مدن ألمانية ترحب وأخرى غاضبة من وجود اللاجئين

مخاوف من تداعيات الأزمة على التركيبة السكانية للمدن

لاجئون لدى وصولهم إلى محطة القطار المركزية في مدينة ميونيخ الألمانية أمس (أ.ب)
لاجئون لدى وصولهم إلى محطة القطار المركزية في مدينة ميونيخ الألمانية أمس (أ.ب)
TT

مدن ألمانية ترحب وأخرى غاضبة من وجود اللاجئين

لاجئون لدى وصولهم إلى محطة القطار المركزية في مدينة ميونيخ الألمانية أمس (أ.ب)
لاجئون لدى وصولهم إلى محطة القطار المركزية في مدينة ميونيخ الألمانية أمس (أ.ب)

تباين شعور المواطنين الألمان بين التعاطف والفزع في صالة الألعاب الرياضية بمدرسة في مدينة إرفورت (عاصمة ولاية تورينغين)، حيث دعا مسؤولو المدينة سكان الأبراج المجاورة لمناقشة مسألة إيواء مجموعة من اللاجئين – معظمهم سوريون – في الحي.
أمسكت امرأة مسنة بالميكروفون، وسألت: «هل تبنون مسجدا لهم بعد ذلك؟ وهل سيوقظوننا بصلاتهم في الخامسة صباحا؟». وتساءل معلم: «كيف يمكننا حماية أطفالنا؟». ولم ينزعج شاب حتى من إعلانه أمام الجميع: «يجب أن يتوقف هذا الأمر»، بينما صفق البعض له.
شهدت المدينة تدفقا غير مسبوق للاجئين – معظمهم مسلمون – بعدما كان، حتى وقت قريب، يتسم جميع مواطنيها تقريبا بلونهم الأبيض لدرجة أنهم كانوا يطلقون اسم «أفريقي إرفورت» على رجل أسود في حزب الخضر المحلي.
في إرفورت، التي يبلغ تعداد سكانها 208 آلاف نسمة، والتي كانت ذات مرة موطنا للمصلح الديني الألماني ومؤسس المذهب البروتستانتي مارتن لوثر، ويُشار إليها أحيانا على أنها «روما تورينغين» لكثرة الكنائس بها، يعتبر سجق لحم الخنزير وجبة شعبية. وكان رئيس البلدية قدّر عدد المسلمين في المدينة بـ500 شخص حتى وقت قريب، لكن بحلول عيد الكريسماس قد يتوافد أربعة آلاف مهاجر، معظمهم من دول إسلامية، إلى المدينة.
وقال رئيس بلدية إرفورت أندرياس بوسوين إن «إرفورت تتغير»، فهناك منزل للمهاجرين بجوار منزله، وأصبح لطفلته الأصغر زميلة أفغانية في فصلها الدراسي تجلس على كرسي متحرك نتيجة إصابتها بـ«شظايا قنبلة»، وفقا لبوسوين. وحتى نهاية الأسبوع الماضي، قال رئيس البلدية لطاقم موظفيه إن أزمة المهاجرين كانت أكبر تحدٍ منذ إعادة توحيد ألمانيا. والآن يقول إنها أكبر تحدٍ منذ الحرب العالمية الثانية.
ومن المتوقع أن يصل نحو 800 ألف طالب لجوء إلى ألمانيا بحلول نهاية العام الحالي، ما يدفع البلاد إلى خوض تجربة حياتية يعتقد كثيرون أنها قد تتسبب في تحويل ألمانيا بشكل أكبر حتى من سقوط الشيوعية.
وفي أعقاب موقف المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل المرحب بآلاف الفارين من الحرب والصراع في سوريا والعراق وأفغانستان والمناطق الأخرى، تتأقلم المدن الألمانية، مثل إرفورت، على نحو مفاجئ مع هذا الوضع الاستثنائي. وبدأت الآثار تظهر في الولايات والمدن والبلدات على عجل، نتيجة زيادة عدد المهاجرين من 100 كل شهر في يونيو (حزيران) إلى 300 كل أسبوع حاليا. وفي هذه المرحلة ينتظر الجميع رؤية إذا ما كانت التجربة ستبوء بالنجاح أو الفشل.
ومن أجل إنجاح التجربة، لا بد من توفير أسرّة وحمامات، ومترجمين ومعلمين، وإخصائيين اجتماعيين وضباط شرطة، ومنازل وفصول دراسية، وفرص العمل والمال. كما يجب إبداء التعاون من متوسط الألمان، الذين استقبل كثير منهم المهاجرين بسخاء، بيد أن الآخرين لا يزالون يشعرون بالقلق إزاء استقبال المهاجرين، ولا يزالون بحاجة إلى الاقتناع بأن الفوائد تستحق التكلفة والارتباك وإعادة تشكيل الهوية الألمانية.
في إرفورت والمدن الأخرى، لا يعتبر استقبال المهاجرين مسألة إدارة خدمات لوجيستية فحسب، وإنما أيضًا إدارة المزاج العام لدى المواطنين. وحتى الآن، تتأقلم إرفورت، التي تقع على حافة ألمانيا الشرقية سابقا في القلب الجغرافي لألمانيا الموحدة، مع الوضع. كما تعتبر إرفورت، التي تأثرت بالكاد بفعل الحرب، مدينة منسية في التاريخ، بها مركز عتيق مرصوف بالحصى، ومنازل من العصور الوسطى ملونة بالباستيل، وأبراج كنائس تعد من الأفضل في ألمانيا.
امتلأت الأسرّة الاحتياطية التي كانت موضوعة في 19 منزلا مخصصا للمهاجرين، مع جلب أسرّة جديدة. وتحول المبنى الذي استخدِم الليلة السابقة للقادمين السوريين الجدد، وكان بيت دعارة مهجورا، إلى مكان ملائم للاستخدام به غرف صغيرة وحمامات منفصلة. وقال جينز هينيج، أحد الإخصائيين الاجتماعيين الذين يديرون المكان: «إنه مثالي». وتم دهن الجدران بطبقة بيضاء بدلا من اللون الوردي القديم.
استقبل السكان الألمان قطارات المهاجرين بالتصفيق والتهليل. وتلقت المرافق السكنية التبرعات والمتطوعين نظرا لاكتمال غرف الإيواء. وعلى الرغم من أن بعض الألمان مثل هؤلاء الذين حضروا اجتماع صالة الألعاب الرياضية والاجتماعات الأخرى المشابهة أعربوا هذا الأسبوع عن قلقهم إزاء ارتفاع معدل الجريمة وزيادة الضرائب ووصول «مزيد من المسلمين» إلى المدينة، فإن آخرين نهضوا بشكل دوري لإبداء التعاطف مع المهاجرين.
وبدوره، أشار ستيفن راسلوف، وهو مؤرخ محلي شهير، إلى أن إرفورت استقبلت موجات متعاقبة من الهجرة الجماعية، بدءا من السلتيين والسلافيين وبناة الجسور الهولنديين إلى الجالية اليهودية المزدهرة في العصور الوسطى التي ساهمت في جعل إرفورت مدينة عالمية ثرية، فكانت الهجرة مفيدة في معظمها، على حد قول راسلوف. ومع ذلك، شهدت المدينة بعض التوترات عبر التاريخ، عندما تم طرد نحو 14 مليون ألماني من الأراضي الشرقية التي أصبحت جزءا من الكتلة السوفياتية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، إذ جاء 670 ألفا منهم من خلال مخيمات الطوارئ في إرفورت. وذكر راسلوف: «وهذا كان بنفس اللغة ونفس الثقافة».
والآن، يظهر القلق جليا في مدينة لا تعتبر غريبة على التطرف الآيديولوجي، إذ يدير حزب اليسار، خليفة الحزب الشيوعي الشرقي، الجهاز الإداري للولاية، في ائتلاف مع الحزب الاشتراك الديمقراطي وحزب الخضر. كما أن الحزب الوطني اليميني المتطرف لديه ممثل في مجلس المدينة. وتم إضرام النار هذا الأسبوع في ثلاثة منازل، ما زالت غير مأهولة بالسكان، للمهاجرين في الجزء الشمالي من ولاية تورينغين.
وفي مبنى البلدية «سيتي هول» المصمم على نمط العمارة القوطية الجديدة، وهو معلم تذكاري يظهر الفخر البروسي في القرن التاسع عشر، أعرب ألكسندر هيلغ المسؤول بمدينة إرفورت عن قلقه. كان قد انتهى لتوه من لقاء مع مسؤولي الولاية. وكانت التقارير تفيد بأن عشرات الآلاف من المهاجرين الآخرين في طريقهم إلى ألمانيا من المجر. ومن كل مجموعة جديدة، سوف يرسل نظام الحصص الخاص بتوزيع طالبي اللجوء نسبة 2.5 في المائة إلى تورينغين، وواحد من كل 10 سوف ينتهي به المآل إلى إرفورت.
يتولى هيلغ، 38 عاما، تنسيق تجاوب المدينة مع أزمة المهاجرين. أصبح مكتبه غرفة للعمليات غير الرسمية. ولا يزال دفتر التقويم الملتصق على الجدار بالمكتب ثابتا على يوم الجمعة، عندما كان آلاف المهاجرين لا يزالون محتجزين في المجر. ومنذ أن استقلوا القطار المتجه غربا إلى ألمانيا، لم يمتلك أحد الوقت لإزالة أوراق التقويم ذي اللون الأحمر الذي يحدد التاريخ.
وصف هيلغ يوم الجمعة بأنه بالفعل بداية «حقبة أخرى». حينئذ، كان هيلغ يتلقى تحذيرات مفصلة عن القادمين: قوائم بالأسماء ومؤشرات عن الاحتياجات، مثل عدد الأمهات المرضعات والأطفال المرضى على وشك الوصول. والآن، يحصل هيلغ على كل القوائم مرة واحدة دون سابق تحذيرات مفصلة، وعادة ما يكون العدد خاطئا.
منذ يوم الاثنين، يلتقي فريق أزمات المدينة - المكون من رجال الإطفاء والإخصائيين الاجتماعيين والمسؤولين في المدارس والسلطات الصحية وأعضاء اللجنة المالية - في تمام الساعة التاسعة صباحا كل يوم. وكان على جدول الأعمال في إحدى الاجتماعات هذا الأسبوع: نقص وشيك في المأوى إذا استمر المهاجرون في القدوم.
وضع ويرنر أونجيويس، من الخدمات التعليمية، خطوطا عريضة لخطة أولية تتضمن استغلال 13 من أصل 68 صالة ألعاب رياضية مدرسية في المدينة. وقال: «سيتم إلغاء التربية الرياضية. ولم يعد للنوادي الرياضية إمكانية دخول هذه المنشآت». واستدار هيلغ في مقعده، وتحدث عن غضب الناس، قائلا: «سوف يثور أولياء الأمور على هذا». وحتى الآن، تتعلق إدارة الشعور العام بطلب المحليين بقبول المهاجرين كجيرانهم الجدد. وتابع هيلغ: «الآن نحن نقتحم حياتهم بشكل عميق. إننا نأخذ فصول أطفالهم الدراسية ونواديهم الرياضية».
*خدمة «نيويورك تايمز»



3 قتلى بضربات روسية في أنحاء أوكرانيا

رجل إطفاء أوكراني يعمل على إخماد حريق بموقع هجوم روسي في أوديسا (أ.ف.ب)
رجل إطفاء أوكراني يعمل على إخماد حريق بموقع هجوم روسي في أوديسا (أ.ف.ب)
TT

3 قتلى بضربات روسية في أنحاء أوكرانيا

رجل إطفاء أوكراني يعمل على إخماد حريق بموقع هجوم روسي في أوديسا (أ.ف.ب)
رجل إطفاء أوكراني يعمل على إخماد حريق بموقع هجوم روسي في أوديسا (أ.ف.ب)

أسفرت ضربات روسية بالمسيّرات والصواريخ استهدفت أوكرانيا ليلاً عن مقتل 3 أشخاص على الأقل وإصابة عدد آخر بجروح، حسبما أفاد به مسؤولون إقليميون، اليوم (الاثنين).

وقُتل شخصان عندما استهدفت مسيّرات منطقة أوديسا، حسبما أفاد به الحاكم الإقليمي أوليغ كيبر، مشيراً إلى إصابة ثلاثة أشخاص بجروح.

وفي زابوريجيا، أدى هجوم بمسيّرات استهدف منشآت صناعية إلى مقتل رجل يبلغ من العمر 33 عاماً وإصابة آخر بجروح، حسب حاكم المنطقة إيفان فيدوروف.

رجال الإطفاء داخل مجمع تابع لشركة خاصة تضرر جراء غارات جوية روسية بطائرات مسيّرة خلال الليل في خضم الهجوم الروسي على أوكرانيا بمنطقة أوديسا (رويترز)

تتعرّض المدينة التي تعد مركزاً صناعياً رئيسياً قرب خط الجبهة، لضربات متكررة في وقت تكثّف القوات الروسية الضغط على جنوب شرقي أوكرانيا.

وشمالاً، استهدف صاروخ منطقة خولودنوغرسكي في خاركيف، حسبما أفاد به رئيس البلدية إيغور تيريخوف، صباح الاثنين.

ولم يفصح عن عدد للضحايا في وقت عملت فرق الطوارئ على تقييم الأضرار.

رجل إطفاء أوكراني يعمل على إخماد حريق بموقع هجوم روسي في أوديسا (رويترز)

جاءت الضربات بعد وابل من الصواريخ والمسيّرات الروسية التي استهدفت، الأحد، البنى التحتية المخصصة للطاقة وسكك الحديد ومناطق سكنية في أنحاء أوكرانيا، حيث استُهدفت كييف على وجه الخصوص.

سيارة تحترق في أوديسا (رويترز)

وقُتل رجل وأُصيب أكثر من عشرة بجروح في العاصمة وفي محيطها في ذلك الهجوم.


4 سنوات على حرب أوكرانيا... ولادة قيصرية لأوروبا الجديدة

الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ (أ.ف.ب)
TT

4 سنوات على حرب أوكرانيا... ولادة قيصرية لأوروبا الجديدة

الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ (أ.ف.ب)

في ختام الكلمة التي ألقاها مطالع مايو (أيار) 1950، خلال الحفل التأسيسي لمجموعة الفحم والصلب الأوروبية، التي كانت النواة الأولى للمجموعة الاقتصادية الأوروبية ثم للسوق الأوروبية المشتركة وبعدها للاتحاد الأوروبي، قال جان مونّيه، أحد «آباء أوروبا الأربعة» (إلى جانب كونراد أديناور وروبرت شومان وآلشيدي دي غاسبيري)، إن «المشروع الأوروبي لن يكتمل بناؤه إلا من رحم الأزمات التي هي أفضل حليف له».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس يتوسط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (يمين) ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بمناسبة مشاركتهم بمؤتمر الأمن في ميونيخ 13 فبراير (رويترز)

انقضت 75 سنة على تلك العبارة التي أكّدت صحتها سبحة الأزمات التي تعاقبت على المشروع الأوروبي، ليخرج منها بقفزات نوعيّة رسّخت دعائمه، وكانت خطوات واسعة نحو المزيد من الاندماج والتكامل على الأصعدة المالية والاجتماعية والاقتصادية. لكن العملاق الاقتصادي الذي تولّد من ذلك المشروع الطموح الذي قام ليكون سدّاً منيعاً في وجه المغامرات العسكرية التي أدمت التاريخ الأوروبي، ما زال «قزماً سياسياً» على مائدة الكبار الذين يوزعون الغنائم ويرسمون الخرائط الجيوسياسية.

معادلة الاقتصاد والسياسة

لا يختلف اثنان في أوروبا على أن فشل المشروع الأوروبي حتى الآن في معادلة قوته الاقتصادية بالنفوذ السياسي الذي يتناسب معها، يعود لسببين: الأول، تمنّع الدول الأعضاء، وبخاصة منها الكبرى، في التنازل للإدارة المشتركة عن صلاحيات في السياسة الخارجية. والثاني، وربما الأهم، رفض الحكومات الأوروبية وضع قدراتها العسكرية تحت عباءة قيادة موحّدة وتشكيل جيش مشترك يخضع لتوجيهات المجلس الأوروبي وأوامره.

لكن الحرب الدائرة منذ أربع سنوات في أوكرانيا على خطوط التماس الأوروبية، والمخاوف التي أيقظتها من تكرار مغامرات استعادة المجد الروسي الضائع، والشرخ العميق الذي ظهر في العلاقات الأوروبية - الأميركية على أكثر من صعيد، كل ذلك وضع الأوروبيين أمام واقع كانوا يناورون لتجاهله منذ سنوات، وأدركوا أن أمنهم لا يمكن أن يبقى مرهوناً بمزاج حليف تبدّلت أولوياته ومصالحه وبات في خانة المنافسين والخصوم.

كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي تتحدث خلال ندوة في مؤتمر ميونيخ للأمن (إ.ب.أ)

الدورة الأخيرة من مؤتمر الأمن في ميونيخ كانت بمثابة تلاوة الفاتحة على جثمان النظام العالمي الذي قام فوق ركام الحرب العالمية الأخيرة، كما شهدت جنازة العلاقات الأطلسية التي نشأت لردع التمدد السوفياتي وراء الحدود التي رسمها الحلفاء في يالطا، والتي كانت طوال عقود سبعة صمّام أمان للأوروبيين وعباءة أمنية سمحت لهم بالانصراف إلى بناء مشروع التكامل الاقتصادي بعيداً عن هموم التسلّح وتكاليفه الباهظة، قبل أن تقرر إدارة دونالد ترمب إعادة تشكيل جذرية لهذه العلاقات، وأظهرت عزماً واضحاً على رفع الغطاء الأمني عن حلفائها التاريخيين، إلا إذا استوفوا شروطها التي لم تعد تقتصر على زيادة تمويل المجهود العسكري، لتتجاوزه إلى العلاقات التجارية والسياسية.

أوكرانيا تُفجّر الخلافات

وعندما اندلعت الحرب في أوكرانيا منذ أربع سنوات، تداعت بلدان الاتحاد الأوروبي للنفير الذي أطلقته إدارة جو بايدن، وحشدت موارد عسكرية ومالية ضخمة، إلى جانب دعم أميركي سخي بالمال والأسلحة والتكنولوجيا، لمساعدة الجيش الأوكراني في مجهوده لصدّ الهجمات الروسية. وتفيد المصادر الرسمية الأوروبية بأن مجموع المساعدات التي قدمها الاتحاد الأوروبي إلى أوكرانيا منذ فبراير (شباط) 2022 حتى اليوم، يزيد على 190 مليار دولار، تضاف إليها حزمة أخيرة وافق عليها البرلمان الأوروبي منذ أيام بمقدار 94 مليار دولار.

هذا المجهود الضخم كانت له، ولا تزال، تداعيات عميقة على المشهد السياسي الأوروبي؛ إذ تنامت الجهات المتحفظة على الاستمرار في تمويل أوكرانيا، وتلك الرافضة لمواصلة الرهان على المواجهة العسكرية مع موسكو والداعية إلى استعادة قنوات التواصل المباشر معها لإنهاء الحرب بأقل قدر ممكن من الخسائر.

أمين عام الحلف الأطلسي مارك روته متحدثاً بمؤتمر صحافي بميونيخ يوم 14 فبراير على هامش مشاركته بمؤتمر الأمن في العاصمة البافارية (د.ب.أ)

لكن في المقابل، ومع مضي الإدارة الأميركية في انكفائها عن الدعم العسكري والمادي لأوكرانيا، وتزايد المخاوف من إقدام روسيا على مغامرات أخرى في الجوار الأوروبي، بدأت ترجح كفة الدول الداعية إلى افتراص هذا الوضع لتحقيق الحلم الكبير الذي كان يراود الآباء المؤسسين للاتحاد بتشكيل جيش أوروبي تحت قيادة موحدة يكون المدماك الأخير الذي يرسّخ مشروع الاتحاد في صيغته الفيدرالية.

وكان لافتاً ما جاء في التقرير الأمني الأخير الذي صدر عن مركز البحوث الاستراتيجية التابع للمجلس الأوروبي، أن تكلفة الدعم الذي تقدمه دول الاتحاد لأوكرانيا، هي دون الكلفة السنوية المفترضة في حال نصر روسي محتمل وحرب ضد الحلف الأطلسي، علماً بأن مخاطر الفرضية الثانية أكبر بكثير.

«عطلة تاريخية طويلة»

كان التقرير المذكور صدر عشيّة مؤتمر ميونيخ الذي ما زالت تتردد في أصدائه التصريحات «الديغولية»، التي أدلى بها المستشار الألماني فردريك ميرتس عندما قال: «إن النظام العالمي الذي كان قائماً طيلة عقود لم يعد موجوداً... وإن العودة إلى سياسة القوة ليست فحسب ناشئة عن التخاصم بين الدول العظمى بقدر ما هي ثمرة رغبة دول ديمقراطية عديدة في قيادة قوية، في عالم أصبحت فيه هذه الدول قاب قوسين أو أدنى من الحدود القصوى لقدراتها على التأثير في الأحداث العالمية الكبرى».

زيلينسكي خلال مشاركته في أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن 14 فبراير (أ.ف.ب)

وأضاف: «أوروبا اليوم عائدة من عطلة تاريخية طويلة»، كاشفاً عن أنه في مرحلة متقدمة في محادثاته مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول «قدرة ردع نووية أوروبية» تحت المظلة النووية للحلف الأطلسي، ودعا إلى زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي، وتوحيد الصناعات الحربية الأوروبية.

لكن ماكرون، من جهته، أكد التركيز على أهمية العلاقات الأطلسية كما فعل ميرتس، وشدد على ضرورة التنسيق الأوروبي لإرساء القواعد النهائية للبنيان الأمني المستقل، رافضاً المفاوضات التي تدار من خارج الاتحاد لفرض أطر أمنية على الأوروبيين.

وأرسل الرئيس الفرنسي أكثر من إشارة إلى أن الوقت قد أزف لتشكيل جيش أوروبي موحّد يكون نواة الاستقلالية الأوروبية، خاصة بعد أزمة غرينلاند التي طويت صفحتها مؤقتاً، وبصيغة غامضة تنذر بعودتها مجدداً إلى مشهد العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة.

ورغم تحاشي الأوروبيين حتى الآن الحديث صراحة عن «جيش مشترك»، يتفق الجميع على أن التسمية ليست هي المهمة، بل أن يكون للاتحاد قوة دفاعية أوروبية مقتدرة، أو كما قال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في ميونيخ مؤخراً: «لسنا بحاجة إلى 27 جيشاً قوياً، بل إلى 27 دولة عضواً في الاتحاد تساهم في منظومة أوروبية مشتركة للدفاع».

جانب من اجتماع الجانبين الألماني والصيني في ميونيخ يوم 14 فبراير (رويترز)

وقد علمت «الشرق الأوسط» أنه برغم تحفظات بعض الدول على فكرة الجيش المشترك، والحذر الشديد الذي تقارب به المفوضية هذا الملف الحسّاس سياسياً، كان موضوع القوة الدفاعية الأوروبية المشتركة مطروحاً، للمرة الأولى، على جدول أعمال مجلس وزراء الدفاع الأوروبيين في بروكسل مطلع هذا الشهر.

وذكّر أحد الوزراء المشاركين في ذلك الاجتماع، بأن فكرة القوة العسكرية المشتركة تعود إلى بدايات المشروع الأوروبي، وهي طرحت لأول مرة عام 1952 تحت عنوان «مجموعة الدفاع الأوروبية»، لكنها لم تشهد النور يومها بسببٍ من رفض فرنسا القاطع لها. فرنسا التي هي اليوم، إلى جانب ألمانيا، أكثر الدول تحمساً لها. وثمّة من ذهب إلى القول: «على الأوروبيين أن يغيّروا بشكل جذري استراتيجيتهم الدفاعية، وساذج هو الذي ما زال يراهن على ترمب للدفاع عن أوروبا».


زيلينسكي: بوتين بدأ بالفعل حرباً عالمية ثالثة

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي: بوتين بدأ بالفعل حرباً عالمية ثالثة

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه يعتقد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «بدأ بالفعل» حرباً عالمية ثالثة، وذلك في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي». وفي حديثه من كييف، خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، قبيل الذكرى الرابعة للصراع بين روسيا وأوكرانيا، يوم الثلاثاء، قال زيلينسكي إن رؤيته للصراع تختلف عن رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وأوضح زيلينسكي، في المقابلة التي ترجمتها «بي بي سي» من الأوكرانية إلى الإنجليزية ونُشرت في وقت متأخر من يوم الأحد بتوقيت لندن: «لدينا وجهات نظر مختلفة فيما يتعلق بالحرب العالمية الثالثة. أعتقد أن بوتين قد بدأها بالفعل. السؤال هو ما مساحة الأراضي التي سيتمكن من الاستيلاء عليها وكيف يمكن إيقافه».

ومضى زيلينسكي قائلاً إن «روسيا تريد أن تفرض على العالم أسلوب حياة مختلفاً، وتُغير الحياة التي اختارها الناس لأنفسهم، لذلك، أنا أؤمن، وقد آمنت لفترة طويلة، بأن بوتين قد بدأ، بالفعل، هذه الحرب، ونحن نمنعها من أن تصبح حرباً عالمية ثالثة واسعة النطاق»، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

كما ذكر الزعيم الأوكراني أنه يُعوّل على ضمانات أمنية موثوقة من الولايات المتحدة لبلاده لا تعتمد فقط على إرادة الرئيس الأميركي.

وقال زيلينسكي، عندما سئل عما إذا كان يثق في ترمب: «بصفتنا رؤساء، لدينا فترات ولاية محددة. نحن نريد ضمانات لمدة 30 عاماً، على سبيل المثال. هناك حاجة للكونغرس. الرؤساء يتغيرون، لكن المؤسسات تبقى».

وشدد زيلينسكي أيضاً على أن الهدف على المدى الطويل هو استعادة جميع الأراضي التي احتلتها روسيا منذ بداية الحرب، والعودة إلى حدود أوكرانيا التي تأسست عام 1991؛ عام استقلالها. ورأى أن تحقيق هذا الهدف مجرد مسألة وقت، ولكنه ليس ممكناً في الوقت الحاضر.

وقال الزعيم الأوكراني: «القيام بذلك، اليوم، يعني فقدان عدد هائل من الناس، الملايين من الناس؛ لأن الجيش الروسي كبير، ونحن ندرك تكلفة مثل هذه الخطوات. لن يكون لدينا ما يكفي من الناس، كما أننا لا نملك كمية كافية من الأسلحة، وهذا لا يعتمد علينا فقط، بل على شركائنا».