ما الذي يفعله مئات الأكاديميين الذين يتخرجون في جامعات عربية وأجنبية؟

متهمون بأنهم كسولون وسجناء داخل أسوار «الأكاديمية»

ما الذي يفعله مئات الأكاديميين الذين يتخرجون في جامعات عربية وأجنبية؟
TT

ما الذي يفعله مئات الأكاديميين الذين يتخرجون في جامعات عربية وأجنبية؟

ما الذي يفعله مئات الأكاديميين الذين يتخرجون في جامعات عربية وأجنبية؟

وهنا ينهمر سيل الأسئلة: ما الذي يفعله النقاد الأكاديميون الذين يتخرجون سنويا في الجامعات المحلية أو العربية أو حتى الأجنبية..؟ ولماذا ينحصر النقد الأكاديمي في المؤتمرات الخاصة به، حيث يلتقي عدد من الأكاديميين النقاد لمناقشة مصطلحات مدرسية غالبا مكررة ومتداولة منذ أكثر من قرن من الزمن؟ أليس دور النقد أيضا أن يقيم النتاجات الإبداعية الصادرة حديثا؟ فأين هذا الدور؟ وهل جزء من المشكلة يكمن في عدم وجود مساحات في وسائل الإعلام للمادة النقدية ذات الطبيعة الأكاديمية بسبب حجمها مثلا بعكس النقد الصحافي الذي يسهل نشره؟ وما السبيل إلى جعل النقد الأكاديمي مواكبا للعصر بحيث لا يفقد علميته وفي الوقت نفسه لا نخسر حضوره الجماهيري؟ ولماذا فشل النقاد في الانفتاح على التجارب الشبابية والإبداعية، وأين أخفق النقاد في قراءة المشهد الثقافي؟
ألقينا بكرة هذه الأسئلة في ملعب مجموعة من النقاد والأدباء، وتركنا لهم حق الإجابة عنها، ونبدأ أولا بالأكاديميين لأن الاتهام يوجه إليهم.

* تقريظ وتسفيه
الناقد الأكاديمي المغربي عبد المالك أشهبون يميز بين نوعين بارزين من النقد: «نقد صحافي، وكان له دور بارز في العقود الماضية في إبراز نقاد ومبدعين عصاميين، ونقد أكاديمي تبلور في أحضان الجامعات العربية: وهو، كما يراه أشهبون، فضاء تحضير أطاريح الماجستير والدكتوراه، حيث يعد المجال الجامعي مشتلا حقيقيا لتكوين نقاد المستقبل في مجالات العلوم الإنسانية ككل».
ويقرأ الدكتور أشهبون واقع الحال فيقول: «النقد الصحافي أصبح في غالبه ينتج عينات من النقاد شغلهم الشاغل: المديح والتقريظ من جهة، والتسفيه والتشويه من جهة ثانية.. مع تسجيل وجود بعض الاستثناءات، ولكنها تبقى مجرد استثناءات لا يقاس عليها». ويضيف: «أما الفضاء الأكاديمي، فيضم جحافل الجامعيين، مدججين في نقودهم بأقوال منظرين غربيين، ونقودهم لا تعدو تكون استعادة مدرسية لطروحات تودوروف وجينيت وباختين وغيرهم تارة، أو أساتذة موظفين في تلك الجامعات يشرفون على أطاريح جامعية إشرافا إداريا بعيدا عن تقاليد الإشراف الأكاديمي المعهود في الجامعات العريقة، كما أن الجامعات انتقلت من التفكير إلى التلقين، وغدت لا تقيم وزنا للفعل الثقافي بصفة عامة».
أما لماذا ينحصر النقد الأكاديمي في المؤتمرات الخاصة به، بحيث يلتقي عدد من الأكاديميين النقاد لمناقشة مصطلحات مدرسية غالبا مكررة ومتداولة منذ أكثر من قرن؟ فيجيب الدكتور أشهبون: «من المعروف أن النقد الأكاديمي مصدره الأساس الجامعات، ودون أن نغمط حق جامعاتنا والدور الريادي الذي اضطلعت به في إنجاب كثير من الباحثين في مجالات بحثية متنوعة قدموا إنجازات في مجال تخصصهم؛ فإنه للأسف أضحت الجامعة العربية راهنا تشهد تراجعات ملحوظة على صعيد دعم وتشجيع وتوطين البحث العلمي.. غير أن ما هو لافت للانتباه أنه حتى تلك الأنشطة الأكاديمية التي تحتضنها تلك الجامعات تظل نخبوية ومنعزلة ودون فائدة تذكر من وراء تنظيمها».
وعن دور النقد في تقييم النتاجات الإبداعية الصادرة حديثا يقول: «يكتب الروائيون الشباب رواياتهم وهم حائرون يتساءلون: ما الجديد الذي يمكن أن يكونوا قد قدموه في أعمالهم؟ ما موقع أعمالهم في الرواية العربية؟ وهل ستجد رواياتهم صدى لدى المتلقي ناقدا كان أو مجرد قارئ؟».

* تراجع وظيفي نوعي
أما الدكتور محمد عبد الرزاق المكي، أستاذ الأدب العربي المساعد بكلية الآداب في جامعتي الطائف والإسكندرية، فيعترف بأن ثمة جدلا يثيره تتبع المشهد النقدي في العالم العربي في العقد الأخير؛ «فبقدر ما شهدت حركة النقد الأدبي ثراء كميّا على المستوى الأكاديمي؛ من حيث الرسائل والأطروحات العلمية والإنتاج العلمي للنقاد الأكاديميين؛ فقد شهدت تراجعا نوعيا في الوظيفة التي ينهض بها الناقد في عموم المشهد الثقافي وهو ما اصطلح على تسميته (ناقد الساحة)، ولعل ثمة عوامل أدت إلى هذا التراجع؛ منها ما يعزى إلى النقاد أنفسهم، الذين رضي جلهم بالنقد الأكاديمي بوصفه درجة جامعية ينحصر حضورها فيما يشرفون عليه من رسائل وأطروحات، وما يحبرونه من دراسات في النقد الأدبي، ومنها ما يرجع إلى المناخ الثقافي العام الذي شهد حالة من التراجع في الدور الذي تنهض به الأندية الأدبية وقصور الثقافة بتأثير من المد الثوري الذي اجتاح العالم العربي منذ أربعة أعوام، ذلك إذا استثنينا الجهد الرائد الذي قامت به بعض المؤسسات الثقافية الخاصة من ندوات وإصدارات أسهمت في خلق حالة من الحراك النقدي مثل مؤسسة عبد العزيز البابطين في الكويت».
ويعتقد الدكتور محمد عبد الرزاق مكي أن «الأمر يحتاج إلى استقطاب النقاد الأكاديميين خارج أسوار الجامعة ودعوتهم إلى الملتقيات وورشات العمل في الأندية الأدبية وقصور الثقافة، ليتجاوز الناقد الأكاديمي حدود وظيفته إلى ناقد الساحة الذي يبرز من خلال منجزه النقدي نمطا جديدا من النقد، يتخذ من التجارب الشابة مادة للتطبيق والتحليل تتماشى مع تلك الثورة الرقمية التي غدت سمة مميزة للنتاج الأدبي والثقافي، وتستوعب ما تمخض عنه هذا النتاج من حراك سياسي واجتماعي، ولا نستطيع بحال أن نغفل ما للإعلام بتقنياته المختلفة من أثر فاعل في إذابة تلك الحواجز بين المبدع والقارئ من جانب، وبين الناقد والمبدع من جانب آخر».

* النقاد الأكاديميون لا وقت لديهم
الأكاديمي الدكتور يوسف شحادة، من جامعة كراكوف في بولندا، لا يبتعد كثيرا عن زميليه السابقين، فباعتقاده أن النقد الأدبي تعترضه مشكلات جمة، لعل أهمها أن النقاد الأكاديميين ليسوا متفرغين كليا لممارسة النقد ومشاغله المرهقة التي تبدأ بالوصول إلى المادة الإبداعية المنشورة، أي اقتناء كل ما هو جديد من كتب ذات قيمة في السوق الأدبية الرائجة، ولا تنتهي بالقراءة والتمحيص والتحليل والتعليل.. «الجامعات لا تخرج نقادا، لكنها تهيئ باحثين في مجال الأدب وتاريخه وفنونه ومدارسه وأهم رجالاته، وتدربهم على اعتماد المنهجيات العلمية في بحوثهم ضمن سياق تعليمي يشكل الخطوات الأولى التي لا بد منها لتنشئة الناقد الأكاديمي المتمتع بملكة النقد والقدرة على التحليل والتعليل والمقارنة والاحتجاج».
ويحمل الدكتور يوسف شحادة الأكاديميين مسؤولية الانتباه إلى الجديد ومتابعة أهم ما يصدر من مؤلفات جديدة، ورصد العملية الإبداعية، وتتبع مسارات تطورها، ودراسة المتغيرات المستمرة في الأجناس الأدبية، والتقنيات الفنية، والأساليب المبتكرة، كما يرى في التجربة الإبداعية الشبابية أنها مهمة جدا في تطور النقد الأكاديمي، و«على الناقد أن يلتفت إلى إبداعات الشباب، وقد يفاجأ الناقد الذي يحني هامته قليلا لقراءة أعمال الشباب بأنه أمام إنجازات أدبية مذهلة، قد تنسف كثيرا مما تعلمه من نظريات أكل عليها الدهر وشرب».

* أدباء: الناقد الأكاديمي «كسول وغائب عن المشهد الثقافي»
يرى عدد من الأدباء أن حركة النقد ما زالت تعيش في عزلة عن حركة الإبداع الذي يمضي قدما غير متأثر بها، ويقول الشاعر مهدي سلمان، من البحرين: «الخلل لا ينسب للنقاد المتخرجين في الجامعات العربية والمحلية، بقدر ما يعود إلى النظام التعليمي والتربوي والثقافي ذاته، فالدارس الأكاديمي يعد غالبا ليكون كسولا أولا، ثم بعيدا عن المشهد الأدبي والثقافي الراهن في العالم العربي».
ويصف مهدي سلمان الناقد بأنه منذ بدايته الأكاديمية غير مقبول منه أن يتناول أبعد من بعض الأدوات والأساليب النحوية أو البلاغية في أولى بحوثه حتى أبعد رسالاته، أو بالكثير أن يتناول الأسماء المكرسة بأشكال مكرسة هي الأخرى، وذلك بالنظر إلى ما هو مطلوب من فهم عقيم لفكرة المراجع والمصادر، ليكرر بعد ذلك ما يقوله الجميع وما يتناولون، غير خارجة عن هذا النمط كثير من الجامعات والكليات الأدبية في العالم العربي، «فهي لا تلزم طلبتها بمتابعة وملاحقة الواقع الأدبي العربي، وما يتم تناوله من تجارب عربية معاصرة وراهنة، أجزم بأنه تحد يقوم به طالب (أو طالبة ما) للنظام الأكاديمي برمته». والمطلوب لدى مهدي سلمان أن ينتبه هذا النظام إلى أهمية أن «يتابع الدارسون البيئة التي منها أو يفترض أن ينهل منها هؤلاء علومهم، لأن البيئة الأدبية الراهنة تعد الحقل العلمي الذي يفترض أن يشتغل فيه هؤلاء، وهي مادتهم العلمية الغنية ومصدر نتاجهم، لذا فاللغة العربية والأدب العربي يفوتهما كثير من الكشوف، حين ينحصر نتاجهما في تكرار ما تداوله الباحثون عن تجارب سابقة وفي مجالات ضيقة».
بعد ذلك يقول سلمان: «يأتي الدور على المؤسسات الثقافية العربية، التي لا تسعى في كثير من الأحيان إلى خلق مساحة من الشراكة فيما بين الدرس الأكاديمي والطلبة والأساتذة والواقع الثقافي الراهن، فعلى الناقد الأدبي أو الثقافي أن يقدم ما يؤهله لدخول عالم المؤسسات الثقافية العربية الرسمية والأهلية، وعليه أن يحفر في الصخر ليقترب من هذا العالم.

* الناقد وعقدة الإبداع
الشاعرة هدى أشكناني، من الكويت، حاولت أن توجد مخرجا ما للنقاد، لكن الأمر لا يطول معها، فتقول: «الناقد كغيره من المثقفين، يجد مكانه في العزلة. سنوات كثيرة يمضيها الناقد بين الاطلاع والبحث، وبعدها يعود مرة ثانية لنقطة الصفر. النقد للأسف - في مجتمعاتنا العربية - أصبح رديفا للوجاهة والمظهر، مجرد أسماء لا تقدم ما يفيد الكاتب أو القارئ». ولأن النقد وجاهة، يبحث الناقد عن إطارات خاصة و«نخبوية»، لهذا لا يجدها إلا في المؤتمرات التي يشارك فيها، وغالبا ما يتم اختيار المشاركين بناء على أمرين؛ أولهما مدى «حفظ» الناقد لمصطلحات نقدية ومسميات ذات تعقيدات كبيرة دون فهم واضح لها، وهكذا يشرك الحضور بدائرة الانبهار «الوهمي»، وثانيهما العلاقات الاجتماعية والمصالح المتبادلة، لذا تجد أن معظم النقاد يحلون ضيوفا على الملتقيات والمؤتمرات نفسها بصورة شبه دائمة.

* بين النقدين العربي والغربي
الكاتبة والباحثة فتحية الحداد، من الكويت، ترى أن الأسئلة التي طرحناها عن النقد تختلف من مكان إلى آخر، «فبالنسبة لموضوع النقد في العالم العربي صعب أن يتطور في ظل أن الأعمال نفسها لا تتطور والأدباء أنفسهم منغلقون في عالم لا يقدم الجديد. وبالنسبة للأعمال الشبابية تناولها النقد، وليست وظيفة الناقد أن يضيف عمقا على العمل إن كان بالأصل سطحيا. النقد ينمو إن تطورت الأعمال الأدبية نفسها وليس العكس بنظري».
أما بالنسبة إلى النقد الأكاديمي، في الأكاديميات الأوروبية، حسب رأي فتحية الحداد، فيتم تناول الأدباء الذين كتبوا باختيارهم تحت تأثير المخدرات مثلا، «هل نتصور أن يقوم ناقد عربي بالبحث في هذا الاتجاه؟ النقد الأدبي يحتاج أيضا إلى دراسات اجتماعية خاصة بالمجتمع وتطوره، وهذا غير متوفر في العالم العربي، وليس هناك قواميس عربية أو معاجم تتبع المفردات الجديدة التي تدخل اللغة العربية، وعليه فالناقد يتقيد بتلك القدسية التي يتقيد بها الأدباء العرب والقراء وأي دراسة عن اللهجة في الأدب العربي قد لا تلقى بالا.. لأن الأدباء أنفسهم يريدون أن تربط نصوصهم بالنظريات التي يعرفونها وغالبا تكون نظريات قديمة.. وعليه، كما يقولون، الناقد سيقول لهم: (هذه بضاعتكم ردت إليكم)».
القاص بسام جميدة، من سوريا، يعتقد أن «المسألة ببساطة أن كثيرا ممن يمتهنون النقد الأكاديمي غالبا ما يمارسون طقوسهم النقدية على الكتب التي يختارون قراءتها من أجل مزاولة المهنة، حتى لتشعر في بعض الأحيان أن هذا الناقد كمن يحمل سوطا ويجلد كاتبا لأنه ارتكب جريمة عدم تطبيق معايير الكتابة التي تعلمها ذلك الناقد، متناسيا كل فصول الإبداع التي تحملها الرواية أو القصة أو القصيدة».
ويقول: «أرى أن يكون هناك فقه نقدي متطور على غرار الفقه الديني، والاقتصادي، وعدم قولبة كل الأعمال الأدبية ضمن المفاهيم النقدية التي كانت سائدة قبل قرن من الزمن».
أما لماذا فشل النقاد في الانفتاح على التجارب الشبابية الإبداعية؟ فيقول بسام جميدة: «قد لا يكون فشلا بكل معنى الكلمة، ولكن غالبية النقاد لا يريدون أن ينزلوا من بروجهم العاجية، لأنهم يظنون أنهم أكبر من تناول أدب لأناس لم ينالوا الشهرة بعد».

* منغلقون ولا يواكبون العصر
الشاعر محمد محمد عيسى، من مصر، لديه رأي صارم حول الأكاديميين، فيقول: «ماذا ينتظر من أكاديميين هم في الأساس خريجو جامعات منغلقة على نفسها حتى التي تزعم انفتاحها، وما كان لها من اتفاقيات، وبروتوكولات هي شبه حقيقة وليست واقعا». ويعتقد بوجود «مأزق يجعل أغلب النقاد يأخذون وقتا في فهم النظرية ثم تجريبها، ليظل البين شاسعا بين النظرية وتطبيقها، فما أن يصلوا إلى تطبيقها حتى تكون هناك استحداثات لعناصر فنية جديدة».
ويرى عيسى أن «منهج الأكاديميين في الكتابة قديم غير مؤهل، وليس مواكبا للتطور السريع في رقي الصورة المتجاوزة حدود المكان والزمان».
كما يرى أن «أغلب التجارب الإبداعية أعلى بكثير من الكتابات النقدية بل تجاوزتها. خطى الزمن أسرعت، ومتخلف من لم يلحق بها».



حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران
TT

حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران

لزم فوكو الصمت وهو يتحسر ويتمزق بعدما شاهد مجزرة المعارضين على يد نظام الخميني إنه لشيء من أعجب العجائب وأغرب الغرائب: ميشيل فوكو فيلسوف الحداثة وما بعد الحداثة راح يصفق بكلتا يديه لثورة الخميني الظلامية المندلعة عام 1978. كان فوكو في ذلك الوقت أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. وذلك لأن سارتر كان على وشك الرحيل بعد أن عمي تماماً، ولم تبقَ له سنتان أو أقل لكي يموت. علاوة على ذلك، فقد كان فوكو أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس (أعلى من السوربون) ، ومعلوم أنه كان قد اتفق مع صديقه جان دانييل رئيس تحرير أهم مجلة أسبوعية فرنسية وأكثرها استنارة «النوفيل أوبسرفاتور» على الذهاب إلى طهران لتغطية الأحداث المشتعلة هناك. وهكذا ركب فيلسوفنا الكبير الطائرة وذهب إلى طهران لكتابة تقارير صحافية عن الأحداث في وقت كان فيه الخميني ذاته لا يزال في ضواحي باريس. وهي تقارير نشرتها المجلة المذكورة، بالإضافة إلى الجريدة الإيطالية الشهيرة «كوريير ديلا سيرا». وقد سافر مرتين إلى طهران من 16 إلى 24 سبتمبر (أيلول) 1978، ومن 9 إلى 15 نوفمبر (تشرين الثاني): أي أقام ثمانية أيام وستة أيام في العاصمة الإيرانية. وقد قابل في كلتا الرحلتين ضباط الشاه الكبار، وقادة المعارضة العلمانيين. ثم قابل بشكل خاص كبار رجال الدين، ومن بينهم آية الله شريعة مداري. هذا ناهيك عن ممثلي المتظاهرين المليونيين، إلخ. يقول عنه أحد العارفين ما يلي:

كان فوكو شخصياً معجباً جداً بالعنف، ومبهوراً به. وكان يكره كل مجتمع مستقر. وكان معجباً جداً أيضاً بالجماهير الهائجة المائجة، وبالزلازل، والبراكين. وكانت عدميته النيتشوية قد وجدت إشباعاً لها في هذه الثورة العارمة التدميرية المدمرة. ولذلك رأى في هذه الثورة المتفجرة بالملايين نوعاً من الإنعاش الروحي في عالم دنيوي إلحادي فقد كلياً معنى القداسة الدينية، والتعالي الرباني. المقصود بذلك عالم الغرب الذي ينتمي إليه، لأنه هو شخصياً كان ملحداً عدمياً نيتشوياً.

لاحظوا المفارقة الكبرى هنا: هذا الرجل الملحد الذي يحارب الدين المسيحي بكل ضراوة في بلده إذا به يركع وينحني أمام متدينين آخرين، وفي بلد آخر. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ الله أعلم. وهنا يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: ماذا فعل فوكو في إيران؟ لقد انتصر للقدامة ضد الحداثة، وللثيوقراطية ضد الديمقراطية، وللنزعة اللاهوتية الكهنوتية ضد الفلسفة العلمانية التنويرية. لقد أبدى إعجابه الشديد بكيفية سيطرة رجل واحد على الملايين رغم أنه رجل دين قروسطي ظلامي. كان يسحرهم سحراً. فالخميني بشريط تسجيل واحد كان قادراً على تهييج إيران كلها عن بكرة أبيها. هذا ما أذهل فوكو، وأعجبه كل الإعجاب، وأخرجه عن طوره، بل وأفقده كل ملكاته العقلية، والنقلية. ثم أبدى إعجابه الشديد باستعداد هؤلاء المتظاهرين المليونيين للتضحية بأرواحهم ودمائهم من أجله. واعتقد فوكو أن ذلك أفضل من كل برلمانات العالم، وكل ديمقراطيات الغرب. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة.

لقد نشر فوكو مقالة بعنوان: «الشاه متأخر عن عصره مائة عام». لا حظوا المفارقة: الشاه الذي حدث إيران هو المتأخر عن عصر الحداثة، وليس الخميني. وراح فوكو يستخدم كل براعته السفسطائية لإقناعنا بأن حداثة الغرب العلمانية الديمقراطية هي المشكلة، وهي المتخلفة عقلياً، وسياسياً، وليس الخميني الذي يعيش كلياً في غياهب العصور الوسطى، وظلماتها. الشاه الذي أراد تحديث بلاده وتطويرها هو الرجعي، والخميني الذي أراد إعادتها إلى القرون الوسطى هو التقدمي.

لا ريب في أن فوكو كان على حق في إدانة الفساد الذي كان ينخر في نظام الشاه البائد، ومعلوم أن جماعته -بل وعائلته- كانت تسيطر على الصناعة الإيرانية، والموارد البترولية، ومعلوم أن فقر الشعب المدقع في عهده كان قد أصبح مقلقاً. والمقلق أكثر ميل الشاه إلى البذخ في الصرف على الأمجاد الساسانية الغابرة السابقة على الإسلام. وكل هذا استفز الشعب الإيراني المسلم المتدين أيما استفزاز. هذا ناهيك عن القمع السياسي للسافاك، إلخ. كل هذا صحيح. ولكن لماذا لا ترى نواقص الطرف الآخر المتمثل في الخميني؟ في الواقع أن فوكو كان يكره الغرب، ويكره الحداثة الرأسمالية. وبما أن الأصوليين الإيرانيين كانوا يكرهون الغرب، ويكرهون الحداثة الرأسمالية أيضاً، فإنهم نالوا إعجاب فوكو الشديد. لقد نالوا إعجابه إلى درجة أنه راح يقيم التضاد بين ملك طاغية مستبد من جهة وإنسان «قديس» ومنفي فقير من جهة أخرى. لاحظوا الأمر: الخميني تحول إلى قديس، أو ولي من أولياء الله الصالحين في نظر فوكو الملحد! وراح أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس يمجد الخميني ويقول: ما أروع هذا الرجل الروحاني المؤمن الذي يقود شعباً بأسره، ويتصدى بيدٍ عارية للطغيان المدجج بالسلاح... كلام فارغ سوف يدفع ثمنه غالياً لاحقاً. هكذا نلاحظ أنه في نظر هذا الفيلسوف العتيد فإن الشر أصبح كله في جهة، والخير كله في جهة أخرى. ثم بلغ العمى الفكري بميشيل فوكو مبلغه عندما راح يقول: هناك حقيقة ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي: إن مفهوم الحكومة الإسلامية الذي ينادي به الخميني لا يعني أن رجال الدين هم الذين سيحكمون إيران. عندما كتب فوكو هذا الكلام كان الخميني لا يزال في ضواحي باريس، وفوكو يسرح ويمرح في طهران. ولكن كيف يمكن أن تصدق أن رجال الدين لن يلعبوا أي دور في النظام اللاهوتي الكهنوتي المقبل؟ فوكو يعتقد أنه يمكن للإيرانيين في ظل الخميني أن يصنعوا مستقبلهم الزاهر عن طريق العودة ألف سنة إلى الوراء...

يقول أحد العارفين أيضاً معلقاً:

الشيء الذي كان يسحر ميشيل فوكو في الثورة الإيرانية هو تشكيل مجتمع مستلهم من قبل التعالي الرباني، والقداسة الدينية. الشيء الذي كان يسحره هو الروحانية السياسية التي نسيناها نحن في الغرب منذ عصر النهضة، والأزمات الكبرى للمسيحية. ثم يردف فوكو قائلاً: أكاد أسمع الفرنسيين يقهقهون إذ يسمعون مني هذا الكلام. ولكنهم مخطئون. وراح يتوهم أن الحكومة الإسلامية سوف تجسد في السياسة شيئاً جديداً نسيه الغرب كلياً: ألا وهو الطابع الروحاني -بل والرباني- العالي المتعالي للسياسة. ما هذا الهراء؟ فوكو يريد العودة إلى ما قبل عصر النهضة، بل إلى ما قبل عصر التنوير. إنه يريد العودة إلى عصر الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية السابقة على النهضة، والأنوار. باختصار شديد، إنه يريد العودة إلى القرون الوسطى الثيوقراطية الكهنوتية. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة في الكوليج دو فرانس... أين نحن؟

ثم بلغ الضلال بفوكو مبلغه عندما كتب قائلاً:

الخميني ليس رجل سياسة. إنه رجل دين فقط. لن يوجد حزب سياسي خميني بعد سقوط الشاه، ولا حكومة خمينية في إيران بعد الانتصار عليه. ولكن الأحداث اللاحقة كذبته كلياً. ففي الأول من فبراير (شباط) 1979 عاد الخميني إلى طهران، وشكل نظاماً ثيوقراطياً يتحكم رجال الدين بكل مفاصله. وراحوا يقطعون الرؤوس بالآلاف... والنتيجة معروفة للجميع.

هكذا نلاحظ أن فوكو أخطأ على طول الخط في تقييمه للثورة الإيرانية. ولهذا السبب، فإن صديقه جان دانييل الذي أرسله إلى هناك راح يعتذر بشدة عن الخطأ الذي ارتكبه كلا الاثنين معاً. وهو خطأ لا يغتفر في رأيه. وأما فوكو الذي شاهد مجزرة المعارضين على يد آية الله الخلخالي، وسواه، فقد لزم الصمت وهو يتحسر، ويتمزق. وربما بصق على كل ما كتب، وفعل. ويقال إنه لزم بيته بضعة أسابيع قبل أن يتجرأ على الخروج في شوارع باريس خجلاً من نفسه، ومن الناس... كيف يمكن أن تخطئ إلى مثل هذا الحد يا رجل وأنت الفيلسوف الشهير؟ لقد عض على أصابعه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان. وهذا درس لكل المثقفين الذين يناصرون قضية أخرى غير قضيتهم، بل ومضادة لقضيتهم: نقصد قضية الأصولية الظلامية. نقول ذلك ونحن نعلم أن المثقفين اليساريين والشيوعيين -بل وحتى الليبراليين الإيرانيين- انضموا كلهم إلى صف الخميني، وساهموا في إنجاح حركته. ثم سرعان ما قطع رؤوسهم بعد أن وصل إلى السلطة، واستتب له الأمر. لا يريد مثقفين تقدميين متنورين في إيران الجديدة. يريد فقط مثقفين أصوليين من أشكاله.

أخيراً ابتدأ الشعب الإيراني يدفع الثمن الباهظ لهذه الثورة المتخلفة التي تحمس لها بالملايين قبل نصف قرن تقريباً. كل الثورات الكبرى التي صنعت الحداثة والازدهار والتقدم كانت مضادة للأصولية، ما عدا الثورة الخمينية... كلها من الثورة الإنجليزية المجيدة عام 1688 إلى الثورة الأميركية عام 1776 إلى الثورة الفرنسية عام 1789 كانت ضد الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية. وحدها الثورة الإيرانية كانت الاستثناء. لقد كانت مضادة لحركة التاريخ. ولذلك لم ينتج عنها أي شيء مفيد، ولم تتقدم إلى الأمام، وإنما أعادتنا قروناً إلى الوراء. إنها ثورة معكوسة بالمقلوب كما قال المجدد الأكبر للفكر الإسلامي محمد أركون يوماً ما. والأنكى من ذلك أن أصحابها يريدون تصديرها إلى الشعوب المجاورة؟ ماذا يصدرون؟ هل يصدرون فكر العصور الوسطى وظلامياتها؟ هل يصدرون التخلف الفكري؟ هنا يكمن مقتل الثورة الإيرانية.


فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم
TT

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

تحمل فيروز معاني كثيرة داخل كل منا، فهي جمال الصوت المبهر وروعة الإحساس وذكريات الصبا ونسمة عذبة باردة تصفع وجوهنا برقة في صباحات رائقة ونحن نحتسي القهوة، لكنها ليست كذلك لدى الروائي السوري نبيل الملحم، إنها بالأساس طريقة لفهم الضوء حين يهبط على البحر، وطريقة لسماع الجبل وهو يتكلم، وطريقة لتصديق أن اللغة تستطيع أن تصبح بيتاً.

في كتابه «السيدة – تمرين على النجاة»، الصادر في نسخة إلكترونية حرة بعيداً عن دور النشر، يتساءل الملحم: هل من مغنية في تاريخ الإنسان تحمل كل هذه الأثقال؟ ويجيب بتأكيد قاطع: نعم، إنها السيدة فيروز، ثم يشرح فكرته مستعيناً بأدوات التشريح الفلسفي والرؤى الشاعرية والتحليل اللغوي والتأملات العميقة التي تمزج بين روح الشعر وبصمة النقد الموسيقي.

يشير الملحم إلى أنه ابن سوريا التي كانت تبحث منذ أزلها، عن نافذة تطل على البحر، فكانت فيروز ذلك البحر، حدث ذلك قبل أن تعرف الحدود السياسية طريقها إلى الأغنيات، حيث كان صوتها يعبرها كما يعبر الضوء زجاج النافذة.

في البيوت السورية، كما في البيوت اللبنانية، لم تكن فيروز ضيفة، كانت من أثاث الصباح، ومن رائحة القهوة، ومن برودة الماء في الجرار، ومن ذلك الحنين الذي يسبق الإنسان حتى قبل أن يعرف كيف يترجم مفردة «حنين» في طوايا نفسه.

يقول: «... كلما سمعت صوتها، شعرت أن المتوسط يغني نفسه، ليس البحر بوصفه ماءً، بل بوصفه ذاكرة، ذلك البحر الذي مر عليه الفينيقيون، والإغريق، والرومان، والعرب، والصليبيون، والعثمانيون، وكل من ظن أنه امتلكه، بينما كان البحر يحتفظ بسره كله في أغنية».

من هنا، يضيف: لم يصنع الرحابنة مدرسة موسيقية فحسب، بل أعادوا اختراع المكان، قبلهم كانت القرية مكاناً جغرافياً، وبعدهم أصبحت حالة روحية. لم تعد «بكفيا» أو «أنطلياس» أو «بشري» أو «زحلة» أو «بحيرية»، مجرد أسماء على الخرائط، صارت استعارات للإنسان نفسه، حتى الذين لم يزوروا لبنان قط، كانوا يعرفونه من خلال موسيقى الأخوين رحباني، كما يعرف المؤمن مدينته المقدسة من كتاب لم يزر أرضه.

ويذكر المؤلف أنه «حين يقول الرحابنة، لا يتحدث عن ملحنين فقط، بل عن فلاسفة أخفوا فلسفتهم داخل الأغنية، كانوا يعرفون أن الأفكار الثقيلة تموت سريعاً، بينما تعيش الفكرة إذا مشت حافية داخل لحن، ثم جاءت اللغة، ذاك الاكتشاف اللبناني العظيم، حين خرجت من المحكية كونها لغة البيوت إلى كونها لغة الشعر، فمن ميشال طراد مروراً بجوزيف حرب، وصولاً إلى طلال حيدر، لم تعد العامية لهجة، بل أصبحت وطناً آخر للقصيدة».

لقد كان هؤلاء، كما يضيف، يكتبون كما لو أنهم ينقذون الكلمات من عزلتها، ويعيدونها إلى فم الأم، وإلى رائحة التراب بعد المطر، وإلى الحجر الذي جلس عليه عاشقان على «صخرة الروشة»، وقد استبدلا بالانتحار العناق بعد أن استبدت بهما الأغنية. كانت فيروز الجسد الموسيقي لتلك اللغة، وبالتالي فإن الكتابة عنها ليست كتابة عن السيدة المطربة، بل عن الحضارة حين تنجو من الخراب.

إنه لهذا بالضبط تتجاوز فيروز التاريخ الرسمي، ذلك الذي يروي أسماء المنتصرين، أما الأغاني، فتروي أسماء الناجين، التاريخ الرسمي يشبه الجنرالات، يمشي وينظر إلى الأمام فقط، أما الثقافة، فإنها تمشي وهي تنظر في كل الاتجاهات، ولعل هذا ما جعل نبيل الملحم يشعر دائماً بأن الرحابنة لم يكونوا يكتبون للبنان وحده، كانوا يكتبون للمشرق الذي لم تستطع السياسة أن تصنعه، وأن هناك فرقاً هائلاً بين أن تؤسس دولة، وأن تؤسس خيالاً... الدولة تحتاج إلى حدود، أما الخيال، فيحتاج إلى نافذة.

الرحابنة فتحوا نافذة، دخل منها السوري، والفلسطيني، والأردني، والعراقي، والمصري، وربما اليوناني أيضاً، دون أن يسأل أحد عن جواز سفره، فهم لا يعترفون بالحدود إلا بوصفها سوء تفاهم مؤقتاً بين البشر.

المدهش أن الملحم كلما فكر في «فيروز»، اكتشف أنه لا يتذكر صوتها أولاً، بل صمتها. قد يبدو هذا تناقضاً، لكنه ليس كذلك، فهناك أصوات تملأ الفراغ، وهناك أصوات تكشفه. الأصوات الأولى تخيف الصمت وتضاده، أما الثانية فتتصالح معه، والفرق الحقيقي بين مغنٍّ عظيم ومغنٍّ خالد، هو أن الأول يملك صوته، أما الثاني فيملكه الصمت الذي يحيط بصوته.

ربما لهذا السبب لم تكن «فيروز» تغني كما يغني الآخرون. كانت تبدو في كثير من الأحيان، كأنها لا تؤدي الأغنية، بل تنصت إليها، بل تتكون في مكان لا تراه العين. لم تكن تفرض صوتها على الكلمات، بل كانت الكلمات هي التي تستدعي ذلك الصوت، كما تستدعي الأرض المطر حين تبلغ عطشها الأخير، ولعل هذه هي أول علامة على أن الفن تجاوز صاحبه، حين يتوقف الفنان عن قيادة العمل، ويصبح العمل هو الذي يقوده.

ويخلص المؤلف في كتابه الشيق قائلاً: «إنه من هذه الزاوية، تبدو (فيروز) أقرب إلى اختراع حضاري منها إلى موهبة فردية، الموهبة تفسر شيئاً واحداً: لماذا استطاعت أن تغني؟ لكنها لا تفسر لماذا أصغى إليها هذا العدد الهائل من البشر، على امتداد أكثر من نصف قرن، من دون أن يملوا؟».

هناك شيء آخر كان يعمل في الخفاء، شيء يتجاوز الصوت، وربما يتجاوز الموسيقى نفسها.

السر لم يكن في الحنجرة، بل في الثقة، ذاك الصوت كان يثق بالعالم، حتى حين كان العالم يفقد ثقته بنفسه، وهذه ليست صفة فنية، إنها صفة أخلاقية، ولهذا بقيت «فيروز» في أكثر اللحظات دموية في المشرق، تبدو وكأنها تتحدث من مكان لم تصله الحرب بعد.

ليس لأنها تجاهلت الحرب، بل لأنها كانت تعرف أن الحروب، مهما طالت، لا تملك المستقبل... الحرب تعيش في الزمن، أما الجمال، فيعيش خارجه، ولعل هذا هو السبب الذي يجعلنا، بعد كل هذه العقود، نتذكر أغنية، وننسى بياناً عسكرياً.


«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ
TT

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

في المجموعة القصصية «على هامش الحياة» للكاتب مصعب البدور الصادرة عن «الآن ناشرون وموزّعون» بالأردن (2026)، نشهد استحضاراً للذاكرة الجمعية لجيلٍ أردني عاش حياةً بسيطة وقيماً أصيلة تتجسد في التعاون والرضا والقدرة على التكيّف مع قلة الإمكانات.

والقصص الواردة في المجموعة، كما كتب الناشر، «ليست تسجيلاً لأحداثٍ وقعت لأشخاص بعينهم، وإنما هي صور فنية مستوحاة من الواقع الاجتماعي والذاكرة المشترَكة لذلك الجيل، تمتزج فيها الحقيقة بالخيال لتجسّد تحولات الحياة من الماضي البسيط إلى الحاضر المعقّد، وتحافظ على تفاصيل وتجارب إنسانية تثير الحنين وتعبّر عن هوية المجتمع وقيمه».

يرى البدور الحياة بأكملها هي المتن الأساسي، ويعدّ كل القصص الواردة في مجموعته هوامشَ لهذا المتن الكبير، فتلك حكايات «على هامش الحياة»، حكايات أكثر إبانةً وكشفاً عن المكنون والذاكرة والنَّفس. انتظمت المجموعة في تسع حواشٍ، «تتّفق جميعها في التعبير عن ذاكرة الطفولة لجيل كامل».

يربط بين نصوص المجموعة حضور الطفل الذي يكبر جسده في حين تظلّ طفولته حاضرة في ذاكرته، فالخيال الطفولي يتحوّل وسيلةً لمقاومة الفقر والحرمان، ثم ينقلب مع الزمن تأمّلاً في آثار التربية والعائلة والمجتمع على النفس الإنسانية. وتظهر العلاقات الأسرية بوصفها المحور الأكثر تأثيراً؛ فالأب والأم والإخوة هم القوى التي تصنع الشخصية أو تجرحها أو تنقذها.

كما تشترك القصص في إبراز المفارقة بين براءة الطفولة وعنف الواقع، فألعاب الأطفال تتحوّل حروباً، والمنافسة رغبةً في الانتقام، والبرد رمزاً للقسوة، في حين يصبح الدفء رمزاً للأسرة والأمان. وفي المقابل، تحضر لحظات إنسانية مضيئة، مثل التعاون بين الجيران، والتضامن في مواجهة الأزمات، والصداقة العابرة للاختلافات الدينية والاجتماعية.