نبيل فهمي: من الصعب تصور صفقة في سوريا تعود بنا للماضي.. والمرحلة المقبلة قد تتطلب وجوهًا جديدة

وزير الخارجية المصري السابق حذَّر في حوار مع «الشرق الأوسط» من الانتهازية السياسية الإقليمية والدولية بحق المنطقة العربية

نبيل فهمي
نبيل فهمي
TT

نبيل فهمي: من الصعب تصور صفقة في سوريا تعود بنا للماضي.. والمرحلة المقبلة قد تتطلب وجوهًا جديدة

نبيل فهمي
نبيل فهمي

حذَّر وزير الخارجية المصري السابق، نبيل فهمي، من «الانتهازية السياسية» الإقليمية والدولية بحق المنطقة العربية، مشددا في حوار مع «الشرق الأوسط»، على صعوبة تصور «صفقة كبرى» في سوريا تعود بالأمور إلى ما كانت عليه في الماضي، قائلا إن «المرحلة المقبلة في سوريا قد تتطلب وجوها جديدة». وأضاف أن «عدد القتلى في سوريا وعدد اللاجئين والذين خرجوا من ديارهم، وصل إلى أرقام من الصعب معها تصور العودة إلى ما كانت عليه الأمور في بداية الأحداث (في 2011) دون تغيير، وكأن شيئا لم يكن».
وأعرب فهمي، الذي يعد أحد واضعي السياسة المصرية الخارجية بعد ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013،عن اعتقاده بأن المسألة السورية التي يجب أن يشملها أي اتفاق هو ضمان الدولة والمؤسسات، قائلا إنه «يثق في أن كلا من مصر والمملكة العربية السعودية، مهتمتان بهذا»، لكنه أضاف أن «هذا الاتفاق يجب أن يكون بداية لسوريا جديدة». وعما إذا كان يعني أن هذا يتطلب أيضا وجوها سورية جديدة، قال «في أغلب التوقعات: نعم».
* كقارئ لما يحدث في المنطقة، خاصة التطورات وما فيها من تنازع دولي في عدد من الملفات خاصة الملف السوري، هل كنت تتوقع، وأنت وزير للخارجية، خلال العامين الماضيين، أن المنطقة ستصل إلى هذه المرحلة؟
- بل قل هل كنت تتوقع ذلك منذ عشر سنوات، وما يزيد على ذلك، لأن العالم العربي يسير في طريق خطأ. العالم العربي باعتماده على الغير أكثر من اللازم، أصبح ينتقص (من) القرار السيادي العربي. وبغياب التعاون العربي - العربي، وبتضاؤل المصلحة العربية - العربية، بدأ يفتقد هويته. إذا نظرنا إلى الجانب الاقتصادي فإن التجارة العربية البينية (العربية - العربية) لا تتجاوز من 10 في المائة إلى 11 في المائة من حجم التجارة العربية مع العالم الخارجي و80 في المائة من هذه النسبة بين دول مجلس التعاون الخليجي فقط. بما يعني أن باقي العالم العربي لا يتاجر مع بعضه بعضا. وحالة الاستثمار أكثر سوءا من حال التجارة البينية عربيا. وإذا نظرنا إلى النزاعات الإقليمية الموجودة في ليبيا وسوريا وفلسطين والعراق.. في كل هذه النزاعات تم استدعاء طرف أجنبي للتعامل معها. في كثير منها لم يتم التعامل معها من جانب العالم العربي على الإطلاق. رغم أننا في معظم الأحيان كنا نتهم الطرف الأجنبي بأنه السبب الرئيسي للأزمة في الأساس. كل هذا يعكس أن الاعتماد على الغير، بشكل غير سليم، خلق خللا في العمل السياسي الدبلوماسي العربي، وخللا أيضا في قدرات الأطراف العربية في القيام بالحد الأدنى المطلوب للحفاظ على الأمن القومي العربي.
* لو أخذنا حالة سوريا مثلا. ماذا كان في مقدور مؤسسة مثل الجامعة العربية أن تفعله لتجنب التداعيات والمصير الذي آل إليه هذا البلد العربي؟
- أولا لا تستطيع أن تأخذ حالة بعيدا عن الإطار العام. والإطار العام هو أن العالم العربي أصبح مفككا. وأكبر دليل على ذلك أنه لم يعد لديه قدرة التأثير الإيجابي. والدليل على ذلك أيضا، في الحقيقة، أنه حتى بعد المبادرة العربية للسلام في عام 2002 في قمة بيروت، لم ننجح في الضغط على إسرائيل أو على الأطراف الدولية. والمبادرة في حد ذاتها كانت مبادرة إيجابية للغاية. لكن لم يحدث أي تحرك يذكر. شاهدنا ما شاهدناه في العراق بعد ذلك (منذ 2003). ونشهد توغل منظمات إرهابية متعددة في دول عربية كثيرة من المغرب إلى المشرق إلى الخليج. كل هذا يأتي من وجود فراغ عربي. بالطبع هناك أطراف غير عربية تحاول استغلال هذا الأمر. وتستثمر في هذا وتتصرف بأشكال تخالف القانون. كل هذا صحيح.. إلا أن وجود فراغ عربي خلق مناخا للانتهازية السياسية من جانب غير العرب، سواء كان من أطراف إقليمية أو أطرف دولية. والجامعة العربية في بداية الأزمة السورية، في الحقيقة، كان لها موقف إيجابي. هذا كان في البداية. وأرسلت قوات مراقبة عربية إلى سوريا كان يرأسها ضابط سوداني. لكن للأسف الحكومة السورية حينذاك لم تتجاوب بالقدر الكافي، إلا أنه في بداية الأمر كان العرب قد تحركوا أولا، وقبل الأطراف الأخرى. على العموم أريد أن أقول إن إصلاح الوضع العربي أمر عاجل لكن لن يتم بين ليلة وضحاها.
* تقصد أن العالم العربي ينبغي عليه أن يتجه إلى محاولة حل قضاياه بنفسه؟
- لكي تكون صاحب قرار لا بد أن يكون لديك خيارات متعددة. وهذا لا يعني إطلاقا أن تنعزل عن طرف أو تنعزل عن العالم وتعتمد على نفسك فقط.. هذا مستحيل حتى بالنسبة لدول كبرى مثل الولايات المتحدة الأميركية وروسيا. لكن أيضا لا يمكن أن تكون صاحب قرار في تحريك قضية ما، بينما أنت لست شريكا فيها من الأصل. مثلا قضية مفاوضات الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى (5+1). هذا موضوع خاص بمنطقة بالغة الحساسية في العالم العربي. ومع ذلك لم يكن العالم العربي عضوا في هذه المفاوضات أصلا. وتم إبلاغ العالم العربي بالاتفاق بعد نهايته. ولذلك أقول إنه يجب أن نقوم بتنمية الاعتماد على الذات وطنيا. ويجب أن ننمي الاعتماد على الذات إقليميا، بمعني أن نقوم بالتعاون في الجانب الإقليمي سواء على الصعيد الاقتصادي أو العسكري أو التسليح، وكذا في الجانب الدبلوماسي بشأن حل القضايا الآنية. هذا مع الاحتفاظ بعلاقتنا مع الأطراف الأجنبية. وكل هذا يجب أن يدعَّم بتعاون اقتصادي وتركيز خاص على الكفاءات الشبابية بمعنى أن هذه القضية أو هذا البرنامج أو هذا المشروع، سوف يستغرق وقتا، فيجب أن يجد الشباب بُعدهم في هذا.. كلام جيلنا عن الاستعمار الأوروبي في الماضي واستقلال الدول العربية، هذا كان مرحلة، لكن لكي يجد الشاب العربي الموجود على شبكات التواصل الاجتماعي بشكل مستمر.. لكي يجد نفسه في العالم العربي لا بد أن نستوعبه في هذه الأمور.
* في الفترة الأخيرة ظهرت عمليتان للاعتماد العربي على الذات، الأولى واقعية، وأقصد بها التحالف العربي لمساندة الشرعية في اليمن أو ما يعرف بـ«عاصمة الحزم» بقيادة السعودية، والثانية، هي دعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لإنشاء قوة عربية مشتركة لمكافحة الإرهاب. هل يمكن البناء على هذا، لإيجاد تجمع عربي قوي؟
- أولا أنا مؤيد للخطوتين. وأرى أنه كان لا بد من التحرك العسكري في اليمن، أولا، لردع المخالفة التي شاهدناها (من جانب الميليشيات الحوثية)، ثم لإعطاء رسالة لمن يمارس أي ممارسة على حساب العرب، بأن الجانب العربي على استعداد للقيام بنفسه بخطوات رادعة. نفس الشيء بالنسبة لمصر وليبيا. عندما قُتل عدد من المصريين، استخدمت مصر حقها في الدفاع عن النفس من خلال تنفيذ عمليات محددة ثم توقفت. الدعوة إلى إقامة قوة عربية مشتركة دعوة سليمة أيضا وليس المقصود منها الدخول في حروب أو التعامل عسكريا دون تقدير موقف. وبطبيعة الحال سيتم أخذ موافقات من الدول المعنية. المشروع ما زال يحتاج لمزيد من العمل. إلا أن الفكرة هي أن تكون لديك القدرة على الممارسة، هذا أمر مهم جدا، وهي أيضا رسالة سياسية قبل أن تكون رسالة أمنية. وأضيف إلى هذا أن أي عمل عسكري هو وسيلة وليس غاية. أي يجب أن يتبعه مباشرة عمل سياسي ودبلوماسي. وحتى الآن لم نشهد العمل الدبلوماسي العربي بالقدر الكافي.
* بعض المراقبين والسياسيين والدبلوماسيين يقولون إن إيران تمكنت من تحقيق نقطتين لصالحها. الأولى، تخص الاتفاق النووي. والثانية، بدخول روسيا المباشر على خط الأزمة السورية وتوجيه ضربات عسكرية في الداخل السوري. كيف ترى هذا؟
- أعتقد أن إيران نجحت بالفعل في استغلال الفراغ العربي من ناحية، ونجحت في ذلك لأنها استغلت مرحلة العقوبات التي فرضت ضدها لبناء كياناتها داخليا، مما فرض على المجتمع الدولي بالتحديد التعامل معها وصولا إلى الاتفاق النووي. إذن اعتمادها على الذات رغم مرحلة الضغط التي مرت بها، جعلها أكثر قدرة على التعامل مع الغير. هذه مراحل تكتيكية.. أما مسألة دخول روسيا في سوريا فلا ترتبط بإيران تحديدا، بل ترتبط بوجود فراغ أميركي وفشل أميركي في التعامل مع الملف السوري. أولا، فشل الدبلوماسية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط على مدى السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة. بالإضافة إلى انكماش أميركا في الشهور الست الأخيرة وبدء مرحلة التجهيز لانتقال السلطة مع الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة (في 2016). هنا دخل الروس لملء هذا الفراغ. ودخلوا لوجود خشية روسية حقيقية من التطرف والإرهاب. لم يدخلوا دعما لإيران، وإن كانت إيران قد تستفيد من هذا. في اعتقادي أن التدخل الروسي هو تمهيد لمرحلة تفاوض.
* تفاوض من أجل ماذا؟
- تفاوض لحل القضية السورية. أطراف التفاوض روسيا وأميركا وأطراف إقليمية مختلفة. إذن ما يجري هو توظيف لهذا الفراغ لتحسين أوضاعها التفاوضية قبل عملية التفاوض نفسها. وفي اعتقادي، وأرجو أن يكون موقفي سليما، لا أظن أن روسيا أخذت الخطوة الأخيرة في سوريا بغرض التصعيد مع أميركا، وإنما أخذت هذه الخطوة للتمهيد لمسألة التفاوض. وأكبر دليل على ذلك أنه مع قرار الدخول في سوريا، تمت دعوة أميركا للتشاور عسكريا حتى لا يحدث تشابك غير مقصود أو عن طريق الخطأ (بين قوات البلدين). ثم دعوا بعض دول المنطقة الشرق الأوسط، للتشاور معهم استخباراتيا، حول مسألة الإرهاب.
* لكن بالنظر إلى وضع هذه الخارطة، هل ترى أن وجود الرئيس بشار الأسد، في مستقبل سوريا، شرط أساسي، أم أنك ترى أنه ليس شرطا أن يكون نفس الأشخاص موجودين في المشهد الجديد المقبل، حتى لو لم يتم تغيير النظام بشكل جذري؟
- في نهاية المطاف نحن نتحدث عن القضية السورية. والشعب السوري هو الذي يحب أن يقرر من يكون رئيسه المقبل. لكن يجب ألا ننسى سبب المشكلة في الأساس، وألا ننسى أيضا الواقع السياسي على الأرض. في رأيي.. أهم شيء مطلوب الحفاظ على سوريا ككيان ودولة بما في ذلك المؤسسات السورية. أما من يكون الرئيس السوري أو من لا يكون الرئيس السوري، فهذه ليست القضية. ويجب ألا تكون هي القضية. إنما الواقع هو أن عدد القتلى في سوريا وعدد اللاجئين أو الذين خرجوا من ديارهم، حتى داخل سوريا، وصل إلى أرقام من الصعب معها تصور العودة إلى ما كانت عليه الأمور في البداية، دون تغيير. وسياسيا من الصعب تصور وصول الأطراف المتصارعة إلى اتفاق أو صفقة كبرى تنتهي إلى العودة بنا إلى الماضي كما كان، وكأن لم يكن هناك أي شيء. إذن في اعتقادي أن المسألة التي يجب أن يضمنها أي اتفاق، هو ضمان الدولة والمؤسسات. ومن الطبيعي أنه سيكون هناك تفاوض مع هؤلاء الأشخاص ومع هذه المؤسسات كمرحلة أولى، لكن في النهاية، في اعتقادي، يجب أن تكون بداية لسوريا جديدة.
* بوجوه جديدة؟
- في أغلب التوقعات نعم.
* وهل ترى أن مرحلة التشابك التي تشهدها المنطقة حاليا ما زالت تحت السيطرة، خاصة وأن هناك مخاوف من حدوث خلافات بين دول، مثل مصر والسعودية؟
- العلاقة بين مصر والسعودية أكبر من قضية بعينها، حتى نكون واضحين. أعتقد أن مصر والسعودية مهتمتان بالحفاظ على سوريا كدولة، بمعنى سوريا بمؤسساتها. أما مسألة استخدام القوة ضد سوريا أو عدم استخدامها، أو من يحكم سوريا ما بعد الوصول إلى حل، أو مغادرة الرئيس السوري أو عدم مغادرته خلال المرحلة الانتقالية، فهذه كلها أمور تكتيكية. لكن نحن نريد - وأعتقد، بل أثق أننا مهتمون بهذا، وأن السعودية أيضا مهتمة بهذا - الحفاظ على سوريا كدولة وعلى المؤسسات السورية، إنما من الصعب علينا أو على السعودية، أن نعتبر كل ما حدث في سوريا منذ بداية الأحداث (في 2011) كأنه لم يكن، ونعود إلى ما كانت عليه الأوضاع في أول الأمر. أما مسألة من يرحل ومتى فهذا كما قلت قرار سوري. والدليل على ذلك أن دعمنا السريع لخطوات السعودية في قضية اليمن، وبصرف النظر عن أن الموضوع السوري موجود منذ سنوات، ونحن متفقون فيه على بعض الأجزاء ومختلفون على بعض الأجزاء. لكن هذا لم يجعلنا نتردد إطلاقا في دعم السعودية في اليمن، ولم يجعل السعودية تتردد إطلاقا في دعم مصر، بشكل قوي، في أزمات متعددة.
* التوجه المصري في الفترة الأخيرة، والذي شاركت في بنائه بعد ثورة 2013، جعل الكثير من المراقبين يقولون إن مصر اتجهت إلى الشرق، أي إلى روسيا وإلى الصين، وأنها على خلاف مع الولايات المتحدة. كيف ترى هذا؟
- أولا، أنا أعلنت يوم 20 يوليو (تموز) 2013، بعد أن تحملت المسؤولية بأربعة أيام، أن مصر ستنطلق بهدف ضمان حرية قرارها السياسي الخارجي وذلك بتعدد الخيارات المصرية. بمعنى الحفاظ على الصديق القديم وتنمية العلاقة مع أصدقاء آخرين، حتى يكون القرار، في النهاية، قرارا مصريا. أعلنت ذلك ونفذته خلال الأشهر الثلاثة الأولى حيث جرى تبادل الزيارات بين روسيا ومصر على أعلى مستوى. وكذلك الأمر مع الصين واليابان وفي أفريقيا وهكذا. هذا ما أقصده باستعادة القرار العربي. يجب أن يكون لنا علاقات جيدة مع أميركا، وجيدة مع روسيا ومع غيرها. أي أننا مثلا حين نتعاون في مجال الزراعة مع روسيا أو أميركا أو اليابان، يكون من خلال (مصلحة) عربية، وكذلك الأمر بالنسبة للتعاون العسكري أو السياسي. ولا يمكن أن نتصور أنه مع كل نزاع إقليمي في منطقة معينة، أن الدول الكبرى ستسرع في الوقوف معنا. الدول الكبرى ستتحرك حين تكون هناك أزمة كبرى. إذن علينا أن نعتمد على الذات، وطنيا في التعامل مع القضايا الصغرى، أو المتوسطة أو إذا لم يكن هذا كافيا، فيكون بالتعاون الإقليمي العربي - العربي. هذا ما طرحته حينذاك، وهذا ما نفعله اليوم. وأنا مؤيد لذلك تماما. الإضافة المطلوبة الآن هي مزيد من المبادرات السياسية لحل القضايا الإقليمية.

* مهندس الدبلوماسية الخارجية بعد ثورة 2013
* نبيل إسماعيل فهمي دبلوماسي مصري، لعب دورا كبيرا لتحسين صورة مصر في الخارج بعد ثورة المصريين وعزل الرئيس الأسبق محمد مرسي في 2013، حتى أطلق عليه البعض مهندس السياسة الخارجية المصرية لمرحلة ما بعد الثورة. واستمر في عمله كوزير للخارجية من منتصف 2013 إلى منتصف 2014.
* ولد عام 1951 لعائلة دبلوماسية عريقة، فهو ابن إسماعيل فهمي وزير الخارجية الذي استقال أثناء مفاوضات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1979، احتجاجا على المسار الجديد للرئيس أنور السادات في ذلك الوقت.
* تخرج في كلية الهندسة بالجامعة الأميركية بالقاهرة. وشغل موقع سفير مصر لدى الولايات المتحدة من عام 1999 إلى 2008. ويتولى في الوقت الحالي منصب عميد كلية العلاقات العامة في الجامعة الأميركية بالعاصمة المصرية.



«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.


«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.