ستيفن هادلي لـ {الشرق الأوسط}: على الروس أن يدركوا أن الأسد انتهى

مستشار الأمن القومي الأميركي السابق أكد أن زيارة الملك سلمان إلى واشنطن تؤكد رسوخ العلاقة الاستراتيجية

ستيفن هادلي
ستيفن هادلي
TT

ستيفن هادلي لـ {الشرق الأوسط}: على الروس أن يدركوا أن الأسد انتهى

ستيفن هادلي
ستيفن هادلي

قبل أن يتسلم ستيفن هادلي مسؤولية الأمن القومي الأميركي في زمن الرئيس جورج دبليو بوش، كان مساعدًا لوزير الدفاع للشؤون الاستراتيجية العالمية، وحاليًا هو في مؤسسة تجمعه بوزير الدفاع السابق روبرت غيتس ووزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس.
في حواره مع «الشرق الأوسط»، وصف هادلي زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى واشنطن بـ«الناجحة جدًا»؛ كونها أكدت أن العلاقات القوية، ومنذ عقود بين السعودية والولايات المتحدة، تستطيع أن تقاوم كل الخلافات وتستمر. وأشار إلى أن هذه الزيارة أكدت استمرار الحوار بين البلدين، حول كيفية التعاطي مع كل الاضطراب الذي يعصف بالشرق الأوسط، انطلاقًا من قوة العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن والرياض. ونفى هادلي أن يكون قانون «التفوق العسكري الكمي» مع إسرائيل يمنع واشنطن من توقيع اتفاقية دفاع مشتركة مع دول مجلس التعاون الخليجي، ورأى أنه يجب دعم مصر في مكافحة الإرهاب، مشيرا إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يحتاج إلى وضع استراتيجية سياسية أكثر شمولاً. وأكد أنه على روسيا إدراك أن الرئيس السوري بشار الأسد انتهى فعلاً في سوريا، وأن دعمها وإيران لنظامه أطال أمد الحرب الدموية، ورأى أن عليهما المشاركة في تشكيل حكومة وحدة تتضمن عناصر من النظام على استعداد للانشقاق عن الأسد، تسمح له بمغادرة المسرح السياسي. وقال هادلي: «إن التاريخ سيحكم بأن منطقة الشرق الأوسط دفعت ثمنًا باهظًا بسبب عدم تدخل الولايات المتحدة أو فشلها بالتدخل في سوريا». كما أشار إلى أن تجربة الروس في الشيشان لن تتكرر في سوريا والعراق.
وقال إن منتقدي الاتفاق النووي يرون أنه من الضروري جدًا أن يعلن الرئيس الأميركي مدعومًا من الكونغرس أن أميركا ستقوم بعمل عسكري ضد منشآت إيران النووية إذا ما حاولت خلال فترة الاتفاق أو بعده تصنيع أسلحة نووية. ووعد بأنه إذا جاء الجمهوريون إلى السلطة عام 2017 فإن سياسة الولايات المتحدة الخارجية ستكون مختلفة جدًا «وسنرى ارتباطًا أميركيًا أوثق بالمنطقة».
* ما تقييمك لزيارة الملك سلمان بن عبد العزيز إلى واشنطن، وما الرسالة التي أراد الرئيس باراك أوباما توجيهها باستقباله العاهل السعودي على مدخل البيت الأبيض؟
- أعتقد أنها كانت زيارة ناجحة جدًا، وأعتقد أن الملك سلمان والرئيس أوباما أرادا توجيه الرسالة نفسها؛ بأن العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة تبقى قوية، وأننا نتقدم في هذه العلاقة على الرغم من بعض الخلافات التي شغلتنا في الماضي.
* هل نعتبر أن هذه الزيارة أعادت تجديد العلاقات الاستراتيجية بين الدولتين؟
- نعم، نجحت الزيارة في تحقيق ذلك. كان لدى السعودية قلق بالنسبة إلى الاتفاق النووي الإيراني، وحسب قراءتي: أولاً - كان الرئيس ناجحًا في التأكيد للملك سلمان أن الاتفاق سيؤدي فعلاً إلى التقليص وبصورة كبيرة من قدرة إيران على الحصول على السلاح النووي، وأن الخلاف بهذا الخصوص صار وراءنا فعلاً. ثانيًا - أن التعاون العسكري والمساعدة العسكرية اللتين توفرهما الولايات المتحدة إلى السعودية، مثل الأسلحة، أكدا أن العلاقة الدفاعية بين البلدين قوية جدًا. ثالثًا - هناك حوار مستمر حول كيفية التعاطي بكل هذا الاضطراب وهذه الفوضى في الشرق الأوسط، وحسب اعتقادي، فإن هناك ربما بعض القضايا التي لا يتفق البلدان تمامًا حولها، وهذا أمر طبيعي حتى بين أقرب الحلفاء، وأظن أن الرسالة التي أراد الملك والرئيس توجيهها، كلّ إلى جمهوره الخاص، هي أنه مهما كانت هذه الخلافات، فإنها لن تقف في وجه الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية القوية بين البلدين.
* هل تعتقد أنه بعد هذه الزيارة وبعد الالتزامات المتبادلة بين الطرفين، فإن السعودية لن تخفف من اعتمادها على الأسلحة الأميركية، وأنها لن تلتفت إلى روسيا كمورد بديل؟
- اعتمدت السعودية على الولايات المتحدة بالنسبة إلى المعدات الدفاعية، لكنها، كانت، بين وقت وآخر، تشتري أسلحة أيضًا من دول أخرى مثل المملكة المتحدة وفرنسا. وقد تشمل السعودية في قرارها، كدولة ذات سيادة، روسيا لتشتري منها أسلحة. لكن، إذا نظرت إلى المشتريات التي وقّعت عليها السعودية، فمن الواضح أن العلاقة العسكرية بين الولايات المتحدة والسعودية تبقى قوية جدًا.
* هل ما يُعرف بالـ«QME»، (التفوق العسكري الكمي - القانون الأميركي 2008) المتعلق بإسرائيل، يمنع الولايات المتحدة من توقيع اتفاقيات دفاع مشتركة مع دول الخليج؟
- لا أعتقد ذلك. كما تعرفين، فإن الولايات المتحدة ولعقود كانت الرائدة في تقوية العلاقات الدفاعية بين دول مجلس التعاون الخليجي، خصوصًا لجهة تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعاون الدفاع الصاروخي، والمناورات المشتركة، وأعتقد أن التقدم والتطور سيستمران.
* يعني ذلك أن قانون التفوق العسكري الكمي لإسرائيل لا يمنع التوقيع على اتفاقية دفاع مشتركة؟
- ربما، وآمل أن يكون هناك نوع من المباحثات في هذا الشأن. إنما السؤال هو عما إذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي تريد تحقيق ذلك. إن هذا قرار يعود إليها؛ فهي دول ذات سيادة.
وأظن أن نوع التطور الذي نراه، إن كان بالنسبة إلى التعاون الدفاعي الوثيق بين دول الخليج مع بعضها بعضًا، وبين الولايات المتحدة وهذه الدول، فأظن أن إسرائيل تدعمه. أما، هل إسرائيل مهتمة بمستوى وتقدم الأسلحة التي تصل إلى الخليج، فإن هذه المسألة تعمل عليها أميركا مع إسرائيل، وهي بالفعل منذ سنوات تقوم بهذا العمل، وأنا متأكد من أن هذا الأمر سيبقى قضية في نظر إسرائيل، لكن، من حيث المبدأ لا أظن أن إسرائيل يقلقها التعاون العسكري الوثيق القائم بين دول الخليج في ما بينها، أو بين هذه الدول والولايات المتحدة، ولن يقلقها ذلك.
* لماذا حتى الآن تعامل إدارة الرئيس أوباما الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ببرود، ولا تزال تبكي على الإطاحة بالرئيس محمد مرسي (إخوان مسلمين)؟
- لا أعتقد أن هذا وصف دقيق لموقف الإدارة الأميركية الآن. كان هناك وقت صعب بين مصر والإدارة، حيث رفضت الأخيرة إرسال معدات عسكرية طلبتها مصر، ودفعت ثمن بعضها، لكن هذه السياسة خفت كثيرًا إذا لم تكن تراجعت تمامًا. أعتقد أنه جرت استعادة للعلاقات بين واشنطن والقاهرة. علينا الاعتراف بأن مصر تعاني من مشكلة الإرهاب التي يجب مواجهتها، يجب أيضًا دعم مصر في جهودها لمكافحة الإرهاب، أما هذه الحملة على الإرهاب، فيجب أن ترافقها استراتيجية سياسية بحيث تؤدي تدريجيًا إلى تشكيل حكومة أكثر شمولاً، لأن لا أحد يصدق، وحتى الرئيس السيسي نفسه لا يعتقد أن باستطاعته تحقيق سلام حقيقي واستقرار على المدى الطويل فقط عبر حملات عسكرية.
* هل تشعر بقلق من أن روسيا تحاول تحقيق نجاحات في مصر؟ وهل تتحمل الولايات المتحدة أن تخسر مصر لصالح روسيا والصين؟
- حسب هذا الطرح، لا أعتقد أن الولايات المتحدة قد تخسر مصر. لكن هل سيكون لمصر علاقات قوية مع روسيا والصين، ربما. فهما لاعبان أساسيان في العالم، وفي الشرق الأوسط. لكن إذا راجعت البيان الذي أعلنه الرئيس السيسي وآخرون، خصوصًا عندما كان الرئيس السيسي قبل عام في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، يتبين أن مصر تريد علاقات قوية مع الولايات المتحدة. هذا كان عنصرًا مهمًا في السياسة الخارجية المصرية لعدة عقود، وحسب رأيه، يريد أن يستمر ذلك.
* آخر الأخبار تشير إلى أن وفدًا أمنيًا سوريًا زار مصر. ماذا تقرأ في هذا؟
- لا أعرف، لأنني لا أعرف المواضيع التي نوقشت هناك. أتمنى أن تعمد مصر على تشجيع عملية تشكيل حكومة وحدة تتضمن عناصر من النظام على استعداد أن تنشق عن الرئيس بشار الأسد، وتنضم إلى عناصر معتدلة وديمقراطية في حكومة وحدة تستطيع مع مرور الوقت إعادة الاستقرار إلى سوريا وتوحد الشعب السوري لمواجهة خطر تنظيم داعش، الذي هو خطر كبير على شعوب المنطقة كلها.
* يقول بعض المحللين إن هناك دافعًا سياسيًا وراء زيادة الدعم الروسي للنظام السوري. فروسيا تريد التفاوض حول الملف السوري مع منافسيها السياسيين، وتقوية النظام السوري يعطيها التفوق في المفاوضات.
- لستُ متأكدًا مما يقوم به الروس. للأسف الشديد هم داعمون أقوياء للأسد منذ سنوات، يوفرون السلاح والدعم الدبلوماسي، وهذا من سوء الحظ، لأنه أطال فترة العنف، وزاد من عدد الضحايا، وتسبب بتهجير داخلي وإلى الخارج لنصف سوريا، وأعاد الاقتصاد إلى الوراء، وسبّب هذا مأساة للشعب السوري وللاستقرار في المنطقة. آمل أن التقدم الذي تحقق على الأرض، وضعف النظام السوري عسكريًا، سوف يقنعان الروس بأن دعم الأسد ليس الطريق إلى السلام والاستقرار، بل يديم الصراع وينفّر الشعب السوري من روسيا. آمل أن يدرك الروس فعلاً أن الأسد انتهى في سوريا، وحان الوقت كي تضع روسيا ثقلها وراء الحكومة التي وصفتها، والتي تسمح للأسد بمغادرة المسرح، وتسمح لكل القوى التي تعمل من أجل سوريا جديدة أن تبدأ بتخفيف العنف المتبادل ومواجهة «داعش». هذا ما هو لمصلحة روسيا على المدى الطويل وعندها يمكن لروسيا أن تكسب مجددًا الشعب السوري.
* هل ينسحب هذا على إيران أيضًا؟
- نعم. وأرجو أن تدرك إيران الوضع بالطريقة نفسها وتبدي استعدادًا للتوجه نحو حكومة وحدة. لكن، حسب اعتقادي، فإن ما يقلق روسيا وإيران، وهذا شرعي من هذه الناحية، انهيار كامل للسلطة مما يزيد من الفوضى ويفتح الباب واسعًا أمام «داعش». لا أحد يريد ذلك، ولهذا يهم الولايات المتحدة أن تعمل روسيا وإيران والدول الأخرى معًا في اتجاه تشكيل حكومة وحدة - كما قلت - تسمح للأسد بمغادرة المسرح، وللشعب السوري أن يبدأ التفكير بمستقبله.
* لكن للروس خبرة في قتال الجماعات المتطرفة، كما حدث في الشيشان. لماذا اعتبر وزير الخارجية جون كيري هذا الأمر عامل زعزعة؟
- لستُ متأكدًا من أن أحدًا يريد أن يعتمد الأسلوب الذي قاتل فيه الروس المتطرفين في الشيشان مثلا، لسببين: الدمار والضحايا الذين تسبب بهما، ثم لأن ذلك الأسلوب لم يحل القضايا الخفية وترك الشيشان مع حكومة ليست «جذابة»، ولا يرغب أغلب الناس العيش في ظلها.
نعم، حقق الروس بعض الاستقرار هناك، لكن بسعر مرتفع جدًا، ولا أعتقد أن الناس يريدون تكرار ذلك في العراق أو في سوريا.
* لكن سوريا مدمرة تقريبًا بالكامل.
- نعم، للأسف، وهذا بسبب الدعم الذي تستمر روسيا وإيران بتقديمه للأسد، مع العلم أن أغلبية الشعب السوري لا تريد الأسد في السلطة. لقد حافظ على حكمه بأبشع الطرق؛ بقتل شعبه. ثم ما الأمثولة التي نريد توجيهها إلى العالم؛ أنه إذا قتلتَ بما فيه الكفاية من شعبك، يمكنك البقاء في السلطة، والعالم على استعداد لمساعدتك؟! هذه الأمثولة التي تبعثها إيران وروسيا إلى العالم، وهذه أمثولة رهيبة ومعيبة.
* هل كان يمكن لتنظيم داعش أن يبرز أو ينشأ لو أن الولايات المتحدة تدخلت عسكريًا في سوريا عند بداية الأحداث؟
- أعتقد لو أننا تحركنا عام 2012، كما اقترح البعض، كان هذا الاحتمال أقل بكثير، ولما استطاع «داعش» تحقيق التقدم الذي أحرزه. أظن أن التاريخ سيحكم بأن منطقة الشرق الأوسط دفعت ثمنًا باهظًا، بسبب عدم تدخل الولايات المتحدة أو فشلها مع حلفائها والدول الأخرى بالتدخل في سوريا.
* هناك بعض التقارير التي تشير إلى أن الولايات المتحدة تُعِد خطة لإرسال قوات عربية إلى سوريا. هل هذا وارد؟ وهل سنرى القوات الجوية لدول الخليج تنشط في الأجواء السورية؟
- لقد رأينا السلاح الجوي لبعض الدول الخليجية ينشط في اليمن مثلاً، وفي سوريا أيضًا. لا أعتقد أن الحكومة الأميركية تقوم بتشجيع الدول العربية للتدخل برًا في سوريا، باستثناء تدريب السوريين على مقاتلة «داعش» ومجموعات إرهابية أخرى.
* ما ردة فعلك حول أنه، وفي وقت تطلب فيه الولايات المتحدة من اليونان وبلغاريا وأوكرانيا أن تغلق أجواءها في وجه الطائرات الروسية التي تنقل المساعدات إلى سوريا، نسمع أن روسيا اشترت من إسرائيل 10 طائرات تعمل من دون طيار؟
- لست على علم بهذه الأمور، وبالتالي لا أستطيع أن أعلق.
* هل تتفق مع طرح وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول بأن إيران قبل الاتفاقية كانت على «الطريق السريع» للحصول على السلاح النووي، لكنه لم يشر بشيء إلى ما يمكن أن تقوم به إيران بعد 15 سنة (مدة انتهاء الاتفاق)، حيث يقول بعض المراقبين إنه إذا قررت إيران عندها الحصول على قنبلة نووية فإن الوقت التحذيري قد يتقلص إلى أسابيع؟
- هناك قلق فعلي حول ذلك، وحسب اعتقادي فإن داعمي الاتفاق يقولون بضرورة إيجاد وسيلة لإدارة برنامج إيران النووي بعد 15 عامًا للتأكد من أن إيران لن تحاول الحصول على سلاح نووي، ولهذا فإن عددًا من منتقدي الاتفاق قالوا إنه من الضروري جدًا أن يعلن الرئيس الأميركي مدعومًا من الكونغرس، إذا ما حاولت إيران إنتاج اليورانيوم العالي التخصيب المطلوب لإنتاج السلاح النووي، أو أن تبدأ بفصل البلوتونيوم الذي يمكن استعماله لتصنيع السلاح النووي، فإن هذه المحاولات ستؤدي إلى عملية عسكرية أميركية لتدمير برنامج إيران النووي.
منتقدو الاتفاق يصرون على ضرورة أن يتضح هذا الأمر بشكل ظاهر، خلال فترة الاتفاق وما بعدها، لجهة منع إيران من التحرك لإنتاج سلاح نووي.
* هل تعتقد أن هذا النظام سيدوم طوال السنوات الـ15، إذا انفتحت إيران على العالم؟ وهل تعتقد أن الشعب الإيراني سيقبل الاستمرار في العيش في ظل مثل هذا النظام؟
- لا أعرف. هذا القرار يعود إلى الشعب الإيراني، لكن من الواضح أن هناك الكثير من السخط عند الشعب الإيراني، واستياء من النظام، ثم أن المرشد الأعلى (آية الله علي خامنئي) هو الآن في السبعينات من العمر، وهناك سؤال عما سيحدث بعد رحيله.
ما أعتقده أن تطورًا سيتعرض له النظام خلال 15 عامًا من الاتفاق. معارضو الاتفاق يعتقدون أن الانفتاح الذي سيلي رفع العقوبات سيشجع الميل إلى نظام أكثر اعتدالاً. لكن لا أعتقد أننا نعرف، كما يجب ألا نعتمد على ذلك.
* بالنسبة إلى الاتفاق، قالت إيران إنها تريد أن تدقق بهويات وخلفيات مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل أن تسمح لهم بدخول منشآتها النووية، وإن موظفي منظمة الطاقة الذرية الإيرانية سيرافقونهم. هل هذا جزء من الاتفاق؟
- هناك الكثير من عدم اليقين عما وافقت عليه الوكالة الدولية للطاقة الذرية. هناك، كما هو معروف، اتفاق ما بين الوكالة الدولية وإيران حول بعد عسكري محتمل في برنامج إيران النووي، الذي لم يتم الإعلان عنه. لهذا هناك عدم يقين يتعلق بكيفية عمل هذا. الامتحان، حسب اعتقادي، هو عما إذا كان لدى المنظمة الدولية القدرة غير المقيدة للتحقق من هذا الاتفاق، مع مراقبين من اختيارها هي، يكونون قادرين على زيارة المنشآت، ومقابلة العلماء، وأخذ عينات، ومراجعة ونسخ الوثائق، وأن يعملوا كل ما يحتاجون عمله، من دون أي قيد، من أجل التأكد من التزام إيران بالاتفاق. هذا حسب اعتقادي ما يجب أن يكون اختبارًا أساسيًا.
* من الذي ضيّع العراق؟
- العراق لم يضع. الشعب العراقي يكافح مشكلة الإرهاب. وهذا أمر مؤسف، لأن الشعب العراقي خلال السنوات من 2008 إلى 2010 هزم خطر «القاعدة»، وتضاءلت نسبة العنف، ولم تعد تهدد النظام. كان للعراقيين حكومة وحدة، وكانوا يتقدمون نحو المستقبل، وكان إنتاج النفط يتصاعد. لكن للأسف، تآمرت عدة أمور لزعزعة عملية واعدة. من هذه الأمور سياسة إدارة نوري المالكي التي ضاعفت من الصراع المذهبي وقوضت الجيش وقوى الأمن، لكن الأكثر تسببًا في ضرر العراق كان الفشل في مواجهة الأزمة في سوريا، وهذا فتح الباب أمام بروز «داعش»، الأمر الذي زعزع استقرار العراق، ولم يكن ممكنًا تجنبه. ومع فشل الولايات المتحدة في التفاعل مع ما يحدث في سوريا، والاستمرار على موقفها رغم تعرض العراق للانعكاسات، نرى الشعب العراقي يصارع لتشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية، ويصارع لتوفير حكم ذاتي أوسع لمختلف المجموعات: الأكراد، السنة، الشيعة، وكل الآخرين بمن فيهم المسيحيون.
إن الوصفة الصحيحة لإعادة الاستقرار إلى العراق أن تتحكم كل مجموعة وتسيطر على مستقبلها الاقتصادي والسياسي، هذا من شأنه أن يبقي العراق دولة موحدة.
* وهل تقبل إيران مع معرفتنا بنفوذها على العراق؟
- أظن أنها تقبل، إذا أوضح الشعب العراقي أن هذا ما يريده. لن يكون هناك خيار آخر عندها أمام الإيرانيين.
* الولايات المتحدة معنية باليمن، لكن كما يبدو فإنها لا تستطيع السيطرة على مياهه الإقليمية، ثم كأن كل الجهود في عمان غير ناجحة.
- هناك جهود قائمة الآن، تشارك بها دول المنطقة مع الولايات المتحدة للتحكم أكثر بالمياه الإقليمية اليمنية. إن الوضع اليمني مقلق، وهو يشكل مشكلة للسعودية والدول المجاورة، ويجب أن تركز الجهود على الإتيان بكل الأطراف إلى طاولة الحوار للخروج بمعادلة تبدأ بتقليص العنف، وتأتي مع الوقت ببعض الاستقرار من دون تحويل البلاد إما إلى «القاعدة» والمجموعات المتحالفة معها أو إلى القبائل الحوثية والمجموعات المتحالفة مع إيران، وذلك من أجل توفير الفرصة أمام الشعب اليمني لتقرير مستقبله.
* خلال زيارة العاهل السعودي إلى واشنطن، لمسنا أن هناك اعترافًا فعليًا، إن كان من البيت الأبيض، أو من وزارتي الخارجية والدفاع، بأن إيران تتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة. كيف يمكن إقناع إيران بالتعاون بدل المواجهة؟
- هذا يجب أن يحصل عبر طريقتين؛ أولاً: مواجهة إيران على الأرض، للتوضيح لها أن سياستها الرامية إلى فرض نفوذها لتقويض الدول الأخرى مثل العراق واليمن، وسوريا.. إلخ، لها ثمن، ولن تنجح، لا، بل تثير الشعوب ضدها. ثانيًا: وفي وقت تتم مواجهة إيران على الأرض، يستمر الحوار الذي بدأ حول الاتفاق النووي لإقناع الإيرانيين بأن عليهم اعتماد مسار عمل مختلف، كالذي تحدثنا عنه بالنسبة إلى سوريا.
* هل تستطيع الولايات المتحدة إيقاف روسيا عن بيع إيران أنظمة دفاع جوية؟
- هناك سلسلة من قرارات مجلس الأمن لها أحكام تتعلق بالاتفاق الأخير تم التوصل إليها، وتؤثر على مسألة أنظمة الدفاع الجوية. والواحد يأمل بتصرف مسؤول من قبل روسيا تحترم خلاله كل هذه القرارات وأيضًا أن تقوم بدور مسؤول كمشارك أساسي في التوصل إلى الاتفاق النووي من خلال مشاركتها عبر مجموعة «1+5».
* هل للولايات المتحدة خطط استراتيجية واضحة لقتال «داعش» ولإيجاد حل لسوريا والعراق وحتى ليبيا، أم أننا نطلب الكثير منها؟
- لا أعتقد أنكِ تطلبين الكثير من الولايات المتحدة. وأظن أن هذه المشكلات تستدعي كل دول المنطقة لتشارك وتتقاسم المسؤولية، مع الأخذ بعين الاعتبار قدرة كل واحدة اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريا. والذي تستطيعه الولايات المتحدة، عبر الحوار مع دول المنطقة، أن تتقدم بخطوط عريضة لاستراتيجية أو خطة لتوجيه المنطقة باتجاه أكثر إيجابية. هذا ما يجب أن تقوم به أميركا من أجل مصلحتها الخاصة، ومن حق دول المنطقة أن تتوقعه منها.
* هل ستسمح الولايات المتحدة للحكومة التركية بأن تهاجم الأكراد كثمن لتركيا لقاء استعمال قواعدها العسكرية؟
- لقد أوضحت الحكومة الأميركية أن هذا لم يكن الاتفاق الذي توصلت إليه مع تركيا، وكما نشرت كل الصحف، طالبت الحكومة الأميركية، تركيا، بأن توقف عملياتها ضد الشعب الكردي. وفي الوقت نفسه، من المؤسف أن «حزب العمال الكردستاني» كان يستفز الأتراك بهجومه على القوات التركية الأمنية. وكان من الصواب أن تدعو الحكومة الأميركية كل الأطراف لضبط النفس، وأظن أن الكل يرغب في استئناف الحوار بين الحكومة التركية والعناصر الكردية.
* إذا وصل الجمهوريون إلى السلطة عام 2017، فهل ستكون سياستهم تجاه الإرهاب وإيران ودول أخرى في المنطقة ستكون أكثر قوة وحزمًا؟
- إذا سيطر الجمهوريون على الحكومة عام 2017، أعتقد أنك سترين عندها سياسة خارجية مختلفة تمامًا، وآمل أنك سترين ارتباطًا أميركيًا أوثق بالمنطقة للمساعدة على وضع خطط تسمح لدول المنطقة باتخاذ مسارها المستقبلي متحررة من الاثنين: السيطرة الإيرانية أو إرهاب «داعش». هذا ما آمل أن تريه.



شراكة مصر مع قبرص واليونان لم تمنع تطور علاقاتها بتركيا

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتوسط الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس متسوتاكيس (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتوسط الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس متسوتاكيس (الرئاسة المصرية)
TT

شراكة مصر مع قبرص واليونان لم تمنع تطور علاقاتها بتركيا

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتوسط الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس متسوتاكيس (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتوسط الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس متسوتاكيس (الرئاسة المصرية)

يثير التعاون المتنامي بين القاهرة وأنقرة، الذي امتد إلى مجالات الدفاع والتنسيق العسكري، تساؤلات بشأن انعكاساته على الشراكة الاستراتيجية التي تجمع مصر باليونان وقبرص منذ عام 2014، في وقت لا تزال العلاقات بين أنقرة وكل من أثينا ونيقوسيا، رهينة خلافات مزمنة حول ترسيم الحدود البحرية وملفات الطاقة في شرق المتوسط.

واعترف خبراء مصريون تحدثوا لـ«لشرق الأوسط» بأن قدرة القاهرة على تحقيق التوازن في علاقاتها الإقليمية ليست مهمة سهلة، لكنهم أكدوا أن التقارب المصري - التركي لا يستهدف قبرص واليونان، بل قد يخدم مصالحهما أيضاً، مع إمكانية اضطلاع مصر بدور في تقريب وجهات النظر، انطلاقاً من حرصها على الحفاظ على توازن علاقاتها مع الدول الثلاث.

شراكة قائمة

هناك شراكة استراتيجية قائمة بين مصر واليونان وقبرص منذ انعقاد أول اجتماع لآلية «التعاون الثلاثي» على مستوى الرؤساء في عام 2014، بوقت كانت علاقات القاهرة وأنقرة تتسم بالتوتر الشديد، على خليفة سقوط حكم «تنظيم الإخوان» عقب ثورة 30 يونيو (حزيران)، وفي ذلك الحين، كانت بعض التحليلات تفيد بأن مصر توجهت للشراكة مع قبرص واليونان لإحداث التوازن مع تركيا.

ودشنت مصر وقبرص واليونان «آلية للتعاون الثلاثي» على مستوى القمة؛ وعُقد الاجتماع الأول لها بالقاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، وتناوبت الدول الثلاث على استضافة اجتماعاتها بشكل دوري سنوياً، وعُقدت الجولة العاشرة منها في يناير (كانون الثاني) 2025 بالقاهرة.

وفي مطلع هذا العام، استضافت القاهرة مشاورات سياسية لوزراء خارجية مصر واليونان وقبرص، وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، «خصوصية العلاقات التي تجمع القاهرة بأثينا ونيقوسيا؛ ما أسهم في توافق الرؤى حول تأسيس آلية القمة الثلاثية بينهم»؛ وعدّ الآلية «نموذجاً يحتذى به في علاقات التعاون والتكامل الإقليمي».

اجتماع ثلاثي لوزراء دفاع مصر وقبرص واليونان بالقاهرة في يونيو 2022 (المتحدث العسكري المصري)

وكانت أحدث خطوة في مسار تنامي العلاقات بين مصر وتركيا هي توقيع الدولتين «خطاب نوايا» بشأن التعاون الدفاعي، خلال زيارة وزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر إلى أنقرة، الأحد الماضي، وهي الأولى من نوعها منذ الزيارة التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي عندما كان وزيراً للدفاع في 8 مايو (أيار) 2013.

حذر يوناني

وفي تقرير لها رصدت صحيفة «ekathimerini» اليونانية هذا التقارب المصري التركي المتنامي مؤكدة قي تقرير نشرته بتاريخ 15 يوليو (تموز) الحالي، «أنه وإن كان لا يهدد المصالح اليونانية بشكل مباشر حتى الآن، فهو يزيد المخاوف وسط تحولات جيوسياسية إقليمية أوسع».

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، قال إن «مصر تؤكد في جميع المناسبات واللقاءات سواء مع تركيا أو اليونان وقبرص، أنه لا سبيل لحل الخلافات بينها إلا عبر الحوار والتفاوض، وتسعى لتحقيق توازن في علاقتها بالدول الثلاث».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مهمة مصر في تحقيق هذا التوازن ليست سهلة بسبب صعوبة الموقف نفسه؛ حيث إن تركيا لا تعترف بالقانون الدولي لأعالي البحار فيما يخص تقسيم الحدود البحرية والمنطقة البحرية الاقتصادية في شرق البحر المتوسط، بينما تصر اليونان وقبرص على تطبيقه، ومصر أيضاً موقّعة على هذا القانون الصادر عام 1982».

وتتمحور أبرز الخلافات بين تركيا من جهة واليونان وقبرص من جهة أخرى حول قضايا جيوسياسية واقتصادية معقدة، في مقدمتها النزاع القبرصي، وهو أقدم هذه الخلافات؛ إذ يعود إلى عام 1974 عندما تدخلت القوات التركية في شمال الجزيرة عقب انقلاب مدعوم من المجلس العسكري الحاكم في اليونان آنذاك. وتقول أنقرة إن تدخلها جاء لحماية القبارصة الأتراك، بينما تعده قبرص واليونان احتلالاً للجزء الشمالي من الجزيرة.

كما تشمل الخلافات نزاعات بشأن ترسيم الحدود البحرية، والمجال الجوي، والجرف القاري، والمناطق الاقتصادية الخالصة في بحر إيجه وشرق المتوسط، وهي خلافات زادت حدتها مع اكتشافات الغاز الطبيعي والتنافس على استغلال موارد الطاقة في شرق المتوسط.

مصر جسر للتقارب

الأكاديمي والباحث المصري في العلاقات الدولية بشير عبد الفتاح يرى أن «مصر اهتمت قبل عقد أو أكثر بدائرة البحر المتوسط في علاقاتها الخارجية، وركزت على قبرص واليونان، ورسّمت الحدود البحرية معهما، كما دخلت في ترتيبات أمنية ومناورات عسكرية دورية وتنسيق أمني واستراتيجي رفيع المستوى، والدولتان تقومان بدور مهم من حيث توطيد علاقات مصر مع الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه، استعادت مصر زخم العلاقات مع تركيا بعد مدة من الخلافات السياسية».

وأوضح عبد الفتاح لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا تناقض بين تقارب مصر مع تركيا من جهة وتقاربها مع اليونان وقبرص من جهة أخرى؛ لأن القاهرة حريصة على تنويع العلاقات، وهذا حق سيادي بالنسبة لها، وعلى عكس أي مخاوف، فمن الممكن أن تكون مصر جسراً لتحقيق التقارب بين تركيا واليونان وقبرص وحل الخلافات حول ترسيم الحدود البحرية وتقاسم ثروات شرق المتوسط».

جانب من لقاء وزير الدفاع التركي ونظيره المصري في أنقرة (وزارة الدفاع التركية)

وتنامت علاقات مصر وتركيا بشكل متسارع من عام 2023 مع عودة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها، وتبادل الزيارات بين الرئيسين السيسي ورجب طيب إردوغان؛ ما انعكس على التعاون العسكري خصوصاً في مجالي التدريب والتعاون في الصناعات الدفاعية.

المستشار في «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، عمرو الشوبكي، قال إن «التقارب المصري التركي خصوصاً في المجال العسكري، من المفهوم أنه يقلق إسرائيل، ولكنه لن يكون أبداً في مواجهة اليونان وقبرص، بل على العكس من ذلك فإنه من منطلق هذا التقارب مع تركيا، يمكن أن يكون لمصر دور كبير في تخفيف حدة التوتر بين تركيا واليونان وقبرص لما لها من علاقات قوية ومتميزة مع الدول الثلاث».

وشدد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أنه من «الطبيعي أن ترصد كل من اليونان وقبرص تطورات التقارب بين مصر وتركيا نظراً لحساسية الموقف نحو تركيا، ولكن بالقطع لديهما ثقة قوية بمصر بسبب قوة العلاقات معها».


الحوثيون يربطون الدعم التعليمي بالولاء والانتماء

توزيع لوازم مدرسية على أبناء قتلى الحوثيين دون غيرهم من الفقراء في صنعاء (إكس)
توزيع لوازم مدرسية على أبناء قتلى الحوثيين دون غيرهم من الفقراء في صنعاء (إكس)
TT

الحوثيون يربطون الدعم التعليمي بالولاء والانتماء

توزيع لوازم مدرسية على أبناء قتلى الحوثيين دون غيرهم من الفقراء في صنعاء (إكس)
توزيع لوازم مدرسية على أبناء قتلى الحوثيين دون غيرهم من الفقراء في صنعاء (إكس)

تواجه المنظومة التعليمية في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية موجة جديدة من الانتقادات مع العام الدراسي الذي بدأته الجماعة صيفاً؛ إذ تتهم الجماعة بحصر توزيع المستلزمات المدرسية والإعانات النقدية على أتباعها وأسر قتلاها ومفقوديها في الجبهات، وإلزام المدارس الأهلية بتقديم إعفاءات دراسية للفئات نفسها.

جاء ذلك في وقت يتواصل فيه الجدل حول نتائج الثانوية العامة التي أعلنتها سلطات الجماعة، وسط تشكيك تربوي في معدلات النجاح المرتفعة، ومخاوف من انعكاسات تلك السياسات على العدالة التعليمية ومستقبل التعليم في اليمن.

وتأتي هذه التطورات بينما تعيش ملايين الأسر اليمنية أوضاعاً اقتصادية متدهورة، جعلت توفير الحد الأدنى من متطلبات الدراسة، من رسوم وحقائب وكتب وزي مدرسي، عبئاً يفوق قدرة كثير من العائلات، في ظل استمرار تراجع القدرة الشرائية واتساع دائرة الفقر نتيجة الحرب والأزمة الاقتصادية.

مستلزمات مدرسية يخصصها الحوثيون لمصلحة أبناء عناصرهم (فيسبوك)

وبحسب مصادر تربوية، تولت ما تسمى «هيئة الزكاة» التابعة للحوثيين توزيع الحقائب المدرسية والمعونات النقدية عبر مشرفين تابعين للجماعة، وفق آلية قالت المصادر إنها منحت الأولوية لأسر المقاتلين وأتباع الجماعة، بينما استبعدت آلاف الأسر الفقيرة التي تعجز عن توفير مستلزمات الدراسة لأبنائها.

وأثار هذا الأسلوب في التوزيع حالة استياء واسعة بين أولياء الأمور والناشطين التربويين، الذين رأوا أن المساعدات التعليمية ينبغي أن تستند إلى معايير الاحتياج الإنساني، لا إلى الاعتبارات السياسية أو الانتماءات التنظيمية.

عدم المساواة

يقول إبراهيم، وهو ولي أمر في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن أبناءه الثلاثة لم يحصلوا على أي دعم مدرسي رغم تسجيلهم ضمن قوائم المحتاجين، بينما شاهد توزيع الحقائب والزي المدرسي على أسر مرتبطة بالجماعة.

وأضاف أن أسرته تعاني ظروفاً معيشية صعبة، إلا أن احتياجاتها لم تؤخذ في الحسبان، معتبراً أن المبادرات الخيرية لو أشرفت بنفسها على توزيع تلك المساعدات لوصل جزء منها إلى أطفاله.

وأبدى أولياء أمور آخرون في ريف صنعاء شكاوى مماثلة، مؤكدين أن تكلفة تجهيز الأبناء للعام الدراسي تجاوزت قدراتهم المالية، في وقت اقتصرت فيه المساعدات على فئات محددة، الأمر الذي عمق شعورهم بعدم المساواة.

وفي موازاة ذلك، تحدثت مصادر إغاثية عن قيام الجهات الحوثية المختصة بالأعمال الإنسانية و«هيئة الزكاة» خلال الفترة الماضية بمصادرة كميات من الحقائب المدرسية والدفاتر والأقلام والزي المدرسي ومبالغ نقدية، كانت مخصصة من مبادرات خيرية لدعم الطلاب الفقراء مع بداية العام الدراسي.

اتهامات لجماعة الحوثي بإجبار مدارس على تجنيد الطلاب (إعلام حوثي)

كما فرضت الجماعة، وفق مصادر تربوية، على المدارس الأهلية إعفاء أبناء أتباعها وأسر قتلاها وأسر أسراها في الجبهات من الرسوم الدراسية لهذا العام، دون تقديم أي تعويضات لتلك المدارس.

وأكدت مديرة إحدى المدارس الأهلية في ضواحي صنعاء، فضلت عدم الكشف عن اسمها، أن إدارتها اضطرت لتنفيذ تلك التوجيهات خشية التعرض لإجراءات عقابية، مشيرة إلى أن الإعفاءات لم تشمل بقية الطلاب من الأسر الأشد فقراً، رغم احتياجهم الماس للدعم.

ويرى تربويون أن تحميل المدارس الخاصة أعباءً مالية إضافية دون تعويض يهدد استقرارها المالي، ويضعف قدرتها على الاستمرار في تقديم خدماتها التعليمية وسط الظروف الاقتصادية الصعبة.

نتائج الثانوية تثير التساؤلات

بالتزامن مع الجدل حول توزيع المساعدات، أثارت نتائج الثانوية العامة التي أعلنتها سلطات الجماعة الحوثية نقاشاً واسعاً في الأوساط التعليمية، بعد تسجيل نسب نجاح مرتفعة ومعدلات تجاوزت 99 في المائة لعدد من الطلاب، رغم ما يشهده القطاع التعليمي من تراجع خلال سنوات الحرب.

وأعلنت وزارة التربية في حكومة الانقلاب الحوثي غير المعترف بها أن نسبة النجاح بلغت 88.12 في المائة، من أصل أكثر من 210 آلاف طالب وطالبة تقدموا للاختبارات، وهو ما عده مختصون رقماً يثير التساؤلات في ظل واقع المدارس التي تعاني نقص المعلمين، وانقطاع الرواتب، وضعف الإمكانات، وتراجع مستوى العملية التعليمية.

الحوثيون حولوا الغش إلى عادة تُمارس بشكل طبيعي (إكس)

ويعتقد تربويون أن الظروف التي يعيشها قطاع التعليم تجعل من الصعب تفسير هذا الارتفاع الكبير في نسب النجاح دون تقديم بيانات توضح آليات التصحيح والتقييم، بما يعزز الثقة في النتائج، ويبدد الشكوك التي رافقتها.

كما أبدى عدد من المعلمين استغرابهم من المعدلات المرتفعة، مؤكدين أن مستوى التحصيل العلمي الذي لمسوه خلال العام الدراسي لا يتوافق مع النتائج المعلنة، خصوصاً في ظل الغياب المتكرر للطلاب، وضعف انتظام العملية التعليمية.

اتهامات بالغش

تذهب مصادر تربوية يمنية إلى أن ارتفاع معدلات النجاح في مناطق سيطرة الحوثيين لا يعكس تحسناً في مستوى التعليم، بل يرتبط - وفق روايتها - بانتشار حالات غش جماعي في بعض المراكز الامتحانية، إلى جانب تداول إجابات نموذجية قبل الامتحانات وفي أثناء انعقادها، وهو ما تعده سبباً رئيسياً في ارتفاع النتائج.

كما اتهم ناشطون تربويون الجماعة بإسقاط نحو 25 ألف طالب من الذكور في الثانوية العامة هذا العام، معتبرين أن ذلك يأتي ضمن سياسات تهدف إلى ممارسة ضغوط على الطلاب وإغرائهم بالالتحاق في صفوفها مقابل الحصول على فرص النجاح، وهي اتهامات لم يصدر بشأنها تعليق من سلطات الجماعة.

طلاب في صنعاء يؤدون امتحانات الثانوية العامة (أ.ف.ب)

ويروي عدد من المعلمين أنهم رصدوا تجاوزات داخل بعض المراكز الامتحانية، بينها ضعف الرقابة والسماح بتقديم مساعدات لبعض الطلاب في أثناء أداء الاختبارات، وهو ما يرون أنه يضعف مصداقية العملية الامتحانية، ويؤثر في عدالة التقييم.

وفي إحدى الحالات، قال طالب من صنعاء إنه فوجئ بحصوله على معدل 72 في المائة، رغم تغيبه عن الدراسة معظم أيام العام الدراسي بسبب اضطراره إلى العمل لمساعدة أسرته، مؤكداً أنه لم يحضر سوى فترة الامتحانات النهائية، الأمر الذي دفعه إلى التشكيك في آلية احتساب النتائج.

وفي المقابل، أعرب عدد من الطلاب المتفوقين عن استيائهم من النتائج المعلنة، مطالبين بمزيد من الشفافية في إجراءات التصحيح وإعلان الدرجات، بما يضمن الحفاظ على حقوق الطلاب، ويعزز الثقة بشهادة الثانوية العامة.


جماعة مسلحة تصعد على ناقلة مواد كيميائية قبالة ساحل اليمن

سفينة شحن تعرّضت لهجوم في البحر الأحمر - 1 مارس 2024 (رويترز)
سفينة شحن تعرّضت لهجوم في البحر الأحمر - 1 مارس 2024 (رويترز)
TT

جماعة مسلحة تصعد على ناقلة مواد كيميائية قبالة ساحل اليمن

سفينة شحن تعرّضت لهجوم في البحر الأحمر - 1 مارس 2024 (رويترز)
سفينة شحن تعرّضت لهجوم في البحر الأحمر - 1 مارس 2024 (رويترز)

ذكر الجيش البريطاني أن جماعة مسلحة صعدت على متن ناقلة مواد كيميائية قبالة ساحل اليمن، الجمعة، أثناء عبورها خليج عدن.

وقال مركز عمليات التجارة البحرية في المملكة المتحدة، إن السلطات العسكرية أبلغت أن الناقلة صعد على متنها «أفراد غير مصرّح لهم» جنوب مدينة المكلا في اليمن، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وقالت شركة «أمبري» البريطانية للأمن البحري، إنه يُعتقد أن قراصنة صوماليين صعدوا على متن الناقلة التي لم يكن على متنها فريق أمني مسلّح.