهمية عدم السماح لأي طرف باستغلال الظرف الإقليمي والإقدام على إجراءات تقوّض أفق السلام، والتعايش بين الشعبَين الفلسطيني والإسرائيلي على أساس حل الدولتَين. وطالب الاتحاد الأوروبي ودوله بمواصلة دعم القضية الفلسطينية، وعدم السماح بتراجعها على سلم الأولويات.

دعم أوروبي منتظر

يأتي الاجتماع التشاوري وسط أزمة اقتصادية عالمية تتأثر بها مصر، وكانت القاهرة قد دعت الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي خلال ذروة حرب إيران، إلى سرعة صرف شريحة دعم مالي بقيمة 4 مليارات يورو، أقرها البرلمان الأوروبي قبل عام.

تأكيدات مصرية على ضرورة مراعاة أي اتفاقيات بين واشنطن وطهران الشواغل العربية (الرئاسة المصرية)

واتخذت مصر بعد حرب إيران قرارات اقتصادية، غلب عليها التقشف، مع زيادة في أسعار الوقود والمواصلات والقطارات والمترو الرئيسي في البلاد.

وشدد السفير رؤوف سعد على أن الاتحاد الأوروبي تربطه بالشرق الأوسط سياسة الجوار التي تمثّل معياراً استراتيجياً أساسياً، حيث يربطهما البحر المتوسط، مما يجعل المشكلات قابلة للتبادل والتأثير المتبادل، مبرزاً أن ما يحدث في المنطقة يؤثر مباشرة على الأمن والاقتصاد هناك، خصوصاً مع الخوف الأوروبي الشديد من خروج الأمور عن السيطرة بسبب غلق مضيق هرمز.

ولفت سعد إلى أن دولاً كبرى، مثل بريطانيا وألمانيا، غير راضية عن الحرب التي يرى معظم الخبراء والدول أنها كانت بلا داعٍ، وأن الولايات المتحدة دفعت إليها لخدمة أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متوقعاً أن يكون هناك دعم أوروبي لمصر والدول العربية.


«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended