مقاهي بغداد الثقافية.. ولدت فيها أولى التجارب الشعرية

بعضها ما زال شاخصًا حتى اليوم

هناك عدد محدود من المقاهي التي لا تزال تستقطب روادها ولعل أهمها اليوم مقهى الشابندر في شارع المتنبي
هناك عدد محدود من المقاهي التي لا تزال تستقطب روادها ولعل أهمها اليوم مقهى الشابندر في شارع المتنبي
TT

مقاهي بغداد الثقافية.. ولدت فيها أولى التجارب الشعرية

هناك عدد محدود من المقاهي التي لا تزال تستقطب روادها ولعل أهمها اليوم مقهى الشابندر في شارع المتنبي
هناك عدد محدود من المقاهي التي لا تزال تستقطب روادها ولعل أهمها اليوم مقهى الشابندر في شارع المتنبي

خصوصية المقاهي البغدادية متفردة ولا تشبه غيرها من ناحية مكانتها ونكهتها وشخوصها وحتى نوع قهوتها ومشاريبها وأغنياتها التي تختارها لزوارها، وهي تمثل جانبًا مهما من ذاكرة المدينة، فمنذ عشرينات القرن المنصرم، وبالتحديد مع افتتاح أهم شارع في العاصمة بغداد، شارع الرشيد، تحولت المقاهي المنتشرة على جانبيه إلى منتديات ثقافية شكلت مناخًا أدبيًا وثقافيًا وفنيًا جذبت الأدباء والكتاب والمسرحيين والتشكيليين من كل أنحاء البلاد، ومرت المقاهي بفترات من الانحسار والنهوض بحسب تعاقب الأحوال فيها واضطرابها أو استقرارها، لكنها اليوم، تشهد عودة محسوبة وهادئة لمقاهٍ جديدة، كسبت معها الشباب خصوصًا بعد أن أفل نجم الكثير من المقاهي القديمة لأسباب عدة وتهديم بعضها الآخر وتحوله لمخازن تجارية.
ومن أهم المقاهي البغدادية القديمة التي حفرت لها مكانًا في الذاكرة، هي مقاهي البلدية، وعارف آغا، والزهاوي، وحسن عجمي، والبرلمان، والشابندر، والبرازيلية، فيها ولدت أولى التجارب الفنية والشعرية وشهدت تكوين الجماعات التشكيلية واحتدام الجدل الثقافي لأجل إنضاج مشروع وطني ما أو فكرة ثقافية من شخصيات بغدادية عرفت بالريادة في المشهد الثقافي العراقي والعربي.
يقول الناقد والفنان قاسم العزاوي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» عن المقاهي البغدادية: «بعد فترة ازدهار كبرى في نتاج ونهج المقاهي الثقافية في بغداد في مطلع تأسيسها إلا أنها شهدت حالة تراجع وضمور في فترة السبعينات، وتواصل ذلك التراجع في عقدي الثمانينات والتسعينات بعد أن دخل المخبرون إليها لرصد حركة الناس وكلامهم وكتابة التقارير الأمنية للنظام الحاكم ضد من يعتقدون أنه يثير الرأي العام ضدهم».
وأضاف: «هناك عدد محدود من المقاهي التي لا تزال تستقطب روادها، ولعل أهمها اليوم مقهى الشابندر في شارع المتنبي ومقهى رضا علوان في الكرادة باعتبارها تتوسط منطقة مزدحمة بالسكان وتحوي أهم مقرات الصحف والفضائيات المحلية، وكذلك قربها من مقر الاتحاد العام للأدباء والفنانين، وعادة ما تعقد فيها ندوات فنية وأدبية وروادها من النساء والرجال معًا وهناك منتدى أشبه بالمقهى يدعى منتدى بيتنا الثقافي في الأندلس التابع للحزب الشيوعي وتقام فيه حلقات نقاشية وأدبية وثقافية ومعارض فنية».
ولفت العزاوي إلى أن دور المقاهي اليوم هو التواصل مع الآخرين، خصوصا المثقفين، وتبادل الأخبار وقضايا معظمها سياسية أو التحشيد للمظاهرات الشعبية أو مناقشة مسائل ثقافية تخص عرض نتاجهم الفكري والأدبي، وعقد الاتفاقيات الأدبية وتداول أخبار الفن والأدب وهي أيضا ملتقى للزوار من الخارج، كنقطة دلالة معروفة.
وبشأن اختلاف دور المقاهي عن دورها بالأمس، قال: «الغاية هي نفسها التي وجدت من أجلها المقهى وهو التواصل الثقافي والمعرفي، لكنها تطورت بحسب تطورات العمران وما تقدمه من أطعمة ومشروبات وغيرها، كما أنها صارت تستقبل النساء أيضا في وقت كان وجودهن بالأمس محدودًا أو معدومًا تقريبًا».
وعن ذكرياته في المقاهي البغدادية، قال: «كنت أزور مقهى البرازيلي في شارع الرشيد والبرلمان في الحيدرخانة وكان زوارها من الرموز الثقافية المعروفة مثل موسى كريدي وحسين مردان وآخرين، مقهى البرلمان كان نقطة استقطاب لكل الفنانين، لشهرته الواسعة، واستمرت حتى نهاية الثمانينات قبل أن تتحول إلى مطعم فيما التجأ الأدباء إلى مقهى حسن العجمي في الحيدرخانة قرب كعك السيد الشهير الذي تأسس في 1906 وجبار أبو الشربت وعلى امتداد الشارع نفسه مقهى الزهاوي والآن هو من الأماكن والمقاهي التراثية لكن زواره انحسروا بسبب صعوبة الوصول. ومقهى أم كلثوم لا يزال يفتح أبوابه حتى الآن وهو يحتضن عشاق أم كلثوم في شارع الرشيد مقابل سوق هرج، ولا زلت أتذكر المعارك الأدبية التي كانت تدور بين الأدباء في المقاهي مثل معارك مدني صالح والدكتور المطلبي».
وعن ذكرياته في مقهى حسن عجمي يقول الناقد حسين مردان: «يعد مقهى حسن عجمي من أكثر المقاهي شهرة وعراقة، فقد حافظ على حضوره واستمراره عقودًا طويلة، وارتبط اسمه بشارع الرشيد الشهير، وتردد عليه معظم الأدباء والمثقفين، ومن الرواد الذين ارتبط المقهى بهم الشاعر محمد مهدي الجواهري الذي كان يجلس فيه قبيل إلقائه قصائده الوطنية المحرضة إبّان انتفاضة عام 1948، فكانت الجماهير المأخوذة بسحر قصائده وبلاغتها وتأثيرها، تنطلق من جامع الحيدرخانة لتطوف في شارع الرشيد غاضبة منددة بالمعاهدة الجائرة التي وقعتها الحكومة مع بريطانيا. وفي مقال نشره الناقد «صالح هويدي» في جريدة المدى، يقول: «في الأربعينات والخمسينات توافد على هذا المقهى إلى جانب الجواهري، كل من كمال الجبوري، والسياب، والبياتي، وعبد الأمير الحصيري، وسواهم من وجوه الفكر والأدب والإبداع، يتداولون الرأي ويعقدون حوارات في مختلف شؤون الفكر والثقافة. ولم يتوقف هذا المقهى عن استقطاب الأجيال الأدبية التالية كجيل الستينات والسبعينات والثمانينات، تلك الأجيال التي شهدت حراكًا ثقافيًا أوسع، وتطويرًا لآفاق التجربة الإبداعية وتوليدًا للاتجاهات والرؤى والمفاهيم الجديدة.
لم يكن مقهى حسن عجمي (يقع في باب المعظم مقابل وزارة الدفاع ببغداد) محطة عابرة في حياة الأدباء العراقيين، بل كان منتدى موّارًا ومسرحًا حقيقيًا لذلك الحوار الفاعل والخصب بين المبدعين، فهو المحطة قبل الأخيرة التي وجدوا فيها ملاذهم، قبل أن يهجروه منذ بضع سنوات ويتخذوا من مقهى الشابندر في شارع المتنبي مقرًا لهم.
وبسبب عدم رغبة الأدباء بالمكوث طويلاً في مقهى واحد، إذ كان يصيبهم الملل من كثرة تكرار الوجوه نفسها، أو بسبب توسع دائرة المجموعة وحدوث استقطابات جديدة، يعمد البعض للانتقال إلى مقهى آخر ومجموعة جديدة، ففي نهاية الأربعينات انتقل الشاعر حسين مردان إلى مجموعة مقهى البلدية التي كانت تضم رشيد ياسين، وبلند الحيدري، وزهير أحمد القيسي، وكان شعراء وأدباء الكليات يهرعون إليهم بمجرد الانتهاء من دروسهم، ومن هؤلاء الطلاب، بدر شاكر السياب، وعبد الرزاق عبد الواحد، وأكرم الوتري. فقد كانت تلك المقاهي جامعات حقيقية للأدب والشعر، كما يذكر حسين مردان. ويقول أيضًا: «كنا نعيش في جو من الصداقة الصميمة. فعلبة الدخان التي كان يملكها أحدنا تطرح على الطاولة لتكون مشاعًا للجميع، وكان أكثرنا مالاً هو الذي يدفع ثمن أكواب الشاي، كذلك كنا نشترك في نظم القصائد وكتابة المقالات النقدية..والحقيقة أن المقهى كان يعتبر البيت الدائم لعدد كبير من الشعراء والأدباء العراقيين، ومن أشهر الخصومات التي كانت تحدث في مقهى البلدية كانت بين الشاعرين السياب وعبد الوهاب البياتي، فقد كان الصراع في حقيقته يدور حول الزعامة الشعرية».
الجدير بالذكر أنه وخلال وجودهم في هذا المقهى في بداية عام 1948 صدر ديوان بدر شاكر السياب «أزهار ذابلة» وديوان عبد الوهاب البياتي «ملائكة الشيطان» وفي السنة نفسها طبع بلند الحيدري مجموعته «خفقة الطين» وأصدرت نازك الملائكة كذلك ديوانها «شظايا ورماد».
يقول حسين مردان: «هكذا بدأت حياة المقاهي الكئيبة ترصع سماء الشعر القديمة بنجوم ذات بريق جديد، وقد قوبلت هذه المجموعات الشعرية بشيء من الحماسة من قبل القراء الشباب ومن المثقفين بصورة خاصة.
تقول المصادر التراثية على لسان الآثاري عادل العرداوي: «شكل مقهى البرازيلية العهد الذهبي في الحياة الأدبية والفنية في العراق، إذ أصبح لكل أديب شخصيته الخاصة، وظهرت وجوه أخرى جديدة كالشاعر رشدي العامل، والقاص نزار عباس، ومحمد روزنامجي، والصحافي الكبير عبد المجيد الونداوي. وهناك وخلف الواجهة الزجاجية العريضة وحول منضدة صنعت من أعواد الخيزران كان يجلس الفرسان الأربعة، حسين مردان، وعبد الوهاب البياتي، وكاظم جواد، وعبد الملك نوري، الذين أصبحوا نقطة الارتكاز لكل أطراف الحركة الأدبية في العراق، ومع أنهم كانوا مختلفين من ناحية اتجاهاتهم الأدبية، فإنهم شكلوا وحدة متراصة ضد كل بوادر الشعوذة ومحاولات الارتداد، كما يذكر حسين مردان، وفي تلك الفترة انضم إلى هذه المجموعة كل من سعدي يوسف، ومحمود الخطيب، وماجد العامل، وكان يحضر لـ(البرازيلية) أحيانا بعض المفكرين المعروفين كالدكتور فيصل السامر، والأستاذ إبراهيم كبة، والدكتور علي الوردي، وغيرهم، وفي مقهى البرازيلية بالذات نشأت التيارات والأفكار التجديدية في الشعر والأدب»..
يذكر أن هذا المقهى كان مسرحًا لبدء مسار الحركة التشكيلية ونهضتها في العراق على أيدي الفنانين الكبيرين جواد سليم، وفائق حسن. ومن أشهر رواد هذا المقهى بلند الحيدري، وفؤاد التكرلي، ونهاد التكرلي، وغائب طعمة فرمان، وفيه أيضًا ولدت فكرة تأسيس اتحاد الأدباء العراقيين عام 1952، ولكن الحكومة التي كانت تتعقب خطوات كل شاعر وأديب، شعرت بخطورة مثل هذا التجمع الأدبي، فأوعزت لعدد من مرتزقة الأدب بتقديم طلب مشابه، وقد أجيز الطلب فعلاً، وفي سنة 1952 ألقي القبض على حسين مردان من قبل البوليس السري، بعد صور ديوانه المثير للجدل، «قصائد عارية» وبعد توقيف طويل في معتقل أبو غريب قدم إلى المجلس العرفي العسكري وحكم عليه بالسجن لمدة سنة، ولما عاد مردان إلى «البرازيلية»، كان يقول: «الفرسان الثلاثة كعهدي بهم يجلسون خلف الواجهة الزجاجية ويتحدثون عن الحلم المشترك نفسه، وكانوا قد فصلوا من وظائفهم فصاروا يفكرون بالهرب بصورة جدية.
مقهى البرلمان، وهو مقهى شعبي قديم يقع قبالة جامع الحيدرخانة، له مكانة معروفة لدى عامة الناس في بغداد، يقول إبراهيم الوائلي في ذكرياته عنه: «كان مزدحمًا بالمرتادين، كانت الصحف توزع على الراغبين في قراءتها، ثم إعادتها مقابل أجر لا يتجاوز عشرة فلوس، وكان يرتاد المقهى الصحافي عبد القادر البراك، والشاعر بلند الحيدري الذي يسلّم ويجلس وهو يمزج الضحكة الخفيفة بالانفعال والتذمر من فراغ الجيب، ولكنه لا ينسى الحديث في الشعر واللغة، وكثيرًا ما يدخل الشاب النحيل بدر شاكر السياب وهو يتهادى في مشيته ويتأبط كتابًا فيجلس ويشارك في الحديث.
وفي مقعد قريب يجلس الشاعر حسين مردان والسيجارة لا تفارق شفتيه وأحاديثه في الشعر والنقد. والشيخ علي البازي شاعر المؤرخين جاء من الكوفة. «نحن في سنة 1959م» والحديث للوائلي: «وهذا بدر شاكر السياب يخرج من المقهى وكنت قادمًا إليه فيسلّم وقد امتص المرض دمه وزاده شحوبًا على شحوب، قلت: إلى أين بدر؟ فقال: لست أدري، ولعله كان يعاني أزمة تصطرع في أعماقه فلا يدري إلى أية جهة يصير».
وقد شهد وقتها حركة دائبة من الأدباء الذين توافدوا عليه، وخصوصًا من محافظات القطر، فكانوا يتبادلون قصائدهم، ومناقشة هموم الجيل والظواهر الثقافية والحراك الخصب آنذاك.
وثمة أمران تميز بهما هذا المقهى، أولهما: اتخاذه تقليدًا أسبوعيًا لالتئام الأدباء والفنانين فيه في عطلة الجمعة من كل أسبوع، ولإسهام جيل السبعينات فيه وحضور صوته الذي بدأ بمنازعة أدباء الستينات وتجلي مناظراتهم فيه. لكن هذا المقهى ما لبث أن استقطب أجيالاً أدبية أخرى دخلته وكان لها هامش اجتهاد إبداعي كجيل الثمانينات والتسعينات.
في نهاية الستينات، ظهر مقهى سمي بمقهى «المعقدين» في بداية شارع السعدون (وسط بغداد) ليس بعيدًا عن شارع الرشيد، كان يضم مجموعة من الأدباء المتمردين على السائد في المشهد الثقافي، المتطلعين إلى الاتجاهات الحديثة في الأدب العالمي، كالمسرح الفقير، والمسرح الأسود، والتغريب، فضلاً عما شهدته مناقشاتهم في العبث، والوجود، والعدم، والالتزام، جعلت منهم جيلاً خارجًا على الذائقة التقليدية لعموم الأدباء، كما يذكر صالح هويدي، وهو ما كان وراء سلوكهم الانطوائي وتحفظهم إزاء المجموعات الأدبية الأخرى وإطلاق تسمية المعقدين عليهم، ولعل من أبرز أدباء هذه المجموعة الشاعر عبد الرحمن طهمازي، وشريف الربيعي، وأنور الغساني، وقتيبة عبد الله، والرسام إبراهيم زاير. يقال إن تسمية المعقدين نسبة إلى العلامة الملائمة على الصراع الأدبي المفتوح وبناء الشخصية التي تقترح الحداثة، لا كإنتاج نصي، بل كمناخ للحياة.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended