تقرير: رهان كبير على انخفاض هائل جديد في قيمة العملة الصينية

احتياطيات بكين بـ3.5 تريليون دولار قد لا تكون كافية للحيلولة دون اضطراب واسع النطاق

نسبة الاحتياطي النقدي الأجنبي في الصين المتاح للدفاع ضد المضاربين على عملتها - تتجاوز 20 في المائة بقليل (رويترز)
نسبة الاحتياطي النقدي الأجنبي في الصين المتاح للدفاع ضد المضاربين على عملتها - تتجاوز 20 في المائة بقليل (رويترز)
TT

تقرير: رهان كبير على انخفاض هائل جديد في قيمة العملة الصينية

نسبة الاحتياطي النقدي الأجنبي في الصين المتاح للدفاع ضد المضاربين على عملتها - تتجاوز 20 في المائة بقليل (رويترز)
نسبة الاحتياطي النقدي الأجنبي في الصين المتاح للدفاع ضد المضاربين على عملتها - تتجاوز 20 في المائة بقليل (رويترز)

يفضل مارك ل. هارت الثالث، المستثمر في صناديق التحوط، أن يخوض رهانات استثمارية كبرى، على غرار ولاية تكساس الأميركية التي يسكنها.
ومنذ عام 2007، ضمت قائمة مراهنات هارت عالية المخاطر ومرتفعة العوائد في الوقت نفسه، انهيار سوق العقارات في الولايات المتحدة وإفلاس اليونان.
لكن ربما تكون أجرأ مقامرة يقدم عليها حتى الآن هي تلك التي يعول فيها على الصين. ويراهن السيد هارت على أن التخفيض المحدود للعملة الصينية، الذي نفذته بكي الشهر الماضي، ليس إلا مقدمة وفاتح شهية لتراجع هائل بنسبة 50 في المائة في سعر الرينمنبي. ويتوقع حدوث ذلك عندما يسحب المستثمرون أموالهم من الصين.
ومن شأن هذه الخطوة أن تسفر عن تفاقم الاضطرابات في عملات الأسواق الناشئة - بدءًا من كوريا الجنوبية إلى تركيا والبرازيل - وتؤدي إلى تراجع عالمي مستدام مع توقف الصين عن الاقتراض النهم.
وبحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز»، فقد خلص عدد متنام من المستثمرين، من أمثال هارت، إلى أن قوة الدولار سيكون لها تأثير مدمر ليس على الصين فحسب، بل على الأسواق الناشئة في العموم. ويرى هؤلاء المستثمرون أن تريليونات الدولارات التي هرولت وراء الفرص الاستثمارية المحفوفة بالمخاطر في الصين والبرازيل وتركيا وبلدان أخرى تخرج سريعًا. كما يتوقعون أن تزداد وتيرة خروج هذه الأموال عندما يقرر بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي رفع أسعار الفائدة في نهاية المطاف.
ويقولون إن النتيجة ستكون انهيار العملات وإفلاس الشركات وتباطؤا مستمرا في النمو على مدار الأعوام القليلة المقبلة. وكانت عملات الأسواق الناشئة، وفي مقدمتها البرازيل وتركيا والمكسيك وجنوب أفريقيا، قد واصلت تراجعها هذا الأسبوع.
وحقق جون. بربانك الثالث، وهو مستثمر مخضرم في الأسواق الناشئة في صندوق التحوط «باسبورت كابيتال»، أرباحًا طائلة هذا العام، عندما راهن على تراجع أسعار السلع وانهيار عملات وبورصات الأسواق الناشئة.
وذكر تقرير أعده «إتش إس بي سي» عن كبار مديري صناديق التحوط أن صندوق «غلوبال استراتيجي» الذي يديره بربانك ارتفع بواقع 29 في المائة حتى يوليو (تموز) من هذا العام. وسجل صندوق الفرص الخاصة ارتفاعا بلغ 14.5 في المائة حتى شهر أغسطس (آب) المنصرم. وصرح بربانك في مقابلة منفصلة مع محطة «ريال فيجن» بأن «الأسواق الناشئة يجري تسييلها»، متوقعًا استمرار هذا التوجه مع مواصلة سحب المستثمرين لأموالهم من تلك الاقتصادات.
ويقوم هذا الطرح الاستثماري على الاعتقاد بأن خفض قيمة العملة الصينية بنسبة 3 في المائة الشهر الماضي ليس مجرد إجراء لمرة واحدة، كما يشير الكثير من المحللين.
وعوضًا عن ذلك، يعتقد هؤلاء المستثمرون أن الصين التي سجلت نشاطًا محمومًا من الاقتراض والاستثمار - مول معظمه مقرضون بالدولار - تشهد هرولة إلى سحب الأموال من البنوك على غرار ما حدث في الدول الآسيوية عام 1997 عندما انهارت عملاتها شبه المرتبطة بالدولار.
في الربع الأول من هذا العام، خرجت 109 مليارات دولار من البنوك الصينية إلى مؤسسات في الخارج، حسبما يكشف بنك التسويات الدولية الذي يعد دار المقاصة للبنوك المركزية في العالم. كما يعتقد المستثمرون أن احتياطيات الصين من النقد الأجنبي والتي تبلغ 3.5 تريليون دولار، مقابل 4 تريليونات دولار العام الماضي، لن تكون كافية للحيلولة دون اضطراب واسع النطاق في عملتها.
ويقول تيم لي من شركة الأبحاث «بي إكونوميكس»، ومقرها غرينويتش بولاية كونيتيكت الأميركية، إن المقترضين في الأسواق الناشئة استدانوا 3 تريليونات دولار من القروض الدولارية الرخيصة خلال العقد الأخير الذي شهد تساهلاً تنظيميًا مفرطًا من جانب البنوك المركزية.
لقد كانت الصين في صدارة هذا النشاط المعروف باسم «تجارة المناقلة»، والذي تستدين بموجبه الشركات والدول من مقرضين دولاريين، ثم تستثمر تلك الأموال في أصول ذات عوائد مرتفعة بالعملات المحلية، مثل العقارات والسلع والاستثمارات الضخمة.
وتتسم هذه الأنشطة بالربحية العالية، ما دامت معدلات الفائدة في الولايات المتحدة حافظت على انخفاضها، وعملات الأسواق الناشئة حافظت على قوتها. لكن هذه الأرباح تتبخر مع زيادة معدلات الفائدة الأميركية وتراجع قيم العملات المحلية، مما يتسبب في هروب المستثمرين، كما هو الحال في بلدان مثل تركيا والبرازيل وجنوب أفريقيا.
ويقدر السيد هارت حجم «تجارة المناقلة» في الصين بنحو تريليوني دولار، في ما يعد الرقم الأعلى بين المقترضين في الأسواق الناشئة. وتقوم رؤيته منذ البداية على أن الدولارات التي ضخت داخل الصين - لتمول معدل استثمار يبلغ 50 في المائة من إجمالي الاقتصاد - ينبغي في النهاية أن تذهب مرة أخرى في الاتجاه العكسي. ويقول السيد هارت إنها «أكبر تجارة مناقلة في التاريخ الحديث.. لا يوجد نظير لها ولو من بعيد».
ومن أجل حساب قدرة الصين على الحيلولة دون انهيار الرينمنبي، ركز السيد هارت على معيار مالي غامض اجتذب مؤخرًا اهتمامًا متزايدًا من جانب المحللين الذين يحاولون قياس الضعف الذي أصبحت عليه عملات الأسواق الناشئة.
ويراجع هذا المقياس نسبة الاحتياطيات الدولارية في بلد ما إلى جميع الأموال قصيرة الأجل التي يتعين عليها سدادها عند الطلب، مثل الودائع المصرفية.
وفي حالة نشوب أزمة عملة، تلوذ مثل هذه الودائع بالفرار. وهكذا تصبح الاقتصادات، التي تمتلك نسبة كبيرة من الاحتياطيات النقدية مقارنة بتلك الخصوم الكبيرة، في أفضل وضعية للدفاع عن عملاتها المحلية.
ويشير تقرير صدر مؤخرًا عن مجموعة من خبراء الاقتصاد في وحدة السندات في شركة «برودينشيال» إلى أن نسبة الاحتياطي الأجنبي في الصين - أو الصافي النقدي المتاح للدفاع ضد المضاربين على عملتها - تتجاوز 20 في المائة بقليل، مما يضعها إلى جوار بلدان من المعروف أنها عرضة لهروب رؤوس الأموال، مثل البرازيل وتركيا وجنوب أفريقيا.
ويقول يورغين أوينوس، كبير الخبراء الاقتصاديين في «برودينشيال فيكسيد إنكم»: «إذا حدثت هرولة لسحب العملة، فسيرغب الجميع في تحويل ما يمتلكونه من اليوان إلى دولارات». واليوان هو إشارة مختصرة إلى العملة الصينية. ويضيف: «وعلى ذلك الأساس، الصين بما تملكه من احتياطيات للنقد الأجنبي ليست مصنفة بين البلدان الأقوى في هذا المجال».
ومنذ بدأ الدولار رحلة الصعود قبل نحو عام، فقدت الليرة التركية 35 في المائة من قيمتها، بينما انخفض الريال البرازيلي 65 في المائة، وهبط الدولار الجنوب أفريقي 20 في المائة.
لكن الكثير من المحللين يدفعون بأن ضعف عملات البلدان التجارية المنافسة للصين هو إشارة دالة أخرى على أن بكين سوف تمعن في تخفيض لعملتها المحلية. لقد تراجع الين الياباني بواقع 60 في المائة أمام الدولار منذ 2012، بينما خسر كل من الوون الكوري الجنوبي والدولار التايواني أكثر من 10 في المائة من قيمتهما على مدار العام الماضي.
وفي ضوء هذه المعطيات، لا يكون تعديل سعر العملة الصينية بنسبة 3 في المائة ذا أي جدوى على صعيد تحسين تنافسية صادراتها، حسبما يؤكد جوليان بريغدين من شركة الأبحاث المستقلة «ماركو إنتيليجينس 2 بارتنرز» ومقرها ولاية كولورادو الأميركية.
بالطبع، لا يضمن امتلاك المرء لفكرة لامعة أن تدر عليه المال. فهارت، الذي جنى عائدات بلغت 500 في المائة و200 في المائة من مضارباته العقارية والأوروبية، لم يطلق بعد رهانه الصيني رغم الإعلان عنه في 2010. وربما يضعف إحجام بنك الاحتياطي الفيدرالي عن زيادة معدلات الفائدة الدولار الأميركي، ويرفع الضغط عن كاهل الصين وبقية عملات الأسواق الناشئة.
لكن هارت (43 عامًا) لديه نهج مختلف مقارنة بغالبية مديري صناديق التحوط الآخرين، إذ يتمركز في موطنه بتكساس الذي ينسب إليه الفضل في إبعاده وفريقه عن فخاخ التفكير الجمعي التي تميز مراكز صناديق التحوط التقليدية في نيويورك ولندن.
ويعد هارت مستثمرًا كليًا تقليديًا، حيث يحدد الفكرة الرئيسية ويجمع المال من الأفراد الأثرياء والمؤسسات ثم يرد المال، بغض النظر عما إذا كان رهانه قد عاد عليه بالربح أم لا.
وهكذا لا يربح الرجل الأربعيني من مجرد الجلوس فوق كومة من الأصول، ولكن عندما يفلح الرهان ويحق له أن يأخذ نسبة من العائد. ويدور رهانه الصيني بالأساس حول شراء مشتقات العملة والتي تدر عليه الربح عندما يفقد الرينمنبي قيمته أمام الدولار. ويقول هارت: «أعتقد أنه لا يزال هناك الكثير من التراجع في اليوان».



الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.