ليبيا.. الأقليات تزيد المشهد السياسي تعقيدا

صعوبة نقل المجتمع من الثورة إلى بناء الدولة

الأقلية الأمازيغية التي تعيش في الغرب بالقرب من المنشآت النفطية قاطعت الانتخابات
الأقلية الأمازيغية التي تعيش في الغرب بالقرب من المنشآت النفطية قاطعت الانتخابات
TT

ليبيا.. الأقليات تزيد المشهد السياسي تعقيدا

الأقلية الأمازيغية التي تعيش في الغرب بالقرب من المنشآت النفطية قاطعت الانتخابات
الأقلية الأمازيغية التي تعيش في الغرب بالقرب من المنشآت النفطية قاطعت الانتخابات

في ليبيا التي باتت خطرا على دول جوارها الجغرافي، ومعضلة للدول التي ساهمت في إسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي، تبقى معضلة السلاح والتوافق السياسي بين فرقاء اجتمعوا على إسقاط نظام حكم البلاد بالحديد والنار لمدة 42 سنة، لكنهم اختلفوا على إعادة بناء وترتيب البيت من الداخل.
انتخابات لجنة الستين التي سيعهد إليها بكتابة الدستور الجديد للبلاد، باتت أحد أهم عناوين الأزمات المستمرة والمتلاحقة التي تعكس صعوبة نقل الدولة والمجتمع في ليبيا من مرحلة الثورة إلى مرحلة بناء الدولة من جديد.
التوافق هو المعنى الرئيسي المفتقد في المشهد السياسي الليبي، حيث ترفض الأقليات العرقية تمرير دستور يأتي على حساب تاريخها، بينما ينظر البعض إلى هذه المطالب على أنها محاولة لفرض رأي الأقلية على الأغلبية.
ثمة حالة من الاستقطاب السياسي والإعلامي في ليبيا تتمحور حول الدستور الجديد للبلاد، الذي عوض أن يكون جامعا لوجهات نظر الجميع، بات مدعاة للخلاف والتناحر، حسبما يرى الكثير من المحللين السياسيين.

شهدت الانتخابات ضعفا في إقبال الناخبين حيث لم يتجاوز وفقا للإحصائيات الرسمية 25 في المائة ممن شاركوا في انتخابات المؤتمر الوطني العام (البرلمان) عام 2012، وجرت في أجواء أمنية غير مستقرة خاصة في الجنوب حيث مناطق الأقليات العرقية (التبو والطوارق والأمازيغ)، وتأخرت معها بالضرورة محاولات كتابة دستور جديد مرارا بسبب الصراع السياسي داخل المؤتمر الوطني الذي انتخب لفترة 18 شهرا، في يوليو (تموز) الماضي، في أول انتخابات حرة في ليبيا منذ نحو 50 سنة.
ولم يكن سلاح المقاطعة الذي أشهرته الأقليات العرقية في وجه السلطات الحاكمة مفاجئا لأحد، فرغم تمديد فترة تسجيل المرشحين لانتخابات الهيئة التأسيسية للدستور، فإن الأمازيغ والطوارق والتبو ونازحي تاورغاء أعلنوا مبكرا خلال العام الماضي إصرارهم على مقاطعة هذه الانتخابات.
وأوضح المجلس الأعلى للأمازيغ أن سبب المقاطعة هو رفض نص التوافق بين المكونات الثقافية واللغوية على أن مشاركة التبو في انتخابات الهيئة التأسيسية مشروطة بقبول المؤتمر الوطني بمشروع التوافق في شأن طلبات الأمازيغ والتبو والطوارق.
وطالب أعيان الأمازيغ والطوارق والتبو، في بيان مشترك، بتعديل المادة 30 من الإعلان الدستوري وإقرار مبدأ التوافق فيما يخص المكونات الثقافية واللغوية.
وتنص المادة 30 من الإعلان الدستوري الصادر في أغسطس (آب) 2011 على أن تنتخب الهيئة التأسيسية المتكونة من 60 عضوا بالتساوي بين الأقاليم الثلاثة. وخصص هذا القانون ستة مقاعد فقط للمكونات الثقافية التي رفضت بحزم حصتها وعادت للحديث مجددا عن أزمة استمرار تهميشها كما كان الحال عليه خلال حقبة القذافي.
ولم تفلح محاولات المؤتمر الوطني في استرضاء المقاطعين، رغم أنه تبنى في نهاية يوليو الماضي قانونا حمل رقم 18 اعترف فيه بالمكونات الثقافية واللغوية، وأقر تدريس لغاتها في المناهج الدراسية في مناطق وجودها.
وأعلن المؤتمر الوطني إجراء الانتخابات هذا العام وذلك بعد استياء شعبي واضح من اعتزامه تمديد مدة تفويضه حتى بعد السابع من الشهر الجاري.
وسيتعين على لجنة صياغة الدستور التي تضم 60 عضوا الانتهاء من وضع مسودته خلال 120 يوما. وسيقسم أعضاء اللجنة بالتساوي على مناطق ليبيا الثلاث وهي طرابلس في الغرب، وبرقة في الشرق، وفزان في الجنوب.
ويشبه هذا النموذج اللجنة التي صاغت مسودة دستور ليبيا قبل القذافي عندما نالت البلاد استقلالها عام 1951.
ويتعين على أعضاء لجنة صياغة الدستور أن يأخذوا في الاعتبار الخصومات السياسية والقبلية ودعوات الحكم الذاتي في شرق البلاد عند اتخاذ قرار بشأن نظام الحكم في ليبيا قبل أن يجري طرح مسودة الدستور للاستفتاء.
وطبقا للتقرير الذي أصدرته لجنة التشاور لممثلي الكتل بالمؤتمر الوطني يوم الأحد الماضي في أعقاب أربع جلسات إضافية، جرى التوصل إلى اتفاق على الذهاب إلى الانتخابات في أسرع وقت على أن يسلم قانون الانتخابات إلى المفوضية العليا للانتخابات في زمن أقصاه نهاية شهر مارس (آذار) المقبل.
وبيَّن التقرير أن تفاصيل هذه الانتخابات وغياب وضوح دور «لجنة فبراير» في إعداد مشروع التعديل الدستوري الذي يتطلبه هذا التغيير في الموقف من خريطة الطريق، سبَّب ارتباكا في توضيح ملامح التوافق المطلوب من أجل الخروج بإجراءات قانونية واضحة وملامح متكاملة للمرحلة التي تلي حقبة المؤتمر الوطني، مما أوصل المشاورات إلى مرحلة يصعب التحرك فيها إلى الأمام حول ما تبقى من ملفات تبنتها هذه المجموعة في بداية سلسلة مشاوراتها.
ولفت التقرير إلى انقسام آراء الكتل حول ملامح الجسم البديل الذي يجب انتخابه لاستكمال المرحلة الانتقالية، مشيرا إلى أن أهم الآراء تمحورت حول تعديل دستوري ينص على انتخابات مجلس تأسيسي وفق الملامح الواردة في قانون الانتخابات مع التعديلات التي تشمل أن تجري الانتخابات بناء على النظام الفردي على أن ينص بشكل مفصل على الصلاحيات للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وبدا أن هناك طرحا آخر يطالب بتعديل دستوري ينص على انتخابات لسلطة تشريعية جديدة وانتخابات رئاسية «غير مباشرة» على أن يجري النص بشكل مفصل على صلاحيات الرئيس وباقي الصلاحيات للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
لكن البعض يعتقد بضرورة إجراء تعديل دستوري ينص على انتخابات لسلطة تشريعية جديدة، وانتخابات رئاسية «مباشرة» على أن يجري النص بشكل مفصل على صلاحيات الرئيس وباقي الصلاحيات للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وخلص التقرير إلى خيارات، منها أن ينقسم الجسم التشريعي الجديد إلى غرفتين (مجلس نواب ومجلس شيوخ)، وتفاصيل مختلفة أخرى رأى ألا يخوض فيها في هذه المرحلة، وانتخاب مجلس تأسيسي وانتخابات رئاسية غير مباشرة على أن يجري النص بشكل مفصل على صلاحيات الرئيس وباقي صلاحيات السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
لكن هذا الخيار وفقا لما يكشفه التقرير لقي قبولا محدودا جدا من الكتل التي تمسكت بنفس الرأي دون أن تتزحزح قيد أنملة عن موقفها، مما أدى إلى جمود في المشاورات حول خريطة الطريق. وجاء في التقرير أن النقاش حول الحكومة تعثر نتيجة انسحاب بعض الكتل من جلسات التشاور بهذا الخصوص، إلا أن باقي الكتل استمرت في المشاورات ومناقشة هذا الملف واقترحت اختيار ثلاثة وزراء من الوزارة الحالية لتسند إليهم مهام رئيس الوزراء ونائبين له، بالإضافة إلى الإبقاء على تشكيلة الحكومة كما هي، أو تشكيل وزارة أزمة مصغرة منها تتولى التركيز على الملفات والاستحقاقات المهمة جدا في المرحلة الحالية.
كما اقترحت استدعاء رئيس الوزراء الجديد ونائبيه من قبل ممثلي الكتل وتحديد أولويات المهام العاجلة للحكومة الجديدة وفق ما جرى الاتفاق عليه بين ممثلي الكتل ببرنامج زمني محدد ودقيق تحاسب عليه.
ولفت التقرير إلى توافق الكتل على التعديل الدستوري على أن تطرح المسودة التي وقع عليها أكثر من 150 عضوا من المؤتمر الوطني للتصويت في أول جلسة يتحقق فيها النصاب المطلوب للتعديل الدستوري.
لم تسفر التفجيرات الخمسة التي هزت مراكز اقتراع في شرق ليبيا ببلدة درنة المضطربة عن سقوط مصابين، لكنها تبرز تدهور الوضع الأمني في البلاد، حيث تواجه حكومة علي زيدان صعوبات في سعيها لفرض سلطتها وكبح جماح الميليشيات التي ساعدت في الإطاحة بالقذافي، لكنها احتفظت بأسلحتها لتلعب دورا سياسيا.
وهددت اثنتان من الميليشيات القوية يوم الثلاثاء قبل الماضي بحل المؤتمر الوطني العام الذي تتهمانه مثل كثير من الليبيين بإصابة البلاد بالشلل بسبب صراع داخلي لا ينتهي.
وتبقى ليبيا في حاجة ماسَّة إلى حكومة فاعلة ونظام حكم لتتمكن من التركيز على إعادة الإعمار، ومعالجة الانقسامات التي حدثت بعد حرب 2011 التي أطاحت بالقذافي.
وفى تلك الانتخابات التي ستجري مرحلتها الثانية لاحقا لاستدراك تعذر فتح بقية مراكز الاقتراع في مناطق الجنوب المتوترة، سجل ما يربو على مليون شخص أسماءهم في لائحة الناخبين، وهو عدد أقل بكثير عن ثلاثة ملايين سجلوا أسماءهم في لوائح الناخبين للتصويت في الانتخابات البرلمانية لعام 2012، وهو ما عد، وفقا للمحللين، مؤشرا على تراجع الثقة في المؤسسات السياسية بين الليبيين الذين شهدوا أربعة عقود من الحكم الفردي في البلاد.
وقاطعت الانتخابات الأقلية الأمازيغية التي تعيش في الغرب بالقرب من المنشآت النفطية، حيث رفضها زعيمهم إبراهيم مخلوف؛ لأن الأمازيغ، كما قال، يريدون دورا أكبر في اللجنة وضمانات بأن لغتهم ستصبح من اللغات الرسمية في البلاد. وقال فتحي خليفة رئيس الكونغرس الأمازيغي: «لدينا كل القرائن من بينها النسبة الكبيرة في مقاطعة هذه الانتخابات ليس من الأمازيغ فقط، بل عرفت مقاطعة شعبية، هناك عزوف كبير وشعور بالضيم لدى الأمازيغ». وأشار خليفة إلى أن الأمازيغ سيتقدمون بطعن في عدم دستورية الانتخابات.
في المقابل، يعتقد وليد مصطفى اللافي، الناشط السياسي، أن أسباب مقاطعة أصحاب العرق المميز لانتخابات لجنة إعداد مشروع الدستور ترجع إلى ما وصفه بسوء فهم شائع عبر وسائل الإعلام المحلية مفاده أن الدستور سوف يتطرق إلى مسألة الهوية، مع أن الدساتير الحديثة تجاوزت هذا الأمر.
وأضاف اللافي لـ«الشرق الأوسط» أن الآلية التي ستعمل بها لجنة إعداد الدستور غير معلومة حتى الآن. وتساءل: «هل ستخرج علينا هذه اللجنة بصياغة واحدة حتى يجبر الليبيون على قبولها خوفا من الدخول في الفوضى أم أنها ستخرج علينا بتقريرين، تقرير الأغلبية وتقرير الأقلية حتى يجري طرحهما على الاستفتاء؟».
وتساءل اللافي أيضا: «هل ستلعب الكتلة السكانية دورا في إقرار الدستور؟ هل يعقل أن يكون سكان طرابلس البالغ عددهم مليونين هم من سيحددون مصير بلد مثل ليبيا؟ أم أن الأصوات ستجمع على مستوى حدود الإقليم مثلما حدث في انتخاب هذه اللجنة».
وشدد اللافي على القول إن الأقلية على حق، فمن حقها أن تعلم سلفا ما إذا كانت هذه اللجنة ستحقق لها آمالها أم لا، مشيرا إلى أن الشيطان يكمن في التفاصيل، والآلية هي التي ستحدد المخرجات.
ورأى اللافي أن هذه الشريحة المميزة من التركيبة السكانية للبلاد هي صاحبة مطالب معروفة وليست جديدة على الليبيين، كما أنها ليست مرفوضة على الإطلاق، بيد أن مطالبهم لا تتحقق من خلال إثبات الهوية في الدستور، وإنما من خلال النظام الإداري للدولة؛ فالفيدرالية هي السبيل الوحيد لحصولهم على مجالس تشريعية محلية تتيح لهم سن التشريعات التي من شأنها المحافظة على خصوصياتهم، لا سيما أنهم موجودون في رُقَع جغرافية محددة.
وطبقا لهذا التصور لا يمكن للدستور أن يضمن لهم ذلك من خلال نص مباشر، بل من خلال آلية عمل الدولة، علما بأن الكثير من الشرائح الأخرى تشترك مع الأمازيغ في هذه الرؤية، وهو ما تدل عليه نتائج المشاركة التي بلغت 400 ألف ناخب؛ فهم فقط 25 في المائة من الذين شاركوا في انتخاب المؤتمر الوطني.
ويقول الإعلامي الليبي رضا فحيل البوم إن الأمازيغ والتبو قاطعوا انتخابات الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور احتجاجا على عدم تعديل مادة في الإعلان الدستوري تمرر مواد الدستور بالأغلبية بدل التوافق، ونظرا لاعتقادهم أنهم لن يتمكنوا من دسترة لغاتهم الأمازيغية والتباوية.
ومن المتوقع وفقا لفحيل البوم أن يطعن في قانون الانتخابات حيث إنه من دون الأمازيغ والتبو والطوارق (أمازيغ الصحراء)، سيكون عدد أعضاء الهيئة التأسيسية، التي من المفترض أن تتكون من 60 عضوا ستصبح اللجنة مكونة من 54 عضوا، إضافة إلى عيوب أخرى في القانون منها اشتراطه مؤهلا يعادل الشهادة الثانوية فقط، والجميع يعلم ماذا تعني شهادة ثانوية في ليبيا في ظل فساد عمَّ وزارة التعليم لأكثر من 20 سنة أصبحت الشهادات فيه تباع وتشترى.
ولاحظ فحيل البوم أن الإقبال على انتخابات لجنة الدستور كان ضعيفا، وبالتالي سيكون في أغلب الأحيان دستورا غير متوافق عليه مثلما كان دستور «الإخوان المسلمين» في عهد الرئيس المصري المعزول محمد مرسي، وهو ما أدى في النهاية إلى إلغائه وكتابة دستور.
وخلص فحيل البوم إلى القول إنه «في ظل انتشار السلاح ووجود المجموعات المسلحة التي تتبع كيانات قبلية وجهوية وآيديولوجية فإنه لن يكون هناك استقرار سياسي أو أمني أو اقتصادي، وستظل الكلمة الأخيرة لحاملي السلاح».
ويرى الإعلامي الليبي ماهر العوامي من مدينة بنغازي أن للأمازيغ والتبو والطوارق حقوقا أصيلة في ليبيا؛ فهم سكان تلك المنطقة من شمال أفريقيا، حيث يعد الطوارق أمازيغ الوجه القبلي وأغلبهم يقطن جنوب غربي البلاد، فيما يعد جبل نفوسة أكبر تجمع للأمازيغ، وتوجد أشهر تلك التجمعات في مدينتي يفرن وجادو إلا أن التجمع الأكبر لأمازيغ ليبيا يقع في الساحل غرب العاصمة طرابلس بمدينة زوارة التي يعدها أغلب أمازيغ ليبيا الأم الحاضنة، حتى إن الأمازيغ عندما يرغبون في القول إنهم ذاهبون إلى زوارة فإنهم يكتفون بالقول إنهم ذاهبون إلى «الوطن» بالعامية الليبية، وكلمة «وطن» تعني «الأرض الأم»، فيقال مثلا إن وطن الأمازيغ زوارة وجبل نفوسة، ووطن الطوارق في غات والقطرون، وغير ذلك.
ويرى العوامي أن الأمازيغ والطوارق مرت عليهم عقود من التغييب، مشيرا إلى أنه في عهد القذافي مارس النظام عملية كبيرة وممنهجة لطمس الهوية الأمازيغية، ومن وطنهم أو عاصمة الأمازيغ أعلن القذافي ما سماه «الثورة الثقافية»، وتحديدا من مدينة زوارة، التي أطلق عليها لقب «النقاط الخمس» التي تضمنها بيان العقيد عام 1973.
ويقول العوامي إنه «ربما استمر شعور الأمازيغ بهاجس محاولات طمس هويتهم الثقافية حتى الآن، وذلك لخوفهم من أن يبرز أي توجه قومي وناصري في دولة ليبيا ينال من مسعاهم في إبراز هويتهم ولغتهم كما فعل القذافي».
لكن بعد قيام ثورة فبراير (شباط) 2011، حيث شارك الأمازيغ منذ اليوم الأول في الثورة على سلطان العقيد، وساهموا مساهمة فاعلة في إسقاطه، رأوا لاحقا أن الوقت حان بعد انتصار الثورة لكي يضمنوا لهويتهم مكانة تليق بها من بين المكونات الليبية.
ولاحظ العوامي أن بداية المشهد كانت في إقامة المهرجانات والمعارض والفعاليات الثقافية والاجتماعية والفنية الأمازيغية، حيث أقاموا أكثر من مهرجان للأغنية الأمازيغية، وأيضا احتفلوا برأس السنة الأمازيغية، وبعدها علت أصواتهم مطالبين الهيئة التشريعية في ليبيا بضمان لغتهم وحقوقهم في أي دستور يجري وضعه للبلاد.
وأضاف: «لا أحد يعلم لماذا لم يقر المؤتمر الوطني العام هذا المطلب، واستمر في تجاهله». وحدث أن اقتحم الأمازيغ مقر المؤتمر في إحدى المظاهرات وأوقفوا سير جلسة من جلساته، وزاد الأمر حدة عندما أقر المؤتمر الوطني لائحة وقوانين الانتخاب للجنة الستين، وهي اللجنة التي سيعهد إليها صياغة الدستور الليبي، ورفضه الأمازيغ بحجة انعدام عدالة توزيع المقاعد وعددها على الأقليات والمكونات العرقية، فعقدوا تحالفا مع الأقليات الأخرى، وهي التبو والطوارق للضغط على المؤتمر.
ورغم كل المساعي فإن المؤتمر لم يستجب لمطلبهم، فجرت الانتخابات ولكن بمقاطعة الأقليات. ويرى الأمازيغ وبجانبهم التبو والطوارق أن عدد المقاعد في لجنة صياغة الدستور لن يضمن لهم إقرار حقوقهم لضعف التمثيل (ستة مقاعد مقابل 54 مقعدا) كما أنهم يعترضون أيضا من باب العدد في أن هناك أمازيغ موجودين في شتى أنحاء ليبيا.
وتساءل العوامي: «هل يحق للمرشح أن يتقدم لشغل مقاعد الأقليات أم يشارك كمرشح عن دائرته التي يقيم فيها؟». وقال إن الأقلية ترى في ذلك إجحافا بحق الأكفاء منهم؛ فالمقاعد المخصصة لهم تقع في نطاق وجودهم، سواء في زوارة وجبل نفوسة وغيرهما، ولا يمكن للأمازيغي بدائرة طرابلس الترشح لشغل مقعد بتلك الدوائر.
ويعود أصل المشكلة، كما يقول العوامي، إلى أن الأمازيغ يريدون شيئا واضحا هو ضمان أن تكون اللغة الأمازيغية بالذات منصوصا عليها في الدستور بجانب العربية؛ فهم يرون أن اللغة هي مدخل هويتهم، ودسترتها معناه دسترة حقوقهم، بيد أن الجدل يظل قائما في أروقة المؤتمر، وهناك عدة مقترحات لإيجاد حل لعقدة الأقلية منها رفع عدد مقاعد اللجنة.
وأضاف العوامي: «أنا شخصيا أتعاطف معهم، وأقف إلى جانبهم في المطالبة بحقوقهم، وأتمنى أن يصل الجميع إلى صيغة توافقية ترضي كل الأطراف، ويضمن من خلالها التبو والطوارق والأمازيغ حقوقهم التي هي من حقوقنا كليبيين».
وفي سياق التعبير عن هذه المخاوف، تساءل محمود جبريل، رئيس تحالف القوى الوطنية: «كيف يمكن إعداد دستور غاب عنه الأمازيغ؟»، مؤكدا أنه لم يحدث أن كتب دستور على أسنة الرماح، في إشارة منه إلى الأوضاع الأمنية التي جرت فيها هذه الانتخابات.
وقال جبريل، في مقابلة تلفزيونية بثت أخيرا، إن الذين يملكون السلاح هم الذين يملكون القرار، مضيفا: «كنت أتمنى أن تكون هناك مصالحة وجيش وشرطة قبل هذه الانتخابات».
وانتقد جبريل قانون العزل السياسي الذي أقره البرلمان وشمله، وقال إن ثمانية آلاف شخص يشملهم فقط؛ لأنهم عملوا مع النظام السابق، مضيفا: «نحن نرى أن يطبق العزل على السلوك وعلى المفسدين فقط، وليس على كل من عمل مع الحكومة».
وفى هكذا حال ينسى الكثيرون أن ليبيا ما زالت تحت مظلة الأمم المتحدة منذ سقوط النظام السابق، فيما الحديث يجري خلف الكواليس عن استدعاء القادم المجهول من الخارج لإعادة ترتيب بيت يتنافس الليبيون حتى الآن، وبعد مرور نحو ثلاث سنوات على مقتل القذافي وسقوط نظام حكمه بالسلاح، على كيفية إعادة بنائه من جديد.
ولعل أكثر من يدرك هذه المفارقة هو نوري أبو سهمين رئيس المؤتمر الوطني الذي ينتمي إلى أقلية الأمازيغ، ويشغل فعليا منصب الرجل الأول في الدولة الليبية، والقائد الأعلى لقواتها المسلحة؛ فمقاطعة عشيرته للانتخابات يمثل إحراجا سياسيا كبيرا للرجل الذي قال عقب انتخابه لـ«الشرق الأوسط»: «أعتز بقول إنني مسلم، إنني ليبي، إنني أمازيغي، إنني عربي. ليبيا يجمعها الإسلام والوطن، وتجمعها الأصالة الأمازيغية والعربية».



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.