أخيرًا أطل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، في كلمة وإن جاءت تكرارا للمواقف الروسية المعلنة سابقًا، فإنها تميزت عن آخر خطاب مدو له في ميونيخ عام 2007، بأنها أتت على خلفية انخراط روسيا عسكريًا في الأزمة السورية، أي ذهاب روسيا إلى أبعد حد ممكن من تمسكها بموقفها الداعم للنظام السوري.
في أي حال، النخب الإعلامية والبحثية والسياسية الروسية لم تنطلق في قراءتها لكلمة بوتين على أساس تقدير خطورة الانخراط الروسي العسكري في الأزمة السورية، وتأثيره على مجرى الأحداث إن كان لجهة تصاعد حدة الاقتتال بين السوريين وإطالة عمر الأزمة وزيادة عدد الضحايا، ولا لجهة نتائج مثل هذا التدخل على مكانة روسيا عموما في الشرق الأوسط، بل انطلقت من زاوية التنافس الروسي - الأميركي. ومن هؤلاء أليكسي بيشكوف، رئيس لجنة الشؤون الدولية في البرلمان الروسي، الذي قال إن كلمة بوتين «جاءت واضحة جدًا ومكرسة للحديث عن الوضع الحالي للأمم المتحدة، ولمؤسسة مثل الفيتو، والوضع في الشرق الأوسط، والتصدي للإرهاب»، أما أوباما حسب رأي بيشكوف فقد «كرر الشعارات التي يعرفها الجميع، وحاول إقناع المجتمع الدولي بأن المنظومة السياسية الأميركية، وتحديدًا الديمقراطية، والريادة الأميركية هما مفتاح لحل كل المشاكل». وأضاف البرلماني الروسي لافتًا إلى أن كلمة أوباما وإن تميزت بكيل المديح للسياسة الأميركية وتوجيه انتقادات للسياسة الروسية إلا أنها «لم تكن كلمة حرب باردة».
الخبير السياسي فياتشيسلاف نيكونوف، عضو رئاسة مجلس السياسة الخارجية والدفاع وصف كلمة بوتين بأنها «الحدث المركزي في جلسة الجمعية العمومية، جذبت اهتماما كبيرًا منذ البداية». وذهب نيكونوف إلى اتهام الولايات المتحدة بأنها تعمدت أن يتزامن المؤتمر الصحافي لوكالة ناسا الذي أعلن خلاله عن اكتشاف ماء على سطح المريخ، مع كلمة بوتين بهدف التعتيم على الكلمة إعلاميًا، لأن «بوتين - حسب قول نيكونوف - دافع عن السيادة، كما والقانون الدولي الذي تتجاهله الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، معتبرة ذاتها الطرف الذي يجسد هذا القانون الدولي، وتقر بسيادتها فقط».
إن القراءة من هذه الزاوية لخطاب بوتين تعكس إلى حد ما الشعور لدى النخب الروسية بأن تجاهل الغرب عموما لروسيا وعدم الأخذ برأيها في الشؤون الدولية، وصولا إلى محاولات احتوائها عسكريا وعزلها سياسيا، إنما تشكل «إهانة للكرامة القومية الروسية». وقد عبر بوتين بوضوح عن رفضه لمجمل هذه السياسات حين ركز في خطابة على «عدم شرعية أي خطوات تتخذها الدول خارج إطار الأمم المتحدة»، داعيًا إلى تشكيل ائتلاف دولي واسع ضد الإرهاب على أساس القانون الدولي، وكذلك منظومة أمن مشتركة غير قابلة للتجزئة، رافضا عقلية التحالفات العسكرية.
في الشأن السوري الذي شكل مفصلا رئيسيا في خطاب بوتين، بنى عليه انتقاداته لواشنطن ودعا على أساسه إلى تشكيل الائتلاف الدولي ضد الإرهاب، فإن رد الفعل على المستوى السوري أتى وفق الاصطفافات السياسية. إذ برز ترحيب غير محدود من جانب النظام في دمشق الذي ما زال في حالة «لفظ الأنفاس الأخيرة»، لدرجة أن بوتين ذاته قال في حوار عشية كلمته في الأمم المتحدة إن الهدف من الدعم العسكري الروسي للحكومة السورية يقوم على الحيلولة دون سقوط مؤسسات الدولة السورية، مقابل تنديد بأكثر من لهجة من جانب غالبية قوى المعارضة السورية، التي عادت وحملت بوتين وموقفه من الأزمة السورية المسؤولية عن استمرار آلة القتل «الرسمية» بارتكاب جرائم بحق الشعب السورية.
في غضون ذلك، يرى البعض أن تصريحات بوتين في الشأن السوري حملت الريبة وخلقت شعورًا بالحذر لدى السوريين، لا سيما عندما عاد وكرر ما قاله وزير خارجيته لافروف أكثر من مرة بأن العبء الرئيسي في محاربة الإرهاب تتحمله قوات الجيش السوري والفصائل الكردية. إذ يتساءل البعض عن مغزى وأهداف تركيز موسكو على دور الأكراد السوريين إلى جانب النظام في التصدي لـ«داعش»، مقابل تجاهل غير مقبول للدور الذي تقوم به فصائل المعارضة السورية السياسية والعسكرية في المعركة ضد الإرهاب. ويحذر هؤلاء من أن إصرار موسكو على تجاهل حقائق واضحة وضوح الشمس قد يؤثر بشكل سلبي على رغبتها وجهودها بلعب دور محوري في تسوية الأزمة السورية، لأن مثل هذا الأسلوب يثبت روسيا طرفًا في الأزمة لا وسيطا يمكن أن تقبل الأطراف كلها بدور له في العملية السياسية.
عموما لقد شكلت كلمة بوتين حدثا ذا أهمية نظرًا لاقترانها بنشاط عسكري روسي غير مسبوق على الأرض، والحديث عن مقاصده فيما قاله قد يطول. لذلك الأفضل الانتظار ومراقبة ما سيجري من تطورات بعد تلك الكلمة الروسية في الجمعية العمومية، فهناك بين الأسطر ما يدعو للتأمل، وربما يكون كل ما قاله بوتين ليس سوى الحد الأقصى لسقف التفاوض الروسي مع الولايات المتحدة حول الوضع في الشرق الأوسط، مع ما ستخلفه نتائج تفاوض كهذا من تغيرات على مجمل منظومة العلاقات الدولية الحالية التي تثير غضب موسكو.
8:48 دقيقه
بوتين كرر رفضه «الهيمنة الأميركية» داعيًا لـ«شراكة في التصدي للإرهاب»
https://aawsat.com/home/article/463731/%D8%A8%D9%88%D8%AA%D9%8A%D9%86-%D9%83%D8%B1%D8%B1-%D8%B1%D9%81%D8%B6%D9%87-%C2%AB%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%8A%D9%85%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A9%C2%BB-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D9%8B%D8%A7-%D9%84%D9%80%C2%AB%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D9%83%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B5%D8%AF%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%C2%BB
بوتين كرر رفضه «الهيمنة الأميركية» داعيًا لـ«شراكة في التصدي للإرهاب»
تعمدت واشنطن التعتيم على كلمته من خلال الإعلان عن كشف ماء على سطح المريخ
بوتين كرر رفضه «الهيمنة الأميركية» داعيًا لـ«شراكة في التصدي للإرهاب»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

