هل هناك نوعان من سينما العرب.. واحد لهوليوود والآخر لـ«كان»؟

مقابل كل حفنة من الأفلام يوجد واحد مميّز

إيليا سليمان في لقطة من فيلمه «يد إلهية»
إيليا سليمان في لقطة من فيلمه «يد إلهية»
TT

هل هناك نوعان من سينما العرب.. واحد لهوليوود والآخر لـ«كان»؟

إيليا سليمان في لقطة من فيلمه «يد إلهية»
إيليا سليمان في لقطة من فيلمه «يد إلهية»

سواء أنجز الفيلم الفلسطيني «عمر» وعوده وحقق للسينما العربية أول فوز بالأوسكار في تاريخ الجائزة الذي يعود إلى عام 1928، أو اكتفى بالوصول إلى الترشيحات الرسمية بعد يومين، وسواء أنجز «الميدان» المتسابق في قسم الأفلام التسجيلية الوعد ذاته أو لم ينجز، فإن الاشتراكات العربية في سباق الأوسكار باتت منذ سنوات ليست بعيدة أكثر حضوراً مما كانت عليه من قبل.
السينما الفلسطينية وحدها وصلت إلى مستوى الترشيحات الرسمية مرّتين. الأولى سنة 2005 عندما قام المخرج هاني أبو أسعد بتقديم فيلمه السابق «الجنّة الآن»، والثانية عبر فيلمه الحالي «عمر». لكن عدد المرّات التي تقدّمت فيها السينما الفلسطينية بأفلام لكي تدخل الترشيحات المذكورة هي ست مرّات بما فيها هذان الفيلمان. المرّات الأربع الأخرى تبلورت عن محاولات قادها المخرج إيليا سليمان عندما بعث بفيلمه «يد إلهية» إلى سباق الأوسكار لعام 2003. في العام التالي حاول المخرج حنا إلياس دخول ذلك المحراب بفيلم «موسم الزيتون». وبعد نجاح هاني أبو أسعد في الوصول إلى الترشيحات الرسمية بفيلمه «الجنّة الآن»، قامت آن ماري جاسر بمسعى تقديم فيلمها «ملح هذا البحر» سنة 2008، ثم قامت سنة 2012 بالمحاولة الثانية لها فقدّمت «لما شفتك»، وهذا قبل نجاح أبو أسعد للمرّة الثانية في الوصول إلى الترشيحات الرسمية التي يجري الاقتراع عليها واختيار الفائز من بينها.

* حدود ضيّقة
وحتى وإن لم يفُز فيلم أبو أسعد إلا بحدود الوجود في هذا النطاق، يبقى الأمر مدعاة غبطة شخصية من ناحية وإعلامية للسينما الفلسطينية، وبل لقضية ما زالت الشاغل الأكبر حول العالم، خصوصاً وسط الظروف والمتغيّرات السائدة في هذه المنطقة ودرب الوصول إلى حل سلمي التي يجري حالياً تعبيدها بصعوبة.
لكن البون شاسع بين معظم ما يخرج من أعمال تحمل الراية الفلسطينية وبين المستوى الفني الذي على الفيلم التحلّي به لتحقيق نوعية لا يمكن رفضها. السينما الفلسطينية التي بدأ نوع من تاريخها في مخيّمات بيروت في مطلع السبعينات عبر أفلام وثائقية ذات نبرة خطابية ودعائية مباشرة غير فاعلة، ما زالت تعاني من خفوت مستوى معظم ما تقدّمه من أعمال روائية أو تسجيلية. النبرة تغيّرت والأولوية أصبحت لمنح الفيلم شخصية فنيّة في المقام الأول، لكن تنفيذ هذه الملامح على نحو فاعل وحيوي ما زال قيد البداية باستثناء ما قام به المخرجان أبو أسعد وإيليا سليمان.
والملاحظ أن الأول عمد إلى تجاوز الحدود الضيّقة للطرح الفلسطيني عبر حكايتين مسرودتين بأسلوب تشويقي قائم على سرد الحدث ومعالجة طروحاته انطلاقاً من ذلك السرد، في حين عمد إيليا سليمان إلى تأخير السرد التقليدي إلى أبعد نقطة ممكنة من العرض وتقديم أسلوبه الذاتي الخاص به مثل بصمة لا يمكن نكرانها.
«يد إلهية» نموذجي في هذا الصدد. الفيلم الذي تطرّق فيه سليمان إلى الوضع برمّته من دون خطابات جاهزة، والذي ميّزه برؤيته الشخصية من دون أن يدير ظهره إلى القضية المطروحة في الوقت ذاته لم يخفق، سنة 2002، من نيل جوائز قيّمة أعلاها شأناً جائزة لجنة التحكيم في مهرجان «كان» السينمائي في العام ذاته.
حقيقة أن «كان» منحه جائزة رئيسة من جوائزه الرسمية وأنكرت عليه أكاديمية العلوم والفنون السينمائية موزّعة «الأوسكار»، مجرد الترشيح يكشف عن نظرتين مختلفتين. «كان» اهتم بالتعبير الفني والإبداع الذاتي، الأكاديمية رغبت في فيلم مفتوح على منوال قصصي... أو ربما هذا يكون افتراضنا كوننا لا نعلم تأكيداً السبب الذي من أجله لم يجري ترشيحه للأوسكار رسمياً.

* حكاية زرافة
العام الفائت شهد خروج ثلاثة أفلام فلسطينية روائية كان «عُمر» أحدها. إلى جانبها فيلم تسجيلي للأردنية ميس دروزة حمل تمويلاً أردنياً - ألمانياً - قطرياً مشتركاً بعنوان «حبيبي بيستناني عند البحر». فيلم رائع يتعامل والموضوع الفلسطيني من خلال مقابلات وذكريات وأشعار للراحل حسن حوراني.
روائياً، لم يستطع «زرافاضة» (جمع بين كلمتي «زرافة» و«انتفاضة» حسب رغبة المخرج راني مصالحة، إحداث أي اهتزاز على سطح البركة الراكدة. عمل كوميدي متواضع خال من أسلوب فني مميّز ويعتمد على السرد والطرح وحديهما وليس على الكيفية التي بإمكانها صنع فيلم أكثر تأثيراً وتنفيذاً. حكايته تدور حول طبيب بيطري في حديقة الحيوان داخل فلسطين لديه ابن يعشق الزرافتين اللتين تعيشان في تلك الحديقة. عندما تقتل الغارة الإسرائيلية إحدى هاتين الزرافتين، وتجنباً لموت الأخرى حزناً، يصير لزاماً على الطبيب (وصحافية أجنبية حشرت نفسها في الموضوع)، جلب زرافة أخرى ولو من حديقة حيوان إسرائيلية.
الفكرة ليست قابلة للتصديق وإن كانت إنسانية الوقع والنبرة. لكن الأكثر من ذلك أن المعالجة توفر فيلماً خفيف السياق وميلودرامي الوقع حتى نهايته.

* جيد للداخل
كان ذلك أول فيلم للسينمائي مصالحة، لكن الفيلم الثالث بين تلك الإنتاجات التي جرت باسم السينما الفلسطينية في العام الماضي، ينتمي إلى مخرج له حضوره الدائم في المهرجانات العربية (وبعض الدولية) هو رشيد مشهراوي. الفيلم الذي حققه حمل عنوان «فلسطين ستيريو» والاسم وحده يشي بفكرة تقليدية تقوم على منح شخصية من الشخصيات اسماً غريباً لتمييزها. ما يتحدّث عنه الفيلم هو موضوع حول شقيقين فقد أحدهما النطق والسمع، خلال غارة إسرائيلية على البناية التي يقطنها مع شقيقه، واعتبر الآخر نفسه مسؤولاً عن ذلك إذ هو الذي بعث بأخيه إلى تلك الشقّة قبيل حدوث الغارة. هما الآن يحاولان الهجرة إلى كندا ويخوضان معترك استصدار التأشيرة وما تتطلّبه من تجاوز شروط ومتطلّبات. رشيد مشهراوي يعيش في باريس وهو بلا ريب شاهد الكثير من الأفلام وأساليب التعبير لكنه يعمد هنا إلى الحفر في المكان نفسه موفراً تركيبة نمطية تخلو من التوتر والحدّة إلا في النهايات.
«زرافاضة» و«فلسطين ستيريو» عرضا في مهرجانات عربية، لكن عرضهما - وعرض معظم ما يجري تصنيعه عربياً - يكشف عن ثغرة كبيرة: ما يصلح للعرض في مهرجانات السينما العربية لا يصلح بالضرورة (وعلى نحو غالب) للعرض في مهرجانات دولية. ما يراه الناقد العربي عادة جيّد ويستحق الفوز قد لا يراه الأجنبي من الزاوية ذاتها، ولا يمكن لومه في ذلك فالكثير من هذه الأفلام لا تكتنز ما يكفي للانتقال من شاشة مهرجان مثل دبي أو أبوظبي أو مراكش أو سواها إلى شاشات برلين أو كان أو لوكارنو أو غيرها. لكن الحال اليوم أفضل مما كان عليه قبل عشر سنوات، ووصول بعض أفلام العالم العربي إلى الأوسكار أو إلى «كان» و«فينسيا» كما حدث في العامين الماضي والحالي دليل على أن شيئاً إيجابياً يقع في مضمار هذه الصناعة.

* جوائز «عُمر» حتى الآن
* إذا فاز «عُمر» بعد يومين بأوسكار أفضل فيلم أجنبي، فسيكون ذلك سادس فوز له. الجوائز التي حصدها حتى الآن هي: جائزة «آسيا باسيفيك» كأفضل فيلم، جائزة قسم «نظرة ما» الخاصة (مهرجان «كان»)، جائزتا أفضل فيلم وأفضل مخرج (مهرجان دبي)، وجائزة لجنة التحكيم لفيلم شبابي (مهرجان غنت، بلجيكا).



التصوير بالأبيض والأسود يتحدى الزمن بجمالياته

«حظيرة الطائرات الحمراء» (فيلانو فيلمز)
«حظيرة الطائرات الحمراء» (فيلانو فيلمز)
TT

التصوير بالأبيض والأسود يتحدى الزمن بجمالياته

«حظيرة الطائرات الحمراء» (فيلانو فيلمز)
«حظيرة الطائرات الحمراء» (فيلانو فيلمز)

هناك جمهور كبير يبلغ تعداده بضعة ملايين حول العالم ينكبّون كل يوم على مشاهدة أفلام الأمس ذات اللونين الأبيض والأسود. وهؤلاء ليسوا فقط من المعمِّرين أو مِمَّن تجاوزوا سنّ الشباب؛ بل على العكس، فإن بين من هم دون الثلاثين من العمر عدداً كبيراً ممَّن يشاهدون أفلام الأبيض والأسود اليوم، مستمتعين بها وبقيمة فنِّ التصوير السينمائي الخالي من ألوان الحياة.

واقع مجرد من ألوانه

أن تشاهد «المواطن كاين» (Citizen Kane) لأورسن ويلز (1941)، أو «من الماضي» (Out of the Past) لجاك تورنور (1947)، أو «الساموراي» (Le Samouraï) لجان-بيير ملفيل (1967)، أو «سايكو» لألفرد هيتشكوك (1960)، ومئات سواها، يعني أنك تتواصل مع فنِّ السينما في مصادره وأشكاله الأولى، عندما كان التصوير بالأبيض والأسود خياراً فنياً قائماً بذاته ومقبولاً من ملايين رُوَّاد السينما من دون سؤال أو تساؤل.

التصوير باللونين وحدهما هو تجريد الواقع من ألوانه وإضفاء حالة فنية جديدة عليه. وتجريد الواقع هو إحالته إلى صورة تتلاءم مع العالم الخيالي الذي تدور السينما في محيطه الكبير. وقد بدا هذا التلاؤم لمئات ملايين الناس الذين كانوا يؤمُّون دور السينما في عشرينات القرن الماضي وما بعدها أمراً طبيعياً، رغم إدراكهم أن الواقع نفسه ليس كذلك. وحال خروجهم من الصالات كانوا يكتشفون مجدداً الألوان الطبيعية المنتشرة، من إشارات المرور إلى العمارات، ومن أضواء النيون وألوان الملابس والزهور إلى الإعلانات وواجهات المحال والفنادق.

من «سايكو» لألفرد هيتشكوك (يونيفرسال)

وعلى الرغم من ذلك، لم يشتكِ أحد من هذا التباين الكبير وغير «الواقعي». ولم يرفض أحد الفيلم الأبيض والأسود لأن الحياة ليست كذلك. فالفيلم، سواء أكان واقعياً في قصته، مثل «سارقو الدراجات» (Bicycle Thieves) لفيتوريو دي سيكا (1948)، أم خيالياً جامحاً مثل «تارانتولا» (Tarantula) لجاك أرنولد (1955)، يبقى حالة فنية متميزة بعدد من العناصر، في مقدّمتها اغترابه عن الواقع وألوانه المعيشة.

الاختلاف بين هذا الفن من التصوير وبين الألوان الطبيعية كبير. ومن أبرز هذه الاختلافات أن التعبير في أفلام الأبيض والأسود (الجيَّدة منها طبعاً) يوظِّف الإضاءة على نحو مختلف عن الأفلام الملوَّنة. فهناك قدر كبير من الفهم لتوظيف الضوء والتصوير في تلك الأفلام، بما يُبرز التباين بين جزءٍ وآخر من المشهد الواحد.

في فيلم بيلي وايلدر البوليسي «تأمين مزدوج»، هناك ذلك المشهد الذي نرى فيه باربرا ستانويك وفرد ماكموري ليلاً. فهي تقف تحت ضوء ساطع مرتدية رداءً أبيض، في حين يظهر هو ببذلة داكنة في جزء معتم من اللقطة. ولا شيء يُترك للصدفة مطلقاً في أي فيلم جيِّد. فهي تمثّل الضوء، وككل ضوء تبدو بالأبيض؛ لأنها الحافز إلى الجريمة، وهو القاتل المخدوع؛ ولذلك يظهر ببذلة سوداء تُناسب سوداوية الجريمة التي يُقدِم عليها.

جماليات ودلالات

في عام 1998، أعاد المخرج المستقل غَاس فان سانت صُنع فيلم ألفرد هيتشكوك «سايكو» بالألوان. واستخدم المشاهد نفسها وحسب ترتيب ورودها. وكانت النتيجة باهتة، وفي أفضل الأحوال غير ضرورية.

يستطيع المرء أن يستمتع بنسخة هيتشكوك في كل مرة يشاهد فيها هذا الفيلم، أما نسخة فان سانت فقد ماتت فنياً منذ عرضها في صالات السينما، بل منذ أسبوعها الأول.

وكمثال واحد، احتوى مشهد القتل في الحمَّام على لقطة لدماء تسيل إلى البالوعة (من دون أن نرى لقطات طعن لجسد الضحية). وفي فيلم هيتشكوك تبدو هذه الدماء سوداء اللون لأن الفيلم غير ملوَّن، لكن تأثيرها أقوى من اللقطة نفسها في فيلم فان سانت، حيث نرى الدم باللون الأحمر.

ستانويك وماكموري في «تأمين مزدوج» (باراماونت)

والسبب هو أن هيتشكوك ومدير تصويره جون ل. راسل اعتمدا على التأثير المفجع للمشهد بأكمله. وقد ساعدت طريقة تصوير المشهد والتوليف المستخدم فيه على بلورة شعور بالخوف بدلاً من الشعور بالاشمئزاز. فالدم في الأبيض والأسود يضع المشاهد في حالة سوريالية وكابوسية، أما تصوير المشهد بالألوان فأقصى ما استطاع الوصول إليه هو حالة عادية تتدرج نحو الشعور بالاشمئزاز.

ومن الأمور الثابتة أن يمنح التصوير غير الملوَّن الفيلم تركيبة ذات تعبير أعمق، شأنه في ذلك شأن مئات الأفلام المماثلة التي حققتها السينما في عقودها الأولى وحتى اليوم. وهو تعبير يمضي بعيداً في ثنايا الصورة من حيث جمالياتها وعمق دلالاتها الدرامية والنفسية.

ومن أحدث هذه الأفلام، ولن يكون آخرها، فيلم «حظيرة الطائرات الحمراء» (The Red Hangar) للمخرج التشيلي خوان بابلو سالاتو (جرى نقده في عدد 19/4/2026 من هذه الصفحة). وفي هذا الفيلم ينجح التصوير بالأبيض والأسود في التعبير ليس عن فترة ماضية فقط (مطلع السبعينات)، بل عن مجمل المشاعر التي ولَّدتها الأحداث داخل شخصية بطله، ضابط الطيران جورج (نيكولاس زاراتي): الحزن، والإحباط، والكبت، والخوف من قول الحقيقة.

وكما سبق القول، يمكن للفيلم الملوَّن أن يُوفِّر هذه المشاعر كلها، لكن الأبيض والأسود يوفِّرها بعمق أكبر ناتج من النسيج الفريد للمشاعر والمزاج العام والأجواء.

وكل ما سبق لا يعني وضع الأفلام الملوَّنة في خانة أدنى فنّاً أو تشكيلاً أو معنى. فهناك أفلام ملوَّنة عدَّة تجيد استخدام الألوان على مستوى فني رفيع. ولدينا أفلام ترنس مالك، وأفلام أندريه تاركوفسكي (أنجز أفلاماً من النوعين بجدارة لافتة)، وأفلام فرنسيس فورد كوبولا، ومارتن سكورسيزي، وديفيد لين، ومايكل أنجلو أنطونيوني، وعشرات المخرجين المبدعين. فلكلٍّ من هذين النمطين السينمائيين شروطه وعالمه الخاص ومتطلبات إنجازه المختلفة.


شاشة الناقد: جديد سبيلبرغ في قديمه

«يوم الإفصاح» (يونيفرسال)
«يوم الإفصاح» (يونيفرسال)
TT

شاشة الناقد: جديد سبيلبرغ في قديمه

«يوم الإفصاح» (يونيفرسال)
«يوم الإفصاح» (يونيفرسال)

Disclosure Day★★★

إخراج: ‪ستيفن سبيلبرغ‬

الولايات المتحدة

النوع: خيال علمي (2026)

عروض: تجارية حول العالم

سواء كانت هناك مخلوقات أخرى تعيش على كواكب قريبة أو بعيدة أم لا، فإن التأكيد على ما لم يُثبت بعد يُعدّ جنوحاً نحو تبنّي وجهة نظر في قضية لم يُحسم أمرها. فيلم ستيفن سبيلبرغ الجديد (الرابع والثلاثون)، «يوم الإفصاح»، يريد التأكيد على ما لا يزال غير مؤكد. وهذا يوجّه الفيلم نحو رسالة مختلفة عن تلك التي كان يمكن للناقد الدفاع عنها. بكلمات أخرى، لو أن كاتب السيناريو ديفيد كوب اكتفى باقتراح وجود حياة أخرى في الفضاء، لكان الفيلم أكثر قبولاً وربما أكثر متعة. ما يفرضه السيناريو هو أن الخيال حقيقة، ويطلب منا التعامل معه على هذا الأساس.

هذا أحد الفوارق المهمة بين هذا الفيلم والعديد من أفلام الخيال العلمي التي سبقته، بما فيها فيلم سبيلبرغ الآخر «لقاءات قريبة من النوع الثالث» (Close Encounters of the Third Kind). ففي ذلك الفيلم افترض وجود كائنات من عالم آخر؛ كائنات أكثر ثقافة، وأفضل علماً، وأرقى من بشر هذا الكوكب.

وإذ يستعيد سبيلبرغ فيلمه السابق (1977) هنا من زاوية وجود مخلوقات أخرى في أحد الكواكب البعيدة، فإنه يتوسع في فكرة أن الحكومة الأميركية ليست في وارد الاعتراف بوجود تلك الكائنات. وفي «يوم الإفصاح» يحتل هذا الموضوع مساحة واسعة.

هناك حكايتان متوازيتان في فيلمه الجديد. الأولى بطلها دانيال كلنر (جوش أوكونور)، الذي يكتشف أن الحكومة الأميركية، ممثلة بمنظمة تُدعى «ووردكس»، تخفي عن الأميركيين (والعالم أجمع) ما تعرف أنه موجود بالفعل. فالمخلوقات موجودة، وهذا ما يؤكده سبيلبرغ في بعض أحاديثه الأخيرة. وحين يكتشف دانيال هذه الحقيقة يقرر نشر الوثائق التي تؤكد وجود تلك الكائنات الساعية إلى التواصل مع سكان الأرض، مما يجعله عدواً لـ«ووردكس» التي تطلق رجالها لملاحقته، وقتله.

أما الحكاية الثانية، فتخص مقدمة النشرة الجوية مارغريت (إميلي بلنت)، التي تمتلك خصائص غير بشرية مخفية، ومنسية، إلى أن تفاجئ المشاهدين بتلعثمها أثناء تقديم تقريرها، فتبدأ في نطق كلمات غير مفهومة قبل أن تسقط أرضاً. وهذا تمهيد لما سيحدث معها لاحقاً. إذ سنجدها قادرة على قراءة ما يدور في أذهان الناس، واستباق ما سيقع بعد لحظات.

هناك علاقة غامضة بين دانيال ومارغريت لا يريد الفيلم كشفها إلا لاحقاً، بعد أن تدرك مارغريت أن دانيال هو محور ما سيقع إذا لم تسعفه بمعرفتها. يمر وقت طويل قبل أن يتم اللقاء بينهما، وعندها يبرز السؤال: ما السبب في تأجيل الإفصاح عن أسرار «يوم الإفصاح»؟

تلعب هذه العلاقة دوراً في إثارة بعض الغموض، لكن قدرة الفيلم على التواصل مع مشاهديه تبقى رهناً بالتنفيذ، لا بالطروحات الخلفية، ولا حتى بمستوى الألغاز الموزعة بين الأحداث. ويزيد الأمر سوءاً أن الفيلم يمضي في تأكيده أن ما يسرده لنا حقيقي، وليس خيالياً، وبذلك ينتزع منا حق اتخاذ الموقف المناسب، أو هكذا يأمل.

MOONGLOW ★★★

إخراج: إيزابيل ساندوفال الفلبين

النوع: تشويق جنائي (2026)

عروض: مهرجان روتردام

كل شيء في مكانه الصحيح لتقديم فيلم جاد متعدد الأهداف، والأبعاد، لولا التكلّف الشديد في الأجواء، ما يجعل علاقة الفيلم بمشاهديه مبنية على المظهر أكثر من اعتمادها على تفعيل عنصر التشويق، وهو أحد المقاصد الأساسية للمخرجة الفلبينية ساندوفال.

الفيلم نوار (film noir) معاصر، قريب الشبه أسلوبياً بأفلام السبعينات، والثمانينات، مثل Klute لآلان ج. باكولا، وChinatown لرومان بولانسكي، مع ملامح من فيلم In the Mood for Love لوونغ كار-واي، الذي لم يكن أقل اعتماداً على العتمة، والألوان الداكنة، والأجواء المشغولة بصرياً.

«وهج قمر» (مهرجان روتردام)

تدور الأحداث في مدينة مانيلا عام 1979، في أيام الديكتاتور فرديناند ماركوس. الفساد يعم كل شيء، وبطلته داليا (ساندوفال نفسها) محققة في الشرطة تقدم على سرقة كبيرة، وتخفيها. غايتها بناء ملجأ سكني لمن تضرروا من حريق كبير اندلع بتوجيهات حكومية. رئيسها برنال (دينيس ماراسيغان) يطلب منها التحقيق في السرقة من دون أن يعلم أنها هي من ارتكبتها.

الملاذ الوحيد أمام داليا هو إقناع شقيقتها المتدينة بإخفاء المال المسروق، وبذلك تُشركها في الجريمة. تنجح المخرجة في توظيف هذه الأزمة لإدانة المجتمع القائم، كما تلجأ إلى تفعيل مقارنة بين ما قبل عهد ماركوس وما بعده، وتلعب على النبرات في هذا السياق، إذ يتحول الحوار في ظل حكم ماركوس إلى همس تلقائي.

غير أن الفيلم يسقط أحياناً في منهج إعلامي، ويتعثر سردياً في انتقالات غير موفقة بين الأحداث.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مهرجان «فينيسيا» يؤسس لاستقطاب أفلام كبيرة

براد بت (يساراً) في «مغامرات كليف بوث» (بلان ب)
براد بت (يساراً) في «مغامرات كليف بوث» (بلان ب)
TT

مهرجان «فينيسيا» يؤسس لاستقطاب أفلام كبيرة

براد بت (يساراً) في «مغامرات كليف بوث» (بلان ب)
براد بت (يساراً) في «مغامرات كليف بوث» (بلان ب)

قد يبدو المشهد بالنسبة إلى مهرجانات السينما برَّاقاً. فما أجمل أن يكون هناك مهرجان كبير في كل دولة حول العالم، وأن يوجد أكثر من مهرجان يماثل «كان» و«برلين» و«فينيسيا» حجماً وأهمية. لكن ذلك مستحيل، ولسببين على الأقل: أولاً، لا تستطيع كل دولة إقامة مهرجان تقترب ميزانيته من ميزانيات تلك المهرجانات الكبرى. وثانياً، لا يوجد عدد كافٍ من الأفلام الكبيرة القادرة على تغذية جميع المهرجانات.

لذلك تتجه المهرجانات الأخرى المعروفة، مثل «روتردام»، و«سراييفو»، و«لندن»، و«كارلوفي فاري»، و«ثيسالونيكي»، و«لوكارنو» وغيرها، إلى التخصص في نوع معين من الأفلام أو في برامج محددة، أو إلى قبول أفلام أقل حظوة بالأضواء والحملات الدعائية المسبقة. يُضاف إلى ذلك أن استضافة الفنانين الكبار لمواكبة عروض أفلامهم تمثل تكلفة إضافية لا تستطيع بعض هذه المهرجانات تحمُّلها.

روني وكايت مارا في «باكينغ فاستارد» (هان واي فيلمز)

حظ أفضل

ليست المهرجانات الثلاثة الأكبر في العالم خالية من المشكلات، لكنها مشكلات مختلفة، يتقدمها التنافس على استقطاب الأفلام الجديدة للمخرجين الأكثر أهمية عالمياً. فمهرجانات «كان»، و«فينيسيا»، و«برلين» تتابع طوال العام أخبار المخرجين: من سيبدأ التصوير قريباً؟ ومن بدأه فعلاً؟ وهل سيكون الفيلم جاهزاً للمشاركة في المهرجان؟ وماذا عن هوليوود التي قلّلت خلال العامين الأخيرين من أهمية مهرجاني «كان» و«برلين» بالنسبة إليها؟ وهل سيقرر مخرج ما التوجه بفيلمه إلى مهرجان منافس؟

ثم ماذا عن الأزمات السياسية القائمة حول العالم، التي دفعت مهرجان «برلين» إلى تغيير إدارته قبل 3 سنوات، ثم هددت إدارته الجديدة بالتعرض للضغوط نفسها هذا العام؟

كل ذلك في وقت يقترب فيه موعد إطلاق الدورة المقبلة من مهرجان «فينيسيا» (الدورة 84) تحت إدارة ألبرتو باربيرا الذكية.

ومن حسن حظ هذا المهرجان الإيطالي أنه يأتي في مستهل موسم الجوائز السنوية. فالأفلام المشاركة فيه، سواء كانت أوروبية أو آسيوية أو أميركية، تحظى بفرصة أفضل للانتقال من «فينيسيا» إلى منصات الجوائز الكبرى، وتحديداً «الأوسكار» و«الغولدن غلوب».

لكن «فينيسيا» ليس وحيداً في هذا المجال؛ فهناك أيضاً منافسه الأول «كان». غير أن ما يمنح المهرجان الإيطالي أفضلية إضافية هو توقيته، إذ يُقام في الفترة التي يبلغ فيها السعي إلى دخول السباقات الأميركية ذروته، أي خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من كل عام.

في العام الماضي انتقلت 3 أفلام رئيسية من جزيرة الليدو، حيث يقام المهرجان، إلى سباق الأوسكار، هي: «صوت هند رجب» و«فرنكستاين» و«بوغونيا». وفي عام 2024 تسللت أفلام «جوكر 2» و«ما زلت هنا» و«ذا بروتاليست» إلى السباق نفسه. وقد تكرر هذا النمط خلال السنوات الخمس السابقة أيضاً، بما يؤكد أهمية المهرجان، ليس بالنسبة إلى الجوائز الأميركية فحسب، بل لصنّاع الأفلام أساساً.

سام روكويل (اليمين) وجون مالكوفيتش في «وايلد هورس 9» (بلو برنت بيكتشرز)

استكمال لما سبق

لن يختلف الأمر كثيراً هذا العام، خصوصاً إذا نجح باربيرا في استقطاب الأفلام الكبيرة التي تلوح في الأفق، ومن بينها أفلام جديدة لديفيد فينشر وفيرنر هرتزوغ وناني موريتي وتوم فورد.

وكان فورد قد عرض فيلمه السابق «رجل أعزب» (A Single Man) في دورة عام 2009، لينطلق منه إلى ترشيحات 58 مؤسسة سينمائية ونقدية حول العالم، من بينها الأوسكار. أما فيلمه الجديد «صرخة إلى السماء» (Cry to Heaven)، فيختلف عن سابقه بكونه دراما تاريخية تدور حول مغني الأوبرا غويدو مافيو.

ومن بين الأفلام المنتظر عرضها في «فينيسيا» هذا العام فيلمان يمكن اعتبارهما امتداداً لفيلمين سابقين. أولهما «مغامرات كليف بوث» (The Adventures of Cliff Booth) لديفيد فينشر، وهو تكملة لفيلم «حدث ذات مرة في هوليوود» الذي أنجزه كوينتن تارانتينو عام 2019، وعُرض للمرة الأولى في مهرجان «كان». ويقود بطولة الفيلم الجديد براد بيت، فيما تتولى شركته «بلان بي» إنتاجه.

أما الفيلم الثاني فهو «حسابات مجتمعية» (Social Reckoning) لآرون سوركين. والطريف في الأمر أن هذا العمل يُعد استكمالاً لفيلم «الشبكة الاجتماعية» (The Social Network) الذي أخرجه ديفيد فينشر عام 2010.

«فينيسيا» بوابة مهمة نحو «الأوسكار» و«الغولدن غلوب»

خسارة وربح

هناك أفلام أخرى مهمة مرشحة لغزو المهرجان الإيطالي، من بينها «باكينغ فاستارد» (Bucking Fastard) لفيرنر هرتزوغ، وهو فيلم روائي غريب عن شقيقتين (روني مارا وكايت مارا) تحفران نفقاً عبر جبل للوصول إلى الجهة الأخرى منه، اعتقاداً منهما بأن هناك أرضاً جديدة يسود فيها الحب الحقيقي.

وكان هذا الفيلم في متناول مهرجان «كان»، لولا أن المخرج الألماني قرر سحبه بعدما اقترح عليه المدير الفني للمهرجان، تييري فريمو، عرضه خارج المسابقة الرسمية. رفض هرتزوغ الاقتراح، وما خسره «كان» تحوَّل إلى مكسب لـ«فينيسيا».

وفوز آخر لـ«فينيسيا» على «كان» يتمثل في فيلم المخرج الإيطالي ناني موريتي الجديد «قلب جائع» (Hungry Heart). فبعد أن عرض موريتي أفلامه التسعة الأخيرة في «كان»، آثر هذه المرة تخصيص فيلمه الجديد للمنافسة في المهرجان الإيطالي.

ومن بين الأفلام الأخرى التي يبدو أنها ستُعرض في الدورة المقبلة، التي تُقام بين 2 سبتمبر (أيلول) و12 منه، فيلم «وايلد هورس 9» (Wild Horse 9) لمارتن ماكدونا، وهو فيلم تشويق أميركي يشارك في بطولته جون مالكوفيتش وتوم وايت وسام روكويل.

كذلك يُنتظر عرض فيلم «هنا يأتي الطوفان» (Here Comes the Flood) للإسباني فرناندو ميريليس، من بطولة روبرت باتينسون ودنزل واشنطن، وهو فيلم يدور حول خطة معقدة لسرقة مصرف.

وتبدو هذه الأفلام مرشحة بقوة منذ الآن، علماً بأن المهرجان سيعلن برنامجه الرسمي في 23 من الشهر المقبل.