«نيويورك تايمز» تطلق جائزة لصحافي أدمن المخدرات

كتب عن تجربته وأبهر القراء وتوفي بسكتة قلبية

ديفيد كار صحافي «نيويورك تايمز» (نيويورك تايمز)
ديفيد كار صحافي «نيويورك تايمز» (نيويورك تايمز)
TT

«نيويورك تايمز» تطلق جائزة لصحافي أدمن المخدرات

ديفيد كار صحافي «نيويورك تايمز» (نيويورك تايمز)
ديفيد كار صحافي «نيويورك تايمز» (نيويورك تايمز)

يوم الاثنين الماضي، أعلنت صحيفة «نيويورك تايمز» جائزة باسم ديفيد كار، واحد من أشهر صحافييها. توفي في بداية هذا العام، جراء سكتة قلبية، وهو يعمل في مكتبه، حيث اشتهر بالتفاني والصدق. خاصة في مجال التغطية الإعلامية التي كان تخصص فيها. مرات كثيرة، لم يتردد حتى في أن ينتقد صحيفته. ومرات كثيرة، لم ترض إدارة الصحيفة عن ذلك، لكن، دائما، ظل زملاؤه الصحافيون يقفون إلى جانبه.
قال بيان الصحيفة عن «جائزة ديفيد كار»: «غطى نشاطات مسرحية وثقافية وإعلامية. وبرز في المجال الأخير بالتغطية الإخبارية، ثم بعمود (ميديا أيويشان) (معادلة إعلامية) كان شخصية مهمة، داخل وخارج غرفة الأخبار. وكان مصدر إلهام لأولئك الذين يناضلون للتخلي عن إدمان المخدرات. يشير ذلك إلى، أن كار، قبل أن ينجح صحافيا، أدمن المخدرات، ثم بدأ يكتب عن إدمانه، ثم عن محاولاته التخلص من الإدمان، ثم نجاحه. اشتهرت التقارير التي كتبها، وفيها تفاصيل شخصية وإنسانية. وكانت من أسباب انضمامه إلى صحيفة «نيويورك تايمز»، ومن أسباب نجاحه فيها أيضا.

«الصفحة الأولى»

في الأسبوع الماضي، كتب عنه زميله رافي سمياسبت: «كان كثير من الذين يعملون في صناعة الإعلام يرون كار مثل بوصلة صحافية. وظهر ذلك عام 2011، عندما صدر فيلم وثائقي عن صحيفة (نيويورك تايمز) تحت اسم (الصفحة الأولى) في الفيلم الوثائقي، ظهر أسلوبه الشخصي، الذي يعرفه تقريبا جميع الصحافيين في الصحيفة. أسلوب هو مزيج من المعرفة، والخبرة، والذكاء، والتهكم. وأصبح أسلوبا صحافيا معروفا على نطاق واسع».
وقال عنه رئيسه السابق دين باكيت، مدير تحرير الصحيفة: «كان نوعا نادرا من صحافيين عملوا هنا. كانت خلفيته غير عادية. وأدمن المخدرات. وجاء إلينا من الإعلام البديل (صحف أقليات وجمعيات). لهذا، كان اختياره للعمل هنا أمرا غير عادي للغاية في سجل صحيفة (نيويورك تايمز)».
عندما توفي كار، كان عمره 58 عاما. ورغم أنه انهار وهو في مكتبه بما يشبه السكتة القلبية، عرف، في وقت لاحق، أن السبب الرئيسي كان مضاعفات ناجمة من سرطان الرئة، بما يمكن أن تكون له صلة بسنوات إدمان المخدرات. قبيل وفاته، وصل إلى نهائي جائزة «بولتزر» للصحافة. لكنه لم يفز بها.

إعلام بديل

ولد كار في مينيابوليس (ولاية مينيسوتا). ودرس الصحافة وعلم النفس في جامعة ويسكونسن. في بداية ثمانينات القرن الماضي، بد العمل الصحافي في «التريناتيف ميديا» (الإعلام البديل، الصحف غير الهامة). عمل، أولا، في صحيفة «توين ستيز» (محلية في منيابوليس). ثم في صحيفة «سيتى بيبر» (محلية في واشنطن).
وبعد عشرين عاما في هذا النوع الخاص من العمل الصحافي، انضم إلى «نيويورك تايمز». ويبدو أن هذا هو ما قصد مدير تحرير الصحيفة بأن الصحيفة، عادة، لا تختار صحافيين من هذا المجال. لم يقل مدير التحرير أن إدمان المخدرات (ثم التخلص منها) كان، أيضا، شيئا غير عادي، بالنسبة لتقاليد الصحيفة. في كتاب كار الذي صدر في عام 2008، «نايت أوف قان» (ليلة البندقية)، معلومات مفصلة عن إدمانه المخدرات. وخصوصا إدمان الكوكايين. لم يكتب فقط عن تجربته الخاصة، ولكن، أيضا، عن تجارب آخرين. وكتب ذلك بأسلوب سمته صحيفة «نيويورك تايمز» «سيلف انفيستيغيشن» (التحقيق مع النفس). كتب عن زملاء الإدمان، وعن ملاحقات الشرطة، وعن عائلته.

ثلاث زوجات

كتب عن طلاق زوجته الأولى، كيمبرلي، في عام 1986. وعن دور المخدرات في الطلاق. وكتب عن ميلاد بنتين توأمتين عام 1988: إيرين، وميغان، من صديقته السابقة، آنا. وعن النزاع مع أنا حول حضانة التوأمتين، وذلك أيضا بسبب المخدرات. وبعد تدخل قضاة ومحاكم، أرسل المسؤولون الاجتماعيون التوأمتين إلى عائلة غريبة ترعاهما (تحت إشراف هؤلاء المسؤولين). وكتب عما حدث، بعد سنوات، يوم ذهب إلى العائلة، واسترد التوأمتين، وكان تعافى من الإدمان. وكتب عن الزوجة الثالثة، جيل، التي تزوجها بعد أن تعافى من الإدمان (لم تكن مدمنة، عكس الزوجتين السابقتين). وعن عودته إلى الكنيسة الكاثوليكية. وعن يوم الأحد حيث يذهب للصلاة «رجل وأربع نساء» (زوجته جيل، والتوأمتان، وبنت ثالثة من جيل). ربما بسبب تجاربه هذه، والتي لم يخفها، اشتهر كار بصراحته في الكتابة. حتى عندما كتب عن صحيفته، «نيويورك تايمز»

انتقاد «نيويورك تايمز»

في العام الماضي، كتب بأن الصحف الكبيرة، مثل «واشنطن بوست»، و«نيويورك تايمز»، لم تعد هي المصادر الإخبارية الرئيسية لنسبة كبيرة من القراء، هم الجيل الجديد (18 - 30 عاما).
وكتب عن منافسات صحف إلكترونية لصحف تقليدية، ليس فقط بسبب التطور التكنولوجي، ولكن، أيضا، بسبب عدم ثقة الشعب الأميركي في مصداقية الصحف التقليدية.
وأشار إلى صحيفة «كوارتز» التي تستخدم نظاما يفصل بين المعلومات المؤكدة (تكتبها في حروف غامقة)، والمعلومات المرجحة (تكتبها في حروف عادية)، والمعلومات غير المؤكدة وغير المرجحة (تكتبها في حروف رمادية). لهذا، لا تستعمل الصحيفة عبارات مثل: «قيل» و«حسب» و«نسبت» و«ادعت».
وكتب عن صحيفة «لايف بلوغز» (بلوقات حيه على الهواء) التي تتابع الأخبار العاجلة، وتتأكد من أنها حقيقة، ثم تنشرها، حسب درجة الحقيقة فيها. ونقل قول خبير إعلامي: «أعتقد أن القراء، خاصة من الجيل الجديد، لا يتفاعلون جيدا مع الصحافيين الذين يدعون أنهم يعرفون كل شيء، بينما واضح جدا أن هذه ليست الحقيقة».
وكتب عن صحيفة «فوكس» الإلكترونية ليست «فوكس» القناة التلفزيونية. تبدأ بحرف «في»، لا حرف «إف». وقال إن شعبيتها تزيد بسبب سهولة قراءتها. خاصة بالنسبة للجيل الجديد الذي يريد، في أحيان كثيرة، التركيز على شيء واحد.
وقال: «ليست مثل الصفحة الأولى في صحيفة (نيويورك تايمز)، مثلا، حيث توجد عناوين أخبار متعددة. توجد في (فوكس) عناوين مواضيع، ومن داخل كل موضوع، يختار القارئ أخبار الموضوع، أو تعليقاته، أو صوره، أو فيديوهاته». يبدو أن كار فضل الأخبار التفاعلية (يعلق القراء، أو يشتركون) على الأخبار التقليدية (يكتب صحافي الخبر).
وانتقد كار زملاء صحافيين. مثل قوله: «برهن الصحافيون الذين يغطون البيت الأبيض على أنهم يريدون أن يكونوا رهائن». ليس فقط لأوباما، ولكن، أيضا، للإنترنت. وقال إن هؤلاء الصحافيين: أولا: يبحثون عن أجوبة من الرئيس أوباما تزيد الإقبال على مواقع في «فيسبوك» أو في «تويتر»، تابعة للصحف أو قنوات التلفزيون، أو تابعة للصحافيين أنفسهم.
ثانيا: يتحاشون سؤال أوباما عن سياسات ومواضيع وفلسفات. ويركزون على الأخبار اليومية. يتحاشون «الصورة الكبيرة»، ويريدون التركيز على 140 كلمة الحد الأعلى للرسالة في موقع «تويتر».
ثالثا: في كثير من الأحيان، يسألون أوباما نفس السؤال.
رابعا: لا يركزون على الحصول على معلومات، ولكن الحصول على رد فعل (مختصر، لتسهل عليهم كتابته، أو إذاعته).
لهذا، قال كار: «يبدو أن الإعلام الورقي لا مستقبل له». وأضاف: «ليس هذا موضوعا مفاجئا، أو غريبا، أو معقدا. أنت وأنا لم نعد نقرأ الصحف والمجلات والكتب الورقية كما كنا نفعل، حتى قبل عشرة سنوات».
وقدم دليلا على ذلك خبر إسقاط متمردي أوكرانيا الطائرة الماليزية. تابع الخبر في الإعلام التقليدي، وفي الإعلام الإلكتروني. ولاحظ الآتي:
أولا: انتشر الخبر سريعا، وكثيرا، في الإعلام الاجتماعي في الإنترنت.
ثانيا: بفضل التكنولوجيا الحديثة، لم يكن الخبر مكتوبا فقط، ولكن، أيضا، كان بالصور وبالفيديو، وبالرسوم البيانية، وبالخرائط.
ثالثا: قطعت تلفزيونات إخبارية برامجها، وبدأت تتابع الخبر على الهواء. وقطعت تلفزيونات غير إخبارية برامجها لتعلن الخبر، وتعد بتفاصيل في نشرات الأخبار المسائية.
ثالثا: في صباح اليوم التالي في أميركا، بعد مرور قرابة يوم كامل على الحدث، صدرت الصحف تحمل الخبر. وقال كار، وهو، طبعا، بقصد صحيفته، «نيويورك تايمز»: «هكذا، خسر الإعلام الورقي. رغم أنه حاول أن يلحق بغيره».



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.