تابعنا في الأسبوع الماضي عددًا من القواعد الأساسية للحرب التي لا تتغير مع مرور الزمان، وكيف أن هذه القواعد يمكن أن تمثل نموذجًا يمكن اتباعه في الحياة العملية للإنسان بصفة عامة، وفي ترتيب استراتيجيته في شتي مناحي الحياة بعد عملية أقلمة مناسبة لتتناسب وظروف وطبيعة الأمر. كذلك استعرضنا عددًا من هذه القواعد الأساسية؛ على رأسها حتمية وحدة الهدف السياسي للحرب الذي يمثل الأساس لأي عملية عسكرية باعتبار أن العمل العسكري امتداد للتفاعل الدبلوماسي بوسائل أخرى.
ومن ثم تعرّضنا للمبدأ الثاني، وهو ضرورة وضوح الهدف العسكري للحرب لدى القيادة العسكرية، وأيضًا مبدأ وحدة القيادة العسكرية، وكيف أن تفتت القيادة يؤدي إلى كوارث حقيقية. وتابعنا أيضًا مبدأ الهجوم الذي يعد من أهم المبادئ العامة للاستراتيجية، وكيف أن الفكر العسكري على مرّ العصور أشار إلى أهمية اتباع الأسلوب غير المباشر؛ بحيث يصار إلى التركيز على أضعف نقاط دفاعات العدو ووضع الحشد المناسب لتتحقق عملية الاختراق وتطويق دفاعات العدو.
غير أن مبادئ الحرب تتضمن أيضًا عددًا من المبادئ الأخرى؛ على رأسها ما يلي:
أولاً: المناورة، وهي من أهم المبادئ الخاصة بالحرب؛ فهي الوسيلة التي يتحقق من خلالها تفعيل الهجوم بشكل مناسب لضمان النصر. ولعل أفضل تجسيد للمناورة هي مقولة نابليون بونابرت: «..عندما كنت أواجه جيشًا أكبر من جيشي وأنا بعدد أقل من القوات، كنت دائمًا أجمع القوات وأنقضّ على أحد جناحي العدو كالصاعقة، وكنت أدمّره، ثم كنت أستغل حالة الفوضى وانعدام النظام، فأشنّ هجومًا آخر على نقطة أخرى بكل قوتي أيضًا». المناورة هنا لها دورها المهم في استغلال الظروف والهجوم على العدو.
ثانيًا: عنصر المفاجأة، ولقد وصف الرسول (صلى الله عليه وسلّم) الحرب بأنها «خدعة»، فالخداع أو التمويه في الحرب عنصر مهم للغاية، ويمثل أساسًا لعنصر المفاجأة. ويتفق الاستراتيجيون على أن هذا العنصر أفضل وسيلة في الحرب، وغالبًا ما يضمن إحداث أثر نفسي سيئ للغاية على العدو، بجانب التسبب في عجزه عن مواجهة الهجوم، فالهدف في النهاية هو مباغتة العدو في نقطة لا ينتظر منها الهجوم وفي توقيت لا يتوقعه، فيصعب عليه صد الهجوم أو حتى التحرك لمواجهته. ولعل أهم عناصر الخدعة هي القدرة على التحرك السريع وقوة التنفيذ، فضلاً عن إخفاء القوات ومنع العدو من الحصول على المعلومات المناسبة، أو من خلال تطبيق وسائل غير تقليدية بما في ذلك الأسلحة المتطورة، ويقول السير بازيل هنري ليدل هارت، العلاّمة في الشؤون الاستراتيجية: «أفضل وسائل تحقيق الخداع تكمن في اختيار سلوك لا يتوقعه العدو، واستغلال الخطوط التي تقل فيها مقاومته».
ثالثًا: مبدأ أمن أو تأمين القوات، والمقصود هنا هو ضرورة أن يتخذ قائد الجيش التدابير اللازمة لمنع أي حركة مفاجئة ضد قواته، والحفاظ على قدرته على التعبئة والحركة. وأفضل وسائل الحفاظ على أمن القوات هو رفع استعدادها دائمًا للاشتباك الفوري، وضمان نوع من الاستطلاع المستمر لقوات العدو وتحركاته، وأيضًا ضمان توفير القوات اللازمة لمواجهة أي تحرك للعدو. وغالبًا ما يكون عنصر التأمين للنقاط الضعيفة للجيوش، وعلى رأسها الأطراف والخطوط الخلفية. ولا يجوز اتخاذ مبدأ تأمين القوات لـ«تكتيف» حركة الجيوش، فالتأمين مطلوب، ولكن تعبئة وتحريك الجيوش لنيل النصر دائمًا يكتنفه نوع من المخاطرة أو المجازفة، وهو التوازن المطلوب خلال إدارة الحرب الذي يقع على عاتق القيادة العسكرية.
رابعًا: مبدأ الاقتصاد في القوة Economy of Forces، وهذا مبدأ مهم للغاية في تنفيذ العمليات العسكرية. والمقصود هنا هو استخدام القوات المتاحة بشكل فعال وبكفاءة عالية وبأفضل السبل سعيًا وراء أكبر نفع بأقل تكلفة، وفي هذا الإطار يجري نشر القوات المناسبة لتحقيق الهدف المناسب. وهناك أمثلة كثيرة في تاريخ الحروب التي تعكس ذلك، فكثيرًا ما يلجأ القائد العسكري لمحاصرة المدن دون أن يدخلها مع استمرار الهجوم لتحقيق أكبر قدر من الاستيلاء على أراضي العدو أو الدولة المعادية. وغالبًا ما يكون ذلك استنادًا لمبدأ أن «المدن مقبرة الجيوش»؛ إذ إن السعي لاحتلال كل مدينة في حرب مفتوحة من شأنه أن يضع ضغوطا كبيرة على قدرة المهاجم على استكمال هجومه، لأن فتح المدن يستغرق من الوقت والجهد والتجهيزات بما قد يحول دون تحقيق الأهداف الاستراتيجية للحملة الهجومية التي يسعى الجيش لتنفيذها.. ثم إن وضع قوات كبيرة لاحتلال مدينة قرار غير متوازن، بل يكفي الحصار والاستمرار. والتاريخ العسكري يشير إلى حالات كثيرة زجّ فيها جنرالات كبار بقوات كبيرة العدد لتحقيق هدف استراتيجي أو تكتيكي لا يتناسب مع القيمة الحقيقية للحملة التي يخوضونها. وهنا تكون القيادة العسكرية مخطئة، لأنه لا بد أن يكون الهدف متناسقًا مع حجم القوات المكلفة بتنفيذه.
خامسًا: مبدأ البساطة Simplicity، والمقصود هنا هو أن تكون الخطة العسكرية غير معقدة في التنفيذ ولا تنطوي على عناصر كثيرة يصعب تحقيقها. وكذلك أن تكون تعليمات القائد واضحة وصريحة، فالتعقيد غير المبرر غالبًا ما تتبعه صعوبة في التنفيذ. وعندما تكون الجيوش في حالة حرب، فإن تنفيذ القوات للخطة العسكرية يكون متشابكًا ومعقدًا، ما قد تتبعه مشكلات في التنفيذ قد تؤدي إلى الفشل، ولكن هذا المبدأ لا يجوز أن يكون سببًا في التبسيط المخل للخطط العملياتية.
سادسًا: الحفاظ على الروح المعنوية، وهناك مقولة شهيرة لنابليون بونابرت يقول فيها: «..ثلاثة أرباع الحرب تتعلق بالشؤون المعنوية». والمقصود بهذا الكلام ضرورة إبقاء الجنود والقادة قبل المعارك في أعلى روح معنوية لمواجهة العدو، فالروح المعنوية لها أثرها المباشر في مستوى تنفيذ العمليات، ولا بد أن يكون لدى القوات المقاتلة الحافز والثقة في النفس والثقة في عدالة هدفها والثقة في قيادتها، كما يجب أن تتحلى باهتمام الدولة بها وبأحوالها.
سابعًا: البعد اللوجيستي أو الإداري، فالقوات المتحاربة التي يختلّ فيها النظام الإداري أو اللوجيستي ستتأثر حتمًا، فمع تعقيدات الحروب الحديثة وتطورها ثمة حاجة كبرى لنظام إداري ولوجيستي سليم يعتمد على الاتصالات والسيطرة السليمتين، خاصة إذا كانت حملة كبيرة وواسعة النطاق، وهنا يكون النظام الإداري واللوجيستي عصب النجاح والاستمرارية لها.
هذه هي بعض المبادئ الأساسية للحرب التي أصبحت قواعد أساسية في إدارة الحروب. وهي كما نرى قابلة للتطبيق على كل مناحي الحياة العملية وفقًا لأقلمة مناسبة، فمبدأ مثل الاقتصاد في القوة يؤكد على أن الإنسان يجب أن يوظف إمكاناته لتحقيق أفضل الأهداف بشكل متناسق، كما أن عنصر المباغتة أو المفاجأة يعدّ من أهم الوسائل لتحقيق الأهداف، فالحرب هي في النهاية امتداد للسلوك البشري. ولقد كتب فيها كثيرون، ولكن من أمتع ما قرأت خارج التخصّصات الدقيقة ما هو معروف بـ«مبادئ نابليون بونابرت في الحرب»، ولعل من أكثر المبادئ حكمة مقولته الشهيرة: «لا تقاطع عدوك عندما تراه يقترف خطأ عسكريًا.. فهذا سوء أخلاق منك».
9:11 دقيقه
من التاريخ: قواعد الحرب والحياة (2)
https://aawsat.com/home/article/463716/%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D9%82%D9%88%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-2
من التاريخ: قواعد الحرب والحياة (2)
من التاريخ: قواعد الحرب والحياة (2)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

