برنامج «سيري» من «آبل».. إطلالة على مستقبل الحوسبة

تحدّث الإنسان إلى الكومبيوتر يبشر بعصر إلكتروني جديد

برنامج «سيري» من «آبل».. إطلالة على مستقبل الحوسبة
TT

برنامج «سيري» من «آبل».. إطلالة على مستقبل الحوسبة

برنامج «سيري» من «آبل».. إطلالة على مستقبل الحوسبة

حظيت خاصية «ثري دي تاتش» في أحدث جوالات «آبل» الذكية، «آيفون 6 إس» و«6 إس بلاس»، بالاهتمام الأكبر من الجميع، حيث تسمح للمستخدمين بتنشيط الاختصارات على الجوال عبر الضغط بقليل من الشدة على الشاشة، إلا أنني عثرت على خاصية قديمة لكنها أعظم فائدة في «آيفون» الجديد. ورغم ما أحاط بها من سخرية لزمن طويل، فإنها تتحول تدريجيًا الآن إلى جزء لا غنى عنه في الحوسبة الحديثة.
* التحدث مع الكومبيوتر
قد تكون سمعت عن هذه الخاصية والتي تدعى «سيري»، حيث يتوقع أن تغير طريقة تفكيرنا إزاء الكومبيوترات بالاشتراك مع مبادرات التحكم الصوتي من غوغل وأمازون ومايكروسوفت وعدة شركات ناشئة أخرى.
وكما كتب ديفيد بيريس مؤخرًا في مجلة «وايرد»، فإن تقنيات تمييز الأصوات والذكاء الصناعي تتطور على نحو جيد وسريع يشي بأن الحديث إلى الكومبيوترات سيصبح عما قريب واحدًا من الطرق الأساسية للتفاعل، وليس دربًا من دروب الخيال.
وتمهد خاصية سيري الطريق أمام ما قد يسمى «الحوسبة المحيطة» - وهي بيئة يتوفر فيها مساعدون آليون على مدار الساعة تجيب عن الأسئلة وتدون الملاحظات وتتلقى الأوامر، أو تصبح عقولا مساعدة توكل إليها كثيرا من أعمالك المنزلية اليومية.
تخيل كومبيوتر «ستار تريك»، لكن بدلاً من أن يشغل سفينة نجمية، فإنه يطفئ أنوار القبو، ويجد لك فيلمًا مناسبًا على نيتفليكس، ويذكرك بأن تشتري لزوجتك باقة من الزهور في اليوم التالي بعدما يسمع المشاجرة بينكما. قد يكون غريبًا بعض الشيء لكنه مفيد، وسيأتيك أسرع مما تتخيل.
* تحديثات مهمة
لقد طرأ تحديث واحد مهم على خاصية سيري في جوال آيفون 6 إس ينبئ بتلك الإمكانات الهائلة، حيث يمكنك الآن أن تصيح على جوالك من مسافة تصل لعدة أقدام بدلاً من أن تمد يدك لالتقاطه لكي تنشط سيري. ويكفي أن تنادي «مرحى سيري»، لكي تدب الحياة في المساعد الآلي. لكنه ليس بالشيء الجديد، إذ إن التحكم الصوتي عن بعد متوفر في الجوالات الذكية المنافسة منذ أن طرحته شركة موتورولا عام 2013، وتبنته شركات أخرى منذ ذلك الحين. كما أنه متاح أيضًا في الإصدارات الأقدم من آيفون، عندما يكون الجوال متصلا بشاحنه، لأن الاستماع الدائم لعبارة «مرحى سيري» يستهلك طاقة البطارية. لكن آيفون 6 إس يقلص استهلاك البطارية عبر تعديلات في الأجزاء الصلبة.
لكن «مرحى سيري» «Hey, Siri» ليست التحديث الوحيد، إذ يمتلك هذا البرنامج في نظام التشغيل الجديد في آبل، آي أو إس9، قدرات إضافية تمكنه من الاتصال بأجزاء أعمق من جوالك. ويمكن للتطبيق أن يتحكم في الأجهزة المتوافقة مع نظام أتمتة المنزل من آبل والمسمى «هومكيت»، حيث تستطيع أن تأمره بإطفاء الأنوار على سبيل المثال. كما يتحكم سيري في آبل ميوزيك، وهي خدمة البث الجديدة التي طرحتها الشركة.
* تحكم صوتي
هناك أيضًا هذا الانتشار الواسع للأجهزة المزودة بتقنية التحكم الصوتي عن بعد. وبخلاف الجوال، وضعت آبل برنامج سيري في ساعتها وجهازها المقبل لفك التشفير التلفزيوني. أما أمازون فأضافته إلى كومبيوتر «إيكو» المزود بخاصية التحكم الصوتي ودائم الإصغاء للمستخدم لكي يكون على استعداد تام لمساعدته، وضمنته أيضًا أجهزتها للبث التلفزيوني. وأدرجت غوغل ومايكروسوفت بدورهما الخاصية الصوتية في الجوالات والكومبيوترات وأجهزة التلفزيون. كما انضمت عدة شركات ناشئة إلى اللعبة أيضًا. وتقدم إحداها، وتدعى ساوندهاوند، لمحة عن الآفاق الممكنة للحديث مع الآلات، حيث يمكن للمستخدم أن يطلب قائلاً: «أوجد لي فندقًا من فئة 3 أو 4 نجوم في نيويورك الجمعة المقبلة مقابل أقل من 300 دولار» ويأتي إليه المطلوب، بدلا من أن يضطر إلى التجول عبر عدة مواقع على الإنترنت لحجز غرفة في أحد الفنادق.
لقد اختبرت هذا الشعور الرائع مع جهاز إيكو من أمازون، الذي يناديه المرء بالكلمة المفتاحية «أليكسا»، حيث أحتفظ به في مطبخي، وهو المكان الذي أحتاج فيه عادة إلى جهاز قابل للتحكم به عن بعد. وفي فترة مبكرة من استخدامي لجهاز إيكو، كنت أجهل فوائده، وعندما كان يخطئ في أمر ما كنت أميل إلى عقابه على نقائصه.
لكن كلما لازمت الجهاز، أحسنت فهم قدراته. والآن أراجع إيكو عدة مرات يوميًا لمعرفة أحوال الطقس، وضبط المؤقتات، وإنجاز حسابات المطبخ السريعة، وتشغيل الموسيقى والاستماع إلى الكتب الصوتية. وهكذا أصبح واحدًا من أكثر الأجهزة التي أمتلكها نفعًا لي (كما أن معدات التمييز الصوتي في إيكو أقوى من نظيراتها في آيفون، إذ يمكن لأليكسا أن يسمعني من أقصى ركن في الغرفة، بينما توقف «هاي سيري» في آيفون6 إس عن العمل بعد مسافة تزيد على 5 أقدام تقريبًا).
* اختراق الخصوصية
إلا أن الانتشار الواسع المقبل للأجهزة التي يتم التحكم بها عن بعد لن يحدث دون أن يثير بعض القلق الاجتماعي، إذ لا بد من التوصل إلى بعض الاتفاقات الجماعية من قبيل: هل من المناسب أن تنادي (مرحى سيري) على متن حافلة؟ ربما ليس في المستقبل القريب، لكن عندما يحين الأوان قد يحدث ذلك. من المحتمل أن تتردد في البداية، ثم بعد ذلك سيصبح أمرًا طبيعيًا.
الآيفون الجديد يحاول حفظ صوتك لكي يمنع الآخرين من تشغيل جهازك كما ستطرح أسئلة عن الخصوصية أيضًا، حيث تصغي أنظمة مثل «مرحى سيري» باستمرار إلى محيطها لكي تبدأ في العمل عندما تسمع كلمات مفتاحية معينة. وتقول آبل إن «سيري يبحث عن نمط متكرر ولا يسجل أو يخزن أي بيانات». لكن لا يمكنك أن تستبعد أن تقوم المساعدات الصوتية بتحليل كل كلماتك، لأن ذلك من شأنه أن يعزز فائدتها. في الواقع، ومنذ سنوات طويلة، يعد كبار المهندسين في غوغل كومبيوتر «ستار تريك» معبرًا عن رؤيتهم للبحث في المستقبل.
أميت سينغال، رئيس فريق البحث في غوغل، قال لي ذات مرة: «كومبيوتر (ستار تريك) ليس عبارة مجازية نستخدمها لكي نشرح للآخرين ما الذي نصنعه... إنه النموذج المثالي الذي نحاول صناعته صناعة النسخة المثالية واقعيًا».
ولا يكتفي الكومبيوتر التخيلي بالاستجابة للأوامر، ولكنه يصغي دون تدخل ويحلل ويتوقع ما تريده بناء على ما يسمعه. ويسهل على المرء أن يتخيل الفوائد الكثيرة التي ستحققها هذه الأجهزة. فلماذا سيتعين علي أن أطلب من كومبيوتري القيام بعمل ما – ما دام يصغي؟ ألا يكفيه فحسب أن يسمعني أبلغ زوجتي أن الخبز نفد لكي يضيفه إلى قائمة المشتريات من البقالة. وإذا قلت لطفلي الصغير إن «أمامك 3 دقائق لكي تنظف أسنانك وإلا تعرضت للعقاب»، ألا ينبغي أن يسجل التوقيت لكي يذكر الطفل اللاهي بأنه قد يذهب للنوم دون حكاية؟
* مستقبل كومبيوتري
في الواقع لقد ظهرت نسخة من هذا الجهاز التأديبي الناطق الموسم الماضي في «سيليكون فالي». بالطبع لقد وجدته أمرًا بائسًا، لكنه رائع في الوقت نفسه. إن تربية الأبناء عمل شاق، فلماذا لا أستعين بكومبيوتر من حين لآخر لكي يساندني في هذه المهمة؟
بالتأكيد هذه هي البداية فحسب، وبمرور الزمن، ومع سماحنا لتلك الأجهزة المساعدة بالإصغاء إلى حياتنا اليومية على نحو أوسع، فإنها سوف تستغل تلك المعلومات بصور غير متخيلة - لكي تكون أكثر نفعًا، ولكن أيضًا لكي تتعمق في معرفة شخصيتك من أجل أن تعزز ربحها من هذه العلاقة.
ولا يجدر بك أن تشعر بهذه المخاوف الكبيرة مع جهاز آيفون الجديد، الذي لن يرتكب أي أمر شائن بمعاونة مساعده الصوتي. لكن تذكر أنك في كل مرة تصيح «مرحى سيري» أو «حسنًا غوغل» أو «مرحى كورتانا» أو «أليكسا»، فإنك تأذن بمولد عصر جديد في تعاملاتنا مع الأجهزة.
لسنوات طويلة مضت، كنا نقصد الكومبيوترات لكي تنجز لنا الأعمال، أما الآن فهي من حولنا في كل مكان، إنها تسمع وتساعد ولا فكاك منها.
*خدمة «نيويورك تايمز»



«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
TT

«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)

بعد ساعات من انتهاء المهلة المحددة لسداد غرامة بالملايين فرضها الاتحاد الأوروبي، قدّمت منصة «إكس»، المملوكة للملياردير إيلون ماسك، إلى المفوضية الأوروبية تصوراً لتعديلات جوهرية على المنصة.

وأكد مسؤول إعلامي باسم الهيئة المنظمة، ومقرها بروكسل، الجمعة، أن المقترحات المقدمة من المنصة تركز بالأساس على تطوير آليات توثيق الحسابات عبر علامات التحقق (الشارات الزرقاء)، بهدف تعزيز الشفافية ومكافحة التضليل.

ولم يكشف المسؤول عن أي تفاصيل، لكنه أشار إلى أنها خطوة في الاتجاه الصحيح، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي: «لا يسعنا إلا أن نثمن أنه بعد حوار بناء مع الشركة، أخذت التزاماتها القانونية على محمل الجد وقدمت لنا مقترحات عملية».

يذكر أن المفوضية الأوروبية كانت قد فرضت على المنصة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، غرامة قدرها 120 مليون يورو (137.7 مليون دولار) استناداً إلى قانون الخدمات الرقمية، وذلك على خلفية ما وصفته بـ«الافتقار إلى الشفافية» في طريقة توثيق الحسابات باستخدام علامة بيضاء على خلفية زرقاء، والتي عدّتها مضللة.

وجاء إجراء الاتحاد الأوروبي ضد «إكس» عقب تحقيق استمر نحو عامين بموجب قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي، الذي يُلزم المنصات الإلكترونية ببذل مزيد من الجهود لمكافحة المحتوى غير القانوني والضار.

وفي يوليو (تموز) 2024، اتهمت المفوضية الأوروبية «إكس» بتضليل المستخدمين، مشيرة إلى أن علامة التوثيق الزرقاء لا تتوافق مع الممارسات المتبعة في هذا المجال، وأن أي شخص يستطيع الدفع للحصول على حالة «موثق».


إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
TT

إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)

أشادت «قمة مونتغمري 2026» العالمية بجهود منظمة التعاون الرقمي، التي باتت منصة دولية ذات مصداقية تهدف إلى سدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية لخدمة الإنسان.

وتجمع القمة نخبة من رواد الأعمال والمستثمرين وصنّاع السياسات وقادة القطاع التقني من مختلف أنحاء العالم لمناقشة التوجهات الناشئة التي تسهم في تشكيل مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأكدت ديمة اليحيى، الأمين العام للمنظمة، خلال مشاركته في القمة عبر الاتصال المرئي، أن «التعاون الرقمي ليس شعارات بل إنجازات على أرض الواقع»، منوهة بأن «أفضل ما في الدبلوماسية التقنية لم يأتِ بعد، والمزيد من دول العالم تختار هذا المسار يوماً بعد يوم لتحقيق طموحات شعوبها باقتصاد رقمي مزدهر يشمل الجميع».

وأضافت اليحيى أن «المنظمة أصبحت تضم اليوم 16 دولة و800 مليون إنسان، ومجتمعاً متنامياً؛ بفضل رؤية الدول الأعضاء، والتزامها وتفاني الأمانة العامة، وثقة شركائها في القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني».

إلى ذلك، تُوِّجت الأمين العام للمنظمة، خلال حفل أقيم ضمن أعمال القمة، بـ«جائزة الدبلوماسية التقنية»، التي تُمنح لتكريم القادة العالميين الذين يسهمون في تعزيز التعاون الدولي بمجال التقنية والابتكار الرقمي، بوصفها أول شخصية عربية وسعودية تحصدها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء السعودية».

من جهته، أفاد جيمس مونتغمري، مؤسس القمة، بأن اليحيى «أثبتت أن التعاون المتعدد الأطراف في القضايا الرقمية ليس ممكناً فحسب، بل هو ضرورة لا غنى عنها»، مشيراً إلى أنها «أرست نموذجاً جديداً لكيفية تعاون الدول في مجال السياسات التقنية».

بدوره، اعتبر مارتن راوخباور، مؤسس «شبكة الدبلوماسية التقنية»، أن المنظمة «باتت منصة عالمية ذات مصداقية تجمع الحكومات والقطاع الخاص لسدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية، وضمان أن يخدم التقدّم التقني الإنسان بدلاً من أن يتركه خلفه».

ولفت راوخباور إلى أن «التعاون التقني الدولي الفعّال ممكنٌ وملحّ في آن واحد، وهذا المزيج بين الرؤية والتنفيذ والحسّ الدبلوماسي هو تحديداً ما أُنشئت جائزة الدبلوماسية التقنية للاحتفاء به».

وحقّقت منظمة التعاون الرقمي، التي تتخذ من الرياض مقراً لها، تقدّماً كبيراً منذ تأسيسها في عام 2020، لتكون أول منظمة دولية متعددة الأطراف مكرّسة لتمكين اقتصادات رقمية شاملة ومستدامة وموثوقة من خلال التعاون الدولي.

وتضم المنظمة اليوم 16 دولة تمثل أكثر من 800 مليون نسمة وناتجاً محلياً إجمالياً يتجاوز 3.5 تريليون دولار، تعمل معاً لفتح آفاق جديدة في الاقتصاد الرقمي. وشهدت نمواً ملحوظاً وحضوراً دولياً متزايداً، حيث تضاعفت عضويتها 3 مرات منذ تأسيسها من 5 دول مؤسسة، ووسّعت فئة المراقبين والشركاء لديها لتتجاوز 60 مراقباً وشريكاً.

كما حصلت على اعتراف رسمي ضمن منظومة الأمم المتحدة، ما يُعزِّز دورها منصة عالمية لتعزيز التعاون الرقمي، علاوةً على مبادراتها وشراكاتها في هذا الصدد، وجمع الوزراء وصنّاع السياسات ورواد الأعمال والمنظمات الدولية لتعزيز الحوار والتعاون العالمي حول الاقتصاد الرقمي.


الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
TT

الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)

مع التصعيد المتسارع على عدة جبهات في الشرق الأوسط، تتدفق المعلومات بسرعة تكاد توازي سرعة الأحداث نفسها. وغالباً ما تكون منصات التواصل الاجتماعي أول مكان تظهر فيه الصور ومقاطع الفيديو والتقارير عن هجمات مزعومة أو تطورات عسكرية. لكن بالتوازي مع المعلومات الحقيقية، بدأت أيضاً موجة من المحتوى المضلل أو المفبرك تنتشر على الإنترنت، ما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف أكثر صعوبة.

تحدٍّ رقمي متزايد

في هذا السياق، يحذر خبراء الأمن السيبراني من أن الانتشار السريع للمعلومات المضللة، لا سيما عبر مقاطع الفيديو المعدلة وتقنيات التزييف العميق (Deepfakes)، أصبح تحدياً رقمياً متزايداً خلال فترات عدم الاستقرار الجيوسياسي.

ويؤكد ماهر يمّوت الباحث الرئيسي في الأمن لدى شركة «كاسبرسكي» خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، أن التمييز بين المعلومات الموثوقة والروايات الزائفة يصبح أكثر أهمية خلال حالات الطوارئ، حين ترتفع حدة المشاعر ويميل الناس إلى مشاركة المحتوى بسرعة من دون التحقق منه.

ويردف: «مع تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، حذّرت جهات حكومية في دول مجلس التعاون الخليجي من نشر أو تداول أي معلومات من مصادر غير معروفة». ويضيف أن «الأخبار الزائفة، أي المعلومات المضللة أو غير الدقيقة التي تُقدَّم على أنها أخبار حقيقية، تصبح أكثر خطورة خلال حالات الطوارئ».

ماهر يموت باحث أمني رئيسي في «كاسبرسكي» (كاسبرسكي)

المعلومات المضللة

ليست الأخبار الزائفة ظاهرة جديدة، لكنّ حجم انتشارها وسرعتها تغيّر بشكل كبير مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي، يمكن أن تنتشر تقارير غير مؤكدة أو مقاطع فيديو معدّلة على نطاق واسع خلال دقائق، وقد تصل إلى ملايين المستخدمين قبل أن تتمكن جهات التحقق من الحقائق من مراجعتها.

ويصنف الخبراء الأخبار الزائفة عادة ضمن فئتين رئيسيتين؛ الأولى تتعلق بمحتوى مفبرك بالكامل يهدف إلى التأثير في الرأي العام أو جذب زيارات إلى مواقع إلكترونية معينة. أما الثانية فتتضمن معلومات تحتوي على جزء من الحقيقة، لكنها تُعرض بشكل غير دقيق لأن الكاتب لم يتحقق من جميع الوقائع، أو بالغ في بعض التفاصيل.

وفي الحالتين، يمكن أن يؤدي ذلك إلى إرباك المتابعين خلال الأزمات، خصوصاً عندما يعتمد المستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي، بدلاً من المصادر الإخبارية الموثوقة للحصول على التحديثات.

كما بدأت السلطات في عدة دول، التحذير من أن نشر معلومات خاطئة حتى من دون قصد، قد يعرّض المستخدمين للمساءلة القانونية، ما دفع الحكومات وخبراء الأمن الرقمي إلى التشديد على أهمية الوعي الرقمي والمسؤولية عند مشاركة المعلومات في أوقات حساسة.

الخداع المدعوم بالذكاء الاصطناعي

أدخل الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً إلى مشكلة المعلومات المضللة، من خلال ما يُعرف بتقنيات «التزييف العميق»، وهي مقاطع فيديو مفبركة تُنشأ باستخدام تقنيات التعلم الآلي؛ مثل تبديل الوجوه أو توليد محتوى بصري اصطناعي. وفي بعض الحالات يمكن تعديل مقاطع حقيقية لتبدو كأنها توثق أحداثاً لم تقع أصلاً.

ويصرح يمّوت بأن أهمية التحقق من الأخبار الزائفة باتت أكبر من أي وقت مضى مع انتشار التزييف العميق. ويزيد: «الذكاء الاصطناعي يتيح دمج مقاطع فيديو مختلفة لإنتاج مشاهد جديدة تظهر أحداثاً أو أفعالاً لم تحدث في الواقع، وغالباً بنتائج واقعية للغاية».

وتجعل هذه التقنيات مقاطع الفيديو المعدلة تبدو حقيقية إلى حد كبير، ما قد يؤدي إلى تضليل المستخدمين، خصوصاً عندما يتم تداولها في سياقات مشحونة عاطفياً؛ فعلى سبيل المثال، قد تظهر مقاطع معدلة كأنها توثق هجمات أو تحركات عسكرية أو تصريحات سياسية لم تحدث. وحتى إذا تم كشف زيف هذه المقاطع لاحقاً، فإن انتشارها الأولي قد يسبب حالة من القلق أو الارتباك لدى الجمهور.

قد تؤدي الأخبار الزائفة إلى إرباك الجمهور ونشر الشائعات خصوصاً عند تداولها دون تحقق (شاترستوك)

كيفية التحقق من المعلومات

يشدد خبراء الأمن السيبراني على أن المستخدمين أنفسهم يلعبون دوراً أساسياً في الحد من انتشار المعلومات المضللة؛ فبينما تطور المنصات والجهات التنظيمية أدوات لرصد المحتوى المزيف، يمكن للأفراد اتخاذ خطوات بسيطة للتحقق من صحة المعلومات قبل مشاركتها.

أولى هذه الخطوات هي التحقق من مصدر الخبر؛ فبعض المواقع التي تنشر أخباراً مزيفة قد تحتوي على أخطاء إملائية في عنوان الموقع الإلكتروني أو تستخدم نطاقات غير مألوفة، تحاكي مواقع إعلامية معروفة.

وينصح يمّوت بالتحقق من عنوان الموقع بعناية، والاطلاع على قسم «من نحن» في المواقع غير المعروفة. ومن الأفضل الاعتماد على مصادر رسمية ومعتمدة؛ مثل المواقع الحكومية أو المؤسسات الإعلامية الموثوقة.

كما ينبغي التحقق من هوية الكاتب أو الجهة التي نشرت الخبر. فإذا لم يكن المؤلف معروفاً أو لا يمتلك خبرة واضحة في الموضوع، فقد يكون من الحكمة التعامل مع المعلومات بحذر.

وتعد مقارنة الخبر مع مصادر موثوقة أخرى خطوة مهمة أيضاً؛ فالمؤسسات الإعلامية المهنية تعتمد إرشادات تحريرية وإجراءات تحقق من المعلومات، ما يعني أن الأحداث الكبرى عادة ما تُغطى من قبل أكثر من جهة إعلامية موثوقة.

ويشير يمّوت أيضاً إلى أهمية التحقق من التواريخ والتسلسل الزمني للأخبار، إذ إن بعض المعلومات المضللة يعتمد على إعادة نشر أحداث قديمة أو عرضها، كما لو أنها وقعت حديثاً. كما يلفت إلى أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي قد تخلق ما يُعرف بـ«غرف الصدى»، حيث تُعرض للمستخدمين محتويات تتوافق مع آرائهم واهتماماتهم السابقة، وهو ما يجعل من الضروري الاطلاع على مصادر متنوعة وموثوقة قبل تكوين أي استنتاجات.

التلاعب بالمشاعر

يعتمد كثير من الأخبار الزائفة على إثارة المشاعر؛ فالعناوين المثيرة أو المقاطع الدرامية غالباً ما تُصاغ بطريقة تستفز مشاعر الخوف أو الغضب أو الصدمة، وهي مشاعر تزيد من احتمال مشاركة المحتوى بسرعة.

ويقول يمّوت: «كثير من الأخبار الزائفة يُكتب بطريقة ذكية لاستثارة ردود فعل عاطفية قوية». ويضيف أن «الحفاظ على التفكير النقدي وطرح سؤال بسيط مثل: لماذا كُتب هذا الخبر؟ قد يساعد المستخدمين في تجنب نشر معلومات مضللة». وتزداد أهمية هذا الأمر على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تميل الخوارزميات إلى إبراز المحتوى الذي يحقق تفاعلاً كبيراً، وبالتالي قد تنتشر المنشورات المثيرة للمشاعر أسرع من التقارير المتوازنة.

يسهم الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق في إنتاج فيديوهات وصور تبدو واقعية لكنها مفبركة (شاترستوك)

مؤشرات بصرية على التلاعب

يمكن للصور ومقاطع الفيديو نفسها أن تقدم مؤشرات على احتمال تعرضها للتعديل؛ فبعض الصور المعدلة قد تظهر خطوطاً خلفية مشوهة أو ظلالاً غير طبيعية، أو ألوان بشرة تبدو غير واقعية. أما في مقاطع الفيديو المزيفة فقد تظهر مشكلات في الإضاءة أو حركة العينين أو ملامح الوجه. ورغم أن اكتشاف هذه المؤشرات ليس دائماً سهلاً، خصوصاً عند مشاهدة المحتوى عبر الهاتف الجوال، فإنها قد تساعد المستخدمين على الشك في مصداقية بعض المقاطع المتداولة.

مسؤولية رقمية مشتركة

يرى الخبراء أن الحد من انتشار المعلومات المضللة خلال الأزمات، يتطلب تعاوناً بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الإعلامية والمستخدمين أنفسهم. ويلفت يمّوت إلى أن أبسط قاعدة قد تكون الأكثر فاعلية: «إذا كنت غير متأكد من صحة المحتوى، فلا تشاركه». ويضيف أن المشاركة المسؤولة تساعد في الحد من انتشار المعلومات المضللة وتحمي المجتمعات الرقمية.

ومع استمرار المنصات الرقمية في تشكيل طريقة انتقال المعلومات عبر الحدود، تصبح القدرة على تقييم المحتوى على الإنترنت مهارة أساسية؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي والحروب، حين تختلط الشائعات بالوقائع، لا يتعلق التحدي بالأمن السيبراني فقط؛ بل أيضاً بحماية مصداقية المعلومات نفسها.