حزب العدالة والتنمية.. الرقم الصعب في انتخابات المغرب المحلية

طرد معارضيه من المدن الكبرى.. وأرغم «الاستقلال» على الانقلاب ضد نفسه

حزب العدالة والتنمية.. الرقم الصعب في انتخابات المغرب المحلية
TT

حزب العدالة والتنمية.. الرقم الصعب في انتخابات المغرب المحلية

حزب العدالة والتنمية.. الرقم الصعب في انتخابات المغرب المحلية

يقرأ المراقبون في المغرب ملامح كثيرة في نتائج الانتخابات الجهوية والبلدية، ولا سيما أداء حزب العدالة والتنمية، ذي التوجهات الإسلامية، الذي يقوده رئيس الحكومة عبد الإله ابن كيران، والانعكاسات المحتملة لهذا الأداء على الانتخابات العامة المقبلة. وكان لافتًا بالنسبة للمراقبين أن أداء العدالة والتنمية كان أفضل بكثير من أداء الأحزاب والقوى الإسلامية في دول «الربيع العربي»، وإن كان ثمة من يشير إلى أن جزءًا من نجاحات الحزب جاء نتيجة أخطاء منافسيه وانشقاقاتهم.

{فاس تتنفس الصعداء} بهذه العبارة علق عبد الإله ابن كيران، رئيس الحكومة المغربية والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، على اكتساح حزبه ذي المرجعية الإسلامية، للعاصمة العلمية للمغرب، حيث ظل غريمه السياسي حميد شباط الأمين العام لحزب الاستقلال المعارض عمدة لولايتين متتاليتين. وجدير بالذكر، أن مدينة فاس تعدّ المعقل التاريخي للاستقلاليين وزعمائهم السابقين المنتمين للعائلات الفاسية.
عبارة ابن كيران التي قالها خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده مساء اليوم الموالي للاقتراع الخاص بانتخابات مجالس الجهات (المناطق) والبلديات يوم 4 سبتمبر (أيلول) الحالي، حملت في طياتها تشفيًا ممزوجًا بنشوة النصر الذي حققه الحزب ليس فقط في مدينته فاس التي حصل فيها حزبه على 74 مقعدًا، بل في خمس مدن كبرى أخرى بشكل فاق التوقعات وفاجأ الحزب نفسه، تمامًا كما فاجأته نتائج الانتخابات التشريعية التي أجريت في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 وحصل فيها العدالة والتنمية على 107 مقاعد. ويومذاك جاء الفوز عقب موجة احتجاجات عرفتها البلاد، وقادتها حركة 20 فبراير (شباط) الشبابية، قبل أن تنقذ الإصلاحات السياسية التي أعلن عنها الملك محمد السادس الموقف، وتسمح بوصول أول حزب إسلامي مغربي إلى السلطة.

مفاجأة «الاستقلال»
لكن إذا كان تصدّر حزب العدالة والتنمية النتائج الخاصة بانتخاب أعضاء المجالس البلدية واكتساحه المدن الكبرى مفاجئًا، فإن مفاجأة أخرى ظهرت الاثنين عشية انتخاب رؤساء الجهات وخلطت كل الأوراق، ولقد تمثلت في «الانقلاب» الذي نفذه ضد نفسه، وضد أحد حلفائه في المعارضة وهو حزب الأصالة والمعاصرة.
حزب الاستقلال أعلن، من دون سابق إنذار، فك تحالفه مع أحزاب المعارضة، وإعلان مساندته النقدية لحكومة خصمه السياسي اللدود ابن كيران، وجاء هذا القرار بعد 10 أيام من ظهور نتائج الانتخابات البلدية والجهوية. ولقد اتخذ الحزب هذا القرار خلال اجتماع للجنته التنفيذية، ترأسه، عقد ليلة الأحد الماضي واستمر حتى ساعة مبكرة من يوم الاثنين. وسيرفع القرار إلى المجلس الوطني (برلمان الحزب) لإقراره. كذلك أعلن الحزب أنه بصدد إعداد وثيقة ستصدر خلال الأيام القليلة المقبلة، تتضمن تقييمًا موضوعيًا ونقدًا ذاتيًا للوضع الحالي للحزب.
وبادر إلى تنفيذ هذا القرار في اليوم الذي أجريت فيه انتخابات رؤساء مجالس الجهات، فانسحب من سباق رئاسة جهة فاس - مكناس، ليفسح الطريق أمام مرشح الأغلبية الحكومية محند العنصر، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية الذي ظفر بالمنصب. كذلك دعا قياديي حزبه إلى التصويت ضد مرشحي الأصالة والمعاصرة لرئاسة الجهات ومنح أصواتهم لفائدة مرشحي حزب العدالة والتنمية، بيد أن كثيرين منهم لم يلتزموا بالقرار وصوّتوا لفائدة مصطفى بكوري الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي انتخب رئيسًا لجهة الدار البيضاء - سطات، ولفائدة إلياس العمري نائب الأمين العام للحزب ذاته، الذي انتخب رئيسًا لجهة طنجة - تطوان - الحسيمة. وهكذا فاز حزب الأصالة والمعاصرة برئاسة خمس جهات من مجموع 12 مقابل جهتين فقط لحزب العدالة والتنمية. وحصل حزب الاستقلال على رئاسة جهتين (العيون - الساقية الحمراء والداخلة - وادي الذهب)، والتجمع الوطني للأحرار أيضًا على رئاسة جهتين (سوس - ماسة وكلميم - واد نون)، بينما انتزعت الحركة الشعبية رئاسة جهة واحدة (فاس - مكناس)، وكان حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الخاسر الأكبر في الانتخابات الجهوية، ذلك أنه لم يفز بأي جهة.
في سياق ذلك، يبقى السؤال المطروح هو..كيف سينعكس قرار حزب الاستقلال على انتخابات رؤساء البلديات الذي انطلق أمس الثلاثاء ويتواصل اليوم الأربعاء، وما إذا كان سينتج عن ذلك مفاجآت جديدة؟».

قراءة ابن كيران
ثم، إذا كان حزب العدالة والتنمية قد تصدر نتائج انتخابات الجهات، وحل ثالثًا في الانتخابات البلدية، بعد غريميه حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال المعارضين، بعدما كان كثيرون من المراقبين يتوقعون تراجعه أسوة بما حدث للتيارات الإسلامية في دول «الربيع العربي»، فقد كانت لابن كيران قراءة ثانية لتلك النتائج. رئيس الوزراء قال في قراءته إنه إذا ما جرى احتساب الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب الثلاثة الأولى، فإن حزبه يظل هو الأول من حيث عدد الأصوات إذ حصل على مليون و500 ألف صوت، مقابل حصول الأصالة والمعاصرة المعارض على مليون و300 ألف صوت، والاستقلال المعارض على مليون و70 ألف صوت. ورأى ابن كيران أن حزبه لم يكن قد حصل إلا على 600 ألف صوت في الانتخابات البلدية لعام 2009، وبالتالي، يكون الحزب قد نجح في كسب نصف مليون صوت جديد مقارنة مع انتخابات 2011 التي صوت لصالحه فيها مليون صوت.
من ناحية ثانية، أرجع المحلل السياسي محمد العمراني بوخبزة فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة إلى كونه «ما زال يستثمر رصيده الانتخابي في الانتخابات التشريعية لـ2011، بالإضافة إلى كونه يوظف خصوصيته المتمثلة في مرجعيته الدينية». وأوضح بوخبزة أن الحزب لم يعتمد في الاقتراع الأخير على من يطلق عليهم اسم «الكائنات الانتخابية» التي تستميل الناخبين بطرق أخرى غير الخطاب السياسي والبرامج الانتخابية.
وقال بوخبزة لـ«الشرق الأوسط» إن منافسي حزب العدالة والتنمية كان لهم دور أيضًا في هذا الفوز «فهم ارتكبوا أخطاء كبيرة جدًا في التعامل مع هذه الانتخابات، وبالتالي، كمنت قوة العدالة والتنمية في ضعف خصومه السياسيين». وشرح أن غالبية الأحزاب المعارضة «دخلت الانتخابات بمعنويات مهزوزة بعد عقد مؤتمراتها العامة التي وصلت إلى حد حدوث انشقاقات كبرى داخلها مثل ما حدث في حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي».
هذا، ولفتت النتائج التي حققها حزب العدالة والتنمية، بالذات، في المدن الكبرى مثل الرباط وطنجة وأغادير والدار البيضاء والقنيطرة وفاس ومكناس ومراكش الانتباه بشكل كبير. وهو ما حدا بابن كيران للقول: «هذه النتائج وحدها كافية لإبراز شعبية الحزب ومكانته» ومن ثم وصف الانتخابات بأنها كانت «حماسية وكان الناس مرتاحين لنتائجها ولم تعرف تدخل الإدارة».

واشنطن مرتاحة
تجدر الإشارة إلى أن الرضا الذي عبر عنه الرئيس ابن كيران بشأن الانتخابات، دعمته وزارة الخارجية الأميركية التي عدتها «خطوة مهمة وإيجابية نحو الأمام في إطار جهود الحكومة المغربية نحو اللامركزية وتعزيز القرب من المواطنين». ومن ثم، أعلنت الولايات المتحدة «دعمها لجهود المغرب في مجال التنمية الديمقراطية المتواصلة، من خلال الإصلاحات الدستورية والقضائية والسياسية».
ومن جانبه، أقرّ خالد الطرابلسي، رئيس المركز المغربي لحقوق الناخب وعضو اللجنة المركزية لحزب الاستقلال، باكتساح حزب العدالة والتنمية المدن الكبرى، بيد أنه قلّل من أهمية هذا النجاح. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المغرب ليس المدن الكبرى فقط.. والعدالة والتنمية أقام ضجة مدعيًا أنه اكتسح المغرب، لكن هذا غير صحيح فهم لا يتحكمون في المغرب كله، بدليل أن حزب الأصالة والمعاصرة احتل المرتبة الأولى وحزب الاستقلال الثانية بينما جاءوا هم في المرتبة الثالثة».
لكن المفارقة تبقى أن حزب الأصالة والمعاصرة الذي يطرح مشروعًا سياسيًا حداثيًا اكتسح البوادي والقرى، بينما سيطر حزب العدالة والتنمية المحافظ على المدن التي تعج بالحداثيين والمثقفين.

الحملة الانتخابية
ثم إن حماس الانتخابات الذي تحدث عنه ابن كيران لم يكن خافيًا. فخلال الحملة الانتخابية تنقل زعيم العدالة والتنمية بالطائرة لترؤس المهرجانات الخطابية التي نظمها حزبه في عدة مدن كبرى، وكلّف هذا التنقل الحزب نحو 300 ألف درهم (35 ألف دولار). ويبدو أن حضور رئيس الحكومة في هذه المهرجانات كان له وقع السحر على الناخبين في تلك المدن نفسها، ورد ابن كيران ساخرا من معارضيه الذين انتقدوا تكلفة تنقله بالطائرة قائلا «وكأنني بنظرهم لا أستحق ركوب الطائرة». كذلك، خصص ابن كيران حيزًا كبيرًا من مهرجاناته الخطابية لمهاجمة خصومه السياسيين، خاصة، أمين عام حزب الاستقلال، وإلياس العمري نائب الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة الذي يعده ابن كيران الرئيس الفعلي للحزب.
أيضًا، لم يفوّت ابن كيران أجواء الحماس الانتخابي، بل استعمل كل ما لديه من أفضليات لمهاجمة خصومه بشكل لاذع وساخر، وهي المهمة التي يتقنها بامتياز، ولم يتوان في توجيه تهم ثقيلة لخصومه من قبيل تلقي الأموال من تجار المخدرات لصرفها في الحملات الانتخابية، وهي التهمة التي وجهها تحديدًا للعمري في عز الحملة الانتخابية، وقرّر على أثرها حزب الأصالة والمعاصرة مقاضاة رئيس الحكومة على الرغم من أن هذه الاتهامات ليست جديدة، إذ سبق لابن كيران إثارتها غير مرة خلال الأشهر التي سبقت موعد الانتخابات. ولكن بدهائه السياسي نفى ابن كيران أن يكون هو من وجّه للعمري تهمة تلقي الأموال من تجار المخدرات، بل كان هو من اتهم العمري بذلك عبر شريط فيديو يعود تاريخه إلى عام 2011، اطلع عليه ابن كيران في أحد المواقع الإلكترونية. وبالتالي، فإن كل ما يطالب به العمري هو «أن يقول للمغاربة بأنه يكذب، أو أن يعترف بأنه كذب على العمري»، مؤكدًا أنه سيتابع هذه القضية حتى النهاية.
أما الذي سبق أن وجه لابن كيران تهمًا غريبة وعجيبة مثل علاقته بجهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد)، وأيضًا علاقته بتنظيمي «داعش» و«النصرة»، فكان له نصيب وافر من السخرية خلال مختلف المهرجانات الخطابية، حيث سخر منه ابن كيران لأنه وعد سكان مدينة فاس (البعيدة عن البحار) بتوفير بحر صناعي لهم. واستهزأ بإقدامه على نصب برج يشبه برج إيفل الباريسي في المدينة قبل أن يتراجع عن نصبه. وأشار رئيس الوزراء في جل خطاباته إلى المظاهرة التي نظمها ضد الحكومة مستعينًا بالحمير، وهي المظاهرة التي «جلبت السخرية للمغرب عبر العالم»، كما قال. فهل كان لهذا الخطاب المغرق في السخرية ضد الخصوم تأثير على الناخبين؟
يجيب المحلل السياسي العمراني بوخبزة أن «خطاب ابن كيران ضد خصومه لم يكن خطابًا خاصا بالمرحلة الانتخابية بل امتداد لما سوقه ضدهم منذ توليه رئاسة الحكومة». وأردف أن «التنابذ الذي حدث بين ابن كيران وخصومه السياسيين ليس مرحليًا بل مسترسلاً، وكان له تأثير كبير جدا على الناخبين لأنه وافق القناعات العامة السائدة في المجتمع بضرورة محاربة رموز الفساد». ولفت بوخبزة إلى أن حزب العدالة والتنمية، حتى قبل مرحلة ابن كيران، «ركز دائمًا على تسفيه الخصوم وتزكية النفس وهذا الأمر يتلاءم أيضًا مع عقلية الجماهير المغربية»، حسب رأيه.

تعليقات ومساجلات
على صعيد آخر، عقب ظهور نتائج الانتخابات ظهرت قراءة أخرى تقول إن فوز حزب العدالة والتنمية يمثل مشكلة للمؤسسة الملكية في المغرب وإن كانت لا تصل حد تهديدها. بيد أن مصطفى الخلفي وزير الاتصال (الإعلام)، والناطق الرسمي باسم الحكومة المنتمي لحزب العدالة والتنمية، نفى ذلك بشكل مطلق. ووصف الخلفي تلك القراءة بأنها «غير سليمة وخاطئة وغير مسنودة. بل على النقيض منها، أثبتت الممارسة السياسية للحزب والمنطلقة من مرجعيته وفكره السياسي أنه كان دائمًا ولا يزال يعمل في إطار الشرعية ومعها، ويشتغل تحت قيادة الملك، وشكل دائمًا دعمًا وسندًا للإصلاحات الكبرى الدستورية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية مع باقي القوى الحية».
وانتقد الخلفي أيضًا في مقال نشره على الموقع الإلكتروني للحزب «القراءة الاختزالية التي تربط تقدم الحزب بنزاهته فقط، لتنكر عن قصد أو غير قصد الدور الحاسم والأساسي لأداء الحزب ومناضليه سواء على مستوى العمل الحكومي أو حصيلته في تدبير الشأن الجماعي المحلي، وحصيلته الإيجابية الأولية مقابل الأداء الضعيف للمعارضة». ورفض الخلفي أيضًا إلصاق الرؤية المحافظة إزاء الحريات الفردية بالحزب، قائلاً إن حصيلة الحزب في رئاسة الحكومة طيلة أربع سنوات كانت خلاف ذلك «وكذبت كل ما كان يروج منذ سنوات حول التضييق الذي قد يطال الحريات الفردية في حال وصول الحزب إلى الحكومة».
في هذه الأثناء، انتقد العمري، نائب الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، في مؤتمر صحافي عقده عقب ظهور نتائج الانتخابات ما وصفه بجزئية بسيطة تتمثل في عدم تمكن عدد من الناخبين من التصويت بسبب غياب أسمائهم من السجلات من دون مبرر. معلنًا أيضًا أن أحزاب المعارضة الأربعة اتفقت على أن التحالف مع العدالة والتنمية «خط أحمر»، على الرغم من استحالة تطبيق هذا القرار على أرض الواقع عند تشكيل مجالس الجهات والبلديات.
ومن جهته، دافع الطرابلسي عن النتائج التي حققها حزبه (الاستقلال)، وقال إنه على الرغم من كونه في المعارضة فإنه حافظ على مكانته وحل في المرتبة الثانية بعد حزب الأصالة والمعاصرة، وهو ما حدث في الانتخابات البلدية لعام 2009. أضاف أن ما يروج عن انهزام حزب الاستقلال «غير صحيح». وردًا على ما تردد بشأن مطالبة بعض أعضاء حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي بعقد مؤتمرات استثنائية لتغيير القيادات الحالية للحزب جراء النتائج السلبية التي حصلا عليها في الانتخابات، قال الطرابلسي إن ما راج بشأن ذلك هو «مجرد حرب نفسية». ثم تساءل: هل محافظة حزب الاستقلال على موقعه في الانتخابات تدعو إلى عقد مؤتمر استثنائي؟ ورد على سؤاله بأن «ما يقال غير منطقي بل يدخل ضمن التهويل والتضليل الإعلامي الذي يمارسه حزب العدالة والتنمية مدعومًا من قبل عدد من المنابر الإعلامية.
هذا الرأي أيده أيضًا بوخبزة، الذي قال إن المطالبة بإجراء مؤتمرات استثنائية ليست سوى ردود فعل على محطة انتخابية، «إذ لا ينبغي للأحزاب السياسية أن تكون خاضعة لردود الفعل، لأن من شأن ذلك أن يكون له انعكاسات وخيمة على مسارها، وقد يكلفها الخضوع لردود الأفعال غاليًا، خاصة، أن الأجواء والنفوس لم تستقر بعد» حسب تعبيره. لكن المراقبين يتذكرون أنه صرح قبيل اقتراع 4 سبتمبر أنه سيستقيل من قيادة الحزب إذا لم يحصل حزبه على المرتبة الأولى.

جيش ابن كيران {الإلكتروني}
ثم ثمة سؤال يطرح نفسه حول حقيقة الجيش الإلكتروني الذي يقال إن حزب العدالة والتنمية يملكه ويديره على مدار الساعة، حيث تكتسح مقاطع فيديو تتضمن تصريحات ابن كيران، مختارة بذكاء، مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب عشرات التعليقات المصورة المواكبة لكل حدث التي تدافع عن حصيلة الحكومة أو تنتقد بسخرية مواقف المعارضة. ومنها مقطع فيديو لا يتعدى ثواني معدودات يطلق فيه ابن كيران ضحكة مدوّية. وقد نشر المقطع مذيلا بتعليق يقول «أول تعليق لابن كيران». ويحقق هذا النوع من الفيديوهات نسبة مشاهدة عالية على موقع «اليوتيوب».
ولكن صحافيًا يعمل في الموقع الإلكتروني للحزب قال لـ«الشرق الأوسط» موضحًا: «لسنا كتيبة ولا جيشًا إلكترونيًا، فعدد الذين يعملون بالموقع لا يتعدى 18 شخصًا، بينهم إداريون وتقنيون و6 صحافيين»، مضيفًا: «إن ما ينشر ويبث على مواقع التواصل الاجتماعي من فيديوهات وتعليقات مصورة ينجزها شباب متطوعون ينتمون إلى منظمة الشباب التابعة للحزب».
تبقى الإشارة إلى أن حكومة ابن كيران عرفت فضائح أدت إلى إقالة عدد من وزرائها أو استقالتهم، بدءا من فضيحة الشوكولاته التي تورط فيها عبد العظيم الكروج الوزير السابق في الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة، الذي شغل أيضًا منصب الوزير المنتدب في التكوين المهني، وينتمي إلى حزب الحركة الشعبية. ثم فضيحة الملعب التي أقيل على أثرها محمد أوزين وزير الشباب والرياضة المنتمي للحزب نفسه. أخيرا قصة الحب والزواج التي جمعت بين سمية بن خلدون الوزيرة في وزارة التعليم العالي والحبيب الشوباني الوزير السابق المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني (متزوج)، التي أحدثت ضجة غير مسبوقة وصل صداها إلى خارج البلاد، وأجبرت الوزيرين المنتميين لحزب العدالة والتنمية على الاستقالة.
وكانت المعارضة تراهن على هذه «الفضائح» لتشويه صورة الحكومة أمام الرأي العام، بيد أنها وإن كانت أثرت نوعا ما على حزب الحركة الشعبية الذي خسر وزيرها السابق أوزين في الانتخابات، فإن قصة حب الوزيرين لم تؤثر على حظوظ العدالة والتنمية مطلقًا، بل استغلها ابن كيران لصالح الحزب. ففي أول مهرجان خطابي عقده في مدينة سلا المجاورة للرباط لإعلان انطلاق الحملة الانتخابية لحزبه، اختصر ابن كيران الضجة التي أحدثتها هذه القضية بشأن تعدد الزوجات ولخصها في عبارة واحدة «ماذا سيقولون عنا.. وزير أحب وزيرة وتزوجها.. مبروك لهما».
فلماذا أخفقت خطة المعارضة التي طالما حاولت تأليب الرأي العام ضد الحكومة بسبب «قراراتها غير الشعبية التي تستهدف جيوب المواطنين»، واستغلت «فضائح وزرائها»، يجيب بوخبزة على ذلك بالقول إن «ما حدث هو العكس تمامًا، أي أن (العدالة والتنمية) استثمر بشكل كبير إنجازات الحكومة لصالحه خلال الحملة الانتخابية وسوقها بشكل جيد»، مضيفًا أن «رئيس الحكومة لم يفوت أي فرصة في إبراز ما حققته حكومته إلى درجة أنه بخس مساهمة باقي مكونات الأغلبية ودورها في هذه الإنجازات».



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.