عاصفة في مهرجان تورنتو تهب على «حقول لندن»

المخرج لم يصنع الفيلم وجوني دَب قد لا يحضر حفل افتتاحه

أمبر هيرد كما تبدو في «حقول لندن»
أمبر هيرد كما تبدو في «حقول لندن»
TT

عاصفة في مهرجان تورنتو تهب على «حقول لندن»

أمبر هيرد كما تبدو في «حقول لندن»
أمبر هيرد كما تبدو في «حقول لندن»

عندما قابلت جوني دَب في مهرجان فينسيا، انحصر الحديث عن فيلمه الذي شارك في المسابقة وقاد بطولته وهو «قدّاس أسود». وكما ورد في المقابلة المنشورة، فإن الفيلم العصاباتي ذاته كان مبرمجًا للعرض في مهرجان «تورنتو» الذي انطلق في العاشر من هذا الشهر ويلملم أوراقه وأفلامه بعد يومين.
وهذا ما حدث بالفعل؛ فالفيلم شهد عرضًا ناجحًا في المهرجان الكندي ضمن هذه الدورة الأربعين حيث شوهد جوني دَب مع زوجته الممثلة أمبر هيرد وهما يدخلان الفيلم لعرضه الأول في شمال أميركا وحين أضيئت الصالة الكبيرة مرّة أخرى، كان لا يزال هناك. أمبر هيرد ذاتها صاحبته في فينسيا كونها ظهرت في دور رئيسي في فيلم «الفتاة الدنماركية» (بطولة أليسيا فيكاندر وإيدي ردماين) وهو الفيلم الذي عرض أيضًا في تورنتو، ومرّة ثانية شوهد دَب وزوجته هيرد يدخلان القاعة ويحضران الفيلم.
هذا ليس كل شيء!
هناك فيلم ثالث لهما. فيلم بريطاني - أميركي مشترك بلغت ميزانيّته 8 ملايين دولار (نصف ما يتقاضاه دَب عادة من أجر) وهو من بطولتهما معًا. الفيلم هو «حقول لندن» وهو سبب عاصفة لا نملك بعد نتائجها، فالفيلم يعرض للصحافة صباح اليوم (الجمعة) وفي المساء هناك عرض احتفالي (غالا) من المفترض أن يحضره دَب وهيرد والممثلون الرئيسيون الآخرون فيه جيم ستيرجز وبيلي بوب ثورنتون.
امتناع عن الحضور
«حقول لندن» مأخوذ عن رواية بوليسية للكاتب مارتن أميس. هي واحدة من بين أشهر وأفضل رواياته (وضعها سنة 1989) وكانت سادس أعماله. بطلها كاتب روائي عليل الصحة كان توقف عن الكتابة قبل عشرين سنة بعدما نفذت قريحته (يؤديه ثورنتون) ورجلان آخران (دَب وستيرجز) والثلاثة ارتبطوا بعلاقة عاطفية مع نيكولا (هيرد) التي تدرك أن أحد هؤلاء الثلاثة سيقوم بقتلها، والرواية (كما الفيلم على الأرجح) يبقي هويّته خفية على المتلقي حتى النهاية.
المشكلة ليست في الرواية بل في إنتاجها أو بالأحرى في معضلة من المسؤول عن النسخة الأخيرة من الفيلم التي تحوّلت إلى واحدة من عواصف مهرجان تورنتو الحالي.
فالمخرج ماثيو كولين فوجئ، حسب قوله، بأن النسخة التي ستعرض ليست النسخة التي قام بإخراجها. والذي حدث أن أحد المنتجين الثلاثة الذين أداروا دفّة الفيلم الإنتاجية، وهو كريس هانلي، دخل غرفة المونتاج بعد انتهاء المخرج منها، وقام بإضافة مشاهد كان المخرج كولين صوّرها ثم استبعدها. وهي مشاهد عنف لم ير المخرج حاجة ماسّة إليها بل اكتفى بما أراده منها.
نتيجة ذلك أن ارتفع صوت المخرج احتجاجًا، وحاول اللجوء إلى «نقابة المخرجين في أميركا» (Director‪›‬s Guild of America) لكي يسحب اسمه عن الفيلم، لكن، وحسب مصادر في تورنتو، ووجه بأن قراره بسحب اسمه متأخر ولا تستطيع النقابة فرض ذلك على منتجي الفيلم.
والأرجح أن المخرج تواصل مع ممثلي الفيلم الرئيسيين الأربعة (كلهم حاضرون في تورنتو) ليخبرهم بأن النسخة التي سيشاهدونها في تورنتو ليست النسخة التي حققها. والأرجح أيضًا أنه طلب منهم مساندته في دعواه. ما نتج عن هذا التواصل أن دَب وهيرد وثورنتون وستيرجز كتبوا رسالة احتجاج لمنتجي الفيلم على ما اعتبروه «اعتداء على الفيلم من دون معرفة مخرجه» واثنان من الأربعة المذكورين، هما ثورنتون وستيرجز، أعربا عن رغبتهما في مقاطعة الفيلم وعدم حضور حفل عرضه الرئيسي هذه الليلة، ولو أن المنتج هانلي ذكّر بيلي بوب ثورنتون بنص في العقد يقول إن عليه مؤازرة ودعم الفيلم إعلاميا ما قد ينتج عنه رفع دعوى بالإخلال بالعقد المبرم إذا ما نفّذ تهديده.
سوابق
المنتج كريس هانلي (ظهر في بعض الأفلام ممثلاً أيضًا) ربما استلهم التغييرات من فيلم اشترك في إنتاجه قبل خمس سنوات بعنوان «القاتل في داخلي» من إخراج البريطاني مايكل وينتربوتوم وبطولة كايسي أفلك وكيت هدسون وجسيكا ألبا وند بيتي وتميّز بعنفه الشديد ولم يحظ بكثير من التقدير حين تم عرضه سنة 2010 في مهرجان برلين السينمائي شريكًا في مسابقته. مثل الفيلم الحالي، مأخوذ عن رواية بوليسية (لجيم تومسون) وغارق بالعنف (يدور حول شرطي يحقق في جرائم لنكتشف سريعًا بأنه هو من يقوم بها).
«القاتل في داخلي» ليس فيلم هانلي العنيف الوحيد. سنة 2000 أنتج «أميركان سايكو» من بطولة كرستيان بايل عن رواية ثالثة لبرت إيستون إيليس أخرجته ماري هارون. فيلم جيّد بحد ذاته يأمل الناقد اليوم أنه حكم على نسخة أرادتها المخرج كما جاءت.
حيال ذلك لجأ كولين إلى القضاء لينصفه فرفع دعوى ضد شركة الإنتاج وممثليها فحواها أنها قامت، سريّا ومن دون علمه أو موافقته، بتغيير الفيلم وتحضير نسخة أخرى لم يتم الاتفاق عليها.
ويبدو أن القيادة هنا في ملعب المخرج ليس لأنه ممتنع عن حضور حفلة الفيلم مسببًا لمهرجان «تورنتو» إحراجًا فوق الحرج الذي تشعر به إدارته حيال اكتشافها أنها ستعرض فيلمًا مزوّرًا، فحسب، بل لأنه كشف، حسب ما أوردته صحيفة «ذا نيويورك تايمز» في تقرير كتبه محررها مايكل سيبلي، أن الفيلم بات يتضمن مشاهد لم ينص عليها السيناريو، كمشهد يصوّر جموع الحجاج في مكّة المكرّمة ومشهد لرجل يرمي بنفسه من أحد برجي كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001 ومشاهد فلاشباك بالغة العنف.
ويضم مهندس الصوت البريطاني جوفان أجدر صوته إذ يصرح للمحرر الأميركي سيبلي أن الفيلم الجديد يختلف «جذريًا» عن الفيلم الذي حققه المخرج وأنه بات «مثيرًا للارتباك».
ما إذا كان جوني دَب وأمبر والممثلون الآخرون سيحضرون الافتتاح أو سيلتزمون بمساندة المخرج أمر غير معروف. لكن الفيلم بات مثالاً لصراع الإرادة بين الفنان و.. سواه.
هذا الوضع ليس الوحيد الذي تابعه الحاضرون في مهرجان تورنتو في دورته الجديدة، ولا القضية المرفوعة أمام القضاء بفريدة في نوعها هذه الأيام. فقبل أيام تقرر سحب فيلم «نعمة مذهلة» Amazing Grace من عروض مهرجان تورنتو وذلك بعدما اضطر مهرجان توليارايد (يقام مباشرة قبل المهرجان الكندي) بسحبه.
الفيلم الذي حققه سيدني بولاك في منتصف الستينات واجه معارضة شديدة من المغنية أريثا فرانكلين رغم أنه، وإلى حد بعيد، عنها في بعض حفلاتها الغنائية. وقد جددت المحكمة قرار المنع ما دفع المنتج آلان إيليوت لعدم عرض الفيلم لمدة شهر كامل يكون مهرجان تورنتو انتهى خلالها وأزف موعد مهرجانات أخرى.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز