أول مصنع «إيرباص» أميركي بولاية ألاباما يحيي مدينة موبايل

قدمت الكثير من الامتيازات والإغراءات الضريبية والحوافز المالية للشركة الأوروبية

طائرة ايرباص من طراز ايه 321 الأولى التي تنتج في خط الانتاج الأميركي (رويترز)
طائرة ايرباص من طراز ايه 321 الأولى التي تنتج في خط الانتاج الأميركي (رويترز)
TT

أول مصنع «إيرباص» أميركي بولاية ألاباما يحيي مدينة موبايل

طائرة ايرباص من طراز ايه 321 الأولى التي تنتج في خط الانتاج الأميركي (رويترز)
طائرة ايرباص من طراز ايه 321 الأولى التي تنتج في خط الانتاج الأميركي (رويترز)

عندما شقت القافلة الأولى التي تحمل أجزاء الطائرة طريقها وسط الشوارع في يوم قائظ من أيام شهر يونيو (حزيران) بدا للناس وكأن كرنفال «الثلاثاء البدين» حل قبل موعده، في مدينة موبايل الساحلية بولاية ألاباما.
ومع صوت النفير الصادر عن الآلات النحاسية بالفرقة التي ضمت عشر عازفين، خرج المشاهدون للشرفات الأمامية، في حين صف آخرون الكراسي في الحديقة المليئة بأشجار السنديان الممتدة بطول أحد الشوارع الرئيسية بمدينة موبايل. ومرت عربة على شكل تنين تحمل كبار الشخصيات والموسيقيين يلوحون بأيديهم بالقرب من المنازل الصغيرة، والكنائس المتواضعة، وواجهات المحال التجارية.
خلف الموكب اصطف رتل من الشاحنات المسطحة محملة بأجزاء من جسم الطائرة وزوج من الأجنحة ومكونات ذيل الطائرة طراز «A321» التي استغرق عبورها المحيط الأطلسي ثلاثة أسابيع مقبلة من مصنع «إيرباص» في مدينة هامبورغ الألمانية. كانت القافلة في طريقها إلى مصنع جديد لتجميع طائرات «إيرباص»، ويُعتبر أول مصنع أوروبي للطائرات المدنية في الولايات المتحدة.
ويقول ويليام ستيمبسون، رئيس بلدية مدينة موبايل، المعروف باسم ساندي، الذي وقف يرقب المشهد وسط الزحام: «أعتقد أن سانتا كلوز زار المكان وترك لنا طائرة».
ويمنح المصنع الجديد الذي افتتح رسميا الاثنين الفرصة لشركة «إيرباص» كي توسع من قاعدة زبائنها في السوق الأميركية المربحة. وفى مدينة موبايل، سوف تنتج أحدث طرز «إيرباص» التي تتميز بكفاءة استخدام الوقود.
كذلك يساعد وجود مصنع «إيرباص» هناك على إعطاء دفعة قوية للمدينة ولسكانها الذين يدينون بالكثير من الفضل في نمو بلدتهم للطيران، خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وحتى نهاية حقبة الستينات من القرن الماضي.
وجاء إنشاء المصنع، الذي تكلف نحو 600 مليون دولار على مساحة 116 فدانًا في المكان ذاته الذي كانت تشغله قاعدة بروكلي الجوية في السابق، تتويجًا لجهد كبير نجح في نهاية المطاف في اجتذاب المصنع، وسط منافسة شرسة مع الكثير من المدن الأميركية، بهدف لفت أنظار واستثمارات الشركات الأجنبية.
وشأنها شأن الكثير من الولايات والمدن، قدمت ألاباما وموبايل الكثير من الامتيازات والإغراءات الضريبية والحوافز المالية لشركة «إيرباص».
وفى المقابل، يعرض كبار المصنعين توفير المئات، إن لم يكن الآلاف، من فرص العمل. وبالنسبة لمدينة موبايل التي لا يتجاوز عدد سكانها 200 ألف نسمة، فإن توفير 4000 فرصة عمل في «إيرباص»، وفي الشركات المتعاملة معها على مدار السنوات المقبلة كان في حد عنصر جذب، إذ إن معدلات البطالة في المنطقة واصلت الارتفاع لتقترب من 8 في المائة، وهو معدل يفوق باقي الولايات الأميركية.
يأتي غزو «إيرباص» للولايات المتحدة كجزء من استراتيجية طويلة المدى، فقد قسمت الشركة السوق العالمية لطائرات نقل الركاب مناصفة مع منافستها «بوينغ»، ومقرها شيكاغو. بيد أن «إيرباص» تجاوزت عائداتها العام الماضي 61 مليار يورو، ما يعادل 69 مليار دولار، ما زالت تتلكأ خلف منافستها في السوق الأميركية. يعتبر هذا صحيحا بالنسبة للطراز ضيق البدن مثل «إيرباص إيه 320»، و«إيه 321» الذي ينافس طراز «بوينغ 737» بشكل مباشر. وعلى غرار ما فعله صانعو السيارات اليابانيين من الجيل السابق، تأمل «إيرباص» في إنتاج طائرات «صنعت في الولايات المتحدة الأميركية» لكي تضعف قدرة «بوينغ» على الاستفادة من ميزة العمل على أرضها. ويقر مسؤولو «إيرباص» بأن إعطاء شركتهم واجهة أميركية من شأنه أن يخدم المصالح السياسية؛ ففي الوقت الذي شرعت فيه الحكومات الأوروبية في تنفيذ سياساتها التقشفية عن طريق تقليص الإنفاق العسكري، تتطلع «إيرباص» التي تنتج كذلك طائرات مروحية، ومقاتلات وغيرها من الطائرات، إلى الولايات المتحدة وإلى غيرها من الحكومات كزبائن مرتقبين.
وصرح فابريك بريغير، المدير التنفيذي لشركة «إيرباص» من مقر الشركة في تولوز بفرنسا: «نتطلع لأن نشكل قطاعا عالميا في سوق الملاحة الأوروبية».
وأضاف بابريك أن مدينة موبايل سوف تعطي «رؤية أوضح لمجموعة (إيرباص) بالكامل، ليس في مدينة ألاباما فحسب، بل في الولايات المتحدة بشكل عام».
* الوصيفة الاقتصادية
في هذا الصيف لا يزال عمال البناء منهمكين في استكمال صالة التجميع النهائي بمدينة موبايل على مساحة 200 ألف قدم مربع. وعلى الرغم من عدم اكتمال الإنشاءات، فإن العمل جارٍ داخل إحدى الطائرات الجديدة التي وصلت للمصنع وسط ضجة إعلامية كبيرة في يونيو الماضي كجزء من أول شحنة سفينة تحمل أجزاء «إيرباص» تصل إلى المصنع الجديد بمدينة موبايل.
وشرع بضع عشرات من الفنيين والمهندسين بالزي الأزرق في العمل، والتنقل بين الأبواب غير مكتملة الإنشاء، وتركيب أعداد لا نهائية من أسلاك النحاس، واختبار معدات كابينة الطيار، وكانت أصوات مكتومة صادرة عن دوران المحركات تنبعث من نوافذ الطائرة التي كان جسمها ما زال أجوف.
وفى هذه المرحلة، تعتبر وتيرة إنتاج «إيرباص» بمدنية موبايل بطيئة مقارنة بإنتاج مصانعها في ألمانيا، وفرنسا، والصين، التي بلغ إجمالي إنتاجها مجتمعة العام الماضي أكثر من 600 طائرة تجارية. وحتى بوتيرة الإنتاج المنخفضة، تستطيع سماع همهمة في المكان تذكرك بطبيعة المكان القديمة كقاعدة جوية أميركية.
ويسترجع ماثيو ميتكالف (84 عاما) ذكرياته في القاعدة العسكرية عندما كان العسكريون يتلقون دورات لتنمية مهاراتهم. ففي وقت الذروة كانت قاعدة بروكلي تكتظ بنحو 17000 عامل موزعين على عشر أنواع من الوظائف، مما جعل من المكان أكبر مصدر للتوظيف في مدينة موبايل.
ويقول ميتكافل، الرئيس السابق لمطار مدينة موبايل: «حضر أغلب الناس من المدن الصغيرة والمناطق الريفية بعيدة مثل أركنساس للعمل هنا خلال فترة الحرب».
وعندما أغلقت القاعدة الجوية عام 1969، كان الأمر مصدر ضيق للمدينة. فبالإضافة إلى العسكريين، تبخرت آلاف الوظائف المدنية بالقاعدة الجوية أيضا.
ويضيف ميتكاليف: «كان الأمر مؤلما؛ ألا ترى تلك الماكينة الاقتصادية مرة أخرى». وعلى مدار العقدين المقبلين، ناضلت مدينة موبايل لاستعادة موقعها كإحدى أكبر حاضنات شركات القطاع الخاص، منها شركات للنسيج والورق، التي إما أغلقت أبوابها أو نقلت مقارها لدول أخرى. مثل باقي المدن الواقعة في أعماق الجنوب، فإن جاذبية ألاباما للمستثمرين الأجانب غالبا ما صاحبها تخوف من التاريخ الطويل من العنف العنصري هناك.
بيد أن الأمور أخذت في التغير بدءا من عام 1993، عندما عُين جيمس فولسوم محافظا لولاية ألاباما، بعدما أدين المحافظ السابق بتهم تتعلق بخرق المبادئ. ورغم أن الفترة التي قضاها فولسوم في منصبة لم تتجاوز العامين، فإن الكثيرين من سكان ألاباما يشهدون له بالفصل في تغيير صورة المدنية، بعدما حولها إلى حاضنة للأعمال الكبيرة.
فبعد أدائه القسم بأيام قليلة، أصدر فولسوم تعليماته بإزالة علم المعركة الاتحادية من فوق قبة البرلمان في مونتغومري (لم تتم إزالة الأعلام الاتحادية من على النصب التذكاري بالبرلمان سوى العام الحالي).
عقب ذلك تبنت الحكومة حملة قوية لإغراء المستثمرين الجدد؛ بأن قدمت حزمة من الإعفاءات الضريبية وغيرها من الحوافز، وفى خلال شهور معدودة استقدمت ألاباما مصنعا كبيرا من صانعي السيارات الفارهة «مرسيدس بينز» تم تشييده في مدينة فانس بالقرب من مدينة توسكالوسا. بلغت قيمة الصفقة 300 مليون دولار، وتبعها مصانع سيارات أجنبية أخرى منها «هوندا»، و«هيونداي»، وشيدت «تويوتا» مصنعا للمحركات.
كذلك عرف مصنّعو سيارات آخرون الطريق إلى ألاباما، منهم مقاولون عسكريون مثل «لوكهيد مارتن»، و«نورثروب غرومان»، وكذلك «بوينغ»، وغيرها من شركات الطيران. غير أن تلك الشركات اتجهت شمالا، تحديدا مدينة هنتسفيل حيث مقر وكالة «ناسا» للفضاء التي شهدت تصميم وارنر براون للصاروخ الذي صعد برواد الفضاء إلى القمر خلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي.
وفى حين نجحت مدينة موبايل في جذب الاستثمارات الأجنبية في مجالات أحواض السفن ومصانع الصلب، لم تكلل بالنجاح جهود أخرى لجذب مصانع كبيرة للمدينة.
وفى عام 1993، أعدت مدنية موبايل القائمة النهائية لبناء مصنع طائرات الركاب ذات الحجم الكبير «ماكدونيل دوغلاس إم دي 12» إلا أن المشروع لم يكتمل بسبب تراجع الطلب على هذا الطراز. وبعد ذلك بعشر سنوات شرعت بوينغ في إنشاء مصنع لتجميع طراز «787 دريملاينر» بالمدينة، إلا أنها تراجعت وقررت الإبقاء على مصنعها في واشنطن. كذلك قامت شركة «تصنيع الطائرات الإندونيسية»، المملوكة للدولة، التي تنتج المحرك المروحي التوربيني والطائرات المروحية، بعمل خطة لإنشاء مصنع بالمدينة، إلا أن الفكرة لم تُنفَّذ.
وقال جو بونر عضو الحزب الجمهوري الذي مثّل مدينة موبايل في الكونغرس خلال الفترة من 2003 حتى 2013: «كانت مدينة موبايل دوما مثل الوصيفة. تأتي متأخرة ولا تستطيع التتويج».
* الوجهة: أميركا
استشرفت «إيرباص» المستقبل في مدينة موبايل لسنوات؛ فميناء المدينة العميق بمقدوره استيعاب السفن المحملة بمواد إنشائية ضخمة مقبلة من أوروبا، وتجري قطارات البضائع على مقربة منها. كذلك موقع مدينة بروكلي مزود بمدرجين طويلين لهبوط الطائرات متاح بالفعل لبعض شركات الملاحة والصيانة الصغيرة وموردي قطع الغيار.
غير أن هناك سببًا آخر لكون المكان جذابا وهو وقوع المكان على الأرض الأميركية.
بحثت «إيرباص» دوما عن طريقه لكسر سيطرة «بوينغ» على السوق داخل الولايات المتحدة، إذ إن وجود جزء من إنتاج «إيرباص» العالمي في مدينة ألاباما من شأنه أن يخلق مانعًا طبيعيًا ضد تقلبات سعر الصرف بين اليورو والدولار الأميركي، وسوف يقلل كلفة نقل المكونات التي تبلغ قيمتها 16.5 مليار دولار والتي تشتريها «إيرباص» من موردي شركات الملاحة الأميركية كل عام. كذلك تعتبر أجور العمالة أقل بكثير من مثيلاتها في أوروبا. ففي حين تضم ألاباما عمالا تابعين للنقابات أكثر من غيرها من الولايات الجنوبية، ما زالت ألاباما تحتفظ بقانون يسمى «حق العمل» الذي يمنع نقابات القطاع الخاص من مطالبة العمال بسداد رسوم النقابة.
كذلك سعت «إيرباص» إلى عمل صدع في السوق العسكرية الأميركية التي تعتبر الأكبر عالميا. فالنشاطات العسكرية والفضائية في العالم لا تدر سوى 18 في المائة من عائدات مجموعة «إيرباص»، مقارنة بـ34 في المائة في شركة «بوينغ»، وعليه فإن إبرام عقد كبير مع الحكومة الأميركية من شأنه أن يساعد الشركة على تقليل اعتمادها على الطائرات التجارية. وحتى تستطيع الحصول على صفقات عسكرية كبيرة، يتعين علي «إيرباص» أن تستميل المسؤولين في واشنطن، إذ إن أغلب كبار المقاولين الأميركيين ينضوون داخل جماعات الضغط التجارية القوية، وتدرك كل من مدينة موبايل و«إيرباص» مدى صعوبة التغلب على هذا الأمر.
في عام 2000 فازت «إيرباص»، بالاشتراك مع شركة «نورثروب غرومان» بعقد بقيمة 35 مليار دولار لبناء 179 ناقلة بترول جديدة للقوات الجوية الأميركية اعتمادا على الجسم الكبير لطائرات «إيرباص إيه 330». كان الاتفاق أن يتم التنفيذ في مدينة موبايل حيث يوجد مكتب صغير لشركة «إي إيه دي إس»، الشركة الأم لـ«إيرباص»، يضم أقل من 100 مهندس ومصممين جويين.
غير أن «بوينغ» اعترضت بدعوى أن عرضها قد اعتبر أكثر كلفة على غير الحقيقة، وعليه أعيد النظر في المناقصة بين الشركتين مرة أخرى. استمر ذلك اليوم في ذاكرة ويل فوسيوتي الذي يقيم في موبايل حيث قال: «يتملكني الإحساس أن موبايل تستحق أن تنال ذلك».
فوسيوتي هو مالك سلسة مطاعم دجاج فوسكلي، ولم يكن له ميل كبير لتوريد منتجه للطائرات، غير أنه عندما سمع خبر إعادة البنتاغون النظر في أمر المناقصة شعر بأن زبائنه تعرضوا لخديعة. أرسل فوسيوتي أحد موظفيه ليعلق رسالة على أحد مطاعمه نكاية في «بوينغ»، وتقول الرسالة: «نود تقديم إصبع لـ(بوينغ)».
وفى غضون ساعات معدودة، نشر رواد المطعم الرسالة على «فيسبوك»، وعرضت شركة إعلانات محلية مساحة إعلانية مجانية لمطاعم فوساكيل على طريق السفر «إنترستيت 65»، إضافة إلى طباعة العبارة على مئات القمصان وملصقات السيارات.
وبعد ثلاث سنوات فازت «بوينغ» بالعطاء ولم تدخل «إيرباص» في المنافسة. غير أنه في بداية عام 2012 عادت «إيرباص» لمدينة موبايل بمقترح جديد لإنشاء خط تجميع لاثنين من أكثر طرزها التجارية انتشارا؛ «إيه 320» والطراز الشبيه الأكبر حجما «إيه 321».
وقال آلان ماكارتر، المدير التنفيذي لعمليات «إيرباص» بشمال الولايات المتحدة، إن «الأمر استغرق قرابة عام ونصف العام كي نلغي العملية التجارية. درست إيرباص أماكن أخرى، إلا أنها كانت تعود دائما لألاباما وموبايل، اللتين كانتا من الممكن أن تقدما استثمارات بقيمة 150 مليون دولار، إضافة إلى إعفاءات ضريبية وتحمّل تكاليف تدريب العمال وغيرها من الحوافز، وهو ما كان بالفعل في يونيو 2012، فقد كان هذا المكان هو البيت الذي طالما بحثنا عنه».

خدمة « نيويورك تايمز»
خاص بـ «الشرق الأوسط»



طوكيو تُصنّف هبوط الين «مضاربة» وتتأهب للتدخل... وعوائد السندات تتراجع

لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)
لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)
TT

طوكيو تُصنّف هبوط الين «مضاربة» وتتأهب للتدخل... وعوائد السندات تتراجع

لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)
لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)

وصفت السلطات اليابانية، الثلاثاء، انخفاض الين بأنه ناتج عن «تحركات مضاربة» للمرة الأولى منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، في تحول لافت يعكس قلق صانعي السياسة من تدهور العملة.

وكررت وزيرة المالية، ساتسوكي كتاياما، استعداد طوكيو للتحرك «على كافة الجبهات» لمواجهة التقلبات الحادة، خاصة مع اقتراب الين من مستوى 160 للدولار، وهو الخط الأحمر الذي يراه المراقبون حافزاً للتدخل المباشر.

ويرى المحللون أن هذا التصعيد في النبرة يهدف إلى كبح جماح البائعين على المكشوف، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً «مزدوجة» ناتجة عن ارتفاع أسعار النفط بسبب إغلاق مضيق هرمز، وزيادة تكاليف الاستيراد بفعل ضعف الين، مما يضع الاقتصاد الياباني الهش أمام مخاطر تضخمية متزايدة.

انتعاش السندات ومزاد ناجح

على مقلب آخر من الأسواق، شهدت السندات الحكومية اليابانية انتعاشاً ملموساً، الثلاثاء، مدعومة بطلب قوي في مزاد للأوراق المالية لأجل عامين. وانخفض العائد على السندات القياسية لأجل عشر سنوات بمقدار 1.5 نقطة أساس ليصل إلى 2.340 في المائة، متراجعاً عن ذروته التي سجلها، الاثنين، والتي كانت الأعلى منذ فبراير (شباط) 1999.

وأظهرت بيانات المزاد أن نسبة التغطية بلغت 3.54 مرة، مما يعكس رغبة المستثمرين في اقتناص العوائد الحالية وسط حالة من اليقين بشأن وتيرة رفع الفائدة المستقبلية.

في الوقت ذاته، سجلت السندات طويلة الأجل (20 و30 و40 عاماً) تراجعات ملحوظة في العوائد، مما يشير إلى إعادة تقييم الأسواق لمخاطر الركود العالمي الناتجة عن استمرار النزاعات الجيوسياسية.

معضلة البنك المركزي وقرار أبريل

وعلى الرغم من البيانات التي أظهرت تباطؤ تضخم الأسعار في طوكيو خلال مارس (آذار) إلى 1.7 في المائة - أي دون مستهدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة - إلا أن الخبراء في «باركليز» و«نومورا» يتوقعون أن يكون هذا التباطؤ مؤقتاً.

ويرى المحللون أن البنك المركزي الياباني سيضطر للمضي قدماً في رفع أسعار الفائدة خلال اجتماعه في أبريل (نيسان) المقبل، لمواجهة «الصدمة الثانية» الناتجة عن طفرة أسعار الطاقة وتحول الشركات اليابانية نحو تمرير التكاليف إلى المستهلكين بشكل أكثر جرأة.

وخلص خبراء الاقتصاد إلى أن اليابان باتت أكثر عرضة للتأثيرات الثانوية للتضخم مقارنة بفترة حرب أوكرانيا 2022، مما يضع بنك اليابان أمام خيار صعب: إما رفع الفائدة لمحاربة التضخم وحماية العملة، أو التريث لتجنب الإضرار بالنمو الاقتصادي المتعثر أصلاً تحت وطأة فاتورة الطاقة الباهظة.


الذهب يتجه لأسوأ أداء شهري منذ أكثر من 17 عاماً مع تلاشي آمال خفض الفائدة

امرأة هندية تجرب حلياً ذهبية في متجر مجوهرات (إ.ب.أ)
امرأة هندية تجرب حلياً ذهبية في متجر مجوهرات (إ.ب.أ)
TT

الذهب يتجه لأسوأ أداء شهري منذ أكثر من 17 عاماً مع تلاشي آمال خفض الفائدة

امرأة هندية تجرب حلياً ذهبية في متجر مجوهرات (إ.ب.أ)
امرأة هندية تجرب حلياً ذهبية في متجر مجوهرات (إ.ب.أ)

ارتفعت أسعار الذهب، الثلاثاء، وسط آمال بخفض التصعيد في الصراع بالشرق الأوسط، لكنها تتجه نحو أسوأ أداء شهري لها منذ أكثر من 17 عاماً، حيث أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى تراجع الآمال بخفض أسعار الفائدة الأميركية هذا العام.

وارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة 1.1 في المائة إلى 4561.68 دولار للأونصة، حتى الساعة 04:27 بتوقيت غرينتش. وارتفعت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم أبريل (نيسان) بنسبة 0.7 في المائة إلى 4590 دولاراً.

وقد تراجع الدولار، مما جعل السلع المقومة به في متناول حاملي العملات الأخرى.

وقال إيليا سبيفاك، رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في شركة «تايستي لايف»: «تشهد أسعار الذهب انتعاشاً في بداية التداولات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، بعد أن صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب لمساعديه بأنه مستعد لإنهاء الحملة العسكرية الأميركية ضد إيران... وقد أدى ذلك إلى استجابة إيجابية من الأسواق المالية».

وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، الاثنين، أن ترمب أبلغ مساعديه بأنه مستعد لإنهاء الحملة العسكرية ضد إيران حتى لو ظل مضيق هرمز مغلقاً إلى حد كبير، وأن إعادة فتحه عملية معقدة ستتم في وقت لاحق.

وأضاف سبيفاك: «يشهد الذهب استقراراً منذ نحو أسبوع، مع ارتفاع ملحوظ يوم الجمعة الماضي. وقد تزامن ذلك مع انخفاض في عوائد سندات الخزانة، مما يشير إلى أن الأسواق بدأت تنظر إلى الحرب الإيرانية على أنها خطر ركود اقتصادي».

وانخفض سعر الذهب بأكثر من 13 في المائة هذا الشهر، ما يجعله على مسار تسجيل أكبر انخفاض له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008، متأثراً بقوة الدولار وتراجع التوقعات بخفض سعر الفائدة الأميركي هذا العام. ومع ذلك، لا تزال الأسعار مرتفعة بنحو 5 في المائة خلال الربع الحالي.

وقد استبعد المتداولون تقريباً أي احتمال لخفض سعر الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي هذا العام، نظراً لتهديد ارتفاع أسعار الطاقة بتغذية التضخم العام.

ويميل الذهب إلى الازدهار في بيئة أسعار الفائدة المنخفضة لكونه أصلاً غير مدر للدخل.

وقبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، كانت التوقعات تشير إلى خفضين لسعر الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي هذا العام، وفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي».

وأشار بنك «غولدمان ساكس»، في مذكرة له، إلى أنه لا يزال يتوقع أن يصل سعر الذهب إلى 5400 دولار للأونصة بحلول نهاية عام 2026، مدفوعاً بتنويع البنوك المركزية وتيسير الاحتياطي الفيدرالي.

وارتفع سعر الفضة الفوري بنسبة 2.9 في المائة إلى 72.04 دولار للأونصة، وزاد سعر البلاتين الفوري بنسبة 0.6 في المائة إلى 1911.15 دولار، وارتفع سعر البلاديوم بنسبة 2 في المائة إلى 1434.23 دولار.


الدولار يتأهب لأكبر مكاسب شهرية منذ يوليو وسط اشتعال توترات الشرق الأوسط

أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو (رويترز)
TT

الدولار يتأهب لأكبر مكاسب شهرية منذ يوليو وسط اشتعال توترات الشرق الأوسط

أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو (رويترز)

اتجه الدولار نحو تحقيق أكبر مكاسبه الشهرية منذ يوليو (تموز)، الثلاثاء، وبرز كأقوى الأصول الآمنة، حيث أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة مخاطر الركود العالمي.

وخلال الليل، واصل الدولار مكاسبه على نطاق واسع، باستثناء الين، حيث دفعت التهديدات المتجددة بالتدخل من طوكيو المتداولين إلى الحذر من بيع الين بما يتجاوز 160 يناً للدولار.

وبعد أن لامس الين أدنى مستوى له منذ يوليو 2024 في اليوم السابق، تم تداول الدولار عند 159.81 ين، صباح الثلاثاء، في آسيا، بانخفاض نحو 2.4 في المائة على أساس شهري، وذلك بسبب اعتماد اليابان على واردات الطاقة التي تشهد ارتفاعاً حاداً في أسعارها. ولم تشهد البيانات تغيراً يُذكر، إذ أشارت إلى تباطؤ طفيف في معدل التضخم في طوكيو هذا الشهر.

وانخفض اليورو بنسبة 0.3 في المائة خلال الليل، ويتجه نحو انخفاض شهري بنحو 3 في المائة، بينما تراجع الدولار الأسترالي والنيوزيلندي إلى أدنى مستوياتهما في عدة أشهر.

وبعد صموده طوال معظم الشهر، بدأ الدولار الأسترالي بالتراجع بشكل ملحوظ في الجلسات الأخيرة، مع تحول تركيز الأسواق من التضخم إلى النمو العالمي.

وسجلت العملة أدنى مستوى لها في شهرين عند 0.6834 دولار أميركي خلال الليل، وتداولت عند 0.6844 دولار أميركي صباح اليوم في آسيا. كما تراجع الدولار النيوزيلندي بشكل حاد، مسجلاً أدنى مستوى له في أربعة أشهر عند 57 سنتاً، الاثنين، وتداول آخر مرة عند مستوى قريب من 0.5716 دولار أميركي.

وسجلت قيمة الوون الكوري الجنوبي أدنى مستوى لها منذ عام 2009.

وبلغ مؤشر الدولار الأميركي أعلى مستوى له منذ مايو (أيار) الماضي، الاثنين، عند 100.61، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 2.9 في المائة خلال شهر مارس (آذار)، وهو أكبر ارتفاع شهري له منذ يوليو الماضي.

وحذر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، من أن الولايات المتحدة ستدمر محطات الطاقة وآبار النفط الإيرانية إذا لم تفتح طهران مضيق هرمز، وذلك بعد أن وصفت طهران مقترحات السلام الأميركية بأنها «غير واقعية» وأطلقت صواريخ على إسرائيل.

وأفادت وكالة الأنباء الكويتية الرسمية (كونا)، الثلاثاء، أن ناقلة نفط كويتية محملة بالكامل تعرضت لهجوم إيراني أثناء رسوها في دبي، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط.

وقال كريس تيرنر، رئيس قسم الأسواق العالمية في بنك «آي إن جي»: «ما لم تصدر أي رسائل واضحة ومصالحة من الجانب الإيراني، فمن الصعب توقع تراجع الدولار عن مكاسبه التي حققها هذا الشهر في أي وقت قريب».

من جهته، قلّل رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، الاثنين، من احتمالية رفع أسعار الفائدة قريباً، مؤكداً نهج البنك المركزي الأميركي القائم على الترقب والانتظار، ومشيراً إلى أن توقعات التضخم تبدو مستقرة على المدى البعيد.

وأدى ذلك إلى انخفاض عوائد السندات قصيرة الأجل، وألغى التوقعات برفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة هذا العام، لكنه لم يؤثر بشكل ملحوظ على الدولار، لأنه يميل إلى الاستفادة من الإقبال عليه كملاذ آمن عندما تكون توقعات النمو العالمي سلبية.

وشهدت الملاذات الآمنة الأخرى، كالسندات والذهب، أداءً ضعيفاً منذ اندلاع الحرب، ومع فشل الين في تحقيق مكاسب، أدت تهديدات البنك الوطني السويسري بكبح قوة العملة إلى عزوف المستثمرين عن الفرنك السويسري كملاذ آمن.

وارتفع الدولار بنحو 4 في المائة مقابل الفرنك خلال الشهر، ليصل إلى 0.80 فرنك. ومن المقرر صدور بيانات التضخم لشهر مارس في وقت لاحق من الجلسة في أوروبا، إلى جانب مؤشرات مديري المشتريات الصينية.