إرادة سحب قضية الخلاص من الدين

مسيرة عزل الدين عن قطاعات الحياة في المنظومة الغربية

إرادة سحب قضية الخلاص من الدين
TT

إرادة سحب قضية الخلاص من الدين

إرادة سحب قضية الخلاص من الدين

يعتمد الفكر الحداثي على منهجية العزل، أي الفصل عوضًا عن الوصل. بمعنى أن حل المعضلات لا يتم إلا بتفكيك الظاهرة إلى أجزائها الواضحة، أو لنقل إن الحداثة كنمط في التفكير ساد العالم ولا يزال، يستند إلى تفتيت الكل إلى دوائر واضحة تسمح بالتحكم فيها وفض أسرارها. وهي المنهجية العلمية بامتياز. ومادام أن عملية الفصل هذه غير واقعية، لأن العالم مركب أصلا، فإن ما يتبقى لدى الدارس هو العزل كتجربة خيالية افتراضية، ثم، بعد ذلك، إعادة هذا الجزء المنزوع عن كله، إلى أصله الطبيعي، لكن بعد أن نكون قد حصلنا منه على ما نريد، أي الوضوح. وما غاية العلم في نهاية المطاف سوى السعي نحو الوضوح وإبعاد الغموض، إذ لا رؤية في الظلام.
إن المتأمل في الدرس الحداثي بدءًا من القرن السابع عشر، وهو فجر العلم الحديث، يكتشف أن عملية الفصل هذه لم تتوقف أبدا. ولعل من كان له النصيب الأكبر في العزل، وبجلاء ألقى بظله على الحياة البشرية إلى حد الساعة، هو الدين. فقد تم فصله عن العلم بقوة المتغيرات العلمية، إذ سيستغني العلماء عن الحقيقة كما تقدمها الكتب المقدسة، فترسخت فكرة أن الحقيقة بطلها الإنسان وهو صانعها، ولم يعد بحاجة إلى يد مفارقة تدعمه في ذلك، الأمر الذي يجعلنا نتذكر وبقوة، معنى كلام غاليليو الصارخ: «إن الإنجيل يعلمنا كيف نذهب إلى السماء ولكن لا يعلمنا كيف هي السماء». فهذا الأمر يحتاج طريقة أخرى، هي العلم الناشئ آنذاك. فكانت بذلك، أول عملية تفرقة، أي عزل، بين الكتاب المنظور والكتاب المسطور. فهما يختلفان من حيث منهجية التناول، ولغتهما مختلفة تماما. يقول غاليليو: «إن الطبيعة مكتوبة بلغة الرياضيات، وحروفها هي المثلثات والدوائر وباقي الأشكال الهندسية، وبدونها لن يتمكن الإنسان من فهم ولا كلمة واحدة - من كتاب الطبيعة - وسيتيه في متاهة الظلام الدامس». فيكون غاليليو بقوله هذا، أحد من مهد لللائكية في أوروبا القرن السابع عشر، وذلك عندما فرق بين منطق الدين ومنطق العلم.
إن الأمر لم يقتصر فقط على الفصل بين العلم والدين، بل تعداه، وكما نعرف، إلى عزل الدين عن السياسة، إذ سيتم تجاوز ما سمي بالحق الإلهي، حيث كان الحاكم يحكم باسم السماء، وهو ما سيبلور نظرية التعاقد الاجتماعي التي أرساها كل من توماس هوبز وجون جاك وروسو، والتي بموجبها يكون الناس هم أسياد قرارهم، واختيار الحاكم يكون من أجل قضايا الدنيا وليس قضايا الآخرة.
أما عملية عزل الأخلاق عن الدين، فقد وصلت أوجها في القرن الثامن عشر مع كانط، لتصبح قضية الخير شأنا شخصيا لا علاقة لها بالوصايا. فأنا أخلاقي، يعني: أن الأمر اختيار يمليه العقل، إذ أكد كانط أن الفعل الأخلاقي الحقيقي، تكون فيه أنت مشرع نفسك ولا تنتظر وصاية أحد. وهو ما يمكن الفرد من الاستقلال التام وبشكل بطولي. فهو قادر بواسطة عقله أن يرسم الحدود الفاصلة بين ما هو أخلاقي ولا أخلاقي، وباتفاق مطلق مع باقي البشرية من دون اللجوء إلى أي سلطة خارجية كيفما كانت. فالمرء إذا ما أراد عالم النقاء والنبل، عليه تدريب نفسه كي يطيع أمر عقله وفق القاعدة التالية: «افعل بحيث يكون فعلك قانونا عاما»، يعني عدم جعل نفسه استثناء في التشريع الأخلاقي. وهو الأمر الذي يسمح بالموضوعية والوحدة البشرية ومن ثم تحقيق الكونية المنشودة.
فماذا بقي للدين إذن، بعد عملية الاستحواذ هذه؟ فقد سحب منه البساط في قضايا كانت فيه يده هي الأولى. هذا الموضوع سيعالجه الفيلسوف المعاصر لوك فيري، الذي تجند في كل أبحاثه لمحاولة إزالة آخر ورقة تبقت للدين، وهي المعنى والخلاص تجاه قضية الموت.
سنعتمد لفهم موقفه على كتابه: «أجمل قصة في تاريخ الفلسفة». وهو الكتاب الذي ترجمه أخيرا محمود بن جماعة عن دار التنوير، الطبعة الأولى 2015. ولنبدأ بهذه التجربة الخيالية التي يقترحها كمنطلق للتفكير. يقول فيري: «لنعش حلما. لنتخيل أننا نملك عصا سحرية تسمح لنا بأن نجعل البشر، بلا استثناء، يسلكون، من الآن، تجاه بعضهم البعض، على نحو في غاية الأخلاقية. ونجعل كل واحد منهم محترما للآخرين، طيبا، دمث الأخلاق، ليس مع أقربائه وحسب، بل مع مثيله أيضا، أي مع سائر الناس على سبيل الإمكان. بالتأكيد ستتخيلون أن مصير البشرية سيتحول جذريا جراء ذلك. فلا حروب، ولا جرائم قتل، ولا أشكالاً من الإبادة الجماعية، ولا خوف من وقائع الاغتصاب والسرقة. فيستغنى عن الجيوش وعن فرق الأمن والسجون. ومن المحتمل أن يجري القضاء على أشكال اللامساواة الاجتماعية، أو على الأقل، على أكثرها فظاعة».
لقد قدمت كلام لوك فيري كما هو، لأظهر بداية، أنه لا يخرج عن النمط الحداثي في التفكير، وهو العزل المنهجي الافتراضي. فهو كما نرى، يطالبنا بأن نتصور مجتمعا مثاليا تسوده الأخلاق، ليؤكد لنا محاسن ذلك وما سيجنيه الإنسان من حقوق. لكن قصد هذا الفيلسوف عكسي، وهو إبراز كم الفارق هائل بين القيم الأخلاقية والقيم الروحية التي غالبا ما يتم الربط بينها. فإذا تحققت الأخلاقية في أعلى مستوياتها وحصل البشر على حقوقهم كاملة، فهل يعني هذا أن الإنسان سوف لا يصيبه الهرم أو المرض أو الموت؟ بل هل الأخلاقية ستحول دون معاناة المرء من محنة حداد مرعبة إثر وفاة حبيب أو صديق؟ هل إذا اتسم شخص ما بالسلوك النبيل وعلى الدوام، سيمنع ذلك تعاسته في الحب؟ هل سيمنعه ذلك من القلق جراء اليومي الرتيب القاتل؟
إن هذه الأمور: الشيخوخة، المرض، فقدان العزيز، فشل الحب، الرتابة وغيرها، لا تمت بصلة إلى الأخلاقية. فنجاحي الأخلاقي لا يعني قدرتي على تخطيها، إذن فالقيم الأخلاقية منفصلة عن القيم الروحية أو الوجودية. أو لنقل، إنه إذا كان هدف القيم الأخلاقية هو النبل والخير الإنساني، فإن القيم الروحية هدفها الحياة الطيبة بالنسبة للبشر الفاني والمحدود في الزمان. أي أن الأخلاق هي وسيلة الإنسان ليعيش علاقات أكثر مدنية وملؤها السلام، لكنها ليست أبدا شرطا كافيا لحياة موفقة. فالحياة الأخلاقية قد تكون جنبا إلى جنب مع حياة قلما ترضينا.
ولمزيد من توضيح ضرورة عدم الخلط بين دائرة القيم الأخلاقية ودائرة القيم الروحية، يضرب لوك فيري مثالا توضيحيا هو التالي: هب أن لدينا شخصا رائعا على المستوى الأخلاقي، وجاءه خبر ابنه الذي تعرض لحادثة سير مروعة. من المؤكد أن كيان هذا الأب سيهتز. وسيعيش تجربة مفعمة بقيم جوهرية وانفعالات هائلة، وتساؤلات عميقة. وإذا ما تأمل المرء الأمر جيدا، فسيجد أن ذلك لا يمت بصلة إلى الأخلاق. كما يضيف لوك فيري، أن حتى الحب، وإن كان فيه نوع من التودد والاحترام واللطف، فهو تجربة تبقى خاصة لا تتصل مباشرة بالأخلاق. فكم من الفضلاء هم تعساء في الحب، إضافة إلى أنه كوني أتصرف بشرف، لا يعني أني لن أشعر بالقلق حد الضجر، فالروتين والملل الذي يخترق وجودنا لا يجد أبدا مخرجه في الأخلاق.
إن كل هذه الأمور المذكورة أعلاه، تدخل، كما قلنا، ضمن خانة مختلفة، إنها الخانة الوجودية، الروحية، والتي هاجسها هو سؤال مختلف عن سؤال الأخلاق، إنه سؤال الحياة الطيبة بالنسبة للإنسان الفاني، إنه سؤال الخلاص.
هنا بالضبط تتدخل الأديان. فهي تقدم أحسن عزاء لمسألة الموت، ومن ثم المعنى. فأن يؤمن المرء بأن هناك حياة أخرى خالدة، تسمح بلقاء الأحباب من جديد، لهو الخلاص المغري من أخطر سؤال بشري يقض مضجعه.
إذا عدنا إلى بداية المقال، سنكتشف أن الدين منذ القرن السابع عشر، وهو يتعرض لعملية حصر وتضييق، بحيث لم يعد له سوى مجال واحد، هو تقديم جواب عن سؤال الموت. لكن العجيب، هو أن محاولة لوك فيري لن تقتصر على ترك الدين في هذه الخانة، بل سيسعى إلى إبراز أن حتى سؤال الخلاص يمكن منازعته فيه، وذاك ما ستقوم به الفلسفة باعتبارها منافسا. فكيف ذلك؟
يرى لوك فيري، أنه على الرغم من أن الدين يكسب الإنسان أرباحا بجوابه المغري عن الخلاص، لكن ذلك لا يتم من دون خسارة، حيث يتم هذا الخلاص على حساب شيئين أساسيين يحددان البشر، وهما العقل والحرية. فالعقل مع الدين يصبح خاضعا، ومطالب بالانحناء أمام حقائق الوحي، كما أن سبل الحياة الطيبة، تصبح ليس ملكا للبشر، بل إملاء من الإله، وهو ما يضرب الحرية في الصميم. فالدين بحسب لوك فيري هو الجواب الأكثر إنسانية من جهة، لأنه شخصي يعني كل فرد بعينه. لكنه من جهة أخرى، الجواب الأقل إنسانية أيضا، لأن العقل يزاح لصالح الوحي والإيمان.
هذا الأمر جعل لوك فيري يقول، إن مسألة الخلاص ليست حكرا على الدين. وبالنسبة له، يمكن تقديم جواب كحل لذلك السؤال الخالد: ما الحياة الطيبة لبشر فانين؟ بالارتكان فقط على المؤهلات الخاصة بالإنسان، فيعاد له عقله وحريته.
هذا الموقف الجذري الذي ينافس الدين في آخر معقل له، وهو الخلاص، جعل المفكر المغربي طه عبد الرحمن، يناقشه في كتابه «بؤس الدهرانية»، حيث خصص حيزا منه لنقد فكر لوك فيري الذي يريد جعل الإنسان إلها.



«روائع الأوركسترا السعودية»... حوار بين الربابة وبوتشيلّي تحت قمر روما

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)
جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)
TT

«روائع الأوركسترا السعودية»... حوار بين الربابة وبوتشيلّي تحت قمر روما

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)
جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

كانت ليلة لم يسبق أن شهدت مثلها المدينة الخالدة، تمازج تحت قمرها شجن الربابة مع نقاء البيانو، وذابت في نسائمها حشرجة الناي العميقة بين جداول الكمان الماسية، فانتشت روما بعذوبة تثاقف موسيقي فريد تآخت فيه الأوركسترا والكورال الوطني السعودي مع أوركسترا «فونتاني دي روما» أو نوافير روما، بقيادة المايسترو الإيطالي العالمي مارتشيلو روتا. وتوّجه النجم الإيطالي الذائع الصيت آندريا بوتشيلّي بنخبة من الأغاني التي أطلقت شهرته في أصقاع المعمورة كواحد من أجمل الأصوات وأقواها.

استضافت روما، في قلب وسطها التاريخي، حفل «روائع الأوركسترا السعودية» الذي أقيم داخل حديقة الكولوسيوم، أشهر المعالم الأثرية في العالم حسب تصنيف اليونسكو، برعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود، وزير الثقافة السعودي رئيس مجلس إدارة هيئة الموسيقى.

أندريا بوتشيلّي خلال الحفل (هيئة الموسيقى)

جمع الحفل 32 موسيقياً من الأوركسترا والكورال الوطني السعودي، إلى جانب 30 موسيقياً من الأوركسترا الإيطالية، وتضمّن مجموعة مختارة من الأعمال السعودية والإيطالية والعالمية. كما استعرض أشهر الفنون الادائية السعودية مثل عرضة وادي الدواسر، وفن الخطوة، والفن الينبعاوي، تحت عباءة هيئة المسرح والفنون الادائية ضمن مسعاها لإبراز تنوع الفنون الادائية التقليدية السعودية.

وتخللت الحفل مقطوعة موسيقية بعنوان «الحجر وروما» مع كلمات المؤرخ والباحث الدكتور سليمان الذيب، وهي تعكس عمق الروابط الثقافية بين السعودية وإيطاليا، وتستلهم إرث الحضارتين في تجربة فنية تجسّد امتداد الحوار الثقافي عبر الزمن، وتؤكد دور الموسيقى لمدّ جسور التواصل بين الشعوب والحضارات، انطلاقاً من العلاقات القائمة على الشراكة والاستقرار والتقدير الثقافي المتبادل

ويندرج هذا الحفل في سياق جهود «روائع الأوركسترا السعودية» لتعزيز الحضور الثقافي للمملكة عالمياً، وتمكين الفنانين السعوديين من التفاعل مع جمهور عالمي، والاحتفاء بالهوية الموسيقية السعودية وإبرازها.

وعلى هامش الحفل، أجرت «الشرق الأوسط» حواراً مشتركاً مع المايسترو مارتشيلّو روتا والرئيس التنفيذي لهيئة الموسيقى باولو باسيفيكو، أكّد فيه الأول أن «هذا اللقاء هو تحوّل غير مسبوق» بالنسبة إليه في فضاء التعاون الموسيقي الدولي، وهو «حوار تفاعل بين ثقافتين، بعيدتين جغرافياً لكن تقربهما أواصر تاريخية وحضارية».

وأضاف روتا: «نحن لا نقدم مقطوعات موسيقية منفصلة كما يحصل عادة عندما يتشارك في الأداء موسيقيون من بلدان مختلفة، بل نبني رحلة موسيقية متواصلة وتدرجية تنطلق من التنوع الذي هو جوهر الإبداع ومحفزّ أساسي له... وعندما نلاحظ كيف تتداخل الآلات الشرقية إلى جانب العناصر التراثية السعودية مع الآلات الغربية وعناصر التراث الموسيقي الإيطالي، تنفتح آفاق جديدة غير مألوفة».

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

هذا المزيج بين المقطوعات السعودية وموسيقى فردي وبوتشيني وروسّيني، يولّد «منتوجاً موسيقياً فريداً من نوعه»، بحسب وصف روتا.

وعن مشاركة آندريا بوتشيلّي في الحفل، قال روتا إن علاقته بهذا النجم الإيطالي العالمي تعود إلى نيّف وثلاثين عاماً، جابا خلالها القارات الخمس، وكان سبق لبوتشيلّي أن أحيا حفلاً غنائياً في العلا.

وأشاد روتا باحتراف الموسيقيين السعوديين ومستوى انضباطهم، وقال إن الموسيقيين الإيطاليين يشعرون بفضول كبير لاكتشاف الموسيقى السعودية والتمازج معها.

اختتام الجولة الـ11 من «روائع الأوركسترا السعودية» في العاصمة الإيطالية وسط حضور ثقافي وفني (هيئة الموسيقى)

الرئيس التنفيذي لهيئة الموسيقى السعودية باولو باسيفيكو قال إن «الهيئة ماضية في مساعيها لحمل الأوركسترا إلى عواصم ثقافية مختلفة، والتواصل مع موسيقيي البلدان الأخرى وتراثها، وايصال الموسيقى والثقافة السعودية للمرة الأولى إلى تلك البلدان».

وأضاف: «تهدف هذه المساعي إلى أن يتمتع جمهورنا السعودي بالثقافة الموسيقية السعودية وتمازجها مع أرفع الثقافات الموسيقية في العالم. ونحن نفتخر بأن الموسيقى والثقافة السعودية تجلس حول نفس المائدة مع أبرز الثقافات الموسيقية».

الحفل استعرض عدداً من الفنون الأدائية السعودية التقليدية لإبراز التنوع الثقافي والفني للمملكة وتعريف الجمهور العالمي بالموروث الأدائي السعودي (هيئة الموسيقى)

وقال باسيفيكو لـ«الشرق الأوسط»: «الموسيقى تزخر بقوة هائلة للجمع بين اللغات والثقافات والحضارات، وفي كل حفل نجد شيئاً فريداً وجميلاً ينبع من هذا التمازج بين الموسيقى السعودية والموسيقى المحلية في البلدان التي نزورها. في أستراليا الربابة إلى جانب آلات الشعوب الأصلية القديمة، وفي نيويورك الناي بجانب الساكسفون. في كل محطة نلمس كيف أن الموسيقى تجمع وتوحّد بين الشعوب، وتفتح أبواب الابداع على مصاريعها».

وأضاف أن «المجتمع السعودي، بعائلاته وشبابه وطلابه، يتجاوب بقوة وبشكل رائع مع الأنشطة الموسيقية، ويعتزّ بتراثه ويهتمّ بالتعرّف عليه».

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لهيئة المسرح والفنون الأدائية الدكتور محمد حسن علوان، أن المشاركة جسدت امتزاجاً بين عراقة المسرح الروماني بوصفه رمزاً حضارياً عالمياً، والفنون الأدائية التقليدية السعودية بوصفها جزءاً من الهوية الوطنية، مشيراً إلى أن العرض قدم الثقافة السعودية بطابع فني يبرز حضورها الدولي ويعزز التواصل الثقافي بين الشعوب.


أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية

أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية
TT

أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية

أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية

يفتتح مركز كامدن للفنون بلندن المعرض الاستعادي للفنان الغياني دونالد لوك بثلاث لوحات رُسمت بالأسود وحده. تلك بداية صادمة، حيث تميزت اللوحات بطابعها الانتهاكي لقواعد التودد للمُشاهد الباحث عن المتعة البصرية؛ ما يجعل النظر إليها مثيراً لقلق استفهامي، سيكون مفيداً على مستوى التعامل مع عالم ذلك الفنان واجتهاده في ربط التجريد بقضية إنسانية ذات صبغة سياسية. في أحد تلك الأعمال استعمل صفوفاً من المسامير الحادة تبرز من السطح كما استعمل في لوحة أخرى شبكاً معدنياً من ذلك الذي يُستعمل في السجون. تلك اللوحات الغامضة بموادها المختلفة التي يعود زمن إنتاجها إلى سبعينات القرن العشرين. وعلى رغم لجوء فنانها إلى لغة التجريد الهندسي، فإنها تخرج التجريد من عالم متعته الجمالية لتزج به في مهمة تمثيل تضاريس مزارع قصب السكر في غيانا (تقع على الكاريبي شمال قارة أميركا الجنوبية) التي أنشأها المستعمرون الهولنديون في القرن السادس عشر ثم سيطر عليها البريطانيون لاحقاً.

لم يصور الفنان البريطاني من أصل غياني، دونالد لوك (1930 -2010) تلك المزارع رغبة منه في أن يحاكي أشكالها المرئية من فوق إلا لأنه كان يسعى إلى التذكير بزمن العبودية والعمل بالسخرة. وهنا بالضبط تكمن أهمية فن لوك بوصفه محاولة للمزج بين الاهتمامات الشكلية التي تتطلبها صناعة لوحة حديثة والمضامين التي ينطوي عليها التاريخ المظلم للعبودية والاستعمار. تكمن فضيلة هذا المعرض الشامل في إخلاصه لرؤية الفنان التي لا يمكن فك ارتباطها بقضية إنسانية سعى مثقفو الاستعمار الثقافي إلى تحويلها مسألة اختلاف في الثقافات من خلال تأطيرها بأبعاد فلكلورية. لقد عمل الفنان عبر تجربته الممتدة من منتصف الستينات إلى أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين على التخلص من عبء تلك الأوهام المترفة وتسليط الضوء على مأساة شعب، عانى من التهجير من ثقافته و لغته و تاريخه.

الثقافة السوداء في قلب الحداثة

يجمع المعرض بين الخزف والرسم والنحت. كان مناسباً للوك أن يكون كما شعبه خزَّافاً ورساماً ونحاتاً. وإذا ما كان المعرض الذي يضم 80 عملاً فنياً يكشف عن أن الفنان الغياني قد لعب دوراً محورياً في فن النحت البريطاني في فترة ما بعد الحرب الثانية، فإنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على تجربة طوَّر فنانها أدواته التجريبية ليصل بها إلى مستوى من البراعة الشكلية، لم يكن في الإمكان فصلها عن الموقف الإنساني الذي اتخذه الفنان في مواجهة مشكلات الهوية والقهر، وهي المشكلات التي واجهها شعبه.

يستعرض معرض «أشكال مقاومة» المراحل الفنية التي تطوَّر من خلالها عالم لوك في مختلف مسيرته الفنية متنقلاً بين منازله في غيانا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، متأثراً بالأشخاص والأماكن التي عاش فيها خلال رحلته. فالمعرض يبدأ بأعماله الخزفية المبكرة التي تستحضر أشكالاً بشرية وطبيعية ويتتبع انتقال الفنان إلى فن النحت متعدد الوسائط واللوحات السوداء أحادية اللون من سلسلة «المزارع» في سبعينات القرن الماضي. كما يعرض لوحاته الضخمة من تسعينات القرن الماضي والتي واصلت ممارسة عملية التجميع التي اتبعها لوك من خلال دمج صور جاهزة ومواد خزفية ومعدنية وخشبية. ويقدم القسم الأخير من المعرض مجموعة مختارة من الأعمال التجريبية التي أنجزها لوك خلال السنوات الأخيرة من حياته في أتلانتا، هناك حيث مزج بين الذاكرة والأساطير، متأثراً بشدة بالمشهد الفني النابض بالحياة وتقاليد التجميع في جنوب الولايات المتحدة. وبهذا يكون العرض مخلصاً لغايته في تسليط الضوء على «المساهمات الفريدة والمتنوعة للثقافة السوداء في الحداثة».

الكاريبي بمفردات جماله الحية

في ستينات القرن الماضي برز دونالد لوك خزَّافاً تكشف أوانيه عن قدرة هائلة على التعبير بحرية من خلال أشكال حيوية ابتكرها لتكون عنواناً لتحرره من القيود الصارمة التي كانت تضع فن الخزف ببريطانيا في إطار صناعة ذات هوية فنية محددة. بدا واضحاً أن ذلك الفنان القادم إلى بريطانيا من ثقافة أخرى كان قادراً على أن يمارس الفن بحرية من غير أن يخضع للتقاليد التي يخضع لقوانيها الآخرون تلقائياً. يقول: «كنت أعمل من غير أن ألتزم بالقيود القديمة التي لا تزال تُعيق الإبداع في الكثير من ورش العمل في بريطانيا». ذلك ما جسدته أعماله الطينية التي احتفى من خلالها بالجسد البشري والأشكال العضوية. بعد تلك التجربة التي كشف من خلالها عن اختلافه الصادر عن اختلاف مرجعياته البصرية انتقل إلى المرحلة الأهم في مسيرته الفنية، وهي المرحلة التي تمثلها سلسلة المزارع. في تلك الأعمال التي أنتجها الفنان بغزارة في سبعينات القرن الماضي نجحت تقنية دمج الخزف بالمعدن والخشب والعشب والسجاد والفراء والطلاء والورنيش في معالجة موضوعات الاستعباد في غيانا خلال الحقبة الاستعمارية بشكل مباشر. في تلك الأعمال أرسى الفنان بأسلوب متمرد ملامح هويته الفنية الشخصية المتحررة من قيود الجغرافيا وفي الوقت نفسه من تقاليد المدرسة البريطانية.

لا يمكن النظر إلى تجربة دونالد لوك إلا من خلال مقاربات تتعلق بالوضع الإنساني الذي يعيشه فنانو الشتات. ففكرة مساهمة الثقافة السوداء في الحداثة الفنية تظل واحدة من أهم الأفكار التي لا يمكن تجاهلها في عصر ما بعد الاستعمار. تلك رؤية متعددة الطبقات ومعقدة من جهة اكتظاظها بأزمات يكمن أساسها في الصراع بين ما هو إرث شخصي وذلك الإرث الاستعماري الذي صار جزءاً من تاريخ غيانا وسواها. كان لوك نموذجاً لفنان برع في تأثيث شتاته بمفردات كاريبية حية.

وهب بلاده حياة متخيلةبعد حصوله على منحة متحف غوغنهايم التي هيأت له فرصة الانتقال للولايات المتحدة عام 1979، حيث أقام أولاً في فينيكس ومن ثم أريزونا لينتقل عام 1990 إلى أتلانتا، جورجيا حتى وفاته انغمس لوك في التفكير بالماضي بطريقة مزدوجة. ماضي تجربته الفنية؛ إذ عاد إلى الخزف متعدد الوسائط وماضي الإرث الفني الغياني؛ إذ عاد إلى استلهام مفردات الفلكلور المحلي في رسوماته بالفحم واللجوء إلى التجسيد في زخرفة الأواني الخزفية. كان عقد التسعينات الحيز الذي شهد ذروة تعبير لوك عن رغبته في التحرر من قواعد الفن الغربي فكانت معارضه تجمع بين جوانب من الفن الشعبي الأميركي - الأفريقي والأساطير الكاريبية. لقد أنتج حينها أعمالاً فنية مزج من خلالها منحوتاتٍ مرتجلة وأشياء وتمائم مصنوعة من مواد مُستعملة وخشب مُهمل وخصلات شعر بشري.

ربما شكَّل ذلك التداخل ما بين التعلق المدهش بالبنى الفنية الكاريبية ذات المنحى السحري وبين الانتماء للحداثة الفنية بكل أساليبها وصولاً إلى التجريد مصدراً لغموض، سيكون بمثابة امتياز شخصي. من ذلك لوحاته التي هي عبارة عن مساحات شاسعة من الطلاء الأسود رُسمت بضربات فرشاة عشوائية وعفوية كانت مغطاة بخليط مربك من الأشياء والصور الفوتوغرافية. تتداخل قطع الخشب والمعدن والغراء مع صور فوتوغرافية ونسخ مصورة لجنود المرحلة الاستعمارية والعائلة المالكة البريطانية والأسلحة إضافة إلى منحوتاته التي مثلت فرصته لاستعراض اللحظات المأساوية التي عاشتها بلاده منذ القرن التاسع عشر.

غير أن ذلك ليس كل شيء في مسيرة فنان مهم مثل دونالد لوك الذي نجح في أن يكون فناناً حديثاً، لكن بشروطه؛ ما وهبه القدرة على أن يضم إلى آليات عمل الحداثة تعليقاته على العنف الذي شكَّل محور ذاكرته. لقد وهب لوك الحداثة الفنية من خلال استلهامه لتراث بلاده حياة لم تكن متوقعة.


حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب
TT

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

في مجموعتها القصصية «متحف الأخطاء» الصادرة أخيراً عن «دار الشروق» بالقاهرة، تنظر الكاتبة المصرية منصورة عز الدين إلى السرد عبر عدسةٍ مراوغة، ليتشكّل من خلال تخوم اللغة، ويختبر حدود المكان وموقع الإنسان داخله، فالشخصيات تتحرّك داخل مساحات من سعادة متوتّرة، تقتطع من العالم أزمنةً تتلكّأ في مغادرتها، أو تُوسّعها عبر الخيال، تحت وطأة سؤالٍ خفي؛ هل نسير إلى الأمام أم إلى الخلف؟

مفهوم «الخطأ» الذي يؤرّق بطلة القصة الأولى، يتسرّب صداه عبر قصص المجموعة بوصفه خيطاً ناظماً، حيث يُعاد تعريفه والالتفاف حوله، من خلال أبطالٍ مُنسحبين، ينظرون إلى وجودهم في العالم بوصفهم «ذنباً» يستوجب الاعتذار، فيعتري بطلة قصة «متحف الأخطاء» تطرّفٌ حاد في استجابتها للمحيطين بها: «عاشت لبنى كأنها تعتذر للعالم عن وجودها فيه»، فيبدو إيقاع حياتها مشدوداً إلى الحذر والانسحاب، ومحاولات دائمة للتغلّب على «دبيب الذنب»، ولا يلبث هذا الإيقاع أن يتكرّر بوجهٍ آخر لدى بطلة قصة «هذا كل ما في الأمر»، التي يغمرها شعور خفي بأنها مدينة للآخرين بشيءٍ لا تعرفه.

أبعد من إِرم

تتبدى نصوص المجموعة بوصفها قصصاً مُنفصلة، في حين تطرح الكاتبة «ثلاثية» قصصية تُقرأ كمُتتالية قصصية متصلة، عبر «رفقة ظلي»، و«أبعد للمشتاق من إرم»، و«تفاح نورماندي»، التي تتوزّع فيها الحكاية بين ثلاث شخصيات يتقاطع مسارهم داخل زاوية قدرية مشتركة، وفي لعبةٍ فنية تُبنى على تناوب الضوء والظل على ملامح أبطالها، تتشكل الحكاية عبر كشف وإضمار، لترسم عالماً مشدوداً إلى الأسى، على هيئة مثلثٍ مغلق: الزوج، والزوجة، والحبيبة.

يبدو تعقيد هذه العوالم، في ظاهره، نابعاً من تباعد المكان السردي الذي يجمع الشخصيات الثلاث، حيث يتفرّقون بين بلدانٍ متباعدة، غير أن هذا التباعد الجغرافي، وفروق التوقيت، لا يلبثان أن ينزاحا لصالح غربةٍ داخلية أعمق، يعيشها كلّ منهم على حِدة، فتغدو محاولات التواصل بينهم مدفوعةً بالاشتياق والغيرة، والحيرة معاً.

ففي «تفاح نورماندي» تنشغل الزوجة الفرنسية بتتبّع فتور علاقتها الزوجية، وتبدأ في البحث عن شواهِد عبر تفاصيل يومية؛ هاتفٌ مغلق، وآخر صامت، وإفراطٌ في استخدام زوجها لتعبيرات «الإيموجي» في تعليقات موجّهة إلى امرأة بعينها عبر مواقع التواصل، على غير عادته. تتحوّل هذه التفاصيل، بالنسبة لها، شواهد على علاقة تتشكّل في الخفاء، يتبعها تتبعٌ مستمر لتحديثات الصور على «إنستغرام» على كل من حِساب زوجها وحِساب الفتاة التي تُراودها الظنون بشأنها، حيث تغدو المقارنة بين تلك التحديثات أداةً لقراءة تطوّر علاقتهما المُفترضة.

من هنا تنزلق البطلة إلى «التلصّص» لاستكمال أحجية انجذاب زوجها إلى أخرى، في لعبةٍ سردية تستثمر فيها منصورة عز الدين توتّر الحب الذي يُضاعفه الفضاء الإلكتروني، في مقابل واقعٍ يتآكل بصمت، حيث لا تعود «الافتراضية» نقيضاً له، بل امتداداً ملتبساً يعيد تشكيل حدوده.

وفي موازاة ذلك، يقترب السرد من الزوج السوداني «إدريس»، بطل قصة «أبعد للمشتاق من إرم»، الذي لم يكن سفره إلى آيوا سيتي سوى تكريس لمسافاتٍ عاطفية طويلة تفصله عن زوجته المقيمة في فرنسا. تُزعجه اتصالاتها، في وقتٍ يحنّ فيه إلى مَرابع قريته القديمة في السودان، ويلازمه طيف امرأةٍ أخرى، تتبّع الزوجة حضورها بحدسها عبر ما تلتقطه من إشاراتٍ «خوارزمية» على مواقع التواصل.على هذا النحو، تبدو القصص الثلاث وكأنها انعكاساتٍ لعلاقة تتآكل، وأخرى مُحاصَرة داخل طيفٍ من نُحب.

ورغم تعدّد واتساع الأماكن التي تدور فيها قصص المجموعة، فإن الكاتبة تضع أبطالها داخل مساحاتٍ أضيق، سواء عبر الحنين أو المراجعة الذاتية، حيث ينسحبون من دوائر الصخب إلى عزلاتٍ صغيرة؛ السير في حديقة، أو الوقوف في ظلّ شجرة، حيث «الجمال واضح لمن يرغب في رؤيته»، وهي عبارةٌ تنسحب على الشجن والرحيل، كما في قصة «نجمة الصباح»، حيث تصنع البطلة عالماً موازياً على الورق، تبتكر فيه بطلةً مُتخيلة، قبل أن تتداخل معها تدريجياً في حياةٍ رحيبة لا تُغادر خطواتها طاولة المقهى الذي تجلس فيه، حيث «الأحلام تعبر الجسر قبل أصحابها».

حمولة اللغة

في مستوى آخر، تبدو اللغة في المجموعة ساحة أخرى للاشتباك، والمناورة والتوتّر، بحمولتها الثقافية والعاطفية، فبطلة «هذا كل ما في الأمر»: تستدعي رد فعلها الانفعالي تجاه صديقتها الفرنسية فتقول: «رددت بالعربية بعبارات مقتطعة، ثم حين استعادت أنفاسي بعض انتظامها، أخبرتها بالإنجليزية أنها أفزعتني، وأنني كنت فقط أتأمل النهر، فردّت عليّ بفرنسيتها المتعالية»، ليبدو اللجوء إلى اللغة الأم فعلاً عفوياً منحازاً للذات والحزن، فتلوذ البطلة بلغتها العربية وهي تستعيد «نوازلها وأحزانها» القديمة في دفقة شعورية متصلة، تعجز صديقتها عن التقاط معناها بلغتها الفرنسية، مكتفية بالتعاطف والمؤازرة، في حين يلوذ بطل قصة «ثوب العالم» بلغة الصمت: «أنتظر أن يأتي من يتحدث بلغتي؛ كي أطلعه على سر من أسراري».

ورغم هيمنة الزمن المعاصر على قصص المجموعة، تشد الكاتبة خيطها الناظم القائم على تمثيلات «الأطياف» ومراياها، إلى فضاءٍ برزخي يتجاوز حدود الزمان والمكان، مستعيدةً التراث وعالم الليالي في قصة «سرحة الغزلان»، لا من مركز «شهرزاد»، بل من موقعها بوصفها طيفاً تستدعيه زوجة «شهريار»، التي أُلصق بها ذنب الخيانة عبر التاريخ.

من هذا الموضع السردي المغاير، تُستعاد الحكاية من طرفها المهمَّش، فتُزاح السردية المكرَّسة إلى موضع الشك، في لعبةٍ فنية تُعيد توجيه الحكاية لتقويض مركزها، فيصدر السرد هنا عن صوت «جُلبهار»، الزوجة التي تستيقظ في برزخها عقب غدر شهريار بها وقتلها، لتعيد تأويل الحكاية من جديد.

 في هذا الانزياح، لا تعود صورة «الملك السعيد» بوصفه الملك المأزوم الذي تُبرَّر جرائمه بوصفها ردّ فعل على خيانة زوجته، بل يُعاد النظر إليها بوصفها سردية كرّست العنف وبرّرته. ومن ثم، يتقدّم صوت «جُلبهار» بحمولة «ما ورائية»، مخاطباً «شهرزاد» بصوتٍ يُخلخل منطق الحكاية والنجاة بها، مُتسائلاً: «أَمِن المجدي هدهدة السفّاح بالحكايات؟».