أوتار نصير شمة في بغداد تجمع فرقاء العراق

المقاهي متنفس العوائل في العاصمة.. والشباب ينخرطون في جمعيات مدنية

غالبية مطاعم بغداد تصدح بها أصوات مطربين شباب مع موسيقاهم (أ.ب)
غالبية مطاعم بغداد تصدح بها أصوات مطربين شباب مع موسيقاهم (أ.ب)
TT

أوتار نصير شمة في بغداد تجمع فرقاء العراق

غالبية مطاعم بغداد تصدح بها أصوات مطربين شباب مع موسيقاهم (أ.ب)
غالبية مطاعم بغداد تصدح بها أصوات مطربين شباب مع موسيقاهم (أ.ب)

بغداد مدينة لا تقبل أن تدخل حيز النسيان..لا ترضى بالتهميش على الرغم من كل ما جرى وما يجري لها.. منذ أعظم النكسات التي عاشتها بعد الاحتلال المغولي قبل ما يقرب من تسعة عقود وحتى اليوم تنهض مثل طائر العنقاء من رماد خرابها لتتألق كمدينة متجددة وحيوية.. سر نهوض هذه المدينة يكمن بأهلها.. بعشقهم لمدينتهم.. بإصرارهم على أن تبقى العاصمة العراقية دارا للسلام مثلما أرادها بانيها أبو جعفر المنصور. البغداديون يصرون على مواصلة حياتهم في العمل والإبداع والفرح متحدين كل المصاعب الأمنية والحياتية.. في هذه المشاهدات ترصد «الشرق الأوسط» إيقاع حياة بغداد ونبضها المتدفق عن قرب.. بل من عمق حياتها وحركة أهلها.. بسلبياتها وإيجابياتها.
يضرب البغداديون مثلا جريئا في معنى تحديهم للصعاب وحبهم للحياة ومواصلة عملهم وأفراحهم على الرغم من كل الصعاب التي يعيشونها.. وبغداد النهار تكاد تختلف كلية عنها في الليل، إذ تزدحم الشوارع بالسيارات والمشاة كما تكتظ الأسواق والمولات والمقاهي والمطاعم، خاصة بعد أن تم إلغاء قرار حظر التجوال الذي كان يجبر الناس على العودة إلى منازلهم قبل منتصف الليل. اليوم وأنت تتجول حتى الفجر بشوارع العاصمة العراقية سوف تجد أن هناك مطاعم ومقاهي مفتوحة.. بل إن غالبية من هذه المطاعم تصدح بها أصوات مطربين شباب مع موسيقاهم وترتادها العوائل البغدادية كونها أماكن خالية من الخمور.
وكان ثمة إعلان في شوارع بغداد عن حفل موسيقي للموسيقار نصير شمة بمناسبة اليوم العالمي للسلام خصص ريعه للمهجرين، أقيم على قاعة المسرح الوطني، كفيلاً بأن يزدحم الجمهور أمام شباك التذاكر، وهو جمهور منوع من جميع فئات العراقيين العمرية والطبقية، وكانت سعادة شمة كبيرة بأن جمعت موسيقى أوتار عوده «العراقيين بمختلف مشاربهم للاستمتاع بالموسيقى من جهة ودعم جمعية (أهلنا) التي يترأسها نصير شمة لدعم آلاف العوائل العراقية النازحة عن طريق بناء كرفانات مؤقتة ليقيموا فيها»، حسبما يوضح الموسيقار المعروف عالميا، الذي يضيف: «منذ 2012 وأنا أحيي في يوم السلام العالمي ومع مجموعة من الموسيقيين العراقيين حفلات موسيقية نخصص ريعها للأطفال وللمهجرين ولدعم مشاريع الشباب».
ويؤكد شمة لـ«الشرق الأوسط» بأن «العراقيين تواقين لسماع الموسيقى ومتابعة الأنشطة الثقافية الإبداعية من مسرحيات ومعارض تشكيلية ومعارض كتب، وفي كل عام أجد الجمهور أكثر ازدحاما على مثل هذه البرامج، وأمس على قدر شعوري بالسعادة لازدحام الجمهور شعرت بالإحراج لعدم حصول غالبية من الذين حضروا على تذاكر الحفل، إذ لا يوجد هنا نظام الحجز عبر الإنترنت مسبقًا بل عليهم الحضور إلى القاعة وشراء التذاكر». مؤكدًا: «أني متفائل بأن الأوضاع في العراق سوف تتحسن رغم كل شيء لأن الشباب وعوا دورهم وأخذوا على عاتقهم مسؤولية إحداث التغيير ومحاربة الفساد وكشف أخطاء بعض المسؤولين في الحكومة والبرلمان وهذا ما يؤكده المتظاهرون كل يوم جمعة، وأنا أؤيد هذه التظاهرات وخرجت معهم يوم الجمعة الماضي ورددت معهم هتافات من أجل الإصلاح ومن أجل أن يأخذ الشباب فرصتهم بدلا من الهجرة إلى بحار الموت والمجهول».
العوائل البغدادية تبحث عن متنفسات للهروب من واقع صعب ومعقد إلى حياة تخفف من وطأة الظروف الصعبة، ولعل في مقدمة الأماكن التي تلجأ إليها العوائل البغدادية هي المقاهي والمطاعم التي انتشرت بشكل واسع في جانب الرصافة من العاصمة العراقية، يقول المطرب الشاب إيهاب فخري حكمت الذي يغني كل مساء تقريبا في مطعم عائلي ارتبط اسمه باسم بغداد (أجواء بغداد) الواقع في حي الجادرية الراقي في الكرادة «في كل ليلة تزدحم صالات المطعم بالعوائل البغدادية التي تأتي لسماع أغان قريبة إلى نفوسها، وخصوصا الأغاني التراثية التي تذكرهم بزمن الخير والاستقرار»، مشيرًا إلى أن «هناك الكثير من المطاعم أو المقاهي التي تجتذب العوائل عن طريق الغناء وعدم تقديم الخمور، وهذا الأمر لا يقتصر على ليالي عطلة نهاية الأسبوع (الخميس والجمعة) كون الجمعة والسبت العطلة الأسبوعية الرسمية في العراق، بل في جميع أيام الأسبوع وهذا مؤشر تفاؤل بالنسبة لنا».
ويوضح سعد ألبير، صاحب مطعم إيطالي الذي يقع في منطقة عرصات الهندية بأن «البغداديين تعودوا حياة السهر ولم تمنعهم التفجيرات والسيارات المفخخة من ترك بيوتهم والسهر حتى ساعات متأخرة من الليل، فهنا تسهر عوائل بأكملها (الأب وزوجته وأبنائه) وهم سعداء بما يسمعونه من أغانٍ وموسيقى، وهذه المطاعم والمقاهي بعيدة كل البعد عن النوادي الليلية التي يرتادها الرجال فقط»، مشيرًا إلى أن «العائلة البغدادية تتوق للسهر في أماكن آمنة وفي الوقت ذاته تستمع لنوع هادئ وتراثي من الأغاني العراقية».
وبينما كنا نتحدث مع ألبير فوجئنا بقدوم حشد من المحتفلين مع عريس وعروسته في بدلة العرس البيضاء، كان العريس عربي بينما عروسته كردية وتشابكت أيادي غالبية الحضور في دبكات عربية وكردية، حيث أوضح لؤي، شقيق العريس بأن «شقيقي كان يلتقي بعروسته خلال أشهر الخطوبة هنا في هذا المطعم لهذا قررا الاحتفال هنا».
ويضيف قائلا: «نحن تعودنا على السهر والاستماع للأغاني العراقية بعيدا عن صخب ومشكلات النوادي الليلية، وغالبا ما نبحث عن أماكن آمنة نسهر بها مع عوائلنا لنخفف عن أنفسنا وطأة وضغوط المشكلات الأمنية وسوء الخدمات والظروف الاقتصادية الصعبة لا سيما وأن أسعار مثل هذه المطاعم مناسبة للطبقة المتوسطة من العراقيين».
يضاف إلى هذا النوادي الاجتماعية المخصصة للعوائل فقط وخصوصًا نادي العلوية الذي أسسه الإنجليز في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي ونادي الصيد الذي أسسته مجموعة من هواة الصيد في نهاية الخمسينات، وهناك، أيضا، المقاهي الشعبية والمقاهي العامة التي تؤثث أرصفة شوارع بغداد ومقاهي الشباب.
ومن المظاهر التي تدعوا للتفاؤل وتبدو بمثابة بصيص النور الذي يأتي من نهاية النفق هي انخراط الشباب هنا في منظمات المجتمع المدني التي تدعم أوجه مختلفة من الأزمات التي يعيشها العراقيون، مثل جمعيات لدعم المرأة أو الأطفال أو المعاقين وغيرها من المنظمات، وهذه ظاهرة جديدة تبرز في المجتمع العراقي، خاصة وأن المتطوعين الذين يتصدون لمثل هذه الأنشطة هم أبعد ما يكون عن السياسة أو التورط بملفات الفساد وسرقة التبرعات بل هم يدعمون أنشطتهم من جيوبهم، ومثال ذلك الشابة زينة القرة غولي، وهي تدرس في كلية الصيدلة بجامعة بغداد والتي تترأس جمعية «نحن نساعد» التي تهتم بالأيتام، تقول: «غالبية أعضاء جمعيتنا من طلبة كليتي الصيدلة والطب في جامعة بغداد إضافة إلى متطوعين من قطاعات أخرى حيث نقوم بمتابعة دور الأيتام صحيا ونفسيا وتوفير التبرعات لهم وزيارتهم والحديث معهم لإشعارهم بأنهم ليسوا وحيدين»، مشيرة إلى أن «جمعيتنا تأسست منذ ما يقرب من عامين واستطعنا أن نحقق الكثير من الإنجازات على الرغم من غياب الدعم الحكومي إلا أننا نعتمد على أنفسنا في توفير اللقاحات والفيتامينات والأدوية للأيتام الذين هم أحوج ما يكونون للدعم».



العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي
TT

العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي

نفت وزارة الداخلية العراقية، الجمعة، الأنباء التي ترددت حول وقوع حادث إطلاق نار من الجانب الكويتي استهدف إحدى النقاط الحدودية في محافظة البصرة (550 كم جنوب بغداد)، وفق ما نشرت «وكالة الأنباء الألمانية».

وأكدت الوزارة، في بيان، أن ما تداولته بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بهذا الشأن «عارٍ من الصحة تماماً».

وشددت على أنه لم يتم تسجيل أي حادث من هذا النوع، وأن الأوضاع على الشريط الحدودي بين البلدين تسير بصورة طبيعية ومستقرة.

ودعت «الداخلية العراقية» وسائل الإعلام إلى ضرورة توخي الدقة في نقل الأخبار واعتماد المصادر الرسمية فقط، محذرة من الانجرار وراء الشائعات التي قد تثير البلبلة، وتؤثر في طبيعة العلاقات الأخوية التي تربط العراق والكويت.

كما أشارت الوزارة في بيانها إلى أنها تحتفظ بحقها القانوني في اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد مروجي الأخبار الكاذبة التي تستهدف المساس بالأمن والاستقرار في البلاد.


ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
TT

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)

يواجه المزارعون بمناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن مخاطر فقدان مصادر دخلهم، وتتزايد معاناتهم بفعل جملة من الممارسات والإجراءات التي تؤثر بشكل مباشر على بنية الإنتاج الزراعي، كاستهداف مصادر الطاقة البديلة، وإغراق الأسواق بمدخلات زراعية فاسدة، وفرض قيود على التصدير، واحتكار عمليات التسويق.

ويخشى المزارعون من أن تؤدي الممارسات الحوثية إلى الإضرار التام بالعملية الزراعية والإخلال بالعلاقة بينهم وبين الأسواق المحلية والخارجية، وأن تدفع الكثير منهم إلى هجر هذه المهنة، في وقت تواصل فيه الجماعة الترويج لمزاعم دعم التنمية الزراعية بهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

مصادر محلية في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) تقول إن حصار الجماعة قرية الأغوال في مديرية الحدا، منذ قرابة أسبوعين، تسبب بتلف المحاصيل الزراعية نتيجة الصقيع والجفاف، بعد منع المزارعين من الوصول إلى مزارعهم لحمايتها من البرد وريها بالماء.

إلى جانب ذلك، أقدم مسلحو الجماعة، وبأوامر مباشرة من القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً للمحافظة في التنظيم الحوثي، على اقتلاع الألواح الشمسية وقطع أسلاك منظومات الطاقة، وكسر أقفال الآبار، في إجراء يرى المزارعون أنه يهدف إلى إلزامهم بالعودة لاستخدام الوقود المرتبط بتجارة واقتصاد الجماعة.

مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

وفي الجوف (شمال شرق صنعاء)، أدى توزيع الجماعة بذوراً فاسدة إلى ظهور نباتات علفية دخيلة عند الحصاد، أتلفت كميات كبيرة من محاصيل الحبوب، وخفّضت الإنتاج إلى أقل من الثلث، وفقاً للمزارعين الذين أبدوا حسرتهم على ضياع موسم زراعي، وانتهى بمحصول ضئيل وخسائر كبيرة، بعد أن لجأ العديد منهم إلى الاقتراض لإنجاح موسمه.

ونقلت مصادر زراعية عن المزارعين أن المحصول الضئيل نفسه لا يصلح للاستهلاك الآدمي.

وشهدت مديرية الحميدات، غرب المحافظة، الخسائر الأكبر، حيث لم يتجاوز محصول غالبية الحقول 30 كيساً من الحبوب، بعد أن كانت تنتج أكثر من 100 كيس خلال المواسم الماضية. ويصف المزارعون المحصول بأنه شبيه بالقمح ولا يصلح إلا كعلف للحيوانات.

إفساد المحاصيل

يتهم مزارعو البطاطس في محافظة ذمار الجماعة الحوثية بإغراق الأسواق ببذور مستوردة فاسدة وملوثة، والتسبب في كارثة زراعية بتدمير محاصيل استراتيجية وتعميق أزمة الأمن الغذائي.

ونفذ هؤلاء وقفة احتجاجية في العاصمة المختطفة صنعاء، أمام مبنى وزارة الزراعة في حكومة الجماعة التي لا يعترف بها أحد، مطالبين بوقف استيراد وتوزيع البذور غير المطابقة للمعايير، وبتعويضهم بعد الخسائر التي تكبدوها بسبب تلك الأصناف واستخدام مبيدات محظورة، وغياب الفحوصات المخبرية والرقابة الفعالة على الشحنات.

جانب من احتجاج مزارعي البطاطس أمام مبنى تابع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

وشهدت الوقفة اصطفاف عشرات الشاحنات المحملة بالمحصول المتضرر، ورفع المحتجون لافتات تدعو إلى وقف استيراد وتوزيع بذور غير مطابقة للمعايير، متهمين الجهات التابعة للجماعة بالتساهل في إدخال أصناف مصابة تسببت في انتشار أمراض نباتية خطيرة خلال المواسم الماضية، إلى جانب استخدام مبيدات محظورة.

وواصلت الجماعة الحوثية ادعاءاتها بدعم التنمية الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي إلى الترويج لنجاح زراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز، وهم ما يعدّ تحدياً معقداً، حيث تصنف اليمن من البلدان محدود الموارد المائية.

ويلفت خبير زراعي يمني، يعمل في قطاع الزراعة الذي يسيطر عليه الحوثيون، إلى أن مزاعم الحوثيين بنجاح زراعة القمح تسقط في الفجوة الكبيرة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج الممكن، حيث يستهلك اليمنيون ما يقارب 4 ملايين طن من القمح، والتي تحتاج إلى مساحات شاسعة لإنتاجها.

قادة حوثيون وسط مزرعة في الجوف حيث يشكو المزارعين من خسائر فادحة (إعلام حوثي)

ولا تتجاوز المساحات المزروعة في اليمن عشرات الآلاف من الهكتارات، بإنتاج أقصى يقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان، بحسب حديث الخبير الزراعي الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته حفاظاً على سلامته.

تضليل بمسمى الاكتفاء

أما زراعة الأرز، والحديث لنفس الخبير الزراعي، فهي خيار غير منطقي في ظل الاستنزاف الحاد للموارد المائية وتراجع منسوب المياه الجوفية، فضلاً عن غياب شبكات ري حديثة قادرة على دعم مثل هذا التوجه.

ويشير خبير آخر، تتحفظ «الشرق الأوسط» على بياناته أيضاً، إلى أن الجماعة الحوثية نفسها منعت مزارعي سهل تهامة، غربي البلاد، خلال السنوات الأخيرة، من التوسع في زراعة الموز بحجة الحفاظ على مخزون المياه الجوفية، في الوقت ذاته الذي تروّج لمزاعم زراعة الأرز الذي لا يمكن إنتاجه إلا في بيئة تتوفر فيها مياه جارية طوال العام.

ويشهد الموسم الحالي تكدساً وكساداً كبيرين للبرتقال واليوسفي، خصوصاً في محافظة الجوف (شمال شرق صنعاء) تحت تأثير الإجراءات التي تفرضها الجماعة الحوثية على المزارعين في المحافظة.

فتى يمني يعمل في حقل على أطراف صنعاء حيث يتراجع الإنتاج الزراعي جراء ممارسات الحوثيين (إ.ب.أ)

ومنذ قرابة شهرين يواجه مزارعو البرتقال واليوسفي صعوبات كبيرة في التصدير، بعد احتكار شركة حوثية تحمل اسم «سوق الارتقاء» تصدير المنتجات الزراعية إلى دول الجوار.

وتنقل مصادر زراعية عن هؤلاء المزارعين اتهامات للجماعة الحوثية بممارسة التضليل لنهب محاصيلهم، وذلك بادعاء أن استيراد دول الخليج هذين المنتجين من سوريا ومصر، تسبب في تراجع الطلب على الإنتاج اليمني منها، ووصفوا نشاط شركة «الارتقاء» الحوثية بـ«النهبوي» الذي لا يقتصر على هذين المنتجين فحسب.

وتلفت المصادر إلى أن جميع مزارعي الفواكه والمحاصيل القابلة للتصدير باتوا تحت رحمة هذه الشركة التي تتحكم بالأسعار والكميات، وتتسبب في تلف المنتجات الزراعية وإلحاق خسائر كبيرة بالمزارعين الذين يضطر غالبيتهم إلى البيع بأسعار زهيدة إلى الأسواق المحلية التي تشهد وفرة كبيرة وقدرة شرائية متدنية.


الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
TT

الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)

مع حلول شهر رمضان، الذي اعتاد اليمنيون استقباله بأجواء من التكافل والتراحم، تبدَّلت ملامح الحياة في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث تحوَّلت الشوارع والأسواق وأبواب المساجد إلى مشاهد يومية للفقر والعوز.

ورصدت «الشرق الأوسط» امتلاء أرصفة الشوارع بأعداد متزايدة من النساء والأطفال وكبار السن الذين اضطروا إلى التسول؛ بحثاً عن لقمة تسد رمق أسرهم، في مؤشر واضح على تعمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

وباتت ظاهرة التسول، وفق سكان وناشطين، جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي، بعد أن كانت حالات محدودة قبل انقلاب الحوثيين، إذ دفعت ظروف المعيشة القاسية آلاف الأسر إلى خيارات لم تكن واردة في حياتها من قبل.

ويعزو مراقبون هذا التحول إلى استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع فرص العمل، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إضافة إلى غياب أي معالجات اقتصادية حقيقية تخفف من معاناة السكان.

الفقر يدفع أشخاصاً في صنعاء للتسول لسد الرمق (الشرق الأوسط)

وخلال جولة ميدانية في عدد من شوارع صنعاء، رصدت «الشرق الأوسط» انتشار النساء والأطفال الذين يفترشون الأرصفة في محاولة لاستدرار المساعدة. ويروي كثير منهم قصصاً متشابهة عن فقدان المعيل أو توقف مصادر الدخل، بينما اضطر آخرون إلى ترك أعمالهم أو دراستهم؛ بسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة.

ويؤكد سكان أن الظاهرة لم تعد محصورة في أحياء فقيرة بعينها، بل امتدت إلى معظم مديريات صنعاء ومدن أخرى، ما يعكس اتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى.

ويحمّل عاملون إغاثيون الجماعة الحوثية مسؤولية تفاقم الأزمة، متهمين إياها بالانشغال بفرض الجبايات والإتاوات بدلاً من تبني سياسات اقتصادية واجتماعية تحد من الانهيار المعيشي.

وتقول أم أحمد، وهي أم لعد من الأطفال، تجلس قرب أحد المساجد، إن زوجها فقد عمله منذ عامين، ولم تعد الأسرة قادرةً على دفع إيجار المنزل أو تأمين الغذاء والدواء. وتضيف بحزن: «لم أتخيل يوماً أن أطلب المساعدة من الناس، لكن أطفالي بحاجة للطعام، ورمضان هذا العام هو الأصعب علينا».

طابور نساء أمام أحد المطاعم بصنعاء أملاً في الحصول على الطعام (الشرق الأوسط)

وفي شارع الزبيري، يقف الطفل سالم (12 عاماً) حاملاً علبة صغيرة لجمع التبرعات، بعدما اضطر لترك المدرسة إثر مرض والده. ويقول إنه كان يحلم بإكمال تعليمه، لكنه بات يخرج يومياً قبل الإفطار لمحاولة جمع ما يساعد أسرته على البقاء.

أما عبد الله، وهو موظف حكومي، فيؤكد أنه لم يتقاضَ راتبه منذ سنوات، ما دفعه للاعتماد على المساعدات. ويقول: «خدمت الدولة عقوداً طويلة، واليوم أجد نفسي مضطراً لطلب العون. لم نصل إلى هذه الحال إلا بسبب غياب الحلول».

طوابير طويلة

بالتوازي مع اتساع ظاهرة التسول، تشهد صنعاء ومحافظتا إب وذمار مشاهد إنسانية قاسية، تتمثل في طوابير طويلة لنساء وفتيات ينتظرن لساعات للحصول على وجبات مجانية تقدمها مبادرات خيرية محدودة الإمكانات. وتحمل النساء أكياساً فارغة على أمل العودة بما يسد جوع أطفالهن.

ويؤكد عاملون في المجال الإغاثي أن أعداد الأسر الباحثة عن وجبات الإفطار المجانية تزداد يومياً بشكل غير مسبوق، ما يعكس حجم التدهور المعيشي. ففي أحد أحياء مديرية معين بصنعاء، يصطف العشرات يومياً للحصول على وجبة بسيطة مكونة من الخبز وعلبة زبادي.

محتاجات يتجمعن للحصول على وجبة مجانية من مطبخ خيري في ذمار (فيسبوك)

وتقول أم عبد الله، وهي نازحة وأم لـ5 أطفال، إن هذه الوجبة قد تكون الطعام الوحيد المتاح لعائلتها خلال اليوم. وتوضح أنها تخرج بعد صلاة الفجر لتضمن موقعاً في الطابور، مضيفة: «أحياناً ننتظر 3 ساعات، لكنها تبقى فرصة كي لا ينام أطفالي جائعين».

وفي محافظة إب، أثارت مشاهد تجمع مئات النساء أمام مطبخ خيري غضباً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عدّ ناشطون تلك الصور دليلاً على وصول الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتقول ابتسام، وهي أم لـ3 أطفال، إنها تقطع مسافة طويلة سيراً على الأقدام يومياً، لكنها كثيراً ما تعود خالية اليدين بعد انتهاء التوزيع.

أما في ذمار، فتتكرر المشاهد ذاتها، حيث تنتظر نساء لساعات طويلة تحت الشمس للحصول على وجبة ساخنة. وتقول سمية، التي يعاني زوجها المرض ولا تملك مصدر دخل: «أشعر بالألم وأنا أقف في الطابور، لكن حاجتي من أجل أطفالي أكبر من أي شعور».

أزمة عميقة

تشير بيانات أممية إلى تصاعد مقلق في مؤشرات الفقر في اليمن خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية من نحو 21.6 مليون شخص عام 2023 إلى أكثر من 22 مليوناً في 2026، مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد.

كما ارتفعت نسبة الأسر اليمنية التي اضطرت إلى التسول لتأمين احتياجاتها الغذائية من نحو 5 إلى 6 في المائة قبل 3 سنوات إلى نحو 10 في المائة حالياً، مع تقديرات بوصولها إلى 12 في المائة في بعض المناطق.

ويعني ذلك أن أسرة واحدة من كل 10 أسر يمنية أصبحت تعتمد على التسول مصدر دخل مباشر، وهو تحوُّل خطير يعكس انتقال الظاهرة من حالات فردية إلى نمط معيشة اضطراري.

يمني يحمل أسطوانة غاز فارغة في أحد المساجد طالباً مساعدته لتعبئتها (فيسبوك)

ويرى مختصون اجتماعيون أن هذه المؤشرات تعكس فساد الجماعة الحوثية التي فاقمت الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى تفكك اجتماعي أوسع وارتفاع معدلات الجريمة والهجرة الداخلية.

وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات أممية من تدهور أوضاع النساء والفتيات بشكل خاص، في ظل نقص التمويل الإنساني واستمرار الصراع لأكثر من 11 عاماً. وأفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن ملايين النساء يعانين من الجوع الحاد، بينما تفتقر ملايين أخريات لخدمات الصحة الإنجابية الأساسية.

وتشير التقديرات إلى وفاة 3 نساء يومياً؛ بسبب مضاعفات الحمل والولادة، في حين تحتاج أكثر من 6 ملايين امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية من العنف. ويرى مختصون أن الضغوط الاقتصادية دفعت النساء إلى تحمل العبء الأكبر في تأمين الغذاء لأسرهن، ما جعلهن الأكثر تأثراً بالأزمة.