سيف المرّي: الشعراء يتكلمون مع بشر لم يولدوا بعد

الشاعر والكاتب ورئيس تحرير دار «الصدى للصحافة والنشر» : العربية لغة اكتملت منذ زمن

سيف المري
سيف المري
TT

سيف المرّي: الشعراء يتكلمون مع بشر لم يولدوا بعد

سيف المري
سيف المري

بين مجموعته «الأغاريد» و«العناقيد» في طبعتها الرابعة 2010، ومجموعتيه القصصيتين «رماد مشتعل» 2006، و«بيت العنكبوت» قصص قصيرة جدًا 2010، وكتاب مقالات «أجراس الحروف» 2013، يسعى الشاعر والكاتب الإماراتي سيف بن محمد المرّي إلى تكوين عالمه الأدبي الخاص في الاختزال والتكثيف والتأمل. فهو مُقِلّ، لكن ما نشره يُفسّر الاهتمام الدقيق بما يكتب.
يقول في تصدير مجموعته القصصية «بيت العنكبوت»: «آثرت أن أتخذ في كتابة مادتها أسلوبًا أحسبه جديدًا، مع حرصي على انتقاء المفردات بعنايةٍ، بحيث لا تشوبُ نسبَها العربي شائبةٌ، ولا تُداخلها عُجمة، ثم جعلتها، أي القصص، غاية في القِصَر، لأننا نعيش زمنًا لا يحب أهله السرد والإطالة، بل هم مولعون بالإيجاز».
سيف بن محمد المرّي يرأس تحرير «دار الصدى للصحافة والنشر»، التي تُصدرُ عددا من المجلات المتخصصة، ومنها «الصدى» الاجتماعية الأسبوعية الموجهة للأسرة العربية، أما الإصدارات الشهرية فهي مجلة «دبي الثقافية»، ومجلة «جواهر» المعنية بالشعر والأدب الشعبي، ومجلة «بنت الخليج، وكذلك مجلتا «شباب عشرين» و«شهرزاد».
هنا حوار عن تجربة المرّي الأدبية والصحافية، وتنقلاته بين كتابة القصة والشعر والمقالة:
* من خلال مسيرتك الأدبية، تجمع بين كتابة الشعر والقصة القصيرة والمقالة، كيف يمكن التوفيق بين كل هذه الأجناس الأدبية؟
- لو رجعنا إلى أصل الكون لوجدناه قد بدأ بكلمة من حرفين، ولو دخلنا إلى عوالم الروحانيات، فالله خلق الكون بكلمة «كن» ذات الحرفين، والتي نشأ منها الوجود؛ إذن الوجود ناشئ عن كلمة.. والكلمة شيء عظيم. كلمة «كن» أصل الوجود مكوّن لكل شيء بعده. ومن يستخف بالكلمة إنما يستخف بالوجود. في أعرافنا العربية وتقاليدنا الرجل تربطه كلمة، لأن الذي لا تربطه الكلمة لا تربطه المواثيق، ويستطيع أن يتحايل على الورق وما بين السطور. الكلمة أصل كل الأشياء. الأدب أو الشعر أو القصة عبارة عن نسيج من الكلمات، وهذا النسيج مرتبط بمستوى ومهارة النسّاج، ومن هنا يأتي الإبداع. إذا كانت لغة النسّاج ثرية فإن هذا النسيج يكون من الحرير، أغلى ما في النسيج، وإذا نزل في مستواه أصبح صوفًا.
* الكتابة إذن صنعة لا بد من إتقانها، وأداتها اللغة.. هل اللغة هي التي تباين بين الأدباء؟
- بالتأكيد، كلما تمكن الكاتب من هذه الصناعة أثرى الإبداع واللغة، والثراء يأتي من هنا. وفي هذه النقطة تذوب الفواصل بين الشعر والقصة والمقالة والرواية، تعقيبًا على سؤالك، لأن الإبداع في حقيقته يكمن في الكلمات، ولكن تبقى الفكرة في كيفية النسج على المنوال. مهما كان الموقف من الجناس الأدبية، تبقى الفكرة هي كل شيء، ولغة الشاعر أو الكاتب هي الأساسية. وفي أدبنا العربي القصص الشعري موجود منذ زمن قديم. في ظني أن كتابة الشعر هي الأصعب، لأنه يعتمد على التكثيف والاختزال والرمز.
* هل يمكن القول إن اللغة العربية متميزة بطاقاتها الشعرية وقدرتها على احتواء الإبداع بكل أشكاله؟
- العربية لغة اكتملت منذ فترة طويلة، وما طرأ عليها من استحداثات جعلها لغة كاملة. ولو رجعنا إلى العهد الإسلامي نجد أن اللغة العربية اكتملت فيه، ولو لم تكتمل اللغة لما نزل القرآن. لماذا؟ لأنه كتاب سماوي. لا يمكن أن يكون الكتاب المنزل ناقصًا، فهي بالتالي اكتملت منذ فترة طويلة، وازدادت مع مرور الزمن، مع زيادة الاصطلاحات العصرية، وأثبتت أنها قادرة على التكيّف مع العصر. وميزة اللغة العربية أن الاستعانة بالقاموس قليلا يمكن أن تفهم نصًا كُتبَ منذ ثلاثة آلاف سنة، فالقارئ الإنجليزي لا يستطيع أن يتعرّف إلى نص شكسبيري كُتِبَ باللغة الإنجليزية القديمة. وهذا يفسّر أن اللغة العربية قادرة على الحياة أكثر من اللغات الأخرى. أما سؤالك عن ميلي إلى التراث واللغة التراثية، فذلك لأنني استمررت أنهل من المنجم القديم، من فضته وذهبه لأنك كما تعلم تتعرض اللغة العربية إلى هجمة شرسة.
* ثمة ميل إلى الاختزال أو ما يمكن أن نطلق عليه اللغة البرقية خاصة في قصصك القصيرة جدا.. هل من أسباب؟
- أعتقد أن الجملة الجامعة والمانعة والقصيرة قادرة على التعبير وتوصيل المعنى، خاصة ونحن نعيش زمن الملخصات والإيجازات. الصحافي، على سبيل المثال، لا يستطيع أن يكتب القصة الخبرية كما كنت تكتبها قبل عشر سنوات؛ لأن القارئ الحالي ليس كالقارئ أيام زمان.
* هل تؤمن بما يقول عن مفهوم النص المفتوح الذي تتلاشى فيه حدود الأجناس الأدبية؟
- هذا ما حصل في الأدب العالمي، ولكن عندنا لا تزال الحدود موجودة بين الأجناس الأدبية المختلفة من شعر وقصة ورواية ومقالة. القصة على سبيل المثال تتحمّل اللغة الحوارية الشعرية. وسقوط تفاحة أمام نيوتن مثلا تفصيل صغير، حيث تسقط آلاف التفاحات يوميًا. لكن العين التي التقطت هذا التفصيل وبنت عليها نظرية كاملة في قوانين الفيزياء هي الأهم. وكما يُقال فإن الشيطان يكمن في التفاصيل. إنه شيطان الفكرة، ومن دون هذه التفاصيل لا يمكن أن نكتب أدبًا. والمعروف أن شرارة القصة أكبر من شرارة الشعر. القاص كالرسام. الأفكار موجودة لكن الإبداع هو كيف تصنع منها قصة فنية، وهي تنطلق من الواقع الموضوعي حتى لو كانت لها جذور افتراضية.
* في مجموعتك «رماد مشتعل» تستوحي من الواقع الافتراضي.. هل يمكن توضيح ذلك.. هل تقصد الواقع الافتراضي حقًا؟
- نحن نعيش في زمن الواقع الافتراضي شئنا أم أبينا. وفي الحقيقة، كل قصة تعبّر عن الواقع الافتراضي، لكنها من الممكن أن تقع أو تحدث. لقد عاشها البشر، والتاريخ يُعيد الأحداث الإنسانية ذاتها. هذه هي صيرورة الكتابة. والجميل في الإبداع أن القارئ وإن علم أن القصة من نسج الخيال فإنه يتفاعل معها، وهو يعبّر عن مواقفه إزاء هذه الأحداث الافتراضية، والخيال هو الجزء الأكبر من حياتنا.
* هل تعتقد أن الكاتب العربي تفاعل بما فيه الكفاية مع مشكلات مجتمعه؟
- لا أعتقد ذلك. إن ما يحدث في العالم العربي لا نجد تداعياته في الأعمال الإبداعية، ربما لأن تفاعل الكاتب مع محيطه ضعيف أو أن الكاتب ينتظر حتى تختمر الفكرة وبعد ذلك يصوغها أدبيًا. المثقف في واد والأحداث في واد؛ لأن الغوغائيين هم الذين يتصدرون الأحداث. الثورات التي ادعّت أنها ثورات دمرّت كل شيء، بينما الإنسان العربي ثار من أجل واقع أفضل. لا توجد ثورة تدمّر البلدان. الثورات التي حصلت في العالم مثل الثورة الفرنسية صاحبها قمع وقتل واضطهاد، إلا أن السلام الاجتماعي أعقب ذلك ولا يزال قائمًا حتى الآن.
* هل استطاعت القصة الإماراتية أن تقطع أشواطًا كبيرة في نظرك؟
- لست ناقدًا لتقييم ذلك، لكنها بلا شك وصلت إلى مراحل متقدمة. ويرتبط ذلك بتطور التعليم وتقدمه في الإمارات، وهو منجز كبير في هذا الميدان. وقد سبقنا إلى ذلك في كل من مصر والعراق والشام بقرون، لأن هذه المناطق كانت في الأصل مهدًا للحضارة العربية، بينما كنا نحن نعيش في اقتصاد بدائي قائم على الصيد البحري. وكان واقعنا الاقتصادي مزريًا، لكن مع الاتحاد تغيّر كل شيء، خاصة التعليم الذي أشرت إليه قبل قليل. ولو نعود إلى بدايات نهضتنا في أواخر الستينات وأوائل السبعينات فهو يُعد بالدقائق في حياة الشعوب. وما أنجز من مستوى حضاري يعتبر طفرة نقلت المجتمع الإماراتي إلى مرحلة متقدمة، ولو أن الطفرات ترافقها بعض الجوانب السلبية؛ ومن الطبيعي أن يرافق الإبداع الأدبي الإماراتي هذه التحولات.
* هل جرّبت كتابة الرواية؟
- أعتقد أن كتابة الرواية مثل وقوع حادث كبير، لم يهيأ الإنسان نفسه له. وحتى الآن لم يقع لي هذا الحدث. يبدو لي أن القصة القصيرة استهوتني أكثر، والمجموعة القصصية في تجانسها عبارة عن رواية. والقصة هي حادث وقع لغيرك، بينما الرواية عمل جبّار يحتاج إلى لغة وأحداث وأبطال. إنها تشبه كتابة الملحمة الشعرية، وكاتبها شاعر عملاق. أعتقد أن كتابة الرواية تأتي طوع الخاطر دون تخطيط، ويمكن للقاص أن يتحوّل إلى كتابة الرواية، عندما تفرض عليه تفاصيل لا تستوعبُها القصة القصيرة.
* أنت تكتب الشعر العمودي وشعر التفعيلة، هل هذا خيار مسبق أم أنه اعتياد السير على النهج السائد؟
- إذا كتبت البيت الأول للقصيدة على البحر العروضي فلا يمكنك أن تتخلى عنه إلى نهاية القصيدة، أما إذا دخلت إلى قصيدة التفعيلة من أول الكتابة فلا تستطيع أن تعود منها. الشعر هو جرس موسيقي متى ما عمل في أعماقك تستسلم له. وربما قصيدة التفعيلة تمنحك فكرة التحرر من هيمنة البحر الشعري إلى فضاء أوسع. لا يقرر الشاعر كيف يكتب نصه، هناك شيء غامض في الإبداع يفرض نفسه عليك. والشيء الأهم أن يقترب الشاعر من ذائقة الجمهور، لأن الشعر يمكن أن يعيش لآلاف السنين، والشعراء في قصائدهم يتكلمون مع بشر لم يولدوا بعد.
* هناك من يقول إن زمن الشعر ولّى وجاء وقت الرواية في الأدب العربي؟
- الشعر أكثر قدرة على استمرارية الحياة، ويمكن إعادة قراءة الشعر على مّر الزمن بينما الرواية تُقرأ لمرة واحدة ولا يعود لها القارئ في العادة. كل نوع بحاجة إلى موهبة ومقدرة.
* ألا تعتقد أن الشعر أكثر ذاتية من الرواية؟
- ربما. الشاعر يعبّر عن طبقته، لا يمكن أن نتوقع أن يشعر شاعر غني بواقع الفقير. على سبيل المثال، الشاعر بشار بن برد يستمع إلى المعتز بالله وهو يصف الهلال بقوله: «أنظر إليه كزورق من فضة.. قد أثقلته حوملة من عنبر».. وكأنه يصّف صحن داره لأن أمير المؤمنين كان جالسًا ومحاطًا بالذهب والفضة وحوملة من العنبر. لا يمكن أن ننتظر من الشاعر المرّفه أن يحسّ بآلام المسحوقين والمقهورين. وعندما ثارت الجماهير على الملكة ماري أنطوانيت، مطالبين بالخبز، قالت لهم: «إذا لم يكن لديكم خبز فكلوا الكيك»، لأن قصر لويس السادس عشر كان مليئًا بموائد الكيك. لا يمكن أن يحسّ رجل يده في الماء مثل رجل يده في النار. الشاعر معذور إذا لم يكتوِ بالنار.
* هل تؤمن بقصيدة النثر التي يكتبها الشباب؟
- رأيي الشخصي وهو ليس رأيًا أكاديميًا، أن الشعر من دون الجرس الموسيقى ليس شعرًا وقصيدة النثر ليست شعرًا، قد تكون ما نطلق عليها قصيدة منثورة لأن الموسيقى روح الشعر، والقصيدة من دون الموسيقى مثل نص ميت بلا روح. الشعر شعر والنثر نثر. ولا يجب الخلط بينهما. وعندما أطلقوا عليها قصيدة نثر يعني أنها من النثر، ولا يضيرها إذا كانت هكذا، فهي تعبّر عما يختلق في أعماق كاتبها.
* هل يستطيع الكاتب أن يوّفق بين عمله الوظيفي وإبداعه في نظرك؟
- إذا تحوّل الإبداع إلى وظيفة أصابه الموت لأن الشاعر حُر والموظف مُقيّد. بل هي تقضي على المبدع، وتستهلك وقته، وهو كنز الكاتب. وبالتالي لو تفرّغ الكاتب، وهذا مستحيل في عالمنا العربي، لأبدع أكثر. لذا أسعى إلى الكتابة الإبداعية في شهور الصيف، وبالتالي أتيح فرصةً أكبر للعمل الوظيفي.
* لكن شاعرًا كبيرًا مثل ت. س. إليوت كان يعمل في بنك؟
- (ضاحكًا) إنه يبدع بلا شك، لأنه يتصور أن كل أموال البنك ضمن ملكيته، لذلك العمل في البنك يجعل الإنسان مبدعًا.
* هناك ظاهرة بين الأدباء الإماراتيين هي أنهم لا يستمرون في طريق الإبداع؛ منهم من يكتب مجموعة قصصية أو رواية أو ديوانًا ويتوقف.. ما هي الأسباب في نظرك؟
- لا أستطيع أن أجيب بدلا عن هؤلاء الكتّاب والشعراء، وما أعرفه أن الكتابة حدث استثنائي في حياة الإنسان. هناك تبريرات ربما منها عدم الإيمان بالإبداع أو عدم تجاوب جمهور القراء مع إنتاج المبدع أو عدم التحمّس لهذه البيئة الطاردة.. الكتابة. يُضاف إلى ذلك أن الكاتب الإماراتي «حيّاوي» أي يبتعد عن التبجيل والتكريم. لدينا خصوصية متميزة في هذا المجال.
* ظهرت مؤخرًا دور نشر خاصة وهذا من شأنه أن يدفع الكاتب أو الشاعر الإماراتي إلى صدارة النشر، أليس كذلك؟
- هذا صحيح، ظهرت دور نشر خاصة في السنوات العشر الأخيرة. وهناك إقدام كبير من الشباب الإماراتي على الكتابة والنشر. إنني متفائل بهذا الجيل. ومن ناحية أخرى، اقتحم الشباب الإماراتي العالم الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي، أي أنه يتمّشى مع روح العصر وروح التقنية الحديثة. وأهم ما في الموضوع هو التعامل بإبداع مع هذه التقنيات وعدم التحوّل إلى عبيد لها.
* ما هي مشروعاتكَ الإبداعية المقبلة؟
- بدأت أجمع ديوانًا جديدًا سيرى النور قريبًا بعد سنوات أعقبت ديواني «الأغاريد والعناقيد» الذي صدر في 2010.



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟