هل هناك نوعان من سينما العرب.. واحد لهوليوود والآخر لـ«كان»؟

مقابل كل حفنة من الأفلام يوجد واحد مميّز

إيليا سليمان في لقطة من فيلمه «يد إلهية»
إيليا سليمان في لقطة من فيلمه «يد إلهية»
TT

هل هناك نوعان من سينما العرب.. واحد لهوليوود والآخر لـ«كان»؟

إيليا سليمان في لقطة من فيلمه «يد إلهية»
إيليا سليمان في لقطة من فيلمه «يد إلهية»

سواء أنجز الفيلم الفلسطيني «عمر» وعوده وحقق للسينما العربية أول فوز بالأوسكار في تاريخ الجائزة الذي يعود إلى عام 1928، أو اكتفى بالوصول إلى الترشيحات الرسمية بعد يومين، وسواء أنجز «الميدان» المتسابق في قسم الأفلام التسجيلية الوعد ذاته أو لم ينجز، فإن الاشتراكات العربية في سباق الأوسكار باتت منذ سنوات ليست بعيدة أكثر حضوراً مما كانت عليه من قبل.
السينما الفلسطينية وحدها وصلت إلى مستوى الترشيحات الرسمية مرّتين. الأولى سنة 2005 عندما قام المخرج هاني أبو أسعد بتقديم فيلمه السابق «الجنّة الآن»، والثانية عبر فيلمه الحالي «عمر». لكن عدد المرّات التي تقدّمت فيها السينما الفلسطينية بأفلام لكي تدخل الترشيحات المذكورة هي ست مرّات بما فيها هذان الفيلمان. المرّات الأربع الأخرى تبلورت عن محاولات قادها المخرج إيليا سليمان عندما بعث بفيلمه «يد إلهية» إلى سباق الأوسكار لعام 2003. في العام التالي حاول المخرج حنا إلياس دخول ذلك المحراب بفيلم «موسم الزيتون». وبعد نجاح هاني أبو أسعد في الوصول إلى الترشيحات الرسمية بفيلمه «الجنّة الآن»، قامت آن ماري جاسر بمسعى تقديم فيلمها «ملح هذا البحر» سنة 2008، ثم قامت سنة 2012 بالمحاولة الثانية لها فقدّمت «لما شفتك»، وهذا قبل نجاح أبو أسعد للمرّة الثانية في الوصول إلى الترشيحات الرسمية التي يجري الاقتراع عليها واختيار الفائز من بينها.

* حدود ضيّقة
وحتى وإن لم يفُز فيلم أبو أسعد إلا بحدود الوجود في هذا النطاق، يبقى الأمر مدعاة غبطة شخصية من ناحية وإعلامية للسينما الفلسطينية، وبل لقضية ما زالت الشاغل الأكبر حول العالم، خصوصاً وسط الظروف والمتغيّرات السائدة في هذه المنطقة ودرب الوصول إلى حل سلمي التي يجري حالياً تعبيدها بصعوبة.
لكن البون شاسع بين معظم ما يخرج من أعمال تحمل الراية الفلسطينية وبين المستوى الفني الذي على الفيلم التحلّي به لتحقيق نوعية لا يمكن رفضها. السينما الفلسطينية التي بدأ نوع من تاريخها في مخيّمات بيروت في مطلع السبعينات عبر أفلام وثائقية ذات نبرة خطابية ودعائية مباشرة غير فاعلة، ما زالت تعاني من خفوت مستوى معظم ما تقدّمه من أعمال روائية أو تسجيلية. النبرة تغيّرت والأولوية أصبحت لمنح الفيلم شخصية فنيّة في المقام الأول، لكن تنفيذ هذه الملامح على نحو فاعل وحيوي ما زال قيد البداية باستثناء ما قام به المخرجان أبو أسعد وإيليا سليمان.
والملاحظ أن الأول عمد إلى تجاوز الحدود الضيّقة للطرح الفلسطيني عبر حكايتين مسرودتين بأسلوب تشويقي قائم على سرد الحدث ومعالجة طروحاته انطلاقاً من ذلك السرد، في حين عمد إيليا سليمان إلى تأخير السرد التقليدي إلى أبعد نقطة ممكنة من العرض وتقديم أسلوبه الذاتي الخاص به مثل بصمة لا يمكن نكرانها.
«يد إلهية» نموذجي في هذا الصدد. الفيلم الذي تطرّق فيه سليمان إلى الوضع برمّته من دون خطابات جاهزة، والذي ميّزه برؤيته الشخصية من دون أن يدير ظهره إلى القضية المطروحة في الوقت ذاته لم يخفق، سنة 2002، من نيل جوائز قيّمة أعلاها شأناً جائزة لجنة التحكيم في مهرجان «كان» السينمائي في العام ذاته.
حقيقة أن «كان» منحه جائزة رئيسة من جوائزه الرسمية وأنكرت عليه أكاديمية العلوم والفنون السينمائية موزّعة «الأوسكار»، مجرد الترشيح يكشف عن نظرتين مختلفتين. «كان» اهتم بالتعبير الفني والإبداع الذاتي، الأكاديمية رغبت في فيلم مفتوح على منوال قصصي... أو ربما هذا يكون افتراضنا كوننا لا نعلم تأكيداً السبب الذي من أجله لم يجري ترشيحه للأوسكار رسمياً.

* حكاية زرافة
العام الفائت شهد خروج ثلاثة أفلام فلسطينية روائية كان «عُمر» أحدها. إلى جانبها فيلم تسجيلي للأردنية ميس دروزة حمل تمويلاً أردنياً - ألمانياً - قطرياً مشتركاً بعنوان «حبيبي بيستناني عند البحر». فيلم رائع يتعامل والموضوع الفلسطيني من خلال مقابلات وذكريات وأشعار للراحل حسن حوراني.
روائياً، لم يستطع «زرافاضة» (جمع بين كلمتي «زرافة» و«انتفاضة» حسب رغبة المخرج راني مصالحة، إحداث أي اهتزاز على سطح البركة الراكدة. عمل كوميدي متواضع خال من أسلوب فني مميّز ويعتمد على السرد والطرح وحديهما وليس على الكيفية التي بإمكانها صنع فيلم أكثر تأثيراً وتنفيذاً. حكايته تدور حول طبيب بيطري في حديقة الحيوان داخل فلسطين لديه ابن يعشق الزرافتين اللتين تعيشان في تلك الحديقة. عندما تقتل الغارة الإسرائيلية إحدى هاتين الزرافتين، وتجنباً لموت الأخرى حزناً، يصير لزاماً على الطبيب (وصحافية أجنبية حشرت نفسها في الموضوع)، جلب زرافة أخرى ولو من حديقة حيوان إسرائيلية.
الفكرة ليست قابلة للتصديق وإن كانت إنسانية الوقع والنبرة. لكن الأكثر من ذلك أن المعالجة توفر فيلماً خفيف السياق وميلودرامي الوقع حتى نهايته.

* جيد للداخل
كان ذلك أول فيلم للسينمائي مصالحة، لكن الفيلم الثالث بين تلك الإنتاجات التي جرت باسم السينما الفلسطينية في العام الماضي، ينتمي إلى مخرج له حضوره الدائم في المهرجانات العربية (وبعض الدولية) هو رشيد مشهراوي. الفيلم الذي حققه حمل عنوان «فلسطين ستيريو» والاسم وحده يشي بفكرة تقليدية تقوم على منح شخصية من الشخصيات اسماً غريباً لتمييزها. ما يتحدّث عنه الفيلم هو موضوع حول شقيقين فقد أحدهما النطق والسمع، خلال غارة إسرائيلية على البناية التي يقطنها مع شقيقه، واعتبر الآخر نفسه مسؤولاً عن ذلك إذ هو الذي بعث بأخيه إلى تلك الشقّة قبيل حدوث الغارة. هما الآن يحاولان الهجرة إلى كندا ويخوضان معترك استصدار التأشيرة وما تتطلّبه من تجاوز شروط ومتطلّبات. رشيد مشهراوي يعيش في باريس وهو بلا ريب شاهد الكثير من الأفلام وأساليب التعبير لكنه يعمد هنا إلى الحفر في المكان نفسه موفراً تركيبة نمطية تخلو من التوتر والحدّة إلا في النهايات.
«زرافاضة» و«فلسطين ستيريو» عرضا في مهرجانات عربية، لكن عرضهما - وعرض معظم ما يجري تصنيعه عربياً - يكشف عن ثغرة كبيرة: ما يصلح للعرض في مهرجانات السينما العربية لا يصلح بالضرورة (وعلى نحو غالب) للعرض في مهرجانات دولية. ما يراه الناقد العربي عادة جيّد ويستحق الفوز قد لا يراه الأجنبي من الزاوية ذاتها، ولا يمكن لومه في ذلك فالكثير من هذه الأفلام لا تكتنز ما يكفي للانتقال من شاشة مهرجان مثل دبي أو أبوظبي أو مراكش أو سواها إلى شاشات برلين أو كان أو لوكارنو أو غيرها. لكن الحال اليوم أفضل مما كان عليه قبل عشر سنوات، ووصول بعض أفلام العالم العربي إلى الأوسكار أو إلى «كان» و«فينسيا» كما حدث في العامين الماضي والحالي دليل على أن شيئاً إيجابياً يقع في مضمار هذه الصناعة.

* جوائز «عُمر» حتى الآن
* إذا فاز «عُمر» بعد يومين بأوسكار أفضل فيلم أجنبي، فسيكون ذلك سادس فوز له. الجوائز التي حصدها حتى الآن هي: جائزة «آسيا باسيفيك» كأفضل فيلم، جائزة قسم «نظرة ما» الخاصة (مهرجان «كان»)، جائزتا أفضل فيلم وأفضل مخرج (مهرجان دبي)، وجائزة لجنة التحكيم لفيلم شبابي (مهرجان غنت، بلجيكا).



«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
TT

«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩

بعد طول انتظار، يعود فيلم «الشيطان يرتدي برادا 2» (The Devil Wears Prada 2)، لتعود معه صراعات ميرندا بريستلي وآندي ساكس، ولكن في عالم تغيَّرت قواعده؛ حيث لم تعد المجلات تحتفظ بمكانتها كما قبل عقدين، وأصبح التأثير موزعاً بين المنصات الرقمية وسلطة المُعلنين. يعكس الفيلم هذه التحولات الكبرى مقارنة بزمن صدور الجزء الأول عام 2006.

⁨آن هاثاواي وميريل ستريب في مشهد من الفيلم (imdb)⁩

يبدأ العمل بآندي ساكس (آن هاثاواي) على أعتاب لحظة انتصار مهني بعد فوزها بجائزة صحافية، قبل أن تتلقى في اللحظة نفسها خبر فصلها عبر رسالة قصيرة، بسبب قرار صحيفتها «نيويورك فانغارد» تسريح عدد من محرريها لتقليص الميزانية. وخلال التكريم، تلقي خطاباً حاراً عن تراجع قيمة الصحافة في ظل المتغيرات الراهنة، ومن هنا تأتي الدقائق الأولى للفيلم لتعيد تعريف موقع آندي بعد عقدين قضتهما في العمل الصحافي الجاد.

أما ميرندا بريستلي (ميريل ستريب)، فلا تزال على كرسي رئاسة تحرير «رَنواي» (Runway)، التي لم تعد مجلة تقليدية، بل منصة تسعى وراء الانتباه. غير أن سلطتها لم تعد مطلقة؛ إذ باتت محكومة بتوازنات مع المُعلنين ودور الأزياء. وتظهر منذ البداية وسط أزمة حادة بسبب فضيحة تتعلق بتقرير نشرته «رَنواي» أثار عاصفة من الجدل، مما يضع اسم المجلة تحت ضغط حاد من الإدارة والرعاة.

من غرفة تحرير إلى غرفة أرقام

⁨ميريل ستريب بشخصية ميراندا بريستلي المرأة الحديدية في عالم الأزياء (imdb)⁩

تعود آندي إلى «رَنواي» بصفتها محررة تحقيقات، في موقع متقدم مقارنة بالماضي. ويأتي لقاؤها الأول مع ميرندا مشحوناً بتوتر مكتوم، يعكس صراعاً بين خبرة متراكمة وسلطة قائمة. كما تبدو المجلة بملامح جديدة؛ حيث يدور الحديث في الاجتماعات عن نسب المشاهدة والتفاعل، والعناوين الجاذبة، وتتحوَّل طاولة التحرير التي كانت تنشغل بقصَّات الأقمشة وألوان المواسم إلى لغة رقمية باردة.

في هذا السياق، يظهر نايجل (ستانلي توتشي)، ذاكرة حية للمكان، بنبرة تمزج بين السخرية والمرارة، مستعيداً زمن الرحلات الطويلة للتصوير، مقارنة بإيقاع اليوم المضغوط. ورغم ثباته النسبي، يمنح حضوره الفيلم توازناً بين الحنين إلى الماضي والوعي بالحاضر.

في المقابل، تدخل إيميلي شارلتون (إميلي بلنت)، من موقع نفوذ داخل دار «ديور» للأزياء، حيث تتشكل علاقتها مع «رَنواي» عبر الإعلانات والشراكات، مما يجعل «ديور» داخل الفيلم لاعباً رئيسياً؛ وجهة قادرة على التأثير في قرارات المجلة، إلى جانب علامات أخرى تظهر في خلفية الفيلم، لتؤكد أن الصناعة أصبحت شبكة مصالح متداخلة.

«لم تعد رَنواي مجلة»

⁨آندي ونايجل وحديث من داخل غرفة الأزياء لمجلة «رَنواي» (imdb)⁩

يقدِّم الفيلم الذي يأتي من إخراج ديفيد فرانكل، وسيناريو ألين بروش ماكينا، تحية ضمنية للصحافة المطبوعة. ورغم التركيز التسويقي على عودة الأبطال، تكمن مفاجأة الفيلم في نبرته الرومانسية تجاه الصحافة وصناعة الأزياء بوصفها فناً، بدلاً من «إنتاج المحتوى». في أحد المشاهد، يختصر نايجل الفكرة بقوله: «لم تعد رَنواي مجلة»، في إشارة إلى نسخة مطبوعة بالكاد تُقرأ مقابل محتوى رقمي سريع الزوال.

لا يبدو الفيلم معنياً بجذب جمهور جديد بقدر ما يخاطب متابعيه القدامى، من خلال استدعاء مستمر لأحداث الجزء الأول. كل شخصية تستعرض مسارها وتحولاتها، ما يمنح العمل طابعاً أقرب إلى مرثية ساخرة لواقع ما بعد 2006، وهيمنة الشركات الكبرى، يتجلى ذلك في مشهد جنازة رمزي لما آلت إليه الصناعة.

ميلانو وليدي غاغا في قلب القصة

تبلغ الأحداث ذروتها في مدينة ميلانو خلال عرض أزياء تنظمه «رَنواي»، حيث تتصاعد الضغوط نتيجة تقليص الميزانية. ويظهر ذلك في مشهد ساخر تسافر فيه ميرندا على الدرجة الاقتصادية، في مفارقة تعكس تغيُّر الأولويات.

ويفاجئ الفيلم جمهوره بظهور النجمة ليدي غاغا، في مشهد يجمعها بميرندا، يكشف توتراً قديماً بينهما، ويعكس تحولات موازين القوة داخل هذا العالم.

⁨تعود آندي إلى مجلة «رَنواي» في الجزء الجديد وبتحديات أكبر (imdb)⁩

كما يقدم أحد أكثر مشاهده تأملاً خلال عشاء فاخر تستضيفه قاعة تاريخية مزينة بلوحة «العشاء الأخير» الشهيرة للفنان ليوناردو دا فينشي، إذ يجلس الحضور تحت اللوحة في تكوين بصري متقارب، في حين تتحدث ميرندا عن تفاصيلها إلى آندي، ليضع الفيلم الفن في مواجهة الاستهلاك، وتتحول لوحة تاريخية إلى خلفية لعشاء فاخر.

في الختام، لا يغيِّر الفيلم مواقع شخصياته جذرياً؛ تبقى ميرندا على رأس «رَنواي»، وتعود آندي إلى المجلة، لكن التحول الحقيقي يكمن في طبيعة العمل نفسه: من صناعة الفن إلى ملاحقة التفاعل، وهي الفكرة التي يرسِّخها الفيلم عبر تفاصيله.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
TT

حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف

تنطلق ما بين 3 و17 مايو (أيار)، عروض أفلام للمخرج حميد بن عمرة في بلد ولادته الجزائر، التي غادرها قبل عقود إلى فرنسا حيث يعيش ويعمل مستقلاً ومثابراً.

من يشاهد أفلامه يكتشف أن كل فيلم فريد في نوعه وطريقة تناوله، وهذا يتضمّن ما يقدمه الفيلم وكيفية تقديمه. البراعة في أفلامه (ومنها «هواجس الممثل المنفرد بنفسه»، 2015، و«حزام»، 2016، و«كوكيو: موسم حصاد الأفلام»، 2023) تكمن في شغله على حرية التناول، منتقلاً بين ما يختاره من مشاهد ولقطات على نحو مغاير تماماً عما يعمد إليه آخرون من جيله أو ما قبله. لذا، فإن أفلامه خارج التصنيف وطريقته في تنفيذها ليست مطلقاً تقليدية.

التالي مقابلة معه تتضمن إيضاحاً شاملاً لمنهجه بمناسبة الاحتفاء الذي سيشهده في بلد مولده.

من «كيوكو: موسم حصاد الأحلام»

اخترع لغتك

> ما الذي يعنيه لك عرض أفلامك في الجزائر على هذا النحو الاحتفائي؟

- الرجوع إلى الجزائر فضيلة، ولقاء المشاهد الجزائري فريضة. يصادف كل ذلك مجيء البابا إلى الجزائر ويتزامن مع انفتاح البلاد على العالم بشكل أكبر. إنها فرصة ثمينة للتواصل مع جمهور أعتقده جاهزاً اليوم أكثر من أي وقت مضى لاكتشاف الجديد.

> قبل عروض أفلامك في الجزائر شاركت في مهرجانات عدة، لكن هل تعتبر العروض الجزائرية احتفاءً بك؟

- أنا من يحتفي بالجمهور الذي كان شاهداً على عرض فيلمي الأول سنة 1981، كما أحتفي بمدير السينماتيك، الأستاذ بوجمعة كارش، الذي كان سنداً وداعماً. سأحتفي بشاشات الجزائر التي تحوَّلت في بعض المدن إلى كفن للأفلام. سأحتفي بعيون المشاهدين 24 مرة في الثانية، لأن قاعدة السينما بيتي، وأنا الذي أستقبل الجمهور على شاشتي.

> من الصعب وضع أفلامك في خانات تقليدية. بل من غير الممكن. كيف تقوم أنت بتصنيفها؟

- في الأمور الإدارية، ولضرورة الترتيب، يتفنن الموظف في وضع كل ملف في مكانه الصحيح لتسهيل الاطلاع عليه. في السينما، العارف بماهية هذا الفن لا يحتاج إلى خانة كبوصلة. من يعرف السينما يستطيع الارتقاء إلى مصاف قراءة حرية السرد، التي ليست عفوية وعشوائية، وإنما حرية تبتكر منطقها. هيتشكوك يقول: «اخترع لغتك، فقط أعطني أبجديتك كي أقرأ». هناك فرق بين الأسلوب المتفرد وتلصيق اللقطات ببعضها. التفسير للقرآن وللعلوم، لكن السينما لا تُفسَّر لأنها دوام الأسئلة البصرية. سينما «ڤيرتوف» والموجة السوفياتية لم تكن صامتة، وإنما غير ناطقة. أبيات المتنبي تُسمع لمن به صمم، ويراها الأعمى. التفسير للأطفال، وللمبتدئين، ولغير العارف بأدغال السينما.

آسيا غمرة من فيلم «حزام»

سينما جميلة

> تناولت أفلامك، مثل «هواجس الممثل المنفرد بنفسه» و«حزام» و«كوكيو: موسم حصاد الأحلام»، قضايا اجتماعية وشخصية، لكنها ليست أفلام قضايا كما ليست أفلاماً تسجيلية. ما هو تعريفك لذلك؟- ليس هناك تعريف دائم وثابت، بل المعرفة بوزن كل لقطة. كل لقطة لها عيار وعمر. لقطات تذوب في المشهد وأخرى تُحنّط. السينما إلمام بمعارف شتى تُصقل لترويض العين وشحذها كي تنتقي للمشاهد نافذة جديدة تفتح فكره وذوقه. أفلامي بها قضية واحدة هي السينما.

إنه الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون كي يوجد. ما يستفز ويغري ويثير ويصدم في السينما ليس المواضيع، وإنما فسيفساء اللقطات واتزانها في فضاء خارج عن معايير الهندسة المنطقية. السينما هي كل شيء عدا المنطق، لكني أضفت إلى منطق دزيغا ڤيرتوف السردي بلاغة اللغة العربية بأسلوبها السهل الممتنع. طرّزت إطاري بمجهريات الزخرفة المغاربية، وحصَّنت المشاهد بإيقاع الموشح الأندلسي.

> ما هي السينما الجميلة بالنسبة إليك؟

- الجمال في البساطة دائماً، وليس في الاستعراض. طريقة المشي بالنسبة للمرأة أكثر إثارة من جسد مفتول الأعضاء، وخط العاشق أجمل للعشيقة من خطاط محترف، وتدبير الأم لابنها أدق من استراتيجيات لاعب الشطرنج. السينما الجميلة هي تلك التي لا «تستخف» بالمشاهد ولا تتعالى عليه. المعرفة تختلف عن الخبرة، وذاكرة الشعوب تختلف عن ذاكرة الحكومات. أنا أصوّر بالحدس بوصفي شاهداً عن جيله، وليس بتراكمية القواعد. لا أرى المكان وإنما تفاصيله وأهميته التاريخية. لا أهرول نحو الوجه بقدر ما أتوقف عند بشرته. أذكر كل لقطة صورتها منذ 45 سنة. أفهم حين يقول كاسباروف إنه يتذكر كل منازلاته. الذاكرة المرئية تقودني إلى المكان والوجه بتأنٍ، لأن هاجسي الأول هو انتقاء ما بدا لي رفيعاً ونادراً لرسم صورة لحياة تفرز كل يوم لحظات فذة بين الأسلاك الشائكة.

«أفلامي بها قضية واحدة هي السينما؛ الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون ليوجد»

حميد بن عمرة

> من هم المخرجون الأحب إليك؟ وهل تأثرت بهم؟

- أحب من أعرف والتقي به فعلاً. هناك أسماء ضخمة وأخرى بالوزن نفسه لكنها خارج سلطة النت الخبيثة. أحببت رضوان الكاشف لأنني صورته وتبادلنا الرؤى، وأحب مجدي أحمد علي القريب جداً إلى جزائريتي. أحب نيكيتا ميخالكوف الذي التقيت به حين كنت رئيس لجنة التحكيم بمهرجان مالطا 2019، وكان العراب الحامي والضامن للمهرجان، ولأنني شاهدت كل أفلامه. أحب جورج شمشوم، وبهج حجيج، وناصر خمير، وسعد الشرايبي، وفريدة بليازيد، وإبراهيم تساقي، وبلقاسم حجاج، كما أحب سليمان سيسي، وهايلي غريما، ولاري كلارك. البصمة الشخصية تأتي من الممارسة والبحث المستمر، وليس من النقل المباشر أو المتستر.

> كيف تمكَّنت من تحقيق فيلمك الأول «من أجل حياة أفضل» سنة 1981؟ من هو صاحب الفضل في ذلك؟

- صوَّرت ذلك الفيلم في حي شعبي فقير وكادح، دون أي سند من أي مسؤول، عدا أم ادَّخرت من مصروف البيت مبلغاً غامرت به كي يشتري ابنها أول كاميرا عام 1978. هذه الأم المجاهدة التي وقفت في وجه الاستعمار لم تتراجع أمام حلم ابنها. هي التي أخرجت للجزائر ابناً ورث منها غريزة المثابرة إلى آخر نفس.


شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)

ALEA JACARANDAS

★★★1/2

إخراج:‫ حسن فرحاني‬

الجزائر | وثائقي (2026)

عن أب ومدينة وتاريخ

فاز فيلم «أليا جاكارانداس» (Alea Jacarandas) بجائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم في مهرجان «ڤيزيون دو ريل» الذي اختتمت فعالياته في 26 أبريل (نيسان). حظي الفيلم باستقبال جيد، ويرجع ذلك جزئياً إلى نجاح المخرج نفسه في عام 2019 بفيلمه الوثائقي الرائع «143 شارع الصحراء»، الذي رصد حياة امرأة تعيش وحدها وتدير دكاناً على الطريق السريع خارج المدينة، عاكسةً من خلال ذلك عزلة المكان والحياة.

فيلم فرحاني الجديد يختلف بشكل شبه كامل عن السابق. إنه رحلة في حياة والد المخرج، أمزيان فرحاني، ليس فيلم نوستالجي تقليدي، بل سجل لملاحظات وذكريات الأب حول المدينة، كيف كانت وكيف أصبحت، عن شوارعها وأناسها وأشجار الجاكارندا الجميلة التي لم يبق منها إلا القليل. الفيلم لا ينطوي على نقد لاذع، لكنه مشبع بالحنان تجاه الماضي، ممثلاً في الأب. هناك انسجام واضح بين الأب والمدينة؛ كلاهما يحمل تاريخه ويمضي.

من ميزات الفيلم أن المخرج لم يعتمد على النهج النستالجي، بل اتبع مبدأ البحث في ذاكرة الأب، معتمداً على ذكرياته وآرائه، دون اللجوء إلى وثائق رسمية. ونفاجأ، إن لم نكن على علم مسبق، بإعلان وفاة الأب في نشرة الأخبار قبيل نهاية الفيلم. الفيلم ناطق بالفرنسية ربما لأغراض تسويقية، لكن كان من الممكن أن يكون أكثر قرباً من حياة الشخصيات الواقعية لو تم تصويره بالعربية.

DENTRO ★★★

إخراج:‫ إلسا أميل‬

إيطاليا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

خيال السجين يطلقه خارج القضبان

تقع أحداث هذا الفيلم داخل سجن في مقاطعة توسكاني الجميلة، وهو عن مخرج وكاتب مسرحي اسمه أرمانو بونزو يعيش مع سواه في ذلك السجن، وينجز معهم مسرحيات تُقدم فيه. يوحي الفيلم أن بونزو دخل السجن لهذه الغاية طواعية، لكنه لا يتوقف كثيراً عند شرح هذه الخلفية.

من «دنترو» (ڤيزيون دو ريل)

يتحدث بونزو إلى الممثلين عن ضرورة استخدام الخيال كوسيلة لممارسة الحرية، إذ يمكن للسجين من خلاله الخروج من السجن ذهنياً، عبر قراءة النص المسرحي وفهمه. وقد يحتاج بعض السجناء إلى تدريبات ذهنية لتحقيق هذا الهدف، لكنَّ كثيرين منهم ينجحون في فهم الدلالات ويجدون في توجيهاته ملاذاً وقوة نفسية. في الوقت نفسه، تركز المخرجة على جهد بونزو لتحريك الثابت وتغيير الواقع قدر المستطاع، ونراه يتحدث إلى نفسه بصوت عالٍ، يكتب ويفكر ويمارس ما كان يمكنه القيام به خارج السجن طوال الوقت.

FROM DAWN TO DAWN

★★★

إخراج:‫ كجيسي صوفيا يا تشن‬

إسبانيا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

الفيلم الفائز بذهبية «ڤيزيون دو ريل»

لا تسعى المخرجة يا تشن إلى تقديم نظرة تعاطفية أو توجيه نقد لأي طرف في عرضها لمصير الجيل الثاني من المهاجرين الصينيين في مدينة برشلونة.

«من فجر لفجر» (ڤيزيون دو ريل)

ما تقدمه هو سرد عن شقيقها، أ. ون، الذي كان يطمح لتحقيق حلمه في العيش في خطر. وفق ما تكشفه المخرجة، كان شقيقها معجباً بحياة أفراد العصابات وانضم إلى واحدة منها، ولاحقاً أدار نادي قمار غير مرخّص في شقة تحت الأرض، ثم دخل السجن. وبعد أن أنهى مدة عقوبته، افتتح مطعماً.

التوليف عدو أسلوب المخرجة؛ فهي تريد منح شخصية شقيقها وكل شخصية الوقت الكافي لتقديم نفسها، حتى على حساب إيقاع الفيلم ووحدته.

الشخصيات تتراوح بين جيلين: المهاجرون الأوائل والجدد. المشاهد تتضمن حوارات مطوّلة، لكنها تعكس رغبة المخرجة في التعريف بكل شخصية ومشاعرها، مع الحفاظ على موقف حيادي ناعم وعاطفي. ومع ذلك، كان بالإمكان تحسين العمل عبر ممارسة قدر أكبر من التحكم الفني.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز