رئاسة «الأوروبي»: موجة اللاجئين الكبرى لم تأت بعد.. وتدابير قصيرة المدى في أكتوبر

«العفو الدولية» تنتقد نتائج القمة الطارئة وتأمل في نهج استراتيجية جديدة

عامل بلدية يوناني يركب جرافة أمام كمية من سترات النجاة استعملها مهاجرون خلال رحلتهم البحرية إلى جزيرة ليزبوس أمس (أ.ب)
عامل بلدية يوناني يركب جرافة أمام كمية من سترات النجاة استعملها مهاجرون خلال رحلتهم البحرية إلى جزيرة ليزبوس أمس (أ.ب)
TT

رئاسة «الأوروبي»: موجة اللاجئين الكبرى لم تأت بعد.. وتدابير قصيرة المدى في أكتوبر

عامل بلدية يوناني يركب جرافة أمام كمية من سترات النجاة استعملها مهاجرون خلال رحلتهم البحرية إلى جزيرة ليزبوس أمس (أ.ب)
عامل بلدية يوناني يركب جرافة أمام كمية من سترات النجاة استعملها مهاجرون خلال رحلتهم البحرية إلى جزيرة ليزبوس أمس (أ.ب)

عبر آلاف المهاجرين بلدان البلقان، أمس، فيما حذرت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، بعد قمة طارئة من أن أوروبا لا تزال بعيدة عن التوصل لحل لأكبر أزمة هجرة على أراضيها منذ الحرب العالمية الثانية.
من جهتها، أعلنت وزيرة الخارجية الأوروبية، فيديريكا موغيريني، أمس في روما عن إطلاق مرحلة جديدة في مكافحة مهربي المهاجرين في المتوسط تجيز لسفن الاتحاد الأوروبي التدخل في المياه الدولية، وذلك ابتداء من 7 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
وصرحت موغيريني أمام الصحافة بأن «المرحلة الثانية في العملية الأوروبية لمكافحة مهربي المهاجرين ستبدأ في 7 أكتوبر»، وذلك في أعقاب زيارة إلى المقر العام للعملية في روما. ووافق الاتحاد الأوروبي، قبل 10 أيام، على استخدام القوة العسكرية لمكافحة مهربي المهاجرين الذين يعملون انطلاقا من ليبيا، بما في ذلك مصادرة زوارقهم، في إطار تعزيز عمليته البحرية في المتوسط. كما بات جائزا للسفن الحربية الأوروبية التدخل ضد المهربين شرط البقاء في المياه الدولية، وعدم دخول المياه الإقليمية الليبية، على ما ذكرت موغيريني.
وأطلقت العملية الأوروبية في أواخر يونيو (حزيران) في المتوسط، وتشارك فيها أربع سفن وعدد من الطائرات بحسب المسؤولة الأوروبية. واقتصرت أنشطة العملية حتى الآن على أعمال مراقبة من المياه الدولية لشبكات الإجرام التي ترسل يوميا من السواحل الليبية زوارق متهالكة مثقلة بالمهاجرين واللاجئين باتجاه إيطاليا.
في هذه الأثناء، قال مسؤولون فرنسيون إن شابًا أفريقيًا مهاجرًا لقي مصرعه، في ساعة مبكرة صباح أمس، عندما صدمه قطار شحن قرب مدخل نفق «المانش» أثناء محاولته الوصول إلى بريطانيا، في مأساة جديدة تضاف إلى مصرع آلاف اليائسين الساعين إلى حياة أفضل في أوروبا.
من جانبها، أعلنت الشرطة المجرية، أمس، رقمًا قياسيًا جديدًا لأعداد الواصلين في يوم واحد، مع وفود أكثر من 10 آلاف مهاجر، أول من أمس (الأربعاء) من كرواتيا، فيما أعلنت السلطات النمساوية، أمس (الخميس)، أن 8100 شخص دخلوا من المجر في الساعات الـ36 الأخيرة. وتسعى بودابست إلى إغلاق حدودها مع كرواتيا في نهاية الأسبوع الحالي أو مطلع الأسبوع المقبل، حسبما نقلت مواقع إخبارية مجرية عن مصادر حكومية.
ويعبر المهاجرون، وكثير منهم من سوريا، منطقة البلقان، في مسار متعرج، وصولا إلى ألمانيا التي ينشدون الاستقرار فيها. ويعود الرقم القياسي السابق في المجر إلى 14 سبتمبر (أيلول)، عندما دخلها أكثر من تسعة آلاف مهاجر قبيل إغلاق الدولة حدودها مع صربيا بسياج شائك.
ودفع إغلاق الحدود وصدامات لاحقة مع شرطة مكافحة الشغب على الحدود بآلاف المهاجرين لدخول كرواتيا بشكل فاق قدرة السلطات التي قامت بنقلهم بحافلات إلى الحدود المجرية. وأثار تدفق المهاجرين التوتر بين الدولتين، إذ شددت كل منهما إجراءات منع التنقل في آخر معبر حدودي مفتوح بينها، ليلة أول من أمس، بحسب وكالة «تانيوغ» الإخبارية في بلغراد.
واشتد الخلاف بين كرواتيا وصربيا، أمس، بشأن تدفق اللاجئين، بعد أن قررت كل منهما زيادة التشدد في إغلاق حدودها. وفي حين دعا رئيس وزراء كرواتيا، زوران ميلانوفيتش، بلغراد إلى الكف عن توجيه المهاجرين إلى حدود بلاده، ردت بلغراد باتهام زغرب بأنها تقوم «بهجوم اقتصادي» ضدها. وبدأت كرواتيا بإغلاق حدودها الاثنين الماضي أمام كل الشاحنات المقبلة من صربيا في معبر «باياكوفو - بتروفشي»، وهو آخر معبر مفتوح بين البلدين، وردت بلغراد ليلا بإغلاق معبرها أمام كل شاحنة تحمل لوحة تسجيل كرواتية أو بضائع كرواتية.
من جهة أخرى، قال رئيس الاتحاد الأوروبي دونالد تاسك، خلال المؤتمر الصحافي الختامي للقمة الطارئة في بروكسل، صباح أمس، إن أبرز الأهداف وراء انعقاد القمة هو وضع حد للاتهامات المتبادلة بين الدول الأعضاء وإجراء نقاش صادق حول طبيعة مشكلة الهجرة واللجوء والحلول الممكنة لها، فضلا عن الاتفاق على تدابير قصيرة المدى يمكن أن تقرها القمة الاعتيادية لقادة دول الاتحاد في منتصف شهر أكتوبر المقبل.
وأوضح تاسك أن المناقشات اعتمدت على «الحقائق، لا على العواطف»، وأنه يتوقع توافد المزيد من السوريين، إذ أكد له لاجئون خلال زيارته الأخيرة إلى مخيمات اللاجئين في تركيا والأردن أنّهم «مصممون على الوصول إلى أوروبا». وأضاف تاسك: «لهذا، فإنه يمكن القول إن أكبر موجة من اللاجئين والمهاجرين لم تأتِ بعد، ولا بد من إصلاح سياسة الأبواب والنوافذ المفتوحة، كما ينبغي التركيز على حماية الحدود الخارجية والمساعدة الخارجية للاجئين في دول المنطقة». وبيد أن التدابير التي جرى الاتفاق عليها في القمة لن تنهي الأزمة، حسب تعبير تاسك، فإنها خطوات ضرورية في الاتجاه الصحيح.
من جانبها، وجهت منظمة العفو الدولية انتقادات حادة للنتائج التي تمخضت عنها القمة الأوروبية الطارئة التي استضافتها بروكسل، أول من أمس، للبحث في سبل معالجة أزمة اللاجئين. وقال بيان المنظمة إنها تشعر بالإحباط بسبب هذه النتائج التي لم تحمل أي جديد، ولم تقدّم أي تغيير لـ«قواعد اللعبة الأوروبية».
وأوضح مدير المنظمة، جوان ديلهاوزن: «كنا نأمل في نهج جديد قوي وطموح، ولكن ما حدث هو استمرار لاستراتيجية فاشلة.. ولكن لم يخل الأمر من وجود إيجابيات، مثل تخصيص أموال لمساعدة الدول الأكثر تعرضا لتدفقات اللاجئين. وللأسف جاءت الالتزامات مخيبة للآمال، وكان ينبغي الاتفاق على ضمان طرق آمنة وقانونية لهؤلاء».
كما حذرت المنظمة من تداعيات فشل القمة في إقرار نظام أوروبي موحد، وعبّرت عن تخوفها من تفاقم حالات الفوضى التي تشهدها حدود الدول الأوروبية.
واتفق قادة دول الاتحاد الأوروبي، أول من أمس، على المساهمة بمبلغ مليار يورو على الأقل لوكالات الأمم المتحدة لمساعدتها في التعامل مع أزمة الهجرة واللجوء غير المسبوقة. إلى ذلك، تعهد الاتحاد بمساعدة لبنان والأردن وتركيا ودول أخرى في التعامل مع أزمة اللاجئين السوريين من خلال إقرار زيادة كبيرة لصندوق «مداد»، الصندوق الائتماني الإقليمي للاتحاد الأوروبي الذي أقيم للاستجابة للأزمة السورية. ويهدف هذا الإجراء، بحسب القادة الأوروبيين، إلى تحسين ظروف معيشة اللاجئين السوريين في بلدان الجوار، مما قد يردعهم عن التفكير في السفر إلى أوروبا. ولكن المشاركين في القمة لم يحددوا الجدول الزمني لهذه الإجراءات بعد ولا آليات صرف هذا المبلغ. وأشار رئيس الوزراء البلجيكي، شارل ميشال، إلى أن بلاده ستشارك بمبلغ ثلاثين مليون يورو.
إلى ذلك، سيعزز الاتحاد الأوروبي الحوار مع تركيا على كل المستويات، وذلك خلال الزيارة المرتقبة للرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، لبروكسل، في الخامس من أكتوبر المقبل، بهدف دفع التعاون بشأن وقف وإدارة تدفقات الهجرة. وأكد الزعماء على ضرورة إقامة مراكز استقبال وتسجيل اللاجئين في الدول التي يصلون إليها أولاً، وخصوصا في اليونان وإيطاليا، وذلك ابتداء من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وتهدف هذه المراكز إلى تسجيل اللاجئين فور وصولهم وأخذ بصماتهم، ومن ثم توزيع من يستحق الحماية الدولية منهم على الدول الأوروبية وإعادة الباقين إلى بلدانهم الأصلية باعتبارهم مهاجرين لأسباب اقتصادية.
وفي سياق متصل، تحدث قادة الاتحاد الأوروبي عن نيتهم تخصيص مساعدات مالية للبلدان الأكثر تأثرًا بتدفق اللاجئين، مثل اليونان وإيطاليا وبلغاريا، فيما رفضوا الحديث عن إمكانية تعديل اتفاقية منطقة التأشيرة الموحدة (شينغن). ويوضح رئيس الوزراء البلجيكي بهذا الصدد: «إن اتفاقية (شينغن) مهمة للاقتصاد الأوروبي، ومن أجل حمايتها، يجب تعزيز الرقابة على الحدود الخارجية للاتحاد». وتضمن اتفاقية «شينغن» حرية تنقل الأفراد والبضائع والخدمات بين الدول الأعضاء فيها، لكن مشكلة تدفق اللاجئين وتحركهم ضمن الدول الأوروبية أثارت المخاوف من إمكانية انهيار هذا النظام.
من جانب آخر، أعاد الاتحاد الأوروبي تأكيده على أهمية الاستمرار في العمل تحت راية الأمم المتحدة لإيجاد حل للصراع السوري، وذلك بعد أن رفض قادته إطلاق مبادرات خاصة بهم في هذا السياق. ولم يتحدث الزعماء في ختام القمة عن أي تحرك باتجاه إعداد نظام هجرة ولجوء قانوني موحد، على الرغم من الكثير من المناشدات والنداءات التي سبقت القمة والتي صدرت عن أوساط برلمانية وأهلية أوروبية.



مصر: توضيحات حكومية بشأن مشكلات «الدعم العيني» لتعزيز قبول «المسار النقدي»

باعة جائلون يحملون الخبز في أحد شوارع القاهرة (رويترز)
باعة جائلون يحملون الخبز في أحد شوارع القاهرة (رويترز)
TT

مصر: توضيحات حكومية بشأن مشكلات «الدعم العيني» لتعزيز قبول «المسار النقدي»

باعة جائلون يحملون الخبز في أحد شوارع القاهرة (رويترز)
باعة جائلون يحملون الخبز في أحد شوارع القاهرة (رويترز)

تتواصل توضيحات الحكومة المصرية بخصوص مشكلات منظومة الدعم التمويني العيني الذي يستفيد منه نحو 70 مليون مواطن، حسب وزارة التموين، مع قرب تفعيل منظومة جديدة للدعم النقدي.

وكانت أحدث التوضيحات على لسان وزير التموين شريف فاروق، الذي أكد أن تعديل المنظومة يستهدف ضمان الوصول للمستحقين، وهو ما يراه رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية خالد الشافعي يمهّد للتوجه صوب إلغاء الدعم العيني (السلع والخبز) واستبدال نظيره النقدي به، مؤكداً أن التركيز على مشكلات المنظومة الحالية يوجه رسائل للرأي العام لقبول النظام الجديد المستهدف بدء تطبيقه التدريجي مع العام المالي الجديد الذي يبدأ في يوليو (تموز) المقبل.

ورفعت الحكومة قيمة الدعم والحماية الاجتماعية في الموازنة الجديدة للدولة التي ستطبق بداية من يوليو إلى 832.3 مليار جنيه بزيادة 12 في المائة، وفق وزارة المالية (الدولار يساوي 51.7 جنيه).

تسارع خطى التحول

وعقد رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، الأحد، اجتماعاً حضره وزير التموين لمتابعة موقف منظومة بطاقة الخدمات الحكومية الموحدة، أكد خلاله أنه تم بالفعل التحرك في منظومة البطاقة الموحدة التي سيستخدمها المواطن للحصول على مختلف الخدمات الحكومية، سواء خدمات التأمين الصحي أو التموين، أو معاش تكافل وكرامة، وكذلك الأسمدة المدعومة، بحسب بيان للحكومة.

رجل يشتري الخبز في سوق شعبية بمصر (رويترز)

وكان الوزير فاروق قد أكد في تصريحات، مساء السبت، أن الحكومة لا تتجه إلى تقليص الدعم التمويني، مشيراً إلى أن المنظومة الحالية ليست على المستوى المُرضي للمواطن، حيث لا يصل الدعم للمستحقين، وبها هدر من بعض المخابز واستغلال للمواطنين، ورُصد عدد من البطاقات التموينية التي تركها أصحابها لآخرين للحصول على السلع التموينية دون وجه حق.

وأوضح أن الدولة تزود الدعم عاماً تلو آخر، ورفعت مخصصات الدعم بوزارة التموين إلى نحو 180 مليار جنيه في ظل الزيادات المستمرة في الأسعار، بهدف مواجهة أعباء المعيشة، مؤكداً أن المواطن سيحصل على مبالغ مالية ضمن منظومة التموين الجديدة تكفي احتياجاته الأساسية، مع استمرار بيع رغيف الخبز المدعم بسعر 20 قرشاً، مع تحمُّل الدولة ممثلة في وزارة التموين والتجارة الداخلية فارق التكلفة.

ويستفيد من «الخبز المدعم»، أو ما يُعرف باسم «الخبز الشعبي»، نحو 70 مليون مواطن وفقاً لآخر تقديرات حكومية في عام 2022. ورفعت الحكومة سعره قبل عامين لأول مرة منذ ثلاثة عقود، ومنذ ذلك الحين تُثبت سعره بعشرين قرشاً، وتوفر الدولة حالياً حصة يومية تبلغ 5 أرغفة لكل فرد مسجل على البطاقة التموينية.

وبحسب الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، فإن تحركات وزارة التموين والتصريحات الرسمية الصادرة تعكس بوضوح أن الحكومة لا تسعى لمجرد «تعديل» طفيف، بل تمهد الأرضية الفكرية واللوجستية للتحول التدريجي الكامل من الدعم العيني إلى الدعم النقدي المشروط.

ولفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن خطاب الحكومة الحالي يركز على إبراز عيوب الدعم العيني كحجة أساسية للتحول إلى الدعم النقدي، وأن التوضيحات تركز على أن منظومة الدعم العيني الحالية تشهد تسرباً كبيراً لغير المستحقين، مع تقديم بديل تتحول فيه البطاقة لمحفظة مالية يُحسب فيها الدعم بناءً على الأسعار الحرة للسلع مثل احتساب السكر بـ28 جنيهاً بدلاً من السعر التمويني القديم 12.5 جنيه مع تحمل الدولة الفارق وضخّه في البطاقة.

وأشار إلى أن الإعلان عن ارتفاع مخصصات الدعم بوزارة التموين إلى نحو 180 مليار جنيه بسبب التضخم العالمي والمحلي يُستخدم كإشارة واضحة إلى أن المنظومة العينية باتت تشكل عبئاً ما لم تتم حوكمتها وتحويلها لدعم نقدي يذهب للشرائح الأكثر احتياجاً فقط.

تطبيق وشيك

في مؤتمر صحافي في الخامس من الشهر الحالي، أكد رئيس الوزراء مدبولي «بدء تطبيق منظومة الدعم النقدي اعتباراً من العام المالي المقبل»، موضحاً أن «النظام المقترح يعتمد على تقسيم المستحقين للدعم إلى شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي».

وأضاف أن بدء تطبيق نظام الدعم النقدي بداية من العام المالي المقبل، «سيشكّل نقلة نوعية في أسلوب تقديم الدعم للمواطنين»، وقال إن حكومته «تركز على معالجة أوجه القصور في منظومة الدعم الحالية، بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية، والاستفادة القصوى من الموارد المخصصة للدعم».

وفي ضوء تأكد الذهاب لهذا المسار الشهر المقبل، يرى الشافعي أن «القبول المجتمعي في الشارع المصري يمثل التحدي الأكبر لنجاح هذا التحول، لكن ما يعرض من توضيحات سيشجع على قبوله؛ مثلاً في النظام الجديد يُمنح المواطن الحق في اختيار ما يحتاجه فعلياً من السلع والمنافذ التجارية، بدلاً من إجباره على سلع تموينية معينة قد تكون ذات جودة منخفضة أو لا يستهلكها، ناهيك بأن توزيع الدعم على عدة شرائح بناء على معايير الدخل والإنفاق والأملاك سيعزز قبوله من الفئات الأولى بالرعاية لأنه يحمي حقوقهم».

ويخلص إلى أن التوجه نحو الدعم النقدي بات «مساراً شبه حتمي» تسير فيه الحكومة بخطى متسارعة، والتوضيحات الحالية هي تمهيد للرأي العام، مؤكداً أن القبول المجتمعي مشروط بمدى قدرة الحكومة على تقديم آلية تحوط واضحة تضمن مراجعة وزيادة قيمة الدعم النقدي دورياً لتواكب قفزات الأسعار، مع ضمان كفاءة منظومة التظلمات الرقمية حتى لا يضار المواطن البسيط.


الحوثيون يشيّعون 15 من قتلى خروقهم للتهدئة خلال شهر

الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)
الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)
TT

الحوثيون يشيّعون 15 من قتلى خروقهم للتهدئة خلال شهر

الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)
الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)

تكبدت الجماعة الحوثية خلال الأسابيع الماضية خسائر بشرية متزايدة في عدد من جبهات القتال، إثر محاولات هجومية وتسللات ميدانية نفذتها ضد مواقع القوات الحكومية، انتهى معظمها بالفشل بعد مواجهات أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفها وتدمير معدات عسكرية، وفق ما أفادت به مصادر عسكرية وميدانية.

وقالت المصادر إن العشرات من عناصر الجماعة سقطوا بين قتيل وجريح في جبهات متفرقة شملت مأرب وتعز والضالع والساحل الغربي، خلال محاولات للتقدم نحو مواقع الجيش اليمني، في خروق متكررة للتهدئة التي ترعاها الأمم المتحدة منذ ما قبل 2022.

وأكدت المصادر أن القوات الحكومية تمكنت من إحباط عدد من الهجمات الحوثية خلال الفترة الأخيرة، وأجبرت المهاجمين على التراجع بعد معارك استمرت ساعات في بعض المواقع، مُوقِعةً في صفوفهم خسائر بشرية ومادية.

وأظهرت بيانات الجماعة الحوثية نفسها مقتل ما لا يقل عن 15 من عناصرها خلال شهر مايو (أيار) الماضي، بينهم ثمانية ينتحلون رتباً عسكرية مختلفة، من بينها «لواء» و«مقدم» و«رائد» و«نقيب».

جانب من تشييع الحوثيين عدداً من قتلاهم في ريف صنعاء (إعلام حوثي)

وذكرت النسخة الحوثية من وكالة «سبأ» أن الجماعة شيّعت خلال الفترة نفسها قتلاها في صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها، من دون الكشف عن ظروف مقتلهم أو المواقع التي سقطوا فيها.

وضمت قائمة القتلى المعلنة كلاً من علي محمد الشوكاني، وعلي عبد الله الحالمي، وعبد الرحمن الأحوس، وعبد الرحمن المتوكل، وعلي عبد الباسط إسحاق، وطارق عوض مرحب، وعبد الغني فضل مهدي، ومحمد ناجي الحدي، إلى جانب سبعة آخرين.

نزف مستمر

رجحت مصادر عسكرية يمنية أن يكون معظم هؤلاء القتلى الحوثيين قد لقوا مصرعهم في مواجهات مع قوات الجيش والمقاومة في جبهات مأرب وتعز والضالع والساحل الغربي، حيث شهدت تلك المحاور خلال الأسابيع الأخيرة تصعيداً حوثياً ومحاولات متكررة لاختراق خطوط التماس.

وتأتي هذه الخسائر في سياق ما تصفه مصادر عسكرية باستمرار النزف البشري في صفوف الجماعة، رغم تراجع وتيرة المعارك الواسعة مقارنة بسنوات الحرب السابقة.

لم يستثنِ الحوثيون صغار السن من التعبئة العسكرية والطائفية (أ.ف.ب)

وتحدثت تقارير يمنية عن استمرار تشييع قتلى حوثيين بصورة شبه يومية خلال الأشهر الماضية، بينهم قيادات ميدانية وعناصر ذات خبرة قتالية، ما يعكس حجم الخسائر التي تتعرض لها الجماعة في عدد من الجبهات.

كما أشارت المصادر إلى أن الحوثيين دفعوا خلال الفترة الأخيرة بتعزيزات بشرية إلى بعض مناطق التماس لتعويض النقص في المقاتلين والحفاظ على مواقعهم العسكرية، في ظل استمرار المواجهات المتقطعة مع القوات الحكومية.


مقتل متسلق في فوهة بركانية يكشف وجهاً آخر من مأساة اليمنيين

المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)
المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)
TT

مقتل متسلق في فوهة بركانية يكشف وجهاً آخر من مأساة اليمنيين

المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)
المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)

انتهت حياة مغامر يمني كان يتسلق فوهة بركان خامد بشكل مأساوي وصادم، وتركت الكثير من الحزن والأسئلة التي يبحث أصحابها عن إجابة حول المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن الواقعة، في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي أجبرته وغيره على تحويل المخاطرة بحياتهم إلى مصدر دخل.

وشهدت مدينة دمت في محافظة الضالع (185 كيلومتراً جنوب صنعاء)، الجمعة، سقوط الشاب القعقاع بن عنتر داخل فوهة البركان الخامد شرق المدينة، التي تعدّ من أهم المزارات السياحية في البلاد، ولم تتمكن فرق الإنقاذ من انتشال جثته إلا صباح السبت، وسط اتهامات للسلطات الخاضعة للحوثيين بإهمال سلامة الزوار والمتسلقين.

وعُرف القعقاع بين زوار فوهة البركان التي يتعارف اليمنيون على تسميتها بـ«حرضة دمت»، كأحد أبرز الوجوه المرتبطة بالمكان، إذ اعتاد النزول إلى المنحدرات الصخرية الحادة وكتابة أسماء الزوار على جدران الفوهة مقابل مبالغ مالية بسيطة، مستنداً إلى خبرة طويلة ومهارة اكتسبها عبر سنوات من التعامل مع الموقع شديد الخطورة.

وتعارف الكثيرون على تشبيه الشاب المغامر بشخصية «سبايدرمان» في سلسلة الأفلام الأميركية الشهيرة، وبعد الحادثة المأساوية تناقلوا مقطع فيديو تحدث فيه عن إدراكه حجم المخاطرة بحياته واضطراره لذلك.

غير أن الحادثة التي هزت اليمنيين وعدداً كبيراً من مستخدمي وسائل التواصل في البلاد العربية، لم تكن مجرد نهاية مأساوية لمغامر اشتهر بجرأته في تسلق المنحدرات الخطرة، والنزول إلى أعماق الفوهة البركانية، بل أعادت تسليط الضوء على الظروف التي جعلت من تلك المغامرات عملاً يومياً ومصدراً للدخل، في بلد أنهكته الحرب، وتراجعت فيه فرص العمل إلى مستويات غير مسبوقة.

ورفض كثيرون اختصار القصة في مغامرة فردية أو اتهام الراحل بالتهور، ورأى ناشطون أن القعقاع لم يكن يبحث عن الإثارة بقدر ما كان يبحث عن لقمة العيش، مشيرين إلى أن المخاطر التي واجهها يومياً كانت بالنسبة له وسيلة لإعالة نفسه وأسرته في ظل أوضاع اقتصادية قاسية.

وشهدت الفوهة عدة حوادث سقوط خلال السنوات الماضية، إلا أنه لم يجرِ اتخاذ أي إجراءات لتوفير وسائل السلامة والحماية للزوار.

المسؤولية القانونية والأخلاقية

أبدى عدد من رواد وسائل التواصل الاجتماعي تهكماً مريراً من طلبات زوار الفوهة البركانية بكتابة أسمائهم على المنحدرات الوعرة، متسائلين عن الفائدة التي يحصلون عليها والمكاسب التي يحققونها بتعريض حياة شخص للخطر في تنفيذ هذه المهمة المثيرة للسخرية، وبمقابل مادي لا يساوي أكثر من ثمن وجبة.

فوهة بركان دمت تعدّ من أشهر المزارات السياحية في اليمن (إعلام محلي)

إلا أن أبرز التساؤلات كانت حول مسؤولية الجماعة الحوثية التي تسيطر على المنطقة، وتديرها بأشدّ طرق الرقابة والهيمنة الأمنية والعسكرية.

يرى خبير قانوني أن المسؤولية في هذه الحادثة لا تقع على طرف واحد، فبينما كان القعقاع على دراية بالمخاطر التي يواجهها، واستمر في ممارسة نشاطه سنوات طويلة، وهو ما يندرج قانونياً ضمن مفهوم القبول بالمخاطرة أو مساهمة المتضرر في الضرر، إلا أن ذلك لا يلغي واجبات الجهات المختصة التي تسيطر على المنطقة وتديرها.

ويوضح الخبير الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، لإقامته في مناطق سيطرة الجماعة، أنه، ما دام المزار السياحي يقع تحت سيطرة الجماعة الحوثية، وتعمل على إدارته وتحصيل الموارد منه، فإن ذلك يُلزمها بتوفير جميع وسائل السلامة للزوار والعاملين فيه، سواء كانوا يعملون كموظفين تابعين لها، أو مقدمي خدمات للزوار بمقابل مالي.

الشاب المغامر كان يستعرض مهاراته أمام الزوار ليحظى بتعاطفهم وتشجيعهم (فيسبوك)

وأضاف أن المسؤولية القانونية تمتدّ إلى أبعد من ذلك، فحتى لو لم يكن المزار يخضع لإدارة سياحية، ولا يجري تحصيل الرسوم فيه، فإن إلزام مرتاديه بإجراءات السلامة يبقى واجباً ما دام المكان يحظى بتلك الشهرة والإقبال الكبيرين.

ويُستثنى من ذلك، بحسب الخبير القانوني، المغامرات الفردية التي ينطلق فيها الأشخاص، سواء كأفراد أو مجموعات، في مناطق بعيدة عن التجمعات العامة، فهناك يتحمل المغامر مسؤوليته منفرداً، ولا تتحمل أي جهة مسؤولية حمايته، إلا في حال طلب منها مساعدته وإنقاذه حال تعرضه للخطر.

غياب وسائل السلامة

يلفت السكان ورواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن المنطقة تعدّ من أهم التجمعات السكانية القريبة من خطوط التماس مع الحكومة الشرعية والجيش اليمني، وتقع على الخط الرئيسي الرابط بين العاصمة المختطفة صنعاء ومدينة عدن وعدد من المحافظات.

الآلاف من أهالي مدينة دمت وزوارها يودعون القعقاع بعد انتشال جثته (إكس)

كما تعدّ دمت إحدى أهم المدن التي تحقق للجماعة الحوثية إيرادات مالية كبيرة، بحكم موقعها والحركة التجارية فيها، وتبادل السلع الذي يجري فيها بين مناطق سيطرة الجماعة ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وتعدّ فوهة البركان من أبرز المواقع الطبيعية والسياحية في المنطقة، وتستقبل أعداداً متزايدة من الزوار.

من جهته، أشار المحامي نجيب عبد الله إلى أن عدم قدرة فرق الإنقاذ على الوصول إلى جثة القعقاع يكشف عن إهمال كبير واستهتار بحياة مرتادي المزار، وعدم التفكير بحمايتهم أو التخطيط لمثل هذه الحالات التي يمكن أن تتكرر كثيراً، إلى جانب احتمالية وقوع حوادث سقوط جماعية.

الحركات البهلوانية منحت الشاب القعقاع بعض النقود قبل أن تسلبه حياته (إكس)

وبيَّن عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أن تحصيل رسوم أو تحقيق إيرادات من أي مزار سياحي، يجعل الجهة المشرفة عليه مسؤولة بشكل كامل عن توفير السلامة والحماية لمرتاديه وتأمينهم، وعليها تنفيذ جميع إجراءات الحماية والسلامة، وتنبيه الزوار إلى المخاطر بشكل واضح ووضع قواعد للالتزام بالتعليمات، ولا تسقط مسؤوليتها إلا في حال تجاوز الزوار تلك التعليمات، أو وقوع حوادث خارجة عن السيطرة.

وتأخرت فرق الدفاع المدني التابع للجماعة الحوثية في البدء بأعمال الإنقاذ إلى وقت متأخر من يوم الحادثة، في حين تبرع رجل أعمال من المنطقة بمبلغ 2 مليون ريال (3738 دولاراً، حيث يفرض الحوثيون سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً) كمكافأة لمن ينتشل جثة المغامر القعقاع، والتي انتهت صباح اليوم التالي.