ما الذي يفعله مئات الأكاديميين الذين يتخرجون في جامعات عربية وأجنبية؟

متهمون بأنهم كسولون وسجناء داخل أسوار «الأكاديمية»

ما الذي يفعله مئات الأكاديميين الذين يتخرجون في جامعات عربية وأجنبية؟
TT

ما الذي يفعله مئات الأكاديميين الذين يتخرجون في جامعات عربية وأجنبية؟

ما الذي يفعله مئات الأكاديميين الذين يتخرجون في جامعات عربية وأجنبية؟

وهنا ينهمر سيل الأسئلة: ما الذي يفعله النقاد الأكاديميون الذين يتخرجون سنويا في الجامعات المحلية أو العربية أو حتى الأجنبية..؟ ولماذا ينحصر النقد الأكاديمي في المؤتمرات الخاصة به، حيث يلتقي عدد من الأكاديميين النقاد لمناقشة مصطلحات مدرسية غالبا مكررة ومتداولة منذ أكثر من قرن من الزمن؟ أليس دور النقد أيضا أن يقيم النتاجات الإبداعية الصادرة حديثا؟ فأين هذا الدور؟ وهل جزء من المشكلة يكمن في عدم وجود مساحات في وسائل الإعلام للمادة النقدية ذات الطبيعة الأكاديمية بسبب حجمها مثلا بعكس النقد الصحافي الذي يسهل نشره؟ وما السبيل إلى جعل النقد الأكاديمي مواكبا للعصر بحيث لا يفقد علميته وفي الوقت نفسه لا نخسر حضوره الجماهيري؟ ولماذا فشل النقاد في الانفتاح على التجارب الشبابية والإبداعية، وأين أخفق النقاد في قراءة المشهد الثقافي؟
ألقينا بكرة هذه الأسئلة في ملعب مجموعة من النقاد والأدباء، وتركنا لهم حق الإجابة عنها، ونبدأ أولا بالأكاديميين لأن الاتهام يوجه إليهم.

* تقريظ وتسفيه
الناقد الأكاديمي المغربي عبد المالك أشهبون يميز بين نوعين بارزين من النقد: «نقد صحافي، وكان له دور بارز في العقود الماضية في إبراز نقاد ومبدعين عصاميين، ونقد أكاديمي تبلور في أحضان الجامعات العربية: وهو، كما يراه أشهبون، فضاء تحضير أطاريح الماجستير والدكتوراه، حيث يعد المجال الجامعي مشتلا حقيقيا لتكوين نقاد المستقبل في مجالات العلوم الإنسانية ككل».
ويقرأ الدكتور أشهبون واقع الحال فيقول: «النقد الصحافي أصبح في غالبه ينتج عينات من النقاد شغلهم الشاغل: المديح والتقريظ من جهة، والتسفيه والتشويه من جهة ثانية.. مع تسجيل وجود بعض الاستثناءات، ولكنها تبقى مجرد استثناءات لا يقاس عليها». ويضيف: «أما الفضاء الأكاديمي، فيضم جحافل الجامعيين، مدججين في نقودهم بأقوال منظرين غربيين، ونقودهم لا تعدو تكون استعادة مدرسية لطروحات تودوروف وجينيت وباختين وغيرهم تارة، أو أساتذة موظفين في تلك الجامعات يشرفون على أطاريح جامعية إشرافا إداريا بعيدا عن تقاليد الإشراف الأكاديمي المعهود في الجامعات العريقة، كما أن الجامعات انتقلت من التفكير إلى التلقين، وغدت لا تقيم وزنا للفعل الثقافي بصفة عامة».
أما لماذا ينحصر النقد الأكاديمي في المؤتمرات الخاصة به، بحيث يلتقي عدد من الأكاديميين النقاد لمناقشة مصطلحات مدرسية غالبا مكررة ومتداولة منذ أكثر من قرن؟ فيجيب الدكتور أشهبون: «من المعروف أن النقد الأكاديمي مصدره الأساس الجامعات، ودون أن نغمط حق جامعاتنا والدور الريادي الذي اضطلعت به في إنجاب كثير من الباحثين في مجالات بحثية متنوعة قدموا إنجازات في مجال تخصصهم؛ فإنه للأسف أضحت الجامعة العربية راهنا تشهد تراجعات ملحوظة على صعيد دعم وتشجيع وتوطين البحث العلمي.. غير أن ما هو لافت للانتباه أنه حتى تلك الأنشطة الأكاديمية التي تحتضنها تلك الجامعات تظل نخبوية ومنعزلة ودون فائدة تذكر من وراء تنظيمها».
وعن دور النقد في تقييم النتاجات الإبداعية الصادرة حديثا يقول: «يكتب الروائيون الشباب رواياتهم وهم حائرون يتساءلون: ما الجديد الذي يمكن أن يكونوا قد قدموه في أعمالهم؟ ما موقع أعمالهم في الرواية العربية؟ وهل ستجد رواياتهم صدى لدى المتلقي ناقدا كان أو مجرد قارئ؟».

* تراجع وظيفي نوعي
أما الدكتور محمد عبد الرزاق المكي، أستاذ الأدب العربي المساعد بكلية الآداب في جامعتي الطائف والإسكندرية، فيعترف بأن ثمة جدلا يثيره تتبع المشهد النقدي في العالم العربي في العقد الأخير؛ «فبقدر ما شهدت حركة النقد الأدبي ثراء كميّا على المستوى الأكاديمي؛ من حيث الرسائل والأطروحات العلمية والإنتاج العلمي للنقاد الأكاديميين؛ فقد شهدت تراجعا نوعيا في الوظيفة التي ينهض بها الناقد في عموم المشهد الثقافي وهو ما اصطلح على تسميته (ناقد الساحة)، ولعل ثمة عوامل أدت إلى هذا التراجع؛ منها ما يعزى إلى النقاد أنفسهم، الذين رضي جلهم بالنقد الأكاديمي بوصفه درجة جامعية ينحصر حضورها فيما يشرفون عليه من رسائل وأطروحات، وما يحبرونه من دراسات في النقد الأدبي، ومنها ما يرجع إلى المناخ الثقافي العام الذي شهد حالة من التراجع في الدور الذي تنهض به الأندية الأدبية وقصور الثقافة بتأثير من المد الثوري الذي اجتاح العالم العربي منذ أربعة أعوام، ذلك إذا استثنينا الجهد الرائد الذي قامت به بعض المؤسسات الثقافية الخاصة من ندوات وإصدارات أسهمت في خلق حالة من الحراك النقدي مثل مؤسسة عبد العزيز البابطين في الكويت».
ويعتقد الدكتور محمد عبد الرزاق مكي أن «الأمر يحتاج إلى استقطاب النقاد الأكاديميين خارج أسوار الجامعة ودعوتهم إلى الملتقيات وورشات العمل في الأندية الأدبية وقصور الثقافة، ليتجاوز الناقد الأكاديمي حدود وظيفته إلى ناقد الساحة الذي يبرز من خلال منجزه النقدي نمطا جديدا من النقد، يتخذ من التجارب الشابة مادة للتطبيق والتحليل تتماشى مع تلك الثورة الرقمية التي غدت سمة مميزة للنتاج الأدبي والثقافي، وتستوعب ما تمخض عنه هذا النتاج من حراك سياسي واجتماعي، ولا نستطيع بحال أن نغفل ما للإعلام بتقنياته المختلفة من أثر فاعل في إذابة تلك الحواجز بين المبدع والقارئ من جانب، وبين الناقد والمبدع من جانب آخر».

* النقاد الأكاديميون لا وقت لديهم
الأكاديمي الدكتور يوسف شحادة، من جامعة كراكوف في بولندا، لا يبتعد كثيرا عن زميليه السابقين، فباعتقاده أن النقد الأدبي تعترضه مشكلات جمة، لعل أهمها أن النقاد الأكاديميين ليسوا متفرغين كليا لممارسة النقد ومشاغله المرهقة التي تبدأ بالوصول إلى المادة الإبداعية المنشورة، أي اقتناء كل ما هو جديد من كتب ذات قيمة في السوق الأدبية الرائجة، ولا تنتهي بالقراءة والتمحيص والتحليل والتعليل.. «الجامعات لا تخرج نقادا، لكنها تهيئ باحثين في مجال الأدب وتاريخه وفنونه ومدارسه وأهم رجالاته، وتدربهم على اعتماد المنهجيات العلمية في بحوثهم ضمن سياق تعليمي يشكل الخطوات الأولى التي لا بد منها لتنشئة الناقد الأكاديمي المتمتع بملكة النقد والقدرة على التحليل والتعليل والمقارنة والاحتجاج».
ويحمل الدكتور يوسف شحادة الأكاديميين مسؤولية الانتباه إلى الجديد ومتابعة أهم ما يصدر من مؤلفات جديدة، ورصد العملية الإبداعية، وتتبع مسارات تطورها، ودراسة المتغيرات المستمرة في الأجناس الأدبية، والتقنيات الفنية، والأساليب المبتكرة، كما يرى في التجربة الإبداعية الشبابية أنها مهمة جدا في تطور النقد الأكاديمي، و«على الناقد أن يلتفت إلى إبداعات الشباب، وقد يفاجأ الناقد الذي يحني هامته قليلا لقراءة أعمال الشباب بأنه أمام إنجازات أدبية مذهلة، قد تنسف كثيرا مما تعلمه من نظريات أكل عليها الدهر وشرب».

* أدباء: الناقد الأكاديمي «كسول وغائب عن المشهد الثقافي»
يرى عدد من الأدباء أن حركة النقد ما زالت تعيش في عزلة عن حركة الإبداع الذي يمضي قدما غير متأثر بها، ويقول الشاعر مهدي سلمان، من البحرين: «الخلل لا ينسب للنقاد المتخرجين في الجامعات العربية والمحلية، بقدر ما يعود إلى النظام التعليمي والتربوي والثقافي ذاته، فالدارس الأكاديمي يعد غالبا ليكون كسولا أولا، ثم بعيدا عن المشهد الأدبي والثقافي الراهن في العالم العربي».
ويصف مهدي سلمان الناقد بأنه منذ بدايته الأكاديمية غير مقبول منه أن يتناول أبعد من بعض الأدوات والأساليب النحوية أو البلاغية في أولى بحوثه حتى أبعد رسالاته، أو بالكثير أن يتناول الأسماء المكرسة بأشكال مكرسة هي الأخرى، وذلك بالنظر إلى ما هو مطلوب من فهم عقيم لفكرة المراجع والمصادر، ليكرر بعد ذلك ما يقوله الجميع وما يتناولون، غير خارجة عن هذا النمط كثير من الجامعات والكليات الأدبية في العالم العربي، «فهي لا تلزم طلبتها بمتابعة وملاحقة الواقع الأدبي العربي، وما يتم تناوله من تجارب عربية معاصرة وراهنة، أجزم بأنه تحد يقوم به طالب (أو طالبة ما) للنظام الأكاديمي برمته». والمطلوب لدى مهدي سلمان أن ينتبه هذا النظام إلى أهمية أن «يتابع الدارسون البيئة التي منها أو يفترض أن ينهل منها هؤلاء علومهم، لأن البيئة الأدبية الراهنة تعد الحقل العلمي الذي يفترض أن يشتغل فيه هؤلاء، وهي مادتهم العلمية الغنية ومصدر نتاجهم، لذا فاللغة العربية والأدب العربي يفوتهما كثير من الكشوف، حين ينحصر نتاجهما في تكرار ما تداوله الباحثون عن تجارب سابقة وفي مجالات ضيقة».
بعد ذلك يقول سلمان: «يأتي الدور على المؤسسات الثقافية العربية، التي لا تسعى في كثير من الأحيان إلى خلق مساحة من الشراكة فيما بين الدرس الأكاديمي والطلبة والأساتذة والواقع الثقافي الراهن، فعلى الناقد الأدبي أو الثقافي أن يقدم ما يؤهله لدخول عالم المؤسسات الثقافية العربية الرسمية والأهلية، وعليه أن يحفر في الصخر ليقترب من هذا العالم.

* الناقد وعقدة الإبداع
الشاعرة هدى أشكناني، من الكويت، حاولت أن توجد مخرجا ما للنقاد، لكن الأمر لا يطول معها، فتقول: «الناقد كغيره من المثقفين، يجد مكانه في العزلة. سنوات كثيرة يمضيها الناقد بين الاطلاع والبحث، وبعدها يعود مرة ثانية لنقطة الصفر. النقد للأسف - في مجتمعاتنا العربية - أصبح رديفا للوجاهة والمظهر، مجرد أسماء لا تقدم ما يفيد الكاتب أو القارئ». ولأن النقد وجاهة، يبحث الناقد عن إطارات خاصة و«نخبوية»، لهذا لا يجدها إلا في المؤتمرات التي يشارك فيها، وغالبا ما يتم اختيار المشاركين بناء على أمرين؛ أولهما مدى «حفظ» الناقد لمصطلحات نقدية ومسميات ذات تعقيدات كبيرة دون فهم واضح لها، وهكذا يشرك الحضور بدائرة الانبهار «الوهمي»، وثانيهما العلاقات الاجتماعية والمصالح المتبادلة، لذا تجد أن معظم النقاد يحلون ضيوفا على الملتقيات والمؤتمرات نفسها بصورة شبه دائمة.

* بين النقدين العربي والغربي
الكاتبة والباحثة فتحية الحداد، من الكويت، ترى أن الأسئلة التي طرحناها عن النقد تختلف من مكان إلى آخر، «فبالنسبة لموضوع النقد في العالم العربي صعب أن يتطور في ظل أن الأعمال نفسها لا تتطور والأدباء أنفسهم منغلقون في عالم لا يقدم الجديد. وبالنسبة للأعمال الشبابية تناولها النقد، وليست وظيفة الناقد أن يضيف عمقا على العمل إن كان بالأصل سطحيا. النقد ينمو إن تطورت الأعمال الأدبية نفسها وليس العكس بنظري».
أما بالنسبة إلى النقد الأكاديمي، في الأكاديميات الأوروبية، حسب رأي فتحية الحداد، فيتم تناول الأدباء الذين كتبوا باختيارهم تحت تأثير المخدرات مثلا، «هل نتصور أن يقوم ناقد عربي بالبحث في هذا الاتجاه؟ النقد الأدبي يحتاج أيضا إلى دراسات اجتماعية خاصة بالمجتمع وتطوره، وهذا غير متوفر في العالم العربي، وليس هناك قواميس عربية أو معاجم تتبع المفردات الجديدة التي تدخل اللغة العربية، وعليه فالناقد يتقيد بتلك القدسية التي يتقيد بها الأدباء العرب والقراء وأي دراسة عن اللهجة في الأدب العربي قد لا تلقى بالا.. لأن الأدباء أنفسهم يريدون أن تربط نصوصهم بالنظريات التي يعرفونها وغالبا تكون نظريات قديمة.. وعليه، كما يقولون، الناقد سيقول لهم: (هذه بضاعتكم ردت إليكم)».
القاص بسام جميدة، من سوريا، يعتقد أن «المسألة ببساطة أن كثيرا ممن يمتهنون النقد الأكاديمي غالبا ما يمارسون طقوسهم النقدية على الكتب التي يختارون قراءتها من أجل مزاولة المهنة، حتى لتشعر في بعض الأحيان أن هذا الناقد كمن يحمل سوطا ويجلد كاتبا لأنه ارتكب جريمة عدم تطبيق معايير الكتابة التي تعلمها ذلك الناقد، متناسيا كل فصول الإبداع التي تحملها الرواية أو القصة أو القصيدة».
ويقول: «أرى أن يكون هناك فقه نقدي متطور على غرار الفقه الديني، والاقتصادي، وعدم قولبة كل الأعمال الأدبية ضمن المفاهيم النقدية التي كانت سائدة قبل قرن من الزمن».
أما لماذا فشل النقاد في الانفتاح على التجارب الشبابية الإبداعية؟ فيقول بسام جميدة: «قد لا يكون فشلا بكل معنى الكلمة، ولكن غالبية النقاد لا يريدون أن ينزلوا من بروجهم العاجية، لأنهم يظنون أنهم أكبر من تناول أدب لأناس لم ينالوا الشهرة بعد».

* منغلقون ولا يواكبون العصر
الشاعر محمد محمد عيسى، من مصر، لديه رأي صارم حول الأكاديميين، فيقول: «ماذا ينتظر من أكاديميين هم في الأساس خريجو جامعات منغلقة على نفسها حتى التي تزعم انفتاحها، وما كان لها من اتفاقيات، وبروتوكولات هي شبه حقيقة وليست واقعا». ويعتقد بوجود «مأزق يجعل أغلب النقاد يأخذون وقتا في فهم النظرية ثم تجريبها، ليظل البين شاسعا بين النظرية وتطبيقها، فما أن يصلوا إلى تطبيقها حتى تكون هناك استحداثات لعناصر فنية جديدة».
ويرى عيسى أن «منهج الأكاديميين في الكتابة قديم غير مؤهل، وليس مواكبا للتطور السريع في رقي الصورة المتجاوزة حدود المكان والزمان».
كما يرى أن «أغلب التجارب الإبداعية أعلى بكثير من الكتابات النقدية بل تجاوزتها. خطى الزمن أسرعت، ومتخلف من لم يلحق بها».



هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود
TT

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

رحل قبل أيام ديفيد هيندرسون، الشاعر الذي برز اسمه مع «حركة الفنون السوداء» الرائدة في ستينات القرن الماضي، والذي مضى ليؤلف سيرة ذاتية حققت أعلى مبيعات عن حياة جيمي هندريكس غيّرت الطريقة التي فسر بها الكثيرون حياة هندريكس وموسيقاه ونهايته المأسوية المفاجئة، في 14 مايو (أيار) في لينكون بارك بولاية نيوجيرسي، عن عمر يناهز 83 عاماً.

وقالت ابنته، ناجوما هيندرسون، إن وفاته في إحدى دور الرعاية كانت ناتجة عن مضاعفات مرض الخرف.

في عام 1962، كان هيندرسون، المولود في حي هارلم، شخصية محورية في تأسيس «جمعية أومبرا»، وهي تجمع أدبي رائد للسود كان مقره في منطقة إيست فيليج في مانهاتن. وعلى غرار كالفن هيرنتون، وتوم دينت، ولورينزو توماس، وأسكيا توري، وستيف كانون، وغيرهم من المنتسبين لهذه المجموعة، فقد سعى إلى صياغة حساسية جمالية جديدة ذات طابع أسود خالص، ومتحررة من المقاييس الفنية الغربية البيضاء.

تذكر هيندرسون تلك الحقبة في مقابلة أُجريت معه عام 2009 مع موقع «أفريكالتشرز»، وهو موقع إخباري وثقافي فرنسي، قائلاً: «لقد كنا مستبعدين من الخطاب الثقافي. وهذا الاستبعاد هو ما كان يحاربه ريتشارد رايت، ورالف إليسون، ولانغستون هيوز، وغويندولين بروكس، وروبرت هايدن، وجيمس بالدوين».

وغدت جمعية «أومبرا» حجر أساس لحركة الفنون السوداء الأوسع نطاقاً، التي برزت في منتصف ستينات القرن الماضي بقيادة كتاب ثوريين من أمثال ليروي جونز (الذي عُرف لاحقاً باسم أميري باراكا)، ولورانس نيل، والسيد توري، وضمت أيضاً شخصيات من مجالات الفنون البصرية، والمسرح، والرقص، والموسيقى.

وقال إشمائيل ريد، الشاعر والكاتب المسرحي المثير للجدل الشهير في مقابلة معه: «لقد كنا الثوريين. إن الكُتّاب السود لم يعودوا يرون ضرورة لاتباع التقاليد السردية لكُتّاب مثل إرنست هيمينغوي أو هنري جيمس. لقد كسرنا ذلك النمط، وتوجهنا نحو الفولكلور ونبض الشارع».

وجسدت «التنسيقات التجريبية» لهيندرسون - كما وصفت منصة «كيركس ريفيو» أعماله - الأمل والغضب اللذين اتسم بهما عصر الحقوق المدنية، مستمدة من التقاليد الشفهية للسود وإيقاعات موسيقى الروك آند رول، والموتاون، والجاز.

وكما كتب في القصيدة الرئيسية التي حملت عنوان مجموعته الشعرية الصادرة عام 1970 «عمدة هارلم»:

سكان أصليون صامتون يصرخون

عبر بنادق وسيوف وفؤوس الغرب

آلات ساكسفون تينور طويلة

بوق أسود يصدح

صفحات من السيوف

وُلد هيندرسون في 19 سبتمبر (أيلول) عام 1942، وهو الابن الأكبر بين ولدين لـ«رايموند هيندرسون»، الذي كان يشغل رتبة رقيب أول في خفر السواحل، و«ميرتل (براون) هيندرسون».

وفي مرحلة المراهقة، غادر منزله وانتقل إلى وسط المدينة وتحديداً إلى حي إيست فيليج ليتفرغ للشعر. وتذكر هيندرسون ذلك لاحقاً قائلاً: «كان هذا في أوائل ستينات القرن الماضي. وكان التغيير يحدث أمام أعيننا، لكنني لست متيقناً من أنني لاحظته حينئذ».

وآنذاك، بدأ في الاختلاط بالوسط الإبداعي الأسود في نيويورك، بما في ذلك فنانو الجاز مثل عازف الساكسفون «أرتشي شيب»، وعازف البيانو «سيسيل تايلور»، وقائد الفرقة السريالية «صن را»، الذي تعاون معه في وقت لاحق.

وفي أوائل سبعينات القرن الماضي، عُيّن للتدريس في جامعة كاليفورنيا بفرع بيركلي، وهي الأولى من بين عدة مناصب أكاديمية شغلها على مر السنين. وكانت ترافقه زوجته «باربرا كريستيان»، التي أصبحت لاحقاً أستاذة للدراسات الأميركية الأفريقية في جامعة بيركلي، ومرجعاً بارزاً في النسوية الأدبية الأميركية المعاصرة.

وانتهى زواجه من كريستيان بالطلاق عام 2000، وذلك بعد انفصال دام 20 عاماً.

بعد فترة وجيزة من وصوله إلى كاليفورنيا، شرع السيد هيندرسون في رحلة استغرقت 5 سنوات لإنجاز كتاب عن هندريكس، الذي توفي في لندن في 18 سبتمبر عام 1970 عن عمر ناهز 27 عاماً.

لم يكن هيندرسون صحافياً موسيقياً على الإطلاق، ولكنه كتب عن حفل أحياه هندريكس عام 1968 لصالح مجلة الروك «كراودادي». وتذكر هيندرسون ذات مرة في مقابلة مرئية قائلاً: «لقد تعرفت على هندريكس قليلاً في أثناء التسكع بالنوادي في مانهاتن، وأخبرته أنني سأكتب شيئاً عنه».

وقد ساعدت صداقته مع هندريكس في فتح الأبواب أمامه، مما دفع كثيرين ممن كانوا مقربين من أسطورة الغيتار إلى التحدث بوضوح وانفتاح، بمن فيهم والده، آل هندريكس. كما تمكن هيندرسون من الوصول إلى يوميات هندريكس الشخصية، ومراسلاته الخاصة، وتسجيلاته المنزلية.

نُشر كتاب «جيمي هندريكس: طفل الفودو في العصر الدلوي» عام 1978 (ثم نُقّحَ الكتاب لاحقاً وتغير عنوانه إلى «اعذرني حال تقبيل السماء: جيمي هندريكس: طفل الفودو»).

وكان هذا الكتاب أول سيرة كبرى عن هندريكس، ووفقاً لكاتب موسيقى الروك غريل ماركوس: «هو بالتأكيد المحاولة الأكثر جدية حتى الآن لفهم حياة أحد رموز الستينات». ووصفه السيد ريد ذات مرة بأنه «مزيج بين الإثارة والرثاء لبعض الشخصيات المأسوية التي أحيت عقداً مثيراً من الحياة».

وتميز الكتاب بين السير الذاتية لموسيقيي الروك بأسلوبه السردي الذي ينتمي إلى المدرسة «الصحافية الجديدة»، والذي تضمن مقاطع شعرية منمقة - مما أثار استياء بعض النقاد - وحوارات داخلية مُعاد صياغتها وأساليب أخرى تذكرنا بالأدب الروائي والقصصي.

ووفقاً لكاتب موسيقى الروك غريل ماركوس، فإن سيرة هندريكس الذاتية التي ألفها هيندرسون ونُشرت لأول مرة في عام 1978، كانت «بالتأكيد المحاولة الأكثر جدية حتى الآن لفهم حياة أحد رموز الستينات».

بيد أن الأمر الأكثر إثارة للدهشة تَمثَّل في الاستنتاجات التي توصل إليها الكتاب بشأن وفاة هندريكس. إذ دحض الكتاب بشدة الرواية المقبولة على نطاق واسع، التي طرحتها في البداية صديقته «مونيكا دانيمان»، وتكررت لاحقاً في سير ذاتية أخرى، مثل كتاب تشارلز كروس الشهير «غرفة مليئة بالمرايا» الصادر عام 2005، ومفادها أن هندريكس تناول كمية كبيرة من الحبوب المنومة القوية في فندق واختنق بقيئه.

كتب هيندرسون: «نتيجة لذلك، ظن الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم أن هندريكس فارق الحياة بالطريقة التقليدية لنجوم الروك: جرعة زائدة من المخدرات وسط الشهرة، والنساء الشقر، والترف، والجنس».

واستناداً إلى وثائق قانونية كُشف عنها لاحقاً، إلى جانب مقابلات مع طواقم المستشفيات والإسعاف وآخرين ممن وجدوا خلال تلك الأيام الأخيرة، خلص السيد هيندرسون إلى أن هندريكس «لم يمت بسبب جرعة زائدة من المخدرات، وإنما مات غرقاً».

وافتُرضت النسخة المحدثة من الكتاب أن هندريكس قد اختنق بكمية «هائلة» من النبيذ الأحمر، إلى الحد الذي جعلها تتلبد في ملابسه وشعره وتتدفق من أنفه وفمه حتى بعد وفاته، وذلك رغم انخفاض نسبة الكحول في دمه نسبياً.

وكتب هيندرسون أن قوى غامضة مختلفة كانت لديها دوافع لإيذاء هندريكس، بما في ذلك الجريمة المنظمة والوكالات الفيدرالية التي تسعى إلى إلحاق الضرر بحركة الثقافة المضادة ذات التوجه اليساري المتطرف.

وبالنسبة للمعجبين، سيما البيض منهم، فقد كان هندريكس يعد لفترة طويلة شخصية بارزة في العصر السيكيديلي، متجاوزاً حدود العِرق بفضل شخصيته التي تمثل النموذج البدائي للهيبيز، ودوره الرائد في مهرجان «وودستوك».

غير أن هيندرسون يرى أن هذا التصور مجانب للصواب. فبالنسبة له، كان هندريكس فناناً أسود خالصاً تجذرت موسيقاه بعمق في موسيقى «البلوز» وصُقلت في «شبكة تشيتلين» الجنوبية، وهي شبكة من المسارح وأماكن العرض التي كانت تلبي احتياجات الفنانين السود في المدن التي تطبق سياسة الفصل العنصري.

وبعيداً عن كونه غير مبالٍ بالتمييز على أساس اللون، كما صوّره كثير من كتّاب الروك البيض، فقد أقبل هندريكس على تبني حركة «قوة السود» تماماً، كما أقبل على ثقافة «قوة الزهور» - إلى الحد الذي جعل دعمه المتنامي لحركة «الفهود السود» يضعه في مرمى نيران مكتب التحقيقات الفيدرالي.

وكتب هيندرسون: «كان جيمي هندريكس نموذجاً كلاسيكياً للشاب الأنيق والبارع المنتمي لأحياء السود الفقيرة، وتجسدت عبقريته في الغيتار الكهربائي. إذ حقق أسلوباً بارعاً لا يُضاهَى وصار موسيقياً للموسيقيين، وعازفاً للعازفين، وكاهناً للعصر الجديد في الموسيقى الاحتفالية الأفرو - أميركية».

*خدمة «نيويورك تايمز»

كتب ديفيد هيندرسون أول سيرة كبيرة عن أسطورة الغيتار هندريكس


سيرة شعرية لذات ممزقة

سيرة شعرية لذات ممزقة
TT

سيرة شعرية لذات ممزقة

سيرة شعرية لذات ممزقة

في ديوانه الأحدث «فضائل الضغينة»، يسعى الشاعر المصري مؤمن سمير لكتابة سيرة شعرية لذات ممزقة بين التاريخ، والأحلام، والعائلة، في جدل هذه الذات مع امتداداتها في الزمان، والمكان، فيبدو الديوان كله حالة متصلة، وليس مجرد قصائد متشابهة جمعها الشاعر بين دفتي كتاب، إذ إن كل قصيدة بمثابة فصل يضيف جانباً من جوانب هذه السيرة المفعمة بالأحلام، والرؤى الأسطورية، والسريالية، والأسئلة الوجودية المشرعة على الموت، والحب، والغياب، والحروب، وغيرها، إذ تقع الذات الشاعرة في تقاطع هذه المتناقضات، لتدرك في الأخير ضآلتها وسط عالم مضطرب خارجياً، وصراعات نفسية داخلية في لا وعي هذه الذات، وتفجرها من داخلها.

صدر الديوان عن «دار العين» بالقاهرة، ويتكون من ثلاث عشرة قصيدة، تتراوح ما بين كتابة السطر الأفقي في القصيدتين الأولى والأخيرة، والسطر الرأسي في بقية القصائد تقريباً. كما أن طريقة عنونتها تشير إلى ترابط النصوص في وحدة عضوية واحدة. القصيدة الأولى «تباشير الحياة» مختلفة عن هذه العنونة، حيث تتوسل بطاقة هائلة من الحس السردي، والحكائي، كي تؤرخ للذات، وأصولها، لذلك فهي أقرب إلى مقدمة أو تمهيد عن التاريخ البعيد لهذه الذات، وانتسابها العائلي، وهو ما تؤكده دلالات العنوان بتلك التباشير التي كانت بذرة للحياة التي تحققت بعد ذلك، وأرست مواضعات العالم في هذا المكان.

أما بقية القصائد فعناوينها كلها بدأت بمفردة «صندوق»، ثم تنوع المضاف إليه في كل عنوان، مثل «صندوق النار»، و«صندوق النوم»، و«صندوق التراخي» و«صندوق القنص» و«صندوق الشغف»... وهكذا تتوالى الصناديق التي تفتحها الذات الشاعرة، كاشفة عن رؤيتها لسيرتها، ومسيرتها. فعلى مدار الصناديق/ القصائد، تحاول استكشاف نفسها، وأحلامها، وذكرياتها، وتضع كل شيء تحت مجهر شعري، ويحاول الإمساك بأبعاد المشهد، وبتفاصيل التاريخ الشخصي، والاجتماعي، ومتكئة على تشكيل جمالي مفعم بالسريالية، والغرائبية، إنها عبر إبحارها في هذه الصناديق تفتح أبواباً ضخمة ترى منها، ويرى المتلقي معها، كيفية تشكل هذه الذات، وتغوص في طبقات اللاوعي الشخصي، والجمعي، ومحاولة استخلاص ملامح رؤية متماسكة لتحولات وتقلبات هذه الذات.

تعتمد الذات الشاعرة في كثير من القصائد على صيغة المخاطب، ما بين مخاطب فردي، كالحبيبة، أو الصديق، أو شيخ محدد «يا شيخنا/ أفصح عن مقاصدكَ/ حتى لا يغادرَ السامعونَ المقهى». وأحياناً مخاطبة سامعين مفترضين: «الحكايةُ يا سامعين/ ترقد عند السِّحر المسمى بالأحلام...»، متخذاً سمت الراوي الشعبي الذي يقص حكايته وسيرته -على الربابة- لمجموعة من جمهور المستمعين المتحلقين حوله. وفي أحيان ثالثة يخاطب جماعة كاملة غير محددة، كما في قصيدة «صندوق الفراشات»، إذ يقول: «أنا أيضاً مثلكم، أمتلكُ صناديق تشبهني، وأشبهها، لكنَّ صندوقي الأخير مجرد صندوق فراشات، بسيطٌ ولا يدعو للتباهي»، فهو هنا يتماهى مع الجماعة التي يخاطبها بوصفه جزءاً منها، ولا ينبو عن قوانينها، ومواضعاتها، فيما يتعلق بامتلاكه -مثل جماعته- صناديقه السرية التي لا يعرف أحد مكنونها، لكن موضع اختلافه عن هذه الجماعة هو محتوى هذه الصناديق المملوءة بالفراشات، بما يتناغم مع كونه ذاتاً حالمة، ويتعمق هذا الاختلاف بين الذات والجماعة في القصيدة نفسها، حين يصف نفسه قائلاً:

«أنا طائر ولستُ طائرة

أنا فراشة ولستُ قذيفةً

أنا خيالكم المرتعش وسط الحروب...».

ففي السطرين الأولين ثنائيتان ضديتان، يمثل الطرف الأول منهما الذات بشكل واضح (طائر، فراشة) بكل ما يتعلق بهما من دلالات الرقة، والرهافة، في حين أن الطرف الثاني من الثنائيتين (طائرة، قذيفة) يمثل الجماعة الإنسانية التي تنتمي لها هذه الذات، لكنهما يتقاطعان بنيوياً، فالمسافة بين الذات وجماعتها هي نفسها المسافة بين دال الفراشة ودال القذيفة، بين الجمال، والقسوة، الرهافة، والغلظة، وحين تندغم الذات وجماعتها -في السطر الثالث- فإن الذات تحافظ أيضاً على تركيبتها الرهيفة، وتكون هي الخيال المرتعش، والمخفي، والمسكوت عنه، لتلك الجماعة التي تدخل معمعة الحروب بقسوة، وبشجاعة مدعاة.

هذه الذات الرهيفة هي صنيعة الغياب، والموت، وصنيعة الفقد الذي جعلها تبدو عجينة طيعة، وتخشى التورط في قسوة العالم، وخاصة مع فقد الأب، والحبيبة، وتوالي الموت الذي اقتنص كل من حولها، وحاصرها على مدار مسيرتها الحياتية، فباتت بلا غطاء، ولا حماية، مثقلة بالندوب الروحية، والجسدية، ففي قصيدة «صندوق الغياب» يقول مفككاً تركيبته النفسية:

«أخلعُ ردائي وأقول

هذا غيابُ أبي الذي جعلني

أعمى

وهذا غيابُ حبيبتي

ينقشُ جلدي بالبثور...».

إن هذه الذات، بعد فتح صناديقها المخفية، وخلع الرداء الذي تتستر خلفه أمام الآخرين، بعد التعري التام أمام الذات، ومصارحتها، أصبحت قادرة على التصالح مع أعطابها، أو بالأحرى مع خصائصها، وصفاتها التي لا تملك لها رداً، ولا تعديلاً، والتعاطي معها بوصفها نتاجاً لمعطيات واضحة، يمكنها أن تشير إليها بوضوح، باستخدام اسم الإشارة «هذا»، كأحداث قريبة، ولصيقة بها، وفاعلة في تكوينها، فغياب الأب أفقدها خاصة البصر، وغياب الحبيبة شوّه جلدها بالبثور، ويظل النص مفتوحاً، ليضيف إليه وعي القارئ غيابات أخرى، وتشوهات إضافية.

وتتنامى رهافة هذه الذات بتناغمها مع الطبيعة، ومفرداتها، حتى لو بدت قاسية، أو جامدة ظاهرياً، فهي قادرة على استبصار الهشاشة في كل ما حولها، حتى لو كان جبلاً شامخاً، كما في قصيدة «صندوق الرمل»، حيث نرى هذه الذات المدربة على الهشاشة، وقادرة على النفاذ إلى أعماق جبل، وتعريته من صلادته، وجموده الظاهري، وإحساسه بالتيه، والارتعاش، والضآلة، وترويضه، وبنزع رداء القسوة عن حجارته، ورماله، ليتبدى جوهره الهش، يقول:

«نظرتُ فجأةً

فلمحتُ جبلاً

كأنهُ لصٌّ يرتعشُ

وسطَ السوق...

ربَتُّ عليهِ

فنام جواري كالجثة...».

في خضم هذا الحوار الجدلي بين الذات والعالم تتوصل الذات إلى ما يشبه الحكمة الفلسفية التي تعتنقها، بعد أن عاينت جراحها، وندوبها، وتأكدت من عدم قدرتها، بوصفها ذاتاً فردانية هشة، وممزقة، على إيقاف قسوة العالم، أو التصدي لما به من عوار، والاكتفاء بالابتعاد عن الأفكار الكبرى، والأحلام الإنسانية العريضة، ليكون الانغماس في تفاصيل العالم، ومتعه المحسوسة هو الملاذ لإنقاذ ما تبقى من هذه الذات، وأن تتذوق طعم الحياة ببساطة، ودون أن ترنو لما هو أبعد من حدودها المتناهية، والقريبة، فأقصى ما يمكن أن تفعله ذات ممزقة، ومهمشة كهذه هو أن تستعيد حواسها، وتسترجع قدرتها على الإحساس بالطعم، واللون، والرائحة، وتعود إنساناً ممتلكاً جسده، وبصيرته، وقدرته على التذوق، ولو كان محدوداً بحدود فيزيقية ضيقة، يقول في قصيدة «صندوق الحيّة»:

«الأفكارُ مؤلمةٌ

والأحلامُ حيرة ومتاهة

لهذا فالأجدى في هذه الحياة

أن نسعى فقط

لما نلمسهُ ونُحِسُّهُ...

للصوت والطعمِ

والرائحة...».


«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا
TT

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

تقوم رواية «جريمة في دار المسنين»، الصادرة عن دار «العربي» في القاهرة للكاتبة الفنلندية ليندجرين، على حبكة درامية تجمع بين لغز وفاة غامضة والكوميديا السوداء لتكشف الأحداث تدريجياً عن شبكة صادمة من المصالح الاقتصادية والقرارات البيروقراطية التي تحكم مؤسسات رعاية المسنين حيث تُختزل حياة الإنسان لتصبح مجرد رقم.

بأسلوب ساخر ولاذع، لا يكتفي النص، الذي ترجمته نهى مصطفى، بتقديم لغز بوليسي بل يطرح نقداً اجتماعياً حاداً يعري الطريقة التي يتعامل بها المجتمع الحديث مع فئة أصحب الشيخوخة ممن هم الأكثر هشاشة ليبرهن على أن الوعي والرغبة في العدالة والقدرة على المقاومة سمات لا تزول بتقدم العمر.

تجري أحداث الرواية في دار رعاية خاصة وفاخرة للمسنين تعرف باسم «سان صت جروف» وتُسوّق بوصفها مكاناً مثالياً لقضاء سنوات الشيخوخة الأخيرة في رفاهية وطمأنينة وتعيش فيه الصديقتان سيري وإرما اللتان ينقلب فجأة عالمهما المريح بسبب واقعة موت مشبوهة.

هنا تعقد الصديقتان العزم على معرفة ما حدث بالضبط ولماذا، فتبدآن تحقيقاتهما الخاصة وتشكلان جمعية «سيدات اللافندر للتحقيقات» لتكتشفا أنه خلف واجهة «سانست جروف» الهادئة تختبئ الكثير من الأسرار الخطيرة التي لا تخطر ببال.

وُلدت مينا ليندجرين عام 1963 وهي صحافية وكاتبة، حققت روايتها «جريمة في دار المسنين»، التي نُشرت تحت عنوان «الموت في سان صت جروف» نجاحاً باهراً في فنلندا خصوصاً بعد أن تبعها الجزء الثاني منها «الهروب من صان ست جروف» والجزء الثالث «النهاية في سان صت جروف». استوحت المؤلفة فكرة هذه السلسلة بعد بحثها في موضوع معاملة كبار السن في فنلندا لصالح إحدى المجلات.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«كل صباح تستيقظ سيري كيتونين لتدرك أنها لا تزال على قيد الحياة، تنهض من سريرها ببطء ثم تغتسل وترتدي ملابسها وبعدها تتناول إفطاراً خفيفاً. يستغرق ذلك بعض الوقت لكنها لا تكترث، فالوقت كله ملكها، تقرأ الصحيفة بتركيز وتصغي للبرامج الإذاعية الصباحية فهذا يمنحها شعوراً بأنها ما زالت تنتمي إلى هذا العالم. غالباً ما تذهب في جولة قصيرة بالترام في حوالي الساعة الحادية عشرة صباحاً لكنها لم تشعر اليوم برغبة في الخروج.

كانت الإضاءة الساطعة للغرف المشتركة في دار التقاعد (صن ست جروف) تعطي المكان أجواء أشبه بغرف الانتظار في عيادة طبيب الأسنان. استلقى عدد من النزلاء على الأرائك في انتظار موعد تناول طعام الغداء.

فجأة شعرت سيري بالحزن ستفتقد تيرو كثيراً لدرجة أن معدتها بدأت تؤلمها، كيف يموت مثل هذا الشاب المعافى في حين لا يموت من يبلغ من العمر أربعة وتسعين عاماً؟ كانت سيري قد قرأت في الجريدة أنه بمجرد أن تبلغ التسعين من العمر تتوقف عملية الشيخوخة، هذا فظيع لأنه يعني أن الأشخاص المسنين مثلها قد تأخروا حتى على موعد وفاتهم.

في البداية كان الجميع يموتون، الأصدقاء والأزواج ثم لم يعد أحد يموت. كان اثنان من أبناء سيري قد ماتا بالفعل، ابنها الأكبر بسبب الإفراط في شرب الكحول والأصغر بسب الإفراط في تناول الطعام. كان الصغير طفل العائلة المدلل، فتى وسيماً ورياضياً، لكنه أخذ يأكل بكثرة ولا يفعل شيئاً سوى العمل. يقود السيارة إلى كل مكان يذهب إليه، يأكل البيتزا ورقائق البطاطس ويدخن السجائر. هذا ما يطلق عليه انعدام الحافز، وهو عبارة عن اضطراب نفسي يؤثر على الشخص عندما يصل إلى مستوى معيشي مرتفع لدرجة أنه يموت بسببه في الخامسة والستين، بحد أقصى».