الرواية والشبكات الاجتماعية توثق أصوات النساء

أكثر من 100 باحثة وأكاديمية من 15 دولة عربية وأجنبية في مؤتمر بالقاهرة

من ندوات الملتقى
من ندوات الملتقى
TT

الرواية والشبكات الاجتماعية توثق أصوات النساء

من ندوات الملتقى
من ندوات الملتقى

«أين صوت النساء في التاريخ؟» كان التساؤل الرئيسي الذي أطلقه الدكتور محمد أبو الفضل بدران، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، في «ملتقى التاريخ الشفوي في أوقات التغيير: الجندر، التوثيق، وصناعة الأرشيف»، الذي عقد على مدار 3 أيام واختتم نهاية الأسبوع الماضي، والذي نظمته مؤسسة المرأة والذاكرة بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة ووزارة الثقافة المصرية. شهد المؤتمر مشاركات من أكثر من 100 باحثة وأكاديمية من 15 دولة من مختلف أنحاء العالم العربي وأوروبا وأميركا. وألقت أبحاثه وندواته الضوء على دور المرأة في صناعة تاريخ بلادها، والتحديات التي تواجهها المرأة في أوقات الحروب والنزاعات والثورات. وأجمع المشاركون على أهمية النظر في سرديات النساء ما يؤدي إلى إعادة النظر في التاريخ، وفي افتراضاتنا حول الماضي والمستقبل، وأن توثيق سير النساء من المحتمل أن يُمكن النساء من تحسين حياتهن وحصولهن على حقوقهن، وأكدوا أن التحولات التكنولوجية التي يشهدها العالم ساعدت في مجال التأريخ الشفوي ومن أهمها: الإعلام الرقمي، وشبكات التواصل الاجتماعي، وبرامج الكومبيوتر المفتوحة.
ونظم على هامش اللقاء معرض لوثائق وصور السيدة وداد متري أحد رموز الحركة الوطنية اليسارية، والعمل النسائي في مصر، ومعرض آخر لمشغولات المرأة السيناوية المصرية تبرز جمال التراث البدوي في سيناء وتفرده. وقدم أيضًا عرض مسرحي للمخرجة دينا أمين بعنوان «متصنفيش»، وفيلم تسجيلي «ظل راجل» للمخرجة حنان عبد الله، يلتقط الحكايات والتفاصيل اليومية الحميمة لأربع نساء مصريات من خلفيات اجتماعية وأعمار مختلفة، ويتناول موضوعات إنسانية تتعلق بهن كالزواج والطلاق والعمل والتحرش الجنسي؛ بهدف رسم صورة اجتماعية كاملة توضح معاناة المرأة في المجتمع المصري. كما عقدت مائدة مستديرة حول إشكالية علاقة الأرشيف بالسلطة التي أدارها د. عماد أبو غازي وزير الثقافة الأسبق وعدد من الباحثين والوثائقيين. كشفت جلسات المؤتمر عن أبحاث جادة وذات منهجية علمية تركز على قضايا الجندر وتوثيق السرد الشفوي المتعلق بالثورات في العالم العربي وصناعة الأرشيف. وتحدثت د. وطفى حمادي، أكاديمية وباحثة لبنانية في المسرح النسوي، عن أهمية تدوين سير النساء من جراء لقاءات شفوية، وتجربتها في تدوين سير نساء مسرحيات من لبنان بُحن شفويًا وفجرن المسكوت عنه، بينما ناقشت الباحثة اللبنانية د. نجلاء حمادة «إضافات الكاتب على الرواية الشفوية: مسموحة، محبذة أم معوقة؟» وناقشت الأكاديمية السعودية د. سناء عبد الظاهر، عميدة كلية العلوم والإنسانيات بجامعة عفت، ورقة بعنوان «الأصوات الصاعدة لكاتبات سعوديات: الانتقال والتمكين والتمثيل». وقدم د.عبد الوهاب يحيى عبد القادر، الأستاذ بمركز بحوث التنمية والنوع الاجتماعي في جامعة صنعاء: «قراءة في تجربة الدكتورة رؤوفة حسن في كتابة وتوثيق تاريخ النساء في اليمن»، لافتا إلى أن الكتابات التاريخية في اليمن عن حياة النساء لا تزال قليلة مما يقصي الجوانب الاقتصادية والاجتماعية لحياة النساء عن متناول أيدي الباحثين ويهمش أدوار النساء في إحداث التغييرات الاجتماعية والتاريخية.
وتطرقت الأكاديمية اللبنانية نهوند القادري، في بحثها «الذاكرة الفلسطينية في ضوء التكنولوجيا الحديثة: فرص وتحديات» إلى كيفية تموضع الفلسطينيين في حقل الفضاء العام الافتراضي، والفرص المتاحة أمام الأجيال الشابة لتروي بنفسها تجاربها ومعاناتها، وتوثيق تجارب ومعاناة الأجداد، وجذب انتباه العالم لقضيتهم.
بينما ناقشت د. مريم لوتاه، الأستاذة بقسم العلوم السياسية جامعة الإمارات، ورقتها البحثية حول «الأرشيف النسوي في الإمارات»، وأوضحت أنه رغم قدم عملية التوثيق والتأريخ فإنها أغفلت الكثير من الشرائح والجوانب المجتمعية، مشيرة إلى أهمية دراسة التراث الشعبي في التوثيق لدور المرأة عبر المراحل التاريخية المختلفة، خاصة في ظل عملية التغيير والحداثة السريعة التي مر بها مجتمع الإمارات والتي كادت تطغى على ملامح الثقافة الأصلية والهوية العربية. وتطرقت د.نور نيفتوجودين لموضوع «الذاكرة سلاح: الذاكرة الجمعية والسرديات القومية وصراع النساء في جنوب أفريقيا»، كما ناقش الباحث الأميركي ستيفن أرجولا مشروع توثيق مصر الثورة للقرن الواحد والعشرين، كما تحدثت الأميركية د. سوندرا هيل، الباحثة والأستاذة المتفرغة بقسم الانثروبولجيا والدراسات النسائية بجامعة كاليفورنيا حول «إحياء ذاكرة النساء كجزء أصيل من المعرفة» مستعرضة تجربتها في دراسة مناطق الصراع في السودان، مشددة على أهمية الحصول على المعرفة من الذاكرة الجماعية أو الذكريات الفردية للسكان الأصليين التي اعتبرتها أكثر قيمة من المعرفة المقدمة من الخارج المغلفة بادعاءات الحيادية.
وعرضت د. رفيف رضا صيداوي، الباحثة بمؤسسة الفكر العربي، ورقتها البحثية «الرواية كمستودع للتاريخ الشفوي» مستعينة بروايات منها: «الطنطوريّة» (2010) لرضوى عاشور، و«طشّاري» (2011) و«الحفيدة الأميركية» (2008) لإنعام كجه جي، و«مريم الحكايا» (2002) لعلوية صبح..، مبينة كيفية استثمار التاريخ الشفوي في توليد خطاب الرواية وإنتاج معرفة جديدة، وأهمية الرواية في توثيق التاريخ الشفهي.
وشاركت د. عزة شابوني بورقة بحثية حول «النساء والذاكرة في السينما التونسية: جليلة حفصية ومسار امرأة رائدة»، وناقشت د. فاطمة المهيري ورقة بحثية حول الأرشفة النسوية المسرحية للثورة المصرية في هوى الحرية ويوم الصدار الأزرق لليلى سليمان. كما تطرقت د. نفيسة لحرش لدور النساء الجزائريات في تحرير بلدهن وتجربتها في التوثيق لذلك.
وقالت د.هدى الصدة، رئيسة مجلس الأمناء بمؤسسة المرأة والذاكرة، لـ«الشرق الأوسط»: نجح التاريخ الشفهي النسوي في خلق أساس معرفي يدعم الحركة النسوية في بلدان كثيرة في العالم من خلال خلق أرشيف لأصوات النساء، لافتة إلى أن تزايد التحولات الجذرية والثورات التي طرأت على المنطقة العربية يفرض تحديات على متخصصي التاريخ الشفوي فيما يتعلق بدور التاريخ الشفهي في أوقات التغيير وحدوده. وأضافت أنه «حتى نهاية القرن العشرين لم يوجد في العالم العربي أرشيف لأصوات النساء، رغم وجود بعض المجهودات للتوثيق، التي كانت جزءًا من مشاريع بحثية فردية، إلا أن القرن الحادي والعشرين شهد تزايدا ملحوظًا في مشروعات التوثيق بشكل عام، ولأصوات النساء العربيات بشكل خاص».
وعن «أرشيف أصوات النساء» وأهدافه قالت: كان هدفنا هو إنتاج معرفة بديلة من وجهة نظر المرأة أو من منظور يأخذ في الاعتبار قضايا النوع أو الجندر، وكانت البداية في أواخر التسعينات حين قامت مجموعة من الباحثات بإجراء مقابلات مع نساء لهن باع في العمل العام في مجالات التعليم، الصحة، الثقافة، العمل النقابي، السياسي، الفن، الأدب.. الخ، وكان الهدف من ذلك بناء أرشيف تاريخ شفوي للنساء يساهم في إنتاج وبناء مصادر تاريخية لكتابة التاريخ الاجتماعي والسياسي ويعضد من شأن مساعي النساء لبناء مجتمعات عادلة ومتوازنة للجميع من دون تميز. أما المرحلة الثانية فكانت في عام 2012، لتوثيق تجارب النساء وخبراتهن في التفاعل مع الأحداث الجسام ومشاركتهن في المجال العام بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 للحفاظ على ذاكرة النساء وحمايتها من النسيان أو التهميش في التاريخ الرسمي.
يشار إلى أن مؤسسة «المرأة والذاكرة» تشكلت عام 1995 من مجموعة من الباحثات والباحثين المهتمين بتغيير الصورة النمطية للنساء في الثقافة السائدة، لإنتاج معرفة ثقافية بديلة حول النساء العربيات، وإتاحتها كمادة يمكن توظيفها في زيادة الوعي ودعم النساء، وتدعم المؤسسة نشر وترجمة عدد من الكتب والأبحاث عن دراسات النوع، والكتب التاريخية عن السيدات اللاتي ساهمن في تحرير المرأة، ومن أبرز مشروعات المؤسسة «أرشيف أصوات النساء» الذي يسعى إلى توفير مصادر معلومات تكشف عن صوت المرأة في التاريخ الشفهي، لتمكين النساء من تحسين حياتهن وحصولهن على حقوقهن.
وحول مشروع «أرشيف أصوات النساء»، قالت ميسون حسن، مديرة البرامج بمؤسسة المرأة والذاكرة، إن المؤسسة أسست هذا الموقع الإلكتروني بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة، ويقوم على البحث في أدوار النساء في التاريخ الثقافي والفكري وتوثيق مساهماتهن، بهدف إلقاء الضوء على دور النساء كناشطات وقائدات ومشاركات في الحركات السياسية، وكقاعدة بيانات حول دور النساء على مدار التاريخ.
وأقيم على هامش الملتقى، حفل توقيع كتاب «أدوار المرأة الفلسطينية منذ منتصف الستينات حتى عام 1982». للكاتبة الفلسطينية فيحاء عبد الهادي، عضوة المجلس الوطني الفلسطيني، والمنسقة الفلسطينية للشبكة النسوية «ألف امرأة عبر العالم»؛ التي كانت لها مشاركة ثرية في فعاليات المؤتمر حيث ألقت محاضرة بعنوان «إنتاج المعرفة البديلة: المساهمة السياسية للنساء: أدوار المرأة الفلسطينية منذ الثلاثينات نموذجا» أشارت فيها إلى ضرورة إظهار صوت النساء الخفي، وتصحيح التاريخ المدون الرسمي والإضافة إليه.
وقالت عبد الهادي: «يأتي هذا الكتاب ضمن سلسلة أرشيفية توثق دور المرأة الفلسطينية منذ الثلاثينات حتى ثمانينات القرن الماضي؛ خاصة أدوار النساء وقت التهجير الجماعي القسري والشتات والهجرة، والعمل السري داخل فلسطين وخارجه بالكفاح المسلح وذلك بعد تأسيس منظمة التحرير، ورصد تنوع أشكال العمل السياسي واستمرار المشاركة في اﻻتحادات النسوية وتأسيس اﻻتحاد العام للمرأة والمشاركة في جيش التحرير والنضال السياسي».
ولفتت إلى ضرورة وجود أرشيف فلسطيني يحاول تعويض ما دُمر ونُسف وسُرق في عام 1983، وأثناء اجتياح بيروت حيث سُرقت وثائق ومخطوطات، مشيرة إلى انكبابها على توثيق تاريخ فلسطين الشفوي منذ منتصف الثلاثينات، وحتى عام 1982.



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.