تراجع مستوى دخل المواطن الروسي إلى مستويات الأزمة المالية في 2008

موسكو تخطط لسد عجز الموازنة بحلول 2018 عبر الاقتراض من السوق

تراجع مستوى دخل المواطن الروسي إلى مستويات الأزمة المالية في 2008
TT

تراجع مستوى دخل المواطن الروسي إلى مستويات الأزمة المالية في 2008

تراجع مستوى دخل المواطن الروسي إلى مستويات الأزمة المالية في 2008

قال نائب وزير المالية الروسي ماكسيم أورشكين، أمس، إن الوزارة تريد سد عجز الموازنة بالكامل بحلول 2018 من خلال الاقتراض من السوق والحد من استخدام صندوق الاحتياطي التابع لها في السنوات الثلاث المقبلة.
وأضاف أورشكين أن روسيا تعتزم تنفيذ برنامجها الخاص بالاقتراض لهذا العام بالكامل ومن المرجح أن تصدر سندات حكومية جديدة مرتبطة بالتضخم هذا العام.
ويمر الاقتصاد الروسي بأزمة حادة منذ ربيع العام الماضي 2014، تركت أثرها المباشر على شتى قطاعات الاقتصاد الوطني، من صناعة وتجارة وأعمال، كما وضربت بشكل مباشر بجيب المواطن البسيط. هذا ما تؤكده دراسة أجرتها شركة إرنست ويونغ (E&Y) العالمية للاستشارات المالية التي كشفت عن انخفاض على مستوى الدخل الحقيقي للمواطن الروسي في الآونة الأخيرة إلى مستويات قياسية أدنى مما كانت عليه خلال الأزمة المالية العالمية سنوات 2008 - 2009. ويشير الخبراء من إرنست ويونغ إلى أن غالبية الشركات الروسية رفعت قيمة المعاشات الشهرية لموظفيها، لكن هذه الزيادة جاءت في مستوياتها الدنيا، ما يبقي الدخل الحقيقي للمواطن في حالة عجز أمام التضخم الاقتصادي في البلاد. فضلاً عن ذلك أظهرت قاعدة بيانات شركات التوظيف تقلصًا ملموسًا على قيمة الدخل الحقيقية التي يعرضها أرباب العمل مقابل وظائف جديدة يطرحونها في السوق.
وتشير الدراسة إلى أن 81 في المائة من الشركات التي جرى استطلاع نشاطها المهني في هذه المرحلة قد قامت بزيادة القيمة الحقيقية لدخل موظفيها بنسبة 8.3 في المائة، بينما بلغ التضخم نسبة 16.3 في المائة، ما يعني أن الدخل الحقيقي للعامل والموظف الروسي انخفض واقعيًا بقدر 8.2 في المائة، وهذا مؤشر قياسي لمستوى الدخل، تجاوز هبوطًا مستوى الدخل في أوج الأزمة المالية عام 2008.
يُذكر أن الاقتصاد الروسي يعاني منذ النصف الثاني من العام الماضي 2014 أزمة حادة جاءت نتيجة أسباب عدة، في مقدمتها العقوبات الأميركية والأوروبية ضد روسيا على خلفية إعلانها ضم شبه جزيرة القرم إلى قوام الاتحاد الروسي، وتحميل روسيا مسؤولية النزاع المسلح في جنوب شرقي أوكرانيا، فضلاً عن هبوط أسعار النفط في السوق العالمية، ذلك أن الاقتصاد الروسي يقوم بشكل أساسي على «دولار النفط»، ومع هبوط سعر خام برنت سجل الروبل هبوطًا حادًا بلغ ذروته يوم 16 2014، أو اليوم الذي أصبح يعرف باسم «الثلاثاء الأسود» حين أغلقت سوق العملات على سعر بلغ في بعض المدن 80 روبلاً للدولار، مقابل 33 روبلاً تقريبًا للدولار مطلع العام ذاته. ويعتبر عام 2014 الأسوأ في تاريخ الروبل الروسي، حيث خسر 46 في المائة من قيمته أمام الدولار، بينما لم تتجاوز هذه الخسارة عام 2008 أكثر من 17 في المائة.
وكان من المنطقي أن ترتفع أسعار المواد بشكل عام والخدمات في السوق الروسية، إلا أن العقوبات «الجوابية» الروسية على العقوبات الغربية، والتي شملت حظرًا روسيًا على استيراد المواد الغذائية واللحوم والحليب ومشتقاته والفاكهة والخضار من الدول الأوروبية، وتحول روسيا نحو الاعتماد على الإنتاج المحلي والتعويض بالاستيراد من أسواق الدول المجاورة، معطيات خففت من حجم التأثير السلبي الذي كان متوقعًا على سوق المواد الغذائية، وغيرها من مواد في روسيا. الأمر الذي ساهم في تخفيف وقع أثر الأزمة على المواطنين.
بعيدًا عن لغة الأرقام، وبالانتقال إلى لغة المواطن البسيط فإن القدرة الشرائية لدى المواطن الروسي قد شهدت تراجعًا ملحوظًا على خلفية ارتفاع أسعار المواد بشكل عام بنسبة تزيد مرتين عن قيمة الزيادة على دخله الشهري، في هذا السياق كشفت الهيئة الفيدرالية الروسية للإحصائيات عن نتائج دراستها لحركة السوق وبينت أن غالبية المواد الغذائية لم تعد متاحة للمواطن الروسي كالسابق، وعلى سبيل المثال إذا كان بوسع العامل الروسي أن يشتري بالقيمة الحقيقية لدخله الشهري 951 كغ من اليخنة، فلن يتمكن حاليًا من شراء سوى 560 كغ من اليخنة بقيمة دخله الحالي. وهذه معيار يشمل مختلف المواد الغذائية باستثناء الخبز والمعكرونة ولحم الضأن.
لملامسة هذا الواقع تحدثت «الشرق الأوسط» مع عدد من المواطنين الروس يعملون في مجالات مختلفة. سائق التاكسي «غريغوري» أقر بأن دخله الحالي لم يعد كافيًا لشراء ذات القدر من الأغذية التي كان يشتريها منذ عام أو عام ونصف، مشيرًا إلى أن أصعب مرحلة كانت بالنسبة له في مطلع العام، أي بدايات الأزمة، حين هبط سعر صرف العملة الوطنية (الروبل) خلال شهر من 35 روبلاً للدولار حتى 80 روبلاً مقابل الدولار. «لكن بعد ذلك – حسب قول غريغوري - أخذنا نتأقلم، ولم يحدث ارتفاع مفاجئ على الأسعار، بل جاء تدريجي وهو مستمر حتى اليوم، وبصورة رئيسية على المواد المستوردة. على سبيل المثال السجائر التي أدخنها كنت أشتريها بـ55 روبلاً، وارتفع ثمنها تدريجيًا ليصل اليوم حتى 85». ويوضح سائق التاكسي الذي يسمع يوميًا من الناس الذين يقلهم حكايات كثيرة، أن «الارتفاع الحالي على الأسعار ليس بالكارثي، لكن هناك صعوبات لأن الدخل لم يرتفع بالقدر المطلوب، لكننا اجتزنا مراحل كهذه وسنجتاز هذه المرحلة أيضًا».
الشابة «أوكسانا» العاملة في واحدة من شركات الاتصالات أكدت أن أسرتها تأثرت طبعا بالأزمة، وقالت: «لكن الحياة مستمرة بوتيرة طبيعية، ونحاول التأقلم مع الوضع الحالي». إلا أن ما يزعج هذه الشابة الجميلة ارتفاع قالت إنه يقدر وسطيا بنسبة 20 في المائة على أسعار المواد التجميلية والعطور»، لكنها لم تتوقف رغم ذلك عن شراء المواد التجميلية، وإنما بكميات أقل. وأكدت هي أيضًا أنها تذكر كيف كان الوضع خلال الأزمة المالية عام 2008، وأن عائلتها تمكنت من الاستمرار حينها دون أن يترك ذلك الوضع أثرًا ملموسًا على نمط حياتهم، على الرغم من الصعوبات حينها والتي يواجهونها حاليًا. وختمت «أوكسانا» حديثها بثقة قائلة: «سنتصرف كما يجب وسنجد مخرجًا من الوضع على الرغم من صعوبته».
النتائج السلبية للأزمة الاقتصادية لم تقتصر على ضرب القدرة الشرائية والدخل الحقيقي للمواطن الروسي، بل وشملت بالطبع الشركات الكبرى والمؤسسات التجارية الرسمية، والأمثلة من الواقع حول هذا الوضع كثيرة جدًا، منها على سبيل المثال لا الحصر تراجع حجم التبادل التجاري بين روسيا وفنلندا بنسبة 30 في المائة خلال الربع الأول من عام 2015، وفق ما نقلت صحيفة «فيدوموستي» الروسية عن الملحق التجاري الروسي في هلسنكي، الذي أشار إلى أن سبب هذا التراجع لا يعود إلى العقوبات ضد روسيا والحظر الروسي على المنتجات الأوروبية بصورة رئيسية، إذ تأثر ميزان التبادل التجاري بين البلدين كذلك بالوضع الاقتصادي الحالي، وبعدم استقرار سعر صرف الروبل الروسي، وتراجع القدرة الشرائية لدى الشركات الروسية والعامة من الناس على حد سواء. إلا أن الملحق التجاري الروسي متفائل أيضًا، حاله حال كثيرين في روسيا، ويؤكد أن هذا الوضع سيتغير نحو الارتفاع بمجمل حصيلة التبادل التجاري بين البلدين لعام 2015. في غضون ذلك تتعامل الحكومة بموضوعية مع الأزمة الحالية، وتقر بمدى صعوبتها، وتجتهد بوضع برامج تهدف إلى التقليل من النتائج الكارثية التي قد تخلفها هذه الأزمة على الاقتصاد الروسي واستقراره ونموه على المدى البعيد.



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.