سيف المرّي: الشعراء يتكلمون مع بشر لم يولدوا بعد

الشاعر والكاتب ورئيس تحرير دار «الصدى للصحافة والنشر» : العربية لغة اكتملت منذ زمن

سيف المري
سيف المري
TT

سيف المرّي: الشعراء يتكلمون مع بشر لم يولدوا بعد

سيف المري
سيف المري

بين مجموعته «الأغاريد» و«العناقيد» في طبعتها الرابعة 2010، ومجموعتيه القصصيتين «رماد مشتعل» 2006، و«بيت العنكبوت» قصص قصيرة جدًا 2010، وكتاب مقالات «أجراس الحروف» 2013، يسعى الشاعر والكاتب الإماراتي سيف بن محمد المرّي إلى تكوين عالمه الأدبي الخاص في الاختزال والتكثيف والتأمل. فهو مُقِلّ، لكن ما نشره يُفسّر الاهتمام الدقيق بما يكتب.
يقول في تصدير مجموعته القصصية «بيت العنكبوت»: «آثرت أن أتخذ في كتابة مادتها أسلوبًا أحسبه جديدًا، مع حرصي على انتقاء المفردات بعنايةٍ، بحيث لا تشوبُ نسبَها العربي شائبةٌ، ولا تُداخلها عُجمة، ثم جعلتها، أي القصص، غاية في القِصَر، لأننا نعيش زمنًا لا يحب أهله السرد والإطالة، بل هم مولعون بالإيجاز».
سيف بن محمد المرّي يرأس تحرير «دار الصدى للصحافة والنشر»، التي تُصدرُ عددا من المجلات المتخصصة، ومنها «الصدى» الاجتماعية الأسبوعية الموجهة للأسرة العربية، أما الإصدارات الشهرية فهي مجلة «دبي الثقافية»، ومجلة «جواهر» المعنية بالشعر والأدب الشعبي، ومجلة «بنت الخليج، وكذلك مجلتا «شباب عشرين» و«شهرزاد».
هنا حوار عن تجربة المرّي الأدبية والصحافية، وتنقلاته بين كتابة القصة والشعر والمقالة:
* من خلال مسيرتك الأدبية، تجمع بين كتابة الشعر والقصة القصيرة والمقالة، كيف يمكن التوفيق بين كل هذه الأجناس الأدبية؟
- لو رجعنا إلى أصل الكون لوجدناه قد بدأ بكلمة من حرفين، ولو دخلنا إلى عوالم الروحانيات، فالله خلق الكون بكلمة «كن» ذات الحرفين، والتي نشأ منها الوجود؛ إذن الوجود ناشئ عن كلمة.. والكلمة شيء عظيم. كلمة «كن» أصل الوجود مكوّن لكل شيء بعده. ومن يستخف بالكلمة إنما يستخف بالوجود. في أعرافنا العربية وتقاليدنا الرجل تربطه كلمة، لأن الذي لا تربطه الكلمة لا تربطه المواثيق، ويستطيع أن يتحايل على الورق وما بين السطور. الكلمة أصل كل الأشياء. الأدب أو الشعر أو القصة عبارة عن نسيج من الكلمات، وهذا النسيج مرتبط بمستوى ومهارة النسّاج، ومن هنا يأتي الإبداع. إذا كانت لغة النسّاج ثرية فإن هذا النسيج يكون من الحرير، أغلى ما في النسيج، وإذا نزل في مستواه أصبح صوفًا.
* الكتابة إذن صنعة لا بد من إتقانها، وأداتها اللغة.. هل اللغة هي التي تباين بين الأدباء؟
- بالتأكيد، كلما تمكن الكاتب من هذه الصناعة أثرى الإبداع واللغة، والثراء يأتي من هنا. وفي هذه النقطة تذوب الفواصل بين الشعر والقصة والمقالة والرواية، تعقيبًا على سؤالك، لأن الإبداع في حقيقته يكمن في الكلمات، ولكن تبقى الفكرة في كيفية النسج على المنوال. مهما كان الموقف من الجناس الأدبية، تبقى الفكرة هي كل شيء، ولغة الشاعر أو الكاتب هي الأساسية. وفي أدبنا العربي القصص الشعري موجود منذ زمن قديم. في ظني أن كتابة الشعر هي الأصعب، لأنه يعتمد على التكثيف والاختزال والرمز.
* هل يمكن القول إن اللغة العربية متميزة بطاقاتها الشعرية وقدرتها على احتواء الإبداع بكل أشكاله؟
- العربية لغة اكتملت منذ فترة طويلة، وما طرأ عليها من استحداثات جعلها لغة كاملة. ولو رجعنا إلى العهد الإسلامي نجد أن اللغة العربية اكتملت فيه، ولو لم تكتمل اللغة لما نزل القرآن. لماذا؟ لأنه كتاب سماوي. لا يمكن أن يكون الكتاب المنزل ناقصًا، فهي بالتالي اكتملت منذ فترة طويلة، وازدادت مع مرور الزمن، مع زيادة الاصطلاحات العصرية، وأثبتت أنها قادرة على التكيّف مع العصر. وميزة اللغة العربية أن الاستعانة بالقاموس قليلا يمكن أن تفهم نصًا كُتبَ منذ ثلاثة آلاف سنة، فالقارئ الإنجليزي لا يستطيع أن يتعرّف إلى نص شكسبيري كُتِبَ باللغة الإنجليزية القديمة. وهذا يفسّر أن اللغة العربية قادرة على الحياة أكثر من اللغات الأخرى. أما سؤالك عن ميلي إلى التراث واللغة التراثية، فذلك لأنني استمررت أنهل من المنجم القديم، من فضته وذهبه لأنك كما تعلم تتعرض اللغة العربية إلى هجمة شرسة.
* ثمة ميل إلى الاختزال أو ما يمكن أن نطلق عليه اللغة البرقية خاصة في قصصك القصيرة جدا.. هل من أسباب؟
- أعتقد أن الجملة الجامعة والمانعة والقصيرة قادرة على التعبير وتوصيل المعنى، خاصة ونحن نعيش زمن الملخصات والإيجازات. الصحافي، على سبيل المثال، لا يستطيع أن يكتب القصة الخبرية كما كنت تكتبها قبل عشر سنوات؛ لأن القارئ الحالي ليس كالقارئ أيام زمان.
* هل تؤمن بما يقول عن مفهوم النص المفتوح الذي تتلاشى فيه حدود الأجناس الأدبية؟
- هذا ما حصل في الأدب العالمي، ولكن عندنا لا تزال الحدود موجودة بين الأجناس الأدبية المختلفة من شعر وقصة ورواية ومقالة. القصة على سبيل المثال تتحمّل اللغة الحوارية الشعرية. وسقوط تفاحة أمام نيوتن مثلا تفصيل صغير، حيث تسقط آلاف التفاحات يوميًا. لكن العين التي التقطت هذا التفصيل وبنت عليها نظرية كاملة في قوانين الفيزياء هي الأهم. وكما يُقال فإن الشيطان يكمن في التفاصيل. إنه شيطان الفكرة، ومن دون هذه التفاصيل لا يمكن أن نكتب أدبًا. والمعروف أن شرارة القصة أكبر من شرارة الشعر. القاص كالرسام. الأفكار موجودة لكن الإبداع هو كيف تصنع منها قصة فنية، وهي تنطلق من الواقع الموضوعي حتى لو كانت لها جذور افتراضية.
* في مجموعتك «رماد مشتعل» تستوحي من الواقع الافتراضي.. هل يمكن توضيح ذلك.. هل تقصد الواقع الافتراضي حقًا؟
- نحن نعيش في زمن الواقع الافتراضي شئنا أم أبينا. وفي الحقيقة، كل قصة تعبّر عن الواقع الافتراضي، لكنها من الممكن أن تقع أو تحدث. لقد عاشها البشر، والتاريخ يُعيد الأحداث الإنسانية ذاتها. هذه هي صيرورة الكتابة. والجميل في الإبداع أن القارئ وإن علم أن القصة من نسج الخيال فإنه يتفاعل معها، وهو يعبّر عن مواقفه إزاء هذه الأحداث الافتراضية، والخيال هو الجزء الأكبر من حياتنا.
* هل تعتقد أن الكاتب العربي تفاعل بما فيه الكفاية مع مشكلات مجتمعه؟
- لا أعتقد ذلك. إن ما يحدث في العالم العربي لا نجد تداعياته في الأعمال الإبداعية، ربما لأن تفاعل الكاتب مع محيطه ضعيف أو أن الكاتب ينتظر حتى تختمر الفكرة وبعد ذلك يصوغها أدبيًا. المثقف في واد والأحداث في واد؛ لأن الغوغائيين هم الذين يتصدرون الأحداث. الثورات التي ادعّت أنها ثورات دمرّت كل شيء، بينما الإنسان العربي ثار من أجل واقع أفضل. لا توجد ثورة تدمّر البلدان. الثورات التي حصلت في العالم مثل الثورة الفرنسية صاحبها قمع وقتل واضطهاد، إلا أن السلام الاجتماعي أعقب ذلك ولا يزال قائمًا حتى الآن.
* هل استطاعت القصة الإماراتية أن تقطع أشواطًا كبيرة في نظرك؟
- لست ناقدًا لتقييم ذلك، لكنها بلا شك وصلت إلى مراحل متقدمة. ويرتبط ذلك بتطور التعليم وتقدمه في الإمارات، وهو منجز كبير في هذا الميدان. وقد سبقنا إلى ذلك في كل من مصر والعراق والشام بقرون، لأن هذه المناطق كانت في الأصل مهدًا للحضارة العربية، بينما كنا نحن نعيش في اقتصاد بدائي قائم على الصيد البحري. وكان واقعنا الاقتصادي مزريًا، لكن مع الاتحاد تغيّر كل شيء، خاصة التعليم الذي أشرت إليه قبل قليل. ولو نعود إلى بدايات نهضتنا في أواخر الستينات وأوائل السبعينات فهو يُعد بالدقائق في حياة الشعوب. وما أنجز من مستوى حضاري يعتبر طفرة نقلت المجتمع الإماراتي إلى مرحلة متقدمة، ولو أن الطفرات ترافقها بعض الجوانب السلبية؛ ومن الطبيعي أن يرافق الإبداع الأدبي الإماراتي هذه التحولات.
* هل جرّبت كتابة الرواية؟
- أعتقد أن كتابة الرواية مثل وقوع حادث كبير، لم يهيأ الإنسان نفسه له. وحتى الآن لم يقع لي هذا الحدث. يبدو لي أن القصة القصيرة استهوتني أكثر، والمجموعة القصصية في تجانسها عبارة عن رواية. والقصة هي حادث وقع لغيرك، بينما الرواية عمل جبّار يحتاج إلى لغة وأحداث وأبطال. إنها تشبه كتابة الملحمة الشعرية، وكاتبها شاعر عملاق. أعتقد أن كتابة الرواية تأتي طوع الخاطر دون تخطيط، ويمكن للقاص أن يتحوّل إلى كتابة الرواية، عندما تفرض عليه تفاصيل لا تستوعبُها القصة القصيرة.
* أنت تكتب الشعر العمودي وشعر التفعيلة، هل هذا خيار مسبق أم أنه اعتياد السير على النهج السائد؟
- إذا كتبت البيت الأول للقصيدة على البحر العروضي فلا يمكنك أن تتخلى عنه إلى نهاية القصيدة، أما إذا دخلت إلى قصيدة التفعيلة من أول الكتابة فلا تستطيع أن تعود منها. الشعر هو جرس موسيقي متى ما عمل في أعماقك تستسلم له. وربما قصيدة التفعيلة تمنحك فكرة التحرر من هيمنة البحر الشعري إلى فضاء أوسع. لا يقرر الشاعر كيف يكتب نصه، هناك شيء غامض في الإبداع يفرض نفسه عليك. والشيء الأهم أن يقترب الشاعر من ذائقة الجمهور، لأن الشعر يمكن أن يعيش لآلاف السنين، والشعراء في قصائدهم يتكلمون مع بشر لم يولدوا بعد.
* هناك من يقول إن زمن الشعر ولّى وجاء وقت الرواية في الأدب العربي؟
- الشعر أكثر قدرة على استمرارية الحياة، ويمكن إعادة قراءة الشعر على مّر الزمن بينما الرواية تُقرأ لمرة واحدة ولا يعود لها القارئ في العادة. كل نوع بحاجة إلى موهبة ومقدرة.
* ألا تعتقد أن الشعر أكثر ذاتية من الرواية؟
- ربما. الشاعر يعبّر عن طبقته، لا يمكن أن نتوقع أن يشعر شاعر غني بواقع الفقير. على سبيل المثال، الشاعر بشار بن برد يستمع إلى المعتز بالله وهو يصف الهلال بقوله: «أنظر إليه كزورق من فضة.. قد أثقلته حوملة من عنبر».. وكأنه يصّف صحن داره لأن أمير المؤمنين كان جالسًا ومحاطًا بالذهب والفضة وحوملة من العنبر. لا يمكن أن ننتظر من الشاعر المرّفه أن يحسّ بآلام المسحوقين والمقهورين. وعندما ثارت الجماهير على الملكة ماري أنطوانيت، مطالبين بالخبز، قالت لهم: «إذا لم يكن لديكم خبز فكلوا الكيك»، لأن قصر لويس السادس عشر كان مليئًا بموائد الكيك. لا يمكن أن يحسّ رجل يده في الماء مثل رجل يده في النار. الشاعر معذور إذا لم يكتوِ بالنار.
* هل تؤمن بقصيدة النثر التي يكتبها الشباب؟
- رأيي الشخصي وهو ليس رأيًا أكاديميًا، أن الشعر من دون الجرس الموسيقى ليس شعرًا وقصيدة النثر ليست شعرًا، قد تكون ما نطلق عليها قصيدة منثورة لأن الموسيقى روح الشعر، والقصيدة من دون الموسيقى مثل نص ميت بلا روح. الشعر شعر والنثر نثر. ولا يجب الخلط بينهما. وعندما أطلقوا عليها قصيدة نثر يعني أنها من النثر، ولا يضيرها إذا كانت هكذا، فهي تعبّر عما يختلق في أعماق كاتبها.
* هل يستطيع الكاتب أن يوّفق بين عمله الوظيفي وإبداعه في نظرك؟
- إذا تحوّل الإبداع إلى وظيفة أصابه الموت لأن الشاعر حُر والموظف مُقيّد. بل هي تقضي على المبدع، وتستهلك وقته، وهو كنز الكاتب. وبالتالي لو تفرّغ الكاتب، وهذا مستحيل في عالمنا العربي، لأبدع أكثر. لذا أسعى إلى الكتابة الإبداعية في شهور الصيف، وبالتالي أتيح فرصةً أكبر للعمل الوظيفي.
* لكن شاعرًا كبيرًا مثل ت. س. إليوت كان يعمل في بنك؟
- (ضاحكًا) إنه يبدع بلا شك، لأنه يتصور أن كل أموال البنك ضمن ملكيته، لذلك العمل في البنك يجعل الإنسان مبدعًا.
* هناك ظاهرة بين الأدباء الإماراتيين هي أنهم لا يستمرون في طريق الإبداع؛ منهم من يكتب مجموعة قصصية أو رواية أو ديوانًا ويتوقف.. ما هي الأسباب في نظرك؟
- لا أستطيع أن أجيب بدلا عن هؤلاء الكتّاب والشعراء، وما أعرفه أن الكتابة حدث استثنائي في حياة الإنسان. هناك تبريرات ربما منها عدم الإيمان بالإبداع أو عدم تجاوب جمهور القراء مع إنتاج المبدع أو عدم التحمّس لهذه البيئة الطاردة.. الكتابة. يُضاف إلى ذلك أن الكاتب الإماراتي «حيّاوي» أي يبتعد عن التبجيل والتكريم. لدينا خصوصية متميزة في هذا المجال.
* ظهرت مؤخرًا دور نشر خاصة وهذا من شأنه أن يدفع الكاتب أو الشاعر الإماراتي إلى صدارة النشر، أليس كذلك؟
- هذا صحيح، ظهرت دور نشر خاصة في السنوات العشر الأخيرة. وهناك إقدام كبير من الشباب الإماراتي على الكتابة والنشر. إنني متفائل بهذا الجيل. ومن ناحية أخرى، اقتحم الشباب الإماراتي العالم الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي، أي أنه يتمّشى مع روح العصر وروح التقنية الحديثة. وأهم ما في الموضوع هو التعامل بإبداع مع هذه التقنيات وعدم التحوّل إلى عبيد لها.
* ما هي مشروعاتكَ الإبداعية المقبلة؟
- بدأت أجمع ديوانًا جديدًا سيرى النور قريبًا بعد سنوات أعقبت ديواني «الأغاريد والعناقيد» الذي صدر في 2010.



سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود
TT

سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود

يعبّر بعض العراقيين المقيمين في بريطانيا عن غبطتهم وهم يروون حكاية نجاح ابن بلدهم تشارلز ساتشي الذي تحولت مؤسسته الفنية عبر أربعين سنة من المغامرة والجرأة سلطةً تهب فنانيها تذكرة المرور إلى عالم الفن العالمي. ولا يفوتهم التأكيد على معلومة تاريخية تفيد بأن لقب ساتشي يعود إلى مهنة والد تشارلز الذي كان ساعاتياً في بغداد. تلك حكاية لا يلتفت إليها أحد في خضم الإعجاب بنشاط جامع الأعمال الفنية الذي تغلغل في سوق الدعاية والإعلام حاملاً لواء المعارضة من خلال تبنيه للفنون المعاصرة.

منذ تأسيسه عام 1985 تبنى غاليري ساتشي فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة التي كانت بمثابة التمهيد الوسيط بين الأساليب الفنية الراسخة في حداثتها والفنون المعاصرة التي تشكل انقلاباً في طرق الرؤية والتقنيات، فضم معرضه الأول أعمالاً لدونالد جود، وسي تومبلي، وبرايس ماردن وأندي وارهول.

أُقيم المعرض الأول في الفترة من مارس (آذار) إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1985، وضمّ الكثير من أعمال الفنان الأميركي دونالد جود، أحد رواد المدرسة التقليلية والفنانين الأميركيين برايس ماردن وسي تومبلي، أحد رواد الرسم التجريدي والفنان الأميركي آندي وارهول، أحد رواد فن البوب. بعد ذلك بسنة احتضن الغاليري معرضاً لأعمال النحات الأميركي جون تشامبرلين والفنانين الأميركيين دان فلافين، وسول لويت، وروبرت رايمان، وفرانك ستيلا وكارل أندريا، وجميعهم من رواد المدرسة التقليلية. كما أقيم معرض للفنان الألماني أنسيلم كيفر، والنحات الأميركي ريتشارد سيرا الذي عُرف بأعماله النحتية الضخمة.

من خلال تلك المعارض التي جذبت الأنظار إليه نجح تشارلز ساتشي في تكريس وجوده في الحياة الفنية البريطانية؛ وهو ما أهَّله للانتقال إلى المرحلة التي تحول فيها عراباً للفنون المعاصرة من خلال تبنيه الفنانين الشباب مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل، وسارة لوكاس، وجافين تروك وراشيل وايت ريد. لا يُفهم نشاط تشارلز ساتشي إلا إذا وضعناه في سياقه الاستثماري الذي كان الترويج الدعائي للفن بصفته بضاعة جزءاً أساسياً منه.

حين يعود الرسم إلى الواجهة

اقتحم ساتشي الأسواق الفنية العالمية، لكنه فعل ذلك من خلال غزو المتاحف العالمية بمجموعته بدءاً من متحف هامبورغر بانهوف ببرلين وانتهاءً بمتحف الفن الحديث (موما) بنيويورك. يختلف الكثيرون في وصف مهمته التي تمتزج فيها الحماسة للفنون المعاصرة بالهوس التجاري إلى درجة أن البعض من النقاد كان قد عدَّه واحداً من الطغاة الذين يسعون إلى صناعة تاريخ زائف للفن، ملمحين إلى ظاهرة المنظمة السرية التي تدير سوق الفن بالخفاء متخذة من أصحاب القاعات الفنية واجهة هشة مخادعة.

كل ذلك قد يكون صحيحاً على الرغم مما يتخلله من أوهام غير أن الاحتفالية التي يقيمها غاليري ساتشي بلندن لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه تقول شيئاً مختلفاً. شيئاً لا ينفي ولا يؤكد بقدر ما يأخذنا إلى مناطق خاصة في التفكير الفني. مناطق يعود فيها على سبيل المثال الاهتمام بالرسم إلى الواجهة. وهو ما أدهشني في معرض «الآن البعيد»، وهو معرض يعيد إلى الرسم مكانته من خلال أعمال رسامين بأساليب مختلفة.

لقد دأبت منذ أكثر من عشر سنوات على زيارة غاليري ساتشي، وكنت في كل مرة أشعر بالإحباط بسبب ذائقتي الجمالية غير أن المعرض الحالي، وهو أشبه بمعرض استعادي يؤكد أن الغاليري الذي صار مؤسسة سلطوية يملك من المعرفة الفنية ما يؤهله أن يكون وسيطاً عادلاً بين مختلف التيارات الفنية، وبالأخص ما كان منها حداثوياً وما هو معاصر. لا يعني ذلك أن ما يطرحه المعرض هو أشبه بصيغة التعايش بين الأساليب بقدر ما يعني أن هناك بيئة ثقافية هي الفضاء الذي تتلاقح من خلاله تلك الأساليب، بعضها من البعض الآخر لتكتمل صورة الفن الآن، الذي هو فن المستقبل.

المزاوجة بين التجارة والثقافة

بغض النظر عن الخلافات العميقة في الآراء بين مناصري ساتشي والمعترضين على نهجه، وبالأخص فيما يتعلق بانفتاحه على الفنون المعاصرة، فإن الغاليري تخطى الحدود الضيقة التي تحصره في مهمة إقامة المعارض والترويج لأعمال فنانيه ليصبح قوة ضاربة لا في السوق الفنية المحلية فحسب، بل وفي المشهد الفني العالمي. فمَن تنفتح له أبواب «ساتشي» يكون ذهابه إلى العالمية أمراً ليس عسيراً إذا ما اجتهد وصقل موهبته بالعمل والمعرفة والتجدد. وهو ما يعني أن الصرح الكبير الذي يقع في منطقة تشيلسي الثرية بلندن ليس مجرد مجموعة من القاعات التي ينتهي عملها بعرض الرسوم والمنحوتات والصور الفوتوغرافية والأعمال التركيبية والأفلام، بل هو مؤسسة معقدة التفاصيل فيما تمارسه من تأثير خفي على الحياة الفنية تبعاً لقدرتها على فرض تيارات فنية معينة وتعزيز وجود فنانين دون سواهم والتحكم بأسعار الأعمال الفنية.

زاوج ساتشي بين التجارة والثقافة بطريقة محترفة. لم تغره التجارة بعد أن أثبت أنه مؤهل للوقوف خارج المنافسة بتفوق ملحوظ، بل اندفع في اتجاه خلق ثقافة بصرية جديدة، قوامها الانتصار للفنون المعاصرة التي تجلب عروضها سمعة غير أنها لا تجلب أرباحاً. قلب ساتشي المعادلة حين صار فنانوه يبيعون أعمالهم بأعلى الأسعار وتتسابق المتاحف العالمية على إقامة معارض لهم، كما أن هناك دولاً صارت تتسابق على اقتناء أعمالهم. لقد تحول فنانون مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل وسارة لوكاس أيقوناتٍ عالمية في المشهد الفني المعاصر. كل هذا من صنع ساتشي.

تبنَّى غاليري ساتشي منذ تأسيسه عام 1985 فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة

غاليري من غير حدود

«الآن البعيد» هو عنوان المعرض الذي يقيمه ساتشي لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه. انتقى القيَّمون على هذا المعرض أعمالاً فنية قديمة وجديدة بما يتيح التعرف على مراحل زمنية مختلفة، نجح الغاليري عبرها في تكريس سمعته عراباً لفن مغاير، بعضه يتمسك بالخيوط التي تربطه بالحداثة الفنية كما كانت في النصف الثاني من القرن العشرين، في حين يذهب البعض الآخر في نفوره من الحداثة إلى درجة القطيعة؛ وهو ما فتح الباب أمام هيمنة الفنون المعاصرة على العروض التي دأب ساتشي على إقامتها عبر العشرين سنة الماضية.

«الحاضر يذهب إلى المستقبل» من خلال تلك المقولة يظهر ساتشي ثقته من أن سلطته ونفوذه سيظلان قائمين حتى بعد غيابه، وهو هنا كمَن يقول: «سيكون المستقبل من صنعي» هل سيكون ذلك حقيقياً أم أنه مجرد وهم، تمليه القوة التي يمكن أن يتمرد عليها الفن؟

من المؤكد أن هناك دعاية مبالَغ فيها لصالح ساتشي وهو الذي يدير الجزء الأكبر منها، غير أن ما لا يمكن إنكاره أن سلطته لم تكن وهماً. إن صرحاً بحجم الغاليري إنما يستند إلى سعة في النفوذ لا على مستوى السوق الفنية وحدها، بل يتخطاها إلى عموم المشهد الفني بضمنه الجوائز الفنية الرفيعة، وفي مقدمتها جائزة «تيرنر».

عبر مسيرته لم يكتفِ غاليري ساتشي بتبني الفنانين البريطانيين المعاصرين، بل امتد نشاطه ليشمل برعايته فنانين عالميين من مثل جيف كونز، وسيندي شيرمان، وروبرت غوبر، وبيتر هالي، وحاييم شتاينباخ، وفيليب تافي وكارول دونهام. أما حين أقام عام 1987 معرض «فن نيويورك الآن» فإنه اكتسي سمعة الغاليري عابر الحدود.


صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
TT

صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن

دأب شيوخ قبائل العرب على صيد الطيور والحيوانات البرية، وجعلوا من هذه المزاولة تقليداً راسخاً، ورثه الحكام الأمويون وطوّروه، فغدا وسيلة من وسائل اللهو، ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالغنى والترف، كما يشهد الميراث الأدبي الخاص بتلك الحقبة. تردّد صدى هذا التقليد في الفن الأموي، وتجلّى في مجموعة من الأعمال التصويرية المتعدّدة الأنواع، منها لوحات من الحجم الكبير تشكّل جزءاً من الجداريات التي تزيّن قاعات قصير عمرة في صحراء الأردن. تمثّل إحدى هذه اللوحات صيد الحمير البرية وسط حلبة مسيّجة، في مشهد شامل وجامع يتميّز بتفاصيله الإنشائية الدقيقة.

يحوي قصير عمرة قاعة كبيرة مكوَّنة من ثلاثة إيوانات حافظت على الجزء الأكبر من جدارياتها، ويحضر مشهد صيد الحمير الوحشية في الإيوان الغربي في لوحة أفقية مستطيلة، تحتلّ الجزء الأعلى من الجدار الغربي، وتستقرّ فوق تأليف ثلاثي يجمع بين ثلاثة مشاهد مستقلّة تمتدّ على الجزء الأوسط من هذا الجدار. مُحِي النصف الأعلى من مشهد الصيد بشكل كبير بحيث تعذَّر تحديد معالمه عند اكتشاف القصير في مطلع القرن الماضي، غير أن بعضاً من هذه المعالم انكشف وظهر بفضل أعمال الترميم التي أجرتها بعثة إيطالية من «المعهد العالي للحفظ والترميم» في الموقع خلال عام 2010. في المقابل، حافظ النصف الأسفل من هذه اللوحة على مختلف عناصره، واستعادت هذه العناصر لمعانها الأوّل بفضل هذا الترميم الدقيق.

يدور هذا الصيد داخل حلبة تحدّها شرقاً شبكة عريضة ترتفع على شكل سياج مقوّس. داخل هذه الحلبة، تحل مجموعة من البهائم تركض معاً في اتجاه الشبكة. تتكوّن هذه المجموعة كما يبدو من 17 بهيمة متراصة، تحضر كلها في وضعية جانبية، وتظهر وهي تجري في حركة واحدة، رافعة رؤوسها إلى الأمام. وحدها البهيمة التي تحضر في الطرف الأخير تدير رأسها إلى الخلف في اتجاه كلب سلوقي يلاحقها ويدنو منها. تبدو هذه البهائم من فصيلة الخيليات، وهيكلها ما بين الحمار والحصان، ممّا يوحي بأنّها من الحمير البريَّة التي تُعرف في الميراث الأدبي بحُمر وحش، كما تُعرف بحمير وحش. يأتي ذكر هذه الحمير في الأدبيات الخاصة بالصيد، وأقدم ما وصلنا منها رسالة الصيد المنسوبة إلى عبد الحميد بن يحيى، كاتب مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، وفيها يذكر كلاب السلوقي السريعة في مطاردة الغزلان، ويتحدّث عن غابة «من ورائها حمير وحش كثيرة».

تنقل جدارية قصير عمرة صورة حيَّة لهذه الحمير، وفيها تبدو «صُفْر المناخرِ والأَشْداق»، كما وصفها الشاعر ابن ميادة في زمن الدولة الأموية، ويظهر من خلفها ثلاثة من رجال الصيد يمتطون خيلهم. مُحِيَت صور هؤلاء الفرسان، وما بقي منها يُظهر تقدّم اثنين منهم في حركة موازية، وتهاوي الثالث وسقوطه عن حصانه في حركة معاكسة. في القسم الأسفل من التأليف، ترتفع سلسلة من الرايات المرفوعة فوق قضبان مغروسة في الأرض، تقابلها سلسلة مشابهة في القسم الأعلى من الصورة. تُشكّل هاتان السلسلتان حلقة تطلّ من خلف عدد من راياتها قامات تُمثّل على الأرجح مراقبي جولة الصيد. يظهر كلّ فرد من هؤلاء المراقبين أمام راية من هذه الرايات، رافعاً ذراعه أفقياً في حركة واحدة ثابتة. في المقابل، تظهر خيمة سوداء في طرف التأليف شرقاً، حيث ترتفع تحت الشبكة المقوّسة. تكشف هذه الخيمة عن ثلاثة وجوه تُمثّل كذلك مراقبين يتابعون جولة الصيد. وتقابل هذه الخيمة في الطرف المعاكس خيمة أخرى مشابهة تخلو من الشهود.

رصد بازيار العزيز الفاطمي أحوال الصيد وطقوسه في كتاب يُعرف باسم «البيرزة»، وفيه أشار إلى تعدد هذه الأحوال بحسب الأوضاع الطبقية الخاصة بالصيادين، وقال: «ويغدو للصيد اثنان متفاوتان، صعلوك منسحق الأطمار، وملك جبار، فينكفئ الصعلوك غانماً، وينكفئ الملك غارماً، وإنما يشتركان في لذة الظفر. ولا مؤونة أغلظ على ذي المروءة من تكلف آلات الصيد لأنها خيل وفهود وكلاب وآلات تحتاج في كل قليل إلى تجديد. ومن هنا قيل إنه لا يشغف بالصيد إلا سخيّ». رأى الكاتب أن هذا الصياد السخي يحتاج إلى كلب ودابة، كما أنه يحتاج إلى غلام يركب هذه الدابة، «وجارية تصلح لنا صيدنا وتعالج طعامنا». وأضاف في الخلاصة: «كلب ودابة وغلام وجارية هؤلاء عيال، ولا بد من دار»، «ولا بد لهؤلاء من غلة ضيعة».

تعكس جدارية قصير عمرة صورة هذا الصيد السخي في كنف الأسرة الأمويّة، وتحضر بأسلوب تشكيلي متين يتبع التقليد الروماني الكلاسيكي، ويتميّز بطابعه الواقعي النابض بالحركة الحيّة. يعود هذا المشهد ويظهر في تأليف مشابه في جدارية أخرى في الإيوان الشرقي حيث تحتل القسم الأوسط من الجدار الشرقي، وهذه اللوحة ممحوة بشكل كبير، وتصعب قراءتها من دون الاستناد إلى الرسم التوثيقي الخاص بها. يُمثّل هذا المشهد صياداً يلاحق مع قطيع من كلاب السلوقي مجموعة من الحمير الوحشية تحتلّ طرف الصورة. يعلو هذه اللوحة تأليف ثلاثي يتكوّن من مشهد يصوّر لقاءً بين قامتين يصعب تحديد هويّتهما، يتبعه مشهد يصوّر عناقاً بين هاتين القامتين الغامضتين، ثم مشهد تقليدي مستقلّ يصوّر أسداً ينقض فوق طريدة ذات جلد أبيض.

تضم مجموعة جداريات قصير عمرة كذلك لوحتين كبيرتين ترتبطان بعالم الصيد، وتمثّلان ذبح الطرائد. تبرز هاتان اللوحتان بطابعهما الفريد، وتستحقّ كل منهما قراءة متأنيّة مستقلّة.


تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
TT

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» في السعودية، دشنّ الدكتور إبراهيم بن عبد الله المطرف، كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، وذلك في الغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية.

يعدّ الدكتور إبراهيم المطرف خبيراً في العلاقات الدولية، وشغل سابقاً أستاذ العلاقات الدولية المشارك بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، كما شغل منصب وكيل محافظ الهيئة العامة للاستثمار للأنظمة والتعاون الدولي، وشغل أيضاً منصب أمين عام الغرفة التجارية الصناعية للمنطقة الشرقية.

يتناول الكتاب الدور القيادي لخادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز، منذ توليه إمارة الرياض، وصولاً لتسلمه الحكم في المملكة (23 يناير - كانون الثاني 2015)، ويسجل الإنجازات التي عاشتها المملكة العربية السعودية من خلال فهم علمي ودقيق للتطورات التي عاشتها، وطبيعة هذه التطورات، مع شرح لأبعادها، وطبيعة التحدّيات وسبل مواجهتها.

كما يتطرق الكتاب لعدد من القرارات التي أصدرها خادم الحرمين الشريفين، على الصعيد المحلي تطويراً لآليات الحكم، وإعداداً لجيل جديد من قادة المستقبل، ويتطرق لحركة السياسة الخارجية السعودية وأدائها، ومواقف المملكة من متغيّرات إقليمية ودولية عدة، تجسيداً لرؤية المملكة في «إدارة» أو «حل» الأزمات والصراعات الإقليمية والدولية.

سبق للدكتور المطرف أن أصدر كتاباً بعنوان «العلاقات السعودية الدولية... اللوبي أنموذجاً» طرح فيه رؤية «مستقبلية» حول بناء وتكوين «لوبي» سعودي، يكون نموذجاً لعمل سياسي ودبلوماسي فعال ومؤثّر، على صعيد العلاقات الدولية للمملكة.

الدكتور إبراهيم المطرف خلال تدشين كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات بالغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية (الشرق الأوسط)

يهتم الكتاب بتكوين «لوبي» سعودي يعمل على التأثير في الساحة الأميركية من أجل ضمان المصالح الاستراتيجية للمملكة في أقوى دولة على مستوى العالم. ويركز الكتاب على 3 محاور رئيسية. هي «اللوبي»، و«الدبلوماسية الناعمة»، و«منتديات الحوار». وتمثل هذه المحاور صُلبَ الكتاب.

وفي كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» يعود المطرف للتأكيد على الدبلوماسية الناعمة، مخصصاً فصلاً خاصاً، تناول فيه «آليات» السياسة السعودية، في حضورها «الخارجي»، وأدواتها في المجال الدولي، وفي محيطها الإقليمي الحيوي، ودائرتها العربية والخليجية، مستعرضاً ركائزها الاستراتيجية، ومقوماتها الروحية التاريخية الحضارية والثقافية، مُسلّطاً الضوء على نشأة «المصطلح» تاريخياً، وتطوره، ومُبيّناً «أدواته»، ومنها: قوة المال والنفط، والمساعدات المالية والاقتصادية للدول العربية والإسلامية والنامية، وكثير من دول العالم الثالث.

واستعرض كثيراً من المواقف التي نجحت فيها «الدبلوماسية الناعمة»، إذ تمكنت المملكة من توظيف «عناصر» قوتها الدبلوماسية «الناعمة» على النحو الذي ساعدها في تحقيق كثير من أهدافها الاستراتيجية في خدمة قضايا أمتها العربية والإسلامية، وتوفير بيئة دولية وإقليمية وعربية مواتية لإحلال السلام والاستقرار الدوليّين، وتفعيل عملية التنمية المستدامة، لخير الشعوب ورخائها ورفاهيتها، عالمياً وإقليمياً وعربياً، ومحلياً.

وفي حفل تدشين الكتاب الذي حضرته شخصيات اقتصادية وثقافية، أشار الدكتور المطرف إلى أن الكتاب شمل قراءة تحليلية لعددٍ من توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان بن عبد العزيز، كما سلّط الضوء على ملامح قيادة وفكر الملك سلمان الإداري والسياسي، وما تحقق في عهده من نقلات نوعية على مختلف الأصعدة.

وأشار إلى أن تزامن تدشين الإصدارات باللغات الثلاث مع احتفال المملكة بيوم التأسيس جاء منسجماً مع أهداف هذا اليوم، حيث يقدّم الكتاب قراءة في فكر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، القائد الذي واصل مسيرة الإنجاز لمن سبقه من المؤسسين، وعزّز من مكانة وسمعة وصورة الوطن على كافة المستويات والأصعدة في المنطقة والإقليم والعالم، بمساندة من ولي عهده الأمير محمد بن سلمان.

وأضاف الدكتور المطرف: «حرصت في كتاب (قراءة في فكر ملك) على تقديم محتوى، وثّقت من خلاله بالكلمة والصورة معاً، وبفهم ومنهج دقيق، بعض توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان، وتقديم قراءة موضوعية لمسيرته الرائدة».

تلقى الدكتور المطرف تعليمه الأوليّ في مدينة الخبر شرق السعودية، وحصل على الشهادة الثانوية في الولايات المتحدة، وابتعث من شركة «أرامكو السعودية» للحصول على الشهادة الجامعية في الولايات المتحدة، وإليها ابتعث من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن للحصول على شهادة الدكتوراه. وهو كاتب في الشؤون الدولية، ألّف عدداً من الكتب في الشأن الدولي، وأنجز أكثر من 30 بحثاً محكماً.