الظروف الاقتصادية والأوضاع الأمنية تفسد على العراقيين الفرح

«الشرق الأوسط» في بغداد.. لسان حال أهلها يقول «بأي حال عدت يا عيد»

أحد محلات الخضار في العاصمة العراقية بغداد وتبدو آثار الرصاص في أعلى المبنى
أحد محلات الخضار في العاصمة العراقية بغداد وتبدو آثار الرصاص في أعلى المبنى
TT

الظروف الاقتصادية والأوضاع الأمنية تفسد على العراقيين الفرح

أحد محلات الخضار في العاصمة العراقية بغداد وتبدو آثار الرصاص في أعلى المبنى
أحد محلات الخضار في العاصمة العراقية بغداد وتبدو آثار الرصاص في أعلى المبنى

بغداد مدينة لا تقبل أن تدخل حيز النسيان.. لا ترضى بالتهميش رغم كل ما جرى وما يجري لها.. منذ أعظم النكسات التي عاشتها بعد الاحتلال المغولي قبل ما يقرب من تسعة عقود وحتى اليوم تنهض مثل طائر العنقاء من رماد خرابها لتتألق كمدينة متجددة وحيوية.. سر نهوض هذه المدينة يكمن بأهلها.. بعشقهم لمدينتهم.. بإصرارهم على أن تبقى العاصمة العراقية دارا للسلام مثلما أرادها بانيها أبو جعفر المنصور. البغداديون يصرون على مواصلة حياتهم في العمل والإبداع والفرح متحدين كل المصاعب الأمنية والحياتية.. في هذه المشاهدات ترصد «الشرق الأوسط» إيقاع حياة بغداد ونبضها المتدفق عن قرب.. بل من عمق حياتها وحركة أهلها.. بسلبياتها وإيجابياتها. في تقريرها الثاني حول مظاهر العيد في مدينة التاريخ.
انحسرت مظاهر عيد الأضحى ببغداد لسببين رئيسيين، الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمر بها البلد، والمخاوف الأمنية رغم التشديدات التي فرضتها وزارتا الدفاع والداخلية داخل العاصمة العراقية.
وانتظر أصحاب محلات الملابس النسائية والرجالية وملابس الأطفال منذ أيام كثيرة قبيل العيد إقبال الناس على بضائعهم التي عرضوها بطريقة تجذب المتسوقين، لكن انتظارهم تبدد حتى الليلة الأخيرة التي سبقت العيد ورغم الإعلانات عن تخفيضات بلغ بعضها أكثر من 50 في المائة من سعر بضائعهم، فإن الرياح جرت بما لا تشتهي سفنهم وتوقعاتهم، حتى إن جبار حسن، صاحب محل لبيع الملابس النسائية في مول المنصور، أكبر مراكز التسوق الحديثة بجانب الكرخ من بغداد وصف الأوضاع التجارية بـ«الكساد»، وقال لـ«الشرق الأوسط» لقد «توقعنا ومثلما يحدث قبل كل عيد إقبالا كبيرا من المتسوقين لهذا تبضعنا من خارج العراق وخاصة تركيا والصين ولبنان وعرضنا موديلات حديثة، لكن النتيجة جاءت مخيبة لآمالنا ومثلما ترون يمرون أمام المحل يتأملون البضاعة والأسعار ويمضون دون أن يشتروا أي شيء»، مشيرا إلى «قمنا بالإعلان عن تخفيضات في أسعار الملابس تصل بعضها إلى 70 في المائة لتشجيع المتسوقين ولكن النتائج ليست مشجعة للأسف».
أسواق بغداد لم تكن خالية من الحركة لكنها لم تكن بذلك الازدحام الذي توقعه التجار، و«باستثناء الإقبال على محلات ملابس الأطفال فإن حركة التبضع بدت منحسرة قياسا لما كنا نبيعه في الأعياد السابقة»، حسب ما يوضح حسن.
وتوضح زهراء مجيد التي تبدو في مقتبل الخمسينات من عمرها حيث كانت تتجول في مول المنصور مع ابنتيها، أن «مخاوف العائلة العراقية من إجراءات التقشف التي تفرضها الحكومة جعلتنا نتراجع عن الإنفاق، فما عندنا من أموال، ولو قليلة، ادخرناها للأيام الصعبة التي نتمنى ألا تأتي»، تستطرد قائلة «أنا أعمل في التدريس وزوجي موظف في وزارة العدل والراتب الشهري لكلينا هو مصدر تمويلنا ومعيشتنا وفي حالة تأخرت الدولة عن دفع الرواتب سيكون مصيرنا مجهولا ولا نعرف كيف نتدبر أمرنا خاصة أن هناك أنباء أو شائعات تتحدث عن عجز الدولة عن دفع رواتب الموظفين»، يحدث هذا رغم تأكيدات حكومية وعلى لسان رئيس الوزراء حيدر العبادي بأن رواتب الموظفين لن تتوقف.
ويقول سعد محمد علي «أنا في الستين من عمري وموظف في وزارة الصناعة، وربما بعد أربعة أعوام أطلب إحالتي على التقاعد، لكنني حاليا لا أستطيع أن أضمن قدرة الدولة على دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين بسبب ما نسمعه من أخبار عن قيام الحكومة بالاستدانة من المصارف العالمية والأهلية المحلية لدعم الميزانية التشغيلية (الرواتب)، ورغم أن إجراءات التقشف شملت قطع مخصصات الكثير من الموظفين أو إنهاء عقود العاملين وفق صيغة التعاقد أي ليسوا موظفين أصليين»، ويتساءل هذا الموظف عن سبب «عدم اتخاذ إجراءات حاسمة لتخفيض رواتب ومخصصات وحمايات أعضاء مجلس النواب وامتيازاتهم الخيالية، ومحاسبة الفاسدين واسترجاع الأموال المسروقة والتي تم إيداعها في مصارف خارج العراق»، مقترحا «تكليف شركات عالمية أو أكاديميين عراقيين متخصصين في الاقتصاد لدراسة الأوضاع الاقتصادية ووضع الخطط الناجحة لإنقاذ البلد من الإفلاس، الإفلاس الذي يصيب واحدة من أغنى الدول في العالم مثل العراق».
انحسار مشاعر الاحتفال بعيد الأضحى لم تصبه الأوضاع الاقتصادية فحسب، بل ذهبت إلى أعمق من ذلك عندما لامست وبعمق مشاعر الناس هنا ببغداد، إذ لا تستطيع أن تقرأ علامات الفرح والشعور بالعيد في وجوه غالبية من العراقيين، فعندما هنأت سائق سيارة الأجرة بمناسبة حلول عيد الفطر قبيل ليلة واحدة من حلول العيد، اعتذر السائق مبدر العبيدي (53 عام) الذي ينحدر من محافظة الأنبار عن الرد وقال: «أعتذر لأنني لا أحتفل بالعيد منذ أكثر من عام»، استطرد قائلا: «كيف لي أن احتفل وأنا مهجر داخل بلدي؟ أنا في مكان وبقية عائلتي بمكان آخر»، مضيفا: «أنا من مدينة الفلوجة، نزحنا من بيوتنا إثر احتلال (داعش) لمدينتنا وذهبنا إلى الرمادي، حيث لاحقتنا (داعش) وسقطت الرمادي بأيديهم ومررنا بظروف أكثر من صعبة حتى استقرينا في هيكل بناية بمنطقة الدورة (جنوب بغداد) وهذه السيارة لأحد أقاربي أعمل بها كسائق لتدر علينا ما نعيش من خلاله». مشيرا إلى «إنني أملك بيتا كبيرا في الفلوجة ومتعودون على حياة كريمة وطيبة، ونتذكر في الأعياد أننا نفتح بيوتنا لأقاربنا وأصدقائنا لنحتفل بهذا اليوم المبارك لكن أهالي الفلوجة والرمادي يعيشون اليوم أحزانا كبيرة إذ ليس هناك أقسى من أن تترك بيتك وتتعرض للذل وهذا ما نعيشه نحن والآلاف من العوائل العراقية».
وأشار العبيدي وهو يقود سيارة الأجرة إلى الجدار الذي تحول إلى بانوراما لصور «الشهداء»، وقال: «ما ذنب هؤلاء الشباب بعمر الورود ليقتلوا على أيدي الدواعش المجرمين.. أعرف أنهم يدافعون عن وطنهم وأهلهم لكن من المؤسف أن نخسر أبناءنا على أيدي شتات الأرض»، وأردف قائلا: «لك أن تتخيل حالة عوائلهم اليوم وفي العيد.. فأي عيد تريدوننا أن نحتفل به.. ليس لي سوى أن أقول (بأي حال عدت يا عيد)».
من المظاهر المؤسفة التي لم تستطع الحكومات العراقية منذ عهد صدام حسين وحتى اليوم معالجتها انتشار المتسولين ومن مختلف الأعمار ومن كلا الجنسين في الشوارع وعند إشارات المرور. وعبرت الناشطة المدنية سهى جاسم خليل عن أسفها لاتساع هذه الظاهرة، وعندما أخبرتها بأن ظاهرة المتسولين تنتشر في أغلب مدن العالم ومنها لندن، قالت: «أنا متطوعة في منظمة لمساعدة الأرامل وغالبية المتسولات هن من الأرامل أما الأطفال فهم أبناء الأرامل وهؤلاء يجب أن تتكفل بهم شبكة الرعاية الاجتماعية لتصرف لهم الرواتب وتساعدهم على إيجاد ملجأ أو سكن يليق بهم ويحفظهم من الضياع في الشوارع».
التشديدات الأمنية حرمت الكثير من العوائل من ترك بيوتها خلال أيام عيد الأضحى، غالبية شوارع العاصمة العراقية أغلقت بوجه حركة السيارات خشية من حدوث أعمال إرهابية بواسطة السيارات المفخخة، وتركت الممرات مفتوحة أمام المشاة للوصول إلى مراكز الترفيه مثل مدن الألعاب ومتنزه الزوراء، أكبر المتنزهات العامة ببغداد بجانب الكرخ.
مصدر أمني مسؤول في وزارة الداخلية قال لـ«الشرق الأوسط» إن «مثل هذه الإجراءات مهمة وضرورية لحماية المواطنين المحتفلين بالعيد ولا نريد أن تتحول فرحة العيد إلى مآس لا سمح الله بسبب جرائم الإرهابيين». وأضاف المصدر الذي فضل عدم ذكر اسمه «إن خططنا الأمنية التي وضعت من قبل عمليات بغداد قضت بقطع عدة شوارع وطرقات ووضع نقاط تفتيش ومراقبة، ونحن نفضل أن يتحمل المواطن مشاق السير قليلا من أجل سلامته».



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.