مدن ألمانية ترحب وأخرى غاضبة من وجود اللاجئين

مخاوف من تداعيات الأزمة على التركيبة السكانية للمدن

لاجئون لدى وصولهم إلى محطة القطار المركزية في مدينة ميونيخ الألمانية أمس (أ.ب)
لاجئون لدى وصولهم إلى محطة القطار المركزية في مدينة ميونيخ الألمانية أمس (أ.ب)
TT

مدن ألمانية ترحب وأخرى غاضبة من وجود اللاجئين

لاجئون لدى وصولهم إلى محطة القطار المركزية في مدينة ميونيخ الألمانية أمس (أ.ب)
لاجئون لدى وصولهم إلى محطة القطار المركزية في مدينة ميونيخ الألمانية أمس (أ.ب)

تباين شعور المواطنين الألمان بين التعاطف والفزع في صالة الألعاب الرياضية بمدرسة في مدينة إرفورت (عاصمة ولاية تورينغين)، حيث دعا مسؤولو المدينة سكان الأبراج المجاورة لمناقشة مسألة إيواء مجموعة من اللاجئين – معظمهم سوريون – في الحي.
أمسكت امرأة مسنة بالميكروفون، وسألت: «هل تبنون مسجدا لهم بعد ذلك؟ وهل سيوقظوننا بصلاتهم في الخامسة صباحا؟». وتساءل معلم: «كيف يمكننا حماية أطفالنا؟». ولم ينزعج شاب حتى من إعلانه أمام الجميع: «يجب أن يتوقف هذا الأمر»، بينما صفق البعض له.
شهدت المدينة تدفقا غير مسبوق للاجئين – معظمهم مسلمون – بعدما كان، حتى وقت قريب، يتسم جميع مواطنيها تقريبا بلونهم الأبيض لدرجة أنهم كانوا يطلقون اسم «أفريقي إرفورت» على رجل أسود في حزب الخضر المحلي.
في إرفورت، التي يبلغ تعداد سكانها 208 آلاف نسمة، والتي كانت ذات مرة موطنا للمصلح الديني الألماني ومؤسس المذهب البروتستانتي مارتن لوثر، ويُشار إليها أحيانا على أنها «روما تورينغين» لكثرة الكنائس بها، يعتبر سجق لحم الخنزير وجبة شعبية. وكان رئيس البلدية قدّر عدد المسلمين في المدينة بـ500 شخص حتى وقت قريب، لكن بحلول عيد الكريسماس قد يتوافد أربعة آلاف مهاجر، معظمهم من دول إسلامية، إلى المدينة.
وقال رئيس بلدية إرفورت أندرياس بوسوين إن «إرفورت تتغير»، فهناك منزل للمهاجرين بجوار منزله، وأصبح لطفلته الأصغر زميلة أفغانية في فصلها الدراسي تجلس على كرسي متحرك نتيجة إصابتها بـ«شظايا قنبلة»، وفقا لبوسوين. وحتى نهاية الأسبوع الماضي، قال رئيس البلدية لطاقم موظفيه إن أزمة المهاجرين كانت أكبر تحدٍ منذ إعادة توحيد ألمانيا. والآن يقول إنها أكبر تحدٍ منذ الحرب العالمية الثانية.
ومن المتوقع أن يصل نحو 800 ألف طالب لجوء إلى ألمانيا بحلول نهاية العام الحالي، ما يدفع البلاد إلى خوض تجربة حياتية يعتقد كثيرون أنها قد تتسبب في تحويل ألمانيا بشكل أكبر حتى من سقوط الشيوعية.
وفي أعقاب موقف المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل المرحب بآلاف الفارين من الحرب والصراع في سوريا والعراق وأفغانستان والمناطق الأخرى، تتأقلم المدن الألمانية، مثل إرفورت، على نحو مفاجئ مع هذا الوضع الاستثنائي. وبدأت الآثار تظهر في الولايات والمدن والبلدات على عجل، نتيجة زيادة عدد المهاجرين من 100 كل شهر في يونيو (حزيران) إلى 300 كل أسبوع حاليا. وفي هذه المرحلة ينتظر الجميع رؤية إذا ما كانت التجربة ستبوء بالنجاح أو الفشل.
ومن أجل إنجاح التجربة، لا بد من توفير أسرّة وحمامات، ومترجمين ومعلمين، وإخصائيين اجتماعيين وضباط شرطة، ومنازل وفصول دراسية، وفرص العمل والمال. كما يجب إبداء التعاون من متوسط الألمان، الذين استقبل كثير منهم المهاجرين بسخاء، بيد أن الآخرين لا يزالون يشعرون بالقلق إزاء استقبال المهاجرين، ولا يزالون بحاجة إلى الاقتناع بأن الفوائد تستحق التكلفة والارتباك وإعادة تشكيل الهوية الألمانية.
في إرفورت والمدن الأخرى، لا يعتبر استقبال المهاجرين مسألة إدارة خدمات لوجيستية فحسب، وإنما أيضًا إدارة المزاج العام لدى المواطنين. وحتى الآن، تتأقلم إرفورت، التي تقع على حافة ألمانيا الشرقية سابقا في القلب الجغرافي لألمانيا الموحدة، مع الوضع. كما تعتبر إرفورت، التي تأثرت بالكاد بفعل الحرب، مدينة منسية في التاريخ، بها مركز عتيق مرصوف بالحصى، ومنازل من العصور الوسطى ملونة بالباستيل، وأبراج كنائس تعد من الأفضل في ألمانيا.
امتلأت الأسرّة الاحتياطية التي كانت موضوعة في 19 منزلا مخصصا للمهاجرين، مع جلب أسرّة جديدة. وتحول المبنى الذي استخدِم الليلة السابقة للقادمين السوريين الجدد، وكان بيت دعارة مهجورا، إلى مكان ملائم للاستخدام به غرف صغيرة وحمامات منفصلة. وقال جينز هينيج، أحد الإخصائيين الاجتماعيين الذين يديرون المكان: «إنه مثالي». وتم دهن الجدران بطبقة بيضاء بدلا من اللون الوردي القديم.
استقبل السكان الألمان قطارات المهاجرين بالتصفيق والتهليل. وتلقت المرافق السكنية التبرعات والمتطوعين نظرا لاكتمال غرف الإيواء. وعلى الرغم من أن بعض الألمان مثل هؤلاء الذين حضروا اجتماع صالة الألعاب الرياضية والاجتماعات الأخرى المشابهة أعربوا هذا الأسبوع عن قلقهم إزاء ارتفاع معدل الجريمة وزيادة الضرائب ووصول «مزيد من المسلمين» إلى المدينة، فإن آخرين نهضوا بشكل دوري لإبداء التعاطف مع المهاجرين.
وبدوره، أشار ستيفن راسلوف، وهو مؤرخ محلي شهير، إلى أن إرفورت استقبلت موجات متعاقبة من الهجرة الجماعية، بدءا من السلتيين والسلافيين وبناة الجسور الهولنديين إلى الجالية اليهودية المزدهرة في العصور الوسطى التي ساهمت في جعل إرفورت مدينة عالمية ثرية، فكانت الهجرة مفيدة في معظمها، على حد قول راسلوف. ومع ذلك، شهدت المدينة بعض التوترات عبر التاريخ، عندما تم طرد نحو 14 مليون ألماني من الأراضي الشرقية التي أصبحت جزءا من الكتلة السوفياتية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، إذ جاء 670 ألفا منهم من خلال مخيمات الطوارئ في إرفورت. وذكر راسلوف: «وهذا كان بنفس اللغة ونفس الثقافة».
والآن، يظهر القلق جليا في مدينة لا تعتبر غريبة على التطرف الآيديولوجي، إذ يدير حزب اليسار، خليفة الحزب الشيوعي الشرقي، الجهاز الإداري للولاية، في ائتلاف مع الحزب الاشتراك الديمقراطي وحزب الخضر. كما أن الحزب الوطني اليميني المتطرف لديه ممثل في مجلس المدينة. وتم إضرام النار هذا الأسبوع في ثلاثة منازل، ما زالت غير مأهولة بالسكان، للمهاجرين في الجزء الشمالي من ولاية تورينغين.
وفي مبنى البلدية «سيتي هول» المصمم على نمط العمارة القوطية الجديدة، وهو معلم تذكاري يظهر الفخر البروسي في القرن التاسع عشر، أعرب ألكسندر هيلغ المسؤول بمدينة إرفورت عن قلقه. كان قد انتهى لتوه من لقاء مع مسؤولي الولاية. وكانت التقارير تفيد بأن عشرات الآلاف من المهاجرين الآخرين في طريقهم إلى ألمانيا من المجر. ومن كل مجموعة جديدة، سوف يرسل نظام الحصص الخاص بتوزيع طالبي اللجوء نسبة 2.5 في المائة إلى تورينغين، وواحد من كل 10 سوف ينتهي به المآل إلى إرفورت.
يتولى هيلغ، 38 عاما، تنسيق تجاوب المدينة مع أزمة المهاجرين. أصبح مكتبه غرفة للعمليات غير الرسمية. ولا يزال دفتر التقويم الملتصق على الجدار بالمكتب ثابتا على يوم الجمعة، عندما كان آلاف المهاجرين لا يزالون محتجزين في المجر. ومنذ أن استقلوا القطار المتجه غربا إلى ألمانيا، لم يمتلك أحد الوقت لإزالة أوراق التقويم ذي اللون الأحمر الذي يحدد التاريخ.
وصف هيلغ يوم الجمعة بأنه بالفعل بداية «حقبة أخرى». حينئذ، كان هيلغ يتلقى تحذيرات مفصلة عن القادمين: قوائم بالأسماء ومؤشرات عن الاحتياجات، مثل عدد الأمهات المرضعات والأطفال المرضى على وشك الوصول. والآن، يحصل هيلغ على كل القوائم مرة واحدة دون سابق تحذيرات مفصلة، وعادة ما يكون العدد خاطئا.
منذ يوم الاثنين، يلتقي فريق أزمات المدينة - المكون من رجال الإطفاء والإخصائيين الاجتماعيين والمسؤولين في المدارس والسلطات الصحية وأعضاء اللجنة المالية - في تمام الساعة التاسعة صباحا كل يوم. وكان على جدول الأعمال في إحدى الاجتماعات هذا الأسبوع: نقص وشيك في المأوى إذا استمر المهاجرون في القدوم.
وضع ويرنر أونجيويس، من الخدمات التعليمية، خطوطا عريضة لخطة أولية تتضمن استغلال 13 من أصل 68 صالة ألعاب رياضية مدرسية في المدينة. وقال: «سيتم إلغاء التربية الرياضية. ولم يعد للنوادي الرياضية إمكانية دخول هذه المنشآت». واستدار هيلغ في مقعده، وتحدث عن غضب الناس، قائلا: «سوف يثور أولياء الأمور على هذا». وحتى الآن، تتعلق إدارة الشعور العام بطلب المحليين بقبول المهاجرين كجيرانهم الجدد. وتابع هيلغ: «الآن نحن نقتحم حياتهم بشكل عميق. إننا نأخذ فصول أطفالهم الدراسية ونواديهم الرياضية».
*خدمة «نيويورك تايمز»



الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
TT

الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)

أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع، اليوم (السبت)، لتفريق نحو 150 شخصاً كانوا يحتجون في مدينة ليون بجنوب شرقي فرنسا، وذلك في منطقة يُحظر فيها تنظيم أي مظاهرات، وفقاً لما رصده صحافي في «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستخدمت الشرطة عدداً من قنابل الغاز المسيل للدموع لإبعاد المحتجين الذين تجمعوا بالقرب من إحدى كليات الجامعة ومركز للشرطة في المدينة، في إطار احتجاجات تشهدها البلاد ضد ارتفاع تكاليف المعيشة. وجاء تدخل الشرطة بعد أن حاول المتظاهرون قطع الطريق، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».


فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
TT

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)

لم تعد الأزمة الفرنسية موجة احتجاجات اجتماعية عابرة، أو تعثّراً اقتصادياً يمكن احتواؤه بإجراءات عاجلة؛ فالتطورات المتلاحقة تكشف أزمة متعددة الأوجه، يتقاطع فيها ضعف المالية العامة مع تصاعد الغضب الشعبي، وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وبينما تستعد فرنسا لاستحقاق رئاسي حاسم في ربيع 2027، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة، ولمكانة البلاد داخل الاتحاد الأوروبي وفي العالم.

زائرون ينتظرون خارج متحف اللوفر في باريس الذي أغلقه محتجون (إ.ب.أ)

في شوارع مدن وبلدات عديدة، تتعدد مظاهر الاحتقان؛ فقد شهدت البلاد احتجاجات صاخبة على تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص المدرّسين، وانضم موظفون وعاملون في القطاع العام إلى التحركات اعتراضاً على تجميد الأجور. وقبل ذلك، أغلق صيادون موانئ ومحطات للوقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل. ولم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، أسفرت عن أضرار مادية كبيرة ومئات الإصابات والتوقيفات، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة.

واكتملت الصورة بعودة «السترات الصفر» إلى الساحة، بعد «استراحة» استمرت سنوات، علماً بأن أحداً لا يعلم أين كان هؤلاء الذين عرقلوا الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون، ومن هم قادتهم... والمهم أن «تحالف الشارع» في وجه السلطة صار مكتمل الأركان وعلى أتمّ الاستعداد لمواصلة «المعركة».

محتجون مقنعون قرب دراجات تحترق في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

ووسط فسيفساء المطالب، تجمع التحركات أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الثقة بالخدمات العامة، والشعور بأن النموذج الاجتماعي الفرنسي لم يعد قادراً على توفير الوعود التي ارتبطت به لعقود؛ فالدولة التي اعتاد مواطنوها الاستفادة من شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية، تواجه اليوم سؤالاً صعباً: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكتسبات في ظل ارتفاع تكلفة تمويلها وتزايد أعباء الدين؟

* الدَّين يضيّق هامش المناورة

لا شك في أن المالية العامة تحتل موقعاً مركزياً في الأزمة؛ فقد اقترب الدين العام الفرنسي (4 تريليونات دولار) من 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.55 تريليونات دولار)، فيما يتباطأ الاقتصاد إلى مستويات نمو تدور حول 0.4 إلى 0.5 في المائة لعام 2026. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يتجاوز العجز العام 5 في المائة من الناتج المحلي، الأمر الذي يعقّد مهمة الحكومة في إعادة التوازن إلى الحسابات العامة.

وتزداد المشكلة خطورة مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح خدمة الدين أكثر تكلفة، وتُضطر الدولة إلى تخصيص موارد متزايدة لسداد التزاماتها بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار والخدمات. وتشير التقديرات الواردة إلى أن فرنسا ستحتاج إلى إصدار ما قيمته 340 مليار يورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل خلال العام المقبل، في وقت يتراجع فيه إقبال المستثمرين على شرائها في ظل المخاطر المالية والسياسية.

مبنى بلدية مدينة ليموج الذي أحرق جزءاً منه مشاغبون (أ.ف.ب)

لكن ذلك لا يعني أن فرنسا تتجه حتماً إلى أزمة شبيهة بما شهدته اليونان (2009 - 2010)، أو إلى انهيار مفاجئ في ثقة الأسواق؛ فحجم الاقتصاد الفرنسي ومكانته داخل الاتحاد الأوروبي يمنحان باريس ثقلاً مختلفاً. لكن هذا الثقل نفسه يجعل الأزمة أكثر أهمية: فأي تدهور حاد في قدرة باريس على إدارة دينها الثقيل، قد ينعكس على الاستقرار المالي الأوروبي برمته.

* أربعون عاماً من التأجيل

الواقع أنه لا يمكن تفسير الوضع الراهن بقرار حكومي واحد، أو تحميل رئيس معيّن المسؤولية الكاملة عنه؛ فقد تراكمت الاختلالات المالية على مدى عقود، وتعاقبت حكومات من اليمين واليسار من دون أن تنجح في وقف الزيادة الهيكلية للدين. ويعود أحد التحولات المهمة إلى عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في ثمانينات القرن الماضي، حين توسعت السياسات الاجتماعية والإنفاق العام، وأدّت إصلاحات مثل خفض سن التقاعد إلى الستين وتقليص ساعات العمل وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، إلى زيادة الأعباء على المالية العامة.

غير أن اختزال الأزمة فيما حصل في تلك المرحلة سيكون تبسيطاً مضللاً؛ فالحكومات اللاحقة، من عهد جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، لم تتمكن بدورها من عكس مسار الدين، ويُعزى ذلك في المقام الاول إلى التخوف من رد فعل الجمهور على سلبه قسطاً من الرفاه. كما أسهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، في زيادة الضغوط على الموازنات العامة.

الرئيس المأزوم إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

والحقيقة أن النموذج الاجتماعي الفرنسي «الفضفاض» أصبح موضوع مواجهة سياسية متكررة؛ فكل محاولة لإصلاح التقاعد أو التأمين ضد البطالة أو الإنفاق العام، تصطدم بمقاومة شعبية عنيدة، فيما يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى تضييق الخيارات المتاحة مستقبلاً. وهكذا تجد الدولة نفسها بين حاجتها إلى ضبط الإنفاق وخشيتها من تفجير احتجاجات جديدة.

* شلل سياسي وصعود اليمين المتطرف

لم يكن مفاجئاً في خضمّ الورطة الاقتصادية أن تتلبد الغيوم السوداء في سماء السياسة. ومنذ حل الجمعية الوطنية عام 2024، لم يتمكن المشهد البرلماني من إنتاج أكثرية مستقرة، وتوزعت القوى بين 3 كتل كبيرة متعارضة يصعب عليها التوصل إلى تسويات دائمة. وأصبح تمرير مشروع الموازنة اختباراً متكرراً لقدرة الحكومة على الصمود، فيما تتراجع ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات.

وليس مفاجئاً أيضاً أن يستفيد اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني»، من هذا المناخ؛ فخطابه يربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان السيطرة على الأمن وأعباء الهجرة، ويقدم نفسه بديلاً قادراً على إعادة الانتظام إلى النظام. وفي المقابل، تستقطب حركة «فرنسا الأبية» اليسارية الراديكالية، بقيادة جان لوك ميلانشون، جزءاً من الغاضبين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وبين الطرفين، يتراجع الوسط السياسي الذي شكّل القاعدة السياسية والشعبية لماكرون، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تشتت الأصوات المعتدلة إلى تعزيز فرص المتنافسين الأكثر تطرفاً.

ويجب التنبّه إلى أن استمرار المواجهة بين القوى السياسية قد يعطل الإصلاحات الضرورية، ويطيل حالة عدم اليقين التي تؤثر في الاستثمار والاستهلاك وثقة الأسواق. كما أن ربط الاضطرابات حصراً بالهجرة، والاكتفاء بتشديد الإجراءات الأمنية، لا يعالجان حتماً الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية التي تؤجج نار الاحتقان.

محتجون بمواجهة الشرطة في باريس (أ.ب)

* الامتحان الانتخابي الصعب

تواجه فرنسا اليوم معادلة شديدة التعقيد: استعادة النظام من دون تجاهل أسباب الغضب، وضبط الدين من دون تقويض الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة السياسية قبل أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مواجهة «انتحارية» بين قوى متعارضة جذرياً.

فمن سينجح في اجتراح خطة واضحة توزع أعباء الإصلاح بصورة عادلة، وتحدد أولويات الإنفاق، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، بالتوازي مع استعادة القدرة على اتخاذ القرار داخل المؤسسات السياسية، لا سيما البرلمان؟

لقد وعد ماكرون، عند وصوله إلى السلطة عام 2017، بتقديم صورة متفائلة عن فرنسا قادرة على التجدد واستعادة موقعها الدولي. لكن تراجع شعبيته واتساع الإحساس بالتراجع يكشفان عمق الهوّة بين هذا الوعد والواقع. ومع ذلك جددت غالبية الفرنسيين الثقة به وأعادت انتخابه عام 2022.

ومع اقتراب انتخابات 2027، لن يكون التحدي محصوراً في تحديد هوية الرئيس المقبل؛ بل في تقرير ما إذا كانت فرنسا قادرة على إصلاح ماليتها العامة وتجديد عقدها الاجتماعي، أم إنها ستترك الأزمات المتراكمة تعيد تحديد هويتها السياسية.

جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب) تحدث فيها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن الاحتجاجات (إ.ب.أ)

ولنتذكّر أن فرنسا ليست مجرد اقتصاد كبير يواجه مشكلة ديون؛ بل إحدى ركائز المشروع الأوروبي. وأي إخفاق في احتواء أزمتها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها. أما نجاحها فلن يتحقق إلا بكسر حلقة التأجيل والانقسام، قبل أن يصبح ثمن الإصلاح أعلى من قدرة المجتمع والدولة على تحمّله.

فرنسا الأنوار والفكر والتقدّم تشعر بأنها ترهّلت، ويُدرك الفرنسيون أن نظامهم السياسي والاجتماعي لم يعد قابلاً للتطور ومواكبة الحياة العصرية... والأدهى أن الاقتصاد لم يعد قادراً على توليد ثروة كافية لاستعادة ما كان، خصوصاً أن «الوجود» في بلاد الغير انتهى أو يكاد...

الزمن يتغيّر!


فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)

استنفرت السلطات الفرنسية قواها الأمنية، واستعانت بالجيش، واتخذت سلسلة إجراءات قضائية وأمنية لمحاولة تجنب تكرار «السبت الأسود» اليوم، بالتزامن مع دعوات جديدة إلى التظاهر في باريس ومرسيليا وليون وغيرها من المدن الكبرى والصغرى.

وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز، أمس، عن خطة أمنية تقضي بنشر ما لا يقل عن 70 ألف رجل من الشرطة والدرك، بمؤازرة فرق وحدات النخبة التي لا تتدخل عادة للحفاظ على الأمن في الشوارع، ولا التصدي للمتظاهرين. كما ستتم الاستعانة بوحدات من الجيش التي سبق أن نُشرت في فترة الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في عامي 2015 و2016.

وبعد ساعات من إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون منع «المظاهرات في الأيام المقبلة»، سمحت مديرية الشرطة في باريس بمسيرة واحدة لنقابة «كونفدرالية العمل» القريبة من الحزب الشيوعي.

بينما منعت ترخيص مظاهرة طلبتها مجموعات من «السترات الصفراء» والطلاب. كما طال المنع مدينتي مرسيليا وليون والعديد من المدن الأخرى.