بن كارسون.. جراح الأعصاب في سباق البيت الأبيض

رحلة نجاح نقلته من الفقر إلى أعلى المناصب العلمية

بن كارسون.. جراح الأعصاب في سباق البيت الأبيض
TT

بن كارسون.. جراح الأعصاب في سباق البيت الأبيض

بن كارسون.. جراح الأعصاب في سباق البيت الأبيض

يحتل الدكتور بن كارسون، حاليًا، ووفق أحدث استطلاعات الرأي بين المرشحين الجمهوريين، المرتبة الثانية بعد الملياردير اليميني دونالد ترامب. وكان كارسون، المحسوب على الجناح اليميني في الحزب، قد حلّ ضيفًا في مقابلة تلفزيونية بثت يوم الأحد قبل الماضي ببرنامج «واجه الصحافة»، وخلالها فجّر «قنبلة» سياسية عندما قال إنه لا يعتقد أن مسلمًا يجوز أن يكون مسؤولاً عن الولايات المتحدة. وأردف أن الشريعة الإسلامية لا تتناسب مع الدستور الأميركي. كذلك كرّر القول في عدة مقابلات تلفزيونية، أن المرشح المسلم يمكن أن يستخدم مبدأ «التقية» الذي يبيح له الكذب لتحقيق أهدافه. ومجددًا برّر موقفه في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، القريبة من تيار اليمين المحافظ المتشدّد، بمهاجمته سجل حكومات الدول الإسلامية في مجال حقوق الإنسان.
أثار بن كارسون، أحد المتنافسين على ترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية الكثير من الجدل والانتقادات خلال الشهر المنصرم إثر تصريحات رفض خلالها فكرة تولّي مسلم منصب رئيس الولايات المتحدة الأميركية. ورغم تعرّضه لانتقاد بعض زملائه من الجمهوريين وخصومه من الحزب الديمقراطي وهجوم الكثير من المنظمات الإسلامية عليه ومطالبتها إياه بالاعتذار أو الانسحاب من سباق الرئاسة، صمّم كارسون على موقفه في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» وطالب أن يتنازل المسلم عن تعاليم الإسلام إذا ما أراد أن يترشح لمنصب رئيس جمهورية الولايات المتحدة.
تصريحات كارسون، تتناقض في الواقع، مع نصوص الدستور الأميركي الذي ينصّ صراحة على حرية العقيدة ولا يضع شروطًا تتعلق بالدين لتولي المناصب العامة. ولذا، تعرّض كارسون لتهم التعصّب والعداء للإسلام، كما أدانت عدة منظمات مواقفه المعلنة واعتبرتها مسيئة إلى ثلاثة ملايين مسلم من المقيمين بالولايات المتحدة كمواطنين أو كمقيمين لهم وضع قانوني دائم.
* يدّعي أنه ضد «الدولة الدينية»
غير أن كارسون (64 سنة)، وهو جرّاح أعصاب يتحدّر من أصول أفريقية، أصرّ على كلامه الاستفزازي، وبدلاً من الاعتذار عما قاله، أعاد التشديد على أنه لا يؤيّد تولّي مسلم رئاسة الولايات المتحدة بحجة أنه «لا يريد دولة ثيوقراطية». ومن ثم، تابع «سيكون لدي مشكلة مع أي شخص يعتنق تعاليم الإسلام ولا يكون على استعداد لرفض الشريعة لكي يلتزم فقط بالدستور الأميركي والقيم الأميركية»، قبل أن يستدرك فيقول: «إذا كان هناك شخص لديه خلفية إسلامية، لكنه مستعد للتخلّي عن مبادئ ديانته وتقبّل أسلوب حياتنا، ومستعد أيضًا لأن يقسم على وضع الدستور الأميركي فوق دينه ويحترم مَن ليس له دين، في ذلك الحين سأكون جاهزًا تمامًا لتقديم الدعم له». ثم أضاف موضحًا أنه يتخذ هذا الموقف أيضًا مع أي مرشح مسيحي أو يهودي يؤمن بإقامة دولة دينية، وسيطالبه بالتخلي عن معتقداته والالتزام فقط بالدستور الأميركي دون سواه.
وبعد الضجة التي أثارها كلام كارسون، لوحظ عليه أنه كلّما حاول تلطيف موقفه وشرح أفكاره بمزيد من التفصيل تكرّرت إساءاته، ومنها قوله في لقاء له مع شبكة «إيه بي سي» إنه مستعد لقبول نقاش يقول إن دين اللاجئين من منطقة الشرق الأوسط يشكّل سببًا كافيًا للتنصت على مكالماتهم الهاتفية وفتح تحقيقات حولهم.
وفي ضوء تداعيات تصريحات كارسون المثيرة للجدل، حاول الناطق باسم حملته الانتخابية دوغ واتس توضيح كلامه، فادّعى أن «كارسون يكنّ احترامًا كبيرًا للمجتمع الإسلامي، لكن ثمة فجوة كبيرة بين الإيمان وممارسة الدين وبين الدستور الأميركي والقيم الأميركية»، مذكّرًا بأن «المجتمع الأميركي قائم على الدستور والقانون». ثم أوضح أن بعض المجتمعات التي يقوم الحكم فيها على أسس دينية «تعتمد على مبادئ الحرام والحلال في التشريع والحكم، لكن دولاً أخرى، كالولايات المتحدة، يعتمد الحكم فيها على الدستور وبنوده، وبالتالي، يعتمد الحكم فيها على الفصل بين مبادئ ما هو قانوني ومتفق مع الدستور وما هو غير قانوني وغير دستوري». وشدّد واتس على أن «الدستور الأميركي يكفل حرية الدين وحرية التعبير، ويفصل بين الدين والدولة».
* شعبية رغم الانتقادات
وعلى الرغم من حملة الانتقادات الواسعة التي واجهها كارسون فإن استطلاعات الرأي – كما سبقت الإشارة – ما زالت تشير إلى ارتفاع أسهمه، إذ يحتل المرتبة الثانية في الاستطلاعات الخاصة بالناخبين الجمهوريين الأميركيين المتوقعين بنسبة 20 في المائة متخلفًا بفارق بسيط عن رجل الأعمال وملياردير العقارات ترامب الذي يتمتع بنسبة تأييد تبلغ 21 في المائة. ويتشارك السيناتور ماركو روبيو (من ولاية فلوريدا) وسيدة الأعمال كارلي فيورينا، رئيسة شركة هيوليت باكارد السابقة، في المركز الثالث بنسبة 11 في المائة، يليهما جيب بوش، نجل الرئيس جورج بوش الأب وشقيق الرئيس جورج بوش الابن والحاكم السابق لولاية فلوريدا بنسبة 7 في المائة، ثم يأتي السيناتور تيد كروز (من ولاية تكساس) بنسبة 5 في المائة، أما بقية المرشحين الجمهوريين فلا تزيد نسب التأييد لهم أكثر من 3 في المائة.
في الواقع من ميزات كارسون، التي تتمتع على ما يبدو بشعبية كبيرة لدى الناخبين، تمكنه من شرح القضايا المعقّدة بأسلوب مبسّط. ويقول مؤيدوه إن لديه قدرة فائقة على إثارة الإعجاب بأفكاره الفلسفية والبراغماتية التي تتراوح من شرح خططه حول الهجرة والإنفاق الحكومي والضرائب وتشجيع الصناعات الصغيرة إلى غيرها من القضايا التي تشغل بال الناخب الأميركي العادي. وحسب المسؤولين في حملته الانتخابية فإن حجم التبرعات التي حصل عليها كارسون حتى الآن بلغ 20 مليون دولار، وهو أكبر حجم للتبرّعات بين كل التبرعات التي حصل عليها المرشحون الجمهوريون لتاريخه.
والجدير بالذكر أن عنصر المال عنصر حيوي وحاسم في الحملات الانتخابية بالولايات المتحدة، وهذا الزخم المالي أعطى حملة كارسون القدرة على البقاء في السباق لمدة أطول ممّا توقع له المراقبون. وحاليًا، يبحث خبراء في الاستراتيجيات الانتخابية داخل أروقة الحزب الجمهوري ما إذا كان كارسون سيستطيع جمع مزيد من القوة المالية للذهاب أبعد وشن جولات أكثر حسمًا للفوز بترشيح الحزب.
* بطاقة هوية
ولد بنيامين «بن» سولومون كارسون في مدينة ديترويت، كبرى مدن ولاية ميتشيغان، في 10 سبتمبر (أيلول) 1951، في بيئة أفرو - أميركية (سوداء) فقيرة. وكانت قصة حياته مليئة بالماسي، إذ انفصل والداه عندما كان في الثامنة من عمره وتولت والدته رعايته بمفردها مع أخيه الأكبر كيرتيس. وفي ظل ضيق العيش كانت والدته تزاول عملين أو ثلاثة لتوفير متطلبات الحياة، وعملت خادمةً لفترات طويلة من حياتها. واعتمدت في كثير من الفترات على المعونات التي تقدم للفقراء.
أيضًا عانى «بن» الصغير في مراحل تعليمه الأولى إذ كانت علاماته المدرسية ضعيفة ما جعله مثار سخرية زملائه الذين لقبوه بـ«التلميذ الغبي»، ولقد أثّر هذا الأمر في الصغير كثيرًا فصار سريع الانفعال والغضب وسهل الاستفزاز. ويشير كتاب «الأيدي الموهوبة» Gifted Hands، الذي يروي سيرة حياة كارسون إلى أن غضبه كان يترجم إلى سلوك عنيف وقد أصاب زميل له بجروح في الرأس بعد نزاع على خزانة. كذلك اشتبك مع زميل آخر وطعنه بسكين بعد جدل حول اختيار محطات الإذاعة. ولكنه لاحقًا تعلم السيطرة على غضبه ووجه طاقة الغضب إلى طاقة إيجابية لتغيير وضعه الاجتماعي.
من ناحية ثانية، رغم انشغال والدته بعملها المضني وجهلها القراءة والكتابة فإنها دفعت ابنيها إلى القراءة، وكان تأثيرها على حياتهما كبيرًا. ثم إنها حددت لولديها جدولاً قاسيًا يقضي بالامتناع عن اللعب أو مشاهدة التلفزيون، ويشمل قراءة كتابين كل أسبوع مع تقديمهما لها ملخصًا لما قرآه. وكانت الأم الدؤوبة توهم ابنيها بقراءة تلك الملخصات وتتظاهر بمراجعتها بعناية فائقة مع أنها كانت أمّيّة لا تجيد القراءة والكتابة.
عن تلك الفترة يروي كارسون أنه استاء في البداية من هذا النظام الصارم الذي كان يلزمه بالبقاء في البيت للقراءة، بينما يلعب أترابه كما يحلو لهم، لكنه بعد بضعة أسابيع أخذ يستمتع بالقراءة، وبما أن العائلة كانت فقيرة ما كانت لديه أصلاً الكثير من الفرص للذهاب إلى أي مكان، لكنه بين أغلفة الكتب كان بمقدوره الذهاب إلى أي مكان يحمله إليه خياله. وهكذا، ترسخ عنده التطلع، بل النهم للمعرفة.
هذا الجدول القاسي في القراءة والتهام الكتب دفع بن كارسون من أسفل السلم الاجتماعي والمالي إلى أعلى الدرجات العملية والمكانة الاجتماعية والسياسية الرفيعة التي هو فيها الآن، حوّلت نهم القراءة والاطلاع «التلميذ الغبي» إلى أحد ألمع جراحي طب الأعصاب في العالم.
* مشوار علمي ومهني مبهر
لقد تخرّج بن بتفوق (مرتبة الشرف) من المدرسة الثانوية، وكان يطمح لدراسة الطب، لكن ظروف أسرته المالية لم تكن تسمح بالتحاقه بكلية الطب، كما كانت مدينة ديترويت، حيث يعيش، تعاني من الانكماش الاقتصادي وقلة فرص العمل. مع هذا ظل كارسون مصمّمًا على تحقيق هدفه، وحقًا حصل على عمل وعلى منحة دراسية للدراسة في جامعة ييل العريقة وحيث تخرّج حاصلاً منها على درجة البكالوريوس في علم النفس عام 1973، ومن ثم التحق بكلية الطب بجامعة ميتشيغان، وتخرج فيها بدكتوراه الطب والجراحة، وتخصص في طب الأعصاب.
وعام 1975 تزوج كارسون من كاندي روستن التي كان قد التقى بها في جامعة ييل. وبعد حصوله على شهادته الطبية انتقل مع زوجته إلى مدينة بالتيمور بولاية ميريلاند، قرب العاصمة واشنطن، والتحق بجامعة جونز هوبكنز الشهيرة بمركزها الطبي ذي السمعة العالمية عام 1977. وعام 1983 سافر إلى أستراليا للعمل لمدة سنة، عاد بعدها إلى جونز هوبكنز عام 1984. وبحلول عام 1985 أصبح كارسون مديرًا لقسم جراحة الدماغ والأعصاب للأطفال وهو لا يزال في الثالثة والثلاثين من عمره. وشارك كارسون في إجراء عمليات ناجحة لفصل التوائم الملتصقة في ألمانيا وجنوب أفريقيا وزامبيا وسنغافورة. وبسبب تفانيه في العمل وإنجازه الكثير من الاكتشافات الطبية، حصل على أكثر من 50 درجة دكتوراه فخرية وأصبح عضوًا في الكثير من الجمعيات الطبية والمجلس العلمية، وجذبت قصته الأضواء العامة لطفل من عائلة فقيرة صعد سلم النجاح بتفوق باهر. وعام 2001 اختارته مجلة «تايم» في قائمة «أفضل 20 طبيبًا في الولايات المتحدة»، كما حصل على الكثير من جوائز التكريم.
وفي عام 2012، نشر كارسون كتاب «أميركا الجميلة: إعادة اكتشاف ما الذي يجعل هذه الأمة عظيمة»، وجذب الكتاب الكثير من الانتباه بعد خطاب انتقد خلاله الرئيس باراك أوباما لموقفه من الضرائب والرعاية الصحية.
ثم عام 2014 نشر كارسون كتابه «أمة واحدة: ماذا بمقدورنا جميعًا فعله لإنقاذ مستقبل أميركا». وعلى الأثر حظي بشعبية واسعة في أوساط المحافظين – وبالذات اليمين الاقتصادي – داخل الحزب الجمهوري، وكذلك في وسائل الإعلام السياسية لآرائه في القضايا الاجتماعية والسياسية.
اليوم، يعتبر بن كارسون أحد أبرز جرّاحي طب الأعصاب في العالم، ويعود إليه الفضل في أول عملية جراحية ناجحة لفصل توأمين ملتصقي الرأس. وعلى إنجازاته الطبية منحه الرئيس جورج بوش (الابن) «الوسام الرئاسي للحرية» في عام 2009 وهو أعلى تكريم تمنحه الحكومة الأميركية للمدنيين. وفي عام 2010 تم انتخابه لعضوية الأكاديمية الوطنية للعلوم. وعام 2014 وضعته مؤسسة غالوب في قائمة الرجال الأكثر إثارة للإعجاب في العالم.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».