ليبيا.. الأقليات تزيد المشهد السياسي تعقيدا

صعوبة نقل المجتمع من الثورة إلى بناء الدولة

الأقلية الأمازيغية التي تعيش في الغرب بالقرب من المنشآت النفطية قاطعت الانتخابات
الأقلية الأمازيغية التي تعيش في الغرب بالقرب من المنشآت النفطية قاطعت الانتخابات
TT

ليبيا.. الأقليات تزيد المشهد السياسي تعقيدا

الأقلية الأمازيغية التي تعيش في الغرب بالقرب من المنشآت النفطية قاطعت الانتخابات
الأقلية الأمازيغية التي تعيش في الغرب بالقرب من المنشآت النفطية قاطعت الانتخابات

في ليبيا التي باتت خطرا على دول جوارها الجغرافي، ومعضلة للدول التي ساهمت في إسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي، تبقى معضلة السلاح والتوافق السياسي بين فرقاء اجتمعوا على إسقاط نظام حكم البلاد بالحديد والنار لمدة 42 سنة، لكنهم اختلفوا على إعادة بناء وترتيب البيت من الداخل.
انتخابات لجنة الستين التي سيعهد إليها بكتابة الدستور الجديد للبلاد، باتت أحد أهم عناوين الأزمات المستمرة والمتلاحقة التي تعكس صعوبة نقل الدولة والمجتمع في ليبيا من مرحلة الثورة إلى مرحلة بناء الدولة من جديد.
التوافق هو المعنى الرئيسي المفتقد في المشهد السياسي الليبي، حيث ترفض الأقليات العرقية تمرير دستور يأتي على حساب تاريخها، بينما ينظر البعض إلى هذه المطالب على أنها محاولة لفرض رأي الأقلية على الأغلبية.
ثمة حالة من الاستقطاب السياسي والإعلامي في ليبيا تتمحور حول الدستور الجديد للبلاد، الذي عوض أن يكون جامعا لوجهات نظر الجميع، بات مدعاة للخلاف والتناحر، حسبما يرى الكثير من المحللين السياسيين.

شهدت الانتخابات ضعفا في إقبال الناخبين حيث لم يتجاوز وفقا للإحصائيات الرسمية 25 في المائة ممن شاركوا في انتخابات المؤتمر الوطني العام (البرلمان) عام 2012، وجرت في أجواء أمنية غير مستقرة خاصة في الجنوب حيث مناطق الأقليات العرقية (التبو والطوارق والأمازيغ)، وتأخرت معها بالضرورة محاولات كتابة دستور جديد مرارا بسبب الصراع السياسي داخل المؤتمر الوطني الذي انتخب لفترة 18 شهرا، في يوليو (تموز) الماضي، في أول انتخابات حرة في ليبيا منذ نحو 50 سنة.
ولم يكن سلاح المقاطعة الذي أشهرته الأقليات العرقية في وجه السلطات الحاكمة مفاجئا لأحد، فرغم تمديد فترة تسجيل المرشحين لانتخابات الهيئة التأسيسية للدستور، فإن الأمازيغ والطوارق والتبو ونازحي تاورغاء أعلنوا مبكرا خلال العام الماضي إصرارهم على مقاطعة هذه الانتخابات.
وأوضح المجلس الأعلى للأمازيغ أن سبب المقاطعة هو رفض نص التوافق بين المكونات الثقافية واللغوية على أن مشاركة التبو في انتخابات الهيئة التأسيسية مشروطة بقبول المؤتمر الوطني بمشروع التوافق في شأن طلبات الأمازيغ والتبو والطوارق.
وطالب أعيان الأمازيغ والطوارق والتبو، في بيان مشترك، بتعديل المادة 30 من الإعلان الدستوري وإقرار مبدأ التوافق فيما يخص المكونات الثقافية واللغوية.
وتنص المادة 30 من الإعلان الدستوري الصادر في أغسطس (آب) 2011 على أن تنتخب الهيئة التأسيسية المتكونة من 60 عضوا بالتساوي بين الأقاليم الثلاثة. وخصص هذا القانون ستة مقاعد فقط للمكونات الثقافية التي رفضت بحزم حصتها وعادت للحديث مجددا عن أزمة استمرار تهميشها كما كان الحال عليه خلال حقبة القذافي.
ولم تفلح محاولات المؤتمر الوطني في استرضاء المقاطعين، رغم أنه تبنى في نهاية يوليو الماضي قانونا حمل رقم 18 اعترف فيه بالمكونات الثقافية واللغوية، وأقر تدريس لغاتها في المناهج الدراسية في مناطق وجودها.
وأعلن المؤتمر الوطني إجراء الانتخابات هذا العام وذلك بعد استياء شعبي واضح من اعتزامه تمديد مدة تفويضه حتى بعد السابع من الشهر الجاري.
وسيتعين على لجنة صياغة الدستور التي تضم 60 عضوا الانتهاء من وضع مسودته خلال 120 يوما. وسيقسم أعضاء اللجنة بالتساوي على مناطق ليبيا الثلاث وهي طرابلس في الغرب، وبرقة في الشرق، وفزان في الجنوب.
ويشبه هذا النموذج اللجنة التي صاغت مسودة دستور ليبيا قبل القذافي عندما نالت البلاد استقلالها عام 1951.
ويتعين على أعضاء لجنة صياغة الدستور أن يأخذوا في الاعتبار الخصومات السياسية والقبلية ودعوات الحكم الذاتي في شرق البلاد عند اتخاذ قرار بشأن نظام الحكم في ليبيا قبل أن يجري طرح مسودة الدستور للاستفتاء.
وطبقا للتقرير الذي أصدرته لجنة التشاور لممثلي الكتل بالمؤتمر الوطني يوم الأحد الماضي في أعقاب أربع جلسات إضافية، جرى التوصل إلى اتفاق على الذهاب إلى الانتخابات في أسرع وقت على أن يسلم قانون الانتخابات إلى المفوضية العليا للانتخابات في زمن أقصاه نهاية شهر مارس (آذار) المقبل.
وبيَّن التقرير أن تفاصيل هذه الانتخابات وغياب وضوح دور «لجنة فبراير» في إعداد مشروع التعديل الدستوري الذي يتطلبه هذا التغيير في الموقف من خريطة الطريق، سبَّب ارتباكا في توضيح ملامح التوافق المطلوب من أجل الخروج بإجراءات قانونية واضحة وملامح متكاملة للمرحلة التي تلي حقبة المؤتمر الوطني، مما أوصل المشاورات إلى مرحلة يصعب التحرك فيها إلى الأمام حول ما تبقى من ملفات تبنتها هذه المجموعة في بداية سلسلة مشاوراتها.
ولفت التقرير إلى انقسام آراء الكتل حول ملامح الجسم البديل الذي يجب انتخابه لاستكمال المرحلة الانتقالية، مشيرا إلى أن أهم الآراء تمحورت حول تعديل دستوري ينص على انتخابات مجلس تأسيسي وفق الملامح الواردة في قانون الانتخابات مع التعديلات التي تشمل أن تجري الانتخابات بناء على النظام الفردي على أن ينص بشكل مفصل على الصلاحيات للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وبدا أن هناك طرحا آخر يطالب بتعديل دستوري ينص على انتخابات لسلطة تشريعية جديدة وانتخابات رئاسية «غير مباشرة» على أن يجري النص بشكل مفصل على صلاحيات الرئيس وباقي الصلاحيات للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
لكن البعض يعتقد بضرورة إجراء تعديل دستوري ينص على انتخابات لسلطة تشريعية جديدة، وانتخابات رئاسية «مباشرة» على أن يجري النص بشكل مفصل على صلاحيات الرئيس وباقي الصلاحيات للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وخلص التقرير إلى خيارات، منها أن ينقسم الجسم التشريعي الجديد إلى غرفتين (مجلس نواب ومجلس شيوخ)، وتفاصيل مختلفة أخرى رأى ألا يخوض فيها في هذه المرحلة، وانتخاب مجلس تأسيسي وانتخابات رئاسية غير مباشرة على أن يجري النص بشكل مفصل على صلاحيات الرئيس وباقي صلاحيات السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
لكن هذا الخيار وفقا لما يكشفه التقرير لقي قبولا محدودا جدا من الكتل التي تمسكت بنفس الرأي دون أن تتزحزح قيد أنملة عن موقفها، مما أدى إلى جمود في المشاورات حول خريطة الطريق. وجاء في التقرير أن النقاش حول الحكومة تعثر نتيجة انسحاب بعض الكتل من جلسات التشاور بهذا الخصوص، إلا أن باقي الكتل استمرت في المشاورات ومناقشة هذا الملف واقترحت اختيار ثلاثة وزراء من الوزارة الحالية لتسند إليهم مهام رئيس الوزراء ونائبين له، بالإضافة إلى الإبقاء على تشكيلة الحكومة كما هي، أو تشكيل وزارة أزمة مصغرة منها تتولى التركيز على الملفات والاستحقاقات المهمة جدا في المرحلة الحالية.
كما اقترحت استدعاء رئيس الوزراء الجديد ونائبيه من قبل ممثلي الكتل وتحديد أولويات المهام العاجلة للحكومة الجديدة وفق ما جرى الاتفاق عليه بين ممثلي الكتل ببرنامج زمني محدد ودقيق تحاسب عليه.
ولفت التقرير إلى توافق الكتل على التعديل الدستوري على أن تطرح المسودة التي وقع عليها أكثر من 150 عضوا من المؤتمر الوطني للتصويت في أول جلسة يتحقق فيها النصاب المطلوب للتعديل الدستوري.
لم تسفر التفجيرات الخمسة التي هزت مراكز اقتراع في شرق ليبيا ببلدة درنة المضطربة عن سقوط مصابين، لكنها تبرز تدهور الوضع الأمني في البلاد، حيث تواجه حكومة علي زيدان صعوبات في سعيها لفرض سلطتها وكبح جماح الميليشيات التي ساعدت في الإطاحة بالقذافي، لكنها احتفظت بأسلحتها لتلعب دورا سياسيا.
وهددت اثنتان من الميليشيات القوية يوم الثلاثاء قبل الماضي بحل المؤتمر الوطني العام الذي تتهمانه مثل كثير من الليبيين بإصابة البلاد بالشلل بسبب صراع داخلي لا ينتهي.
وتبقى ليبيا في حاجة ماسَّة إلى حكومة فاعلة ونظام حكم لتتمكن من التركيز على إعادة الإعمار، ومعالجة الانقسامات التي حدثت بعد حرب 2011 التي أطاحت بالقذافي.
وفى تلك الانتخابات التي ستجري مرحلتها الثانية لاحقا لاستدراك تعذر فتح بقية مراكز الاقتراع في مناطق الجنوب المتوترة، سجل ما يربو على مليون شخص أسماءهم في لائحة الناخبين، وهو عدد أقل بكثير عن ثلاثة ملايين سجلوا أسماءهم في لوائح الناخبين للتصويت في الانتخابات البرلمانية لعام 2012، وهو ما عد، وفقا للمحللين، مؤشرا على تراجع الثقة في المؤسسات السياسية بين الليبيين الذين شهدوا أربعة عقود من الحكم الفردي في البلاد.
وقاطعت الانتخابات الأقلية الأمازيغية التي تعيش في الغرب بالقرب من المنشآت النفطية، حيث رفضها زعيمهم إبراهيم مخلوف؛ لأن الأمازيغ، كما قال، يريدون دورا أكبر في اللجنة وضمانات بأن لغتهم ستصبح من اللغات الرسمية في البلاد. وقال فتحي خليفة رئيس الكونغرس الأمازيغي: «لدينا كل القرائن من بينها النسبة الكبيرة في مقاطعة هذه الانتخابات ليس من الأمازيغ فقط، بل عرفت مقاطعة شعبية، هناك عزوف كبير وشعور بالضيم لدى الأمازيغ». وأشار خليفة إلى أن الأمازيغ سيتقدمون بطعن في عدم دستورية الانتخابات.
في المقابل، يعتقد وليد مصطفى اللافي، الناشط السياسي، أن أسباب مقاطعة أصحاب العرق المميز لانتخابات لجنة إعداد مشروع الدستور ترجع إلى ما وصفه بسوء فهم شائع عبر وسائل الإعلام المحلية مفاده أن الدستور سوف يتطرق إلى مسألة الهوية، مع أن الدساتير الحديثة تجاوزت هذا الأمر.
وأضاف اللافي لـ«الشرق الأوسط» أن الآلية التي ستعمل بها لجنة إعداد الدستور غير معلومة حتى الآن. وتساءل: «هل ستخرج علينا هذه اللجنة بصياغة واحدة حتى يجبر الليبيون على قبولها خوفا من الدخول في الفوضى أم أنها ستخرج علينا بتقريرين، تقرير الأغلبية وتقرير الأقلية حتى يجري طرحهما على الاستفتاء؟».
وتساءل اللافي أيضا: «هل ستلعب الكتلة السكانية دورا في إقرار الدستور؟ هل يعقل أن يكون سكان طرابلس البالغ عددهم مليونين هم من سيحددون مصير بلد مثل ليبيا؟ أم أن الأصوات ستجمع على مستوى حدود الإقليم مثلما حدث في انتخاب هذه اللجنة».
وشدد اللافي على القول إن الأقلية على حق، فمن حقها أن تعلم سلفا ما إذا كانت هذه اللجنة ستحقق لها آمالها أم لا، مشيرا إلى أن الشيطان يكمن في التفاصيل، والآلية هي التي ستحدد المخرجات.
ورأى اللافي أن هذه الشريحة المميزة من التركيبة السكانية للبلاد هي صاحبة مطالب معروفة وليست جديدة على الليبيين، كما أنها ليست مرفوضة على الإطلاق، بيد أن مطالبهم لا تتحقق من خلال إثبات الهوية في الدستور، وإنما من خلال النظام الإداري للدولة؛ فالفيدرالية هي السبيل الوحيد لحصولهم على مجالس تشريعية محلية تتيح لهم سن التشريعات التي من شأنها المحافظة على خصوصياتهم، لا سيما أنهم موجودون في رُقَع جغرافية محددة.
وطبقا لهذا التصور لا يمكن للدستور أن يضمن لهم ذلك من خلال نص مباشر، بل من خلال آلية عمل الدولة، علما بأن الكثير من الشرائح الأخرى تشترك مع الأمازيغ في هذه الرؤية، وهو ما تدل عليه نتائج المشاركة التي بلغت 400 ألف ناخب؛ فهم فقط 25 في المائة من الذين شاركوا في انتخاب المؤتمر الوطني.
ويقول الإعلامي الليبي رضا فحيل البوم إن الأمازيغ والتبو قاطعوا انتخابات الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور احتجاجا على عدم تعديل مادة في الإعلان الدستوري تمرر مواد الدستور بالأغلبية بدل التوافق، ونظرا لاعتقادهم أنهم لن يتمكنوا من دسترة لغاتهم الأمازيغية والتباوية.
ومن المتوقع وفقا لفحيل البوم أن يطعن في قانون الانتخابات حيث إنه من دون الأمازيغ والتبو والطوارق (أمازيغ الصحراء)، سيكون عدد أعضاء الهيئة التأسيسية، التي من المفترض أن تتكون من 60 عضوا ستصبح اللجنة مكونة من 54 عضوا، إضافة إلى عيوب أخرى في القانون منها اشتراطه مؤهلا يعادل الشهادة الثانوية فقط، والجميع يعلم ماذا تعني شهادة ثانوية في ليبيا في ظل فساد عمَّ وزارة التعليم لأكثر من 20 سنة أصبحت الشهادات فيه تباع وتشترى.
ولاحظ فحيل البوم أن الإقبال على انتخابات لجنة الدستور كان ضعيفا، وبالتالي سيكون في أغلب الأحيان دستورا غير متوافق عليه مثلما كان دستور «الإخوان المسلمين» في عهد الرئيس المصري المعزول محمد مرسي، وهو ما أدى في النهاية إلى إلغائه وكتابة دستور.
وخلص فحيل البوم إلى القول إنه «في ظل انتشار السلاح ووجود المجموعات المسلحة التي تتبع كيانات قبلية وجهوية وآيديولوجية فإنه لن يكون هناك استقرار سياسي أو أمني أو اقتصادي، وستظل الكلمة الأخيرة لحاملي السلاح».
ويرى الإعلامي الليبي ماهر العوامي من مدينة بنغازي أن للأمازيغ والتبو والطوارق حقوقا أصيلة في ليبيا؛ فهم سكان تلك المنطقة من شمال أفريقيا، حيث يعد الطوارق أمازيغ الوجه القبلي وأغلبهم يقطن جنوب غربي البلاد، فيما يعد جبل نفوسة أكبر تجمع للأمازيغ، وتوجد أشهر تلك التجمعات في مدينتي يفرن وجادو إلا أن التجمع الأكبر لأمازيغ ليبيا يقع في الساحل غرب العاصمة طرابلس بمدينة زوارة التي يعدها أغلب أمازيغ ليبيا الأم الحاضنة، حتى إن الأمازيغ عندما يرغبون في القول إنهم ذاهبون إلى زوارة فإنهم يكتفون بالقول إنهم ذاهبون إلى «الوطن» بالعامية الليبية، وكلمة «وطن» تعني «الأرض الأم»، فيقال مثلا إن وطن الأمازيغ زوارة وجبل نفوسة، ووطن الطوارق في غات والقطرون، وغير ذلك.
ويرى العوامي أن الأمازيغ والطوارق مرت عليهم عقود من التغييب، مشيرا إلى أنه في عهد القذافي مارس النظام عملية كبيرة وممنهجة لطمس الهوية الأمازيغية، ومن وطنهم أو عاصمة الأمازيغ أعلن القذافي ما سماه «الثورة الثقافية»، وتحديدا من مدينة زوارة، التي أطلق عليها لقب «النقاط الخمس» التي تضمنها بيان العقيد عام 1973.
ويقول العوامي إنه «ربما استمر شعور الأمازيغ بهاجس محاولات طمس هويتهم الثقافية حتى الآن، وذلك لخوفهم من أن يبرز أي توجه قومي وناصري في دولة ليبيا ينال من مسعاهم في إبراز هويتهم ولغتهم كما فعل القذافي».
لكن بعد قيام ثورة فبراير (شباط) 2011، حيث شارك الأمازيغ منذ اليوم الأول في الثورة على سلطان العقيد، وساهموا مساهمة فاعلة في إسقاطه، رأوا لاحقا أن الوقت حان بعد انتصار الثورة لكي يضمنوا لهويتهم مكانة تليق بها من بين المكونات الليبية.
ولاحظ العوامي أن بداية المشهد كانت في إقامة المهرجانات والمعارض والفعاليات الثقافية والاجتماعية والفنية الأمازيغية، حيث أقاموا أكثر من مهرجان للأغنية الأمازيغية، وأيضا احتفلوا برأس السنة الأمازيغية، وبعدها علت أصواتهم مطالبين الهيئة التشريعية في ليبيا بضمان لغتهم وحقوقهم في أي دستور يجري وضعه للبلاد.
وأضاف: «لا أحد يعلم لماذا لم يقر المؤتمر الوطني العام هذا المطلب، واستمر في تجاهله». وحدث أن اقتحم الأمازيغ مقر المؤتمر في إحدى المظاهرات وأوقفوا سير جلسة من جلساته، وزاد الأمر حدة عندما أقر المؤتمر الوطني لائحة وقوانين الانتخاب للجنة الستين، وهي اللجنة التي سيعهد إليها صياغة الدستور الليبي، ورفضه الأمازيغ بحجة انعدام عدالة توزيع المقاعد وعددها على الأقليات والمكونات العرقية، فعقدوا تحالفا مع الأقليات الأخرى، وهي التبو والطوارق للضغط على المؤتمر.
ورغم كل المساعي فإن المؤتمر لم يستجب لمطلبهم، فجرت الانتخابات ولكن بمقاطعة الأقليات. ويرى الأمازيغ وبجانبهم التبو والطوارق أن عدد المقاعد في لجنة صياغة الدستور لن يضمن لهم إقرار حقوقهم لضعف التمثيل (ستة مقاعد مقابل 54 مقعدا) كما أنهم يعترضون أيضا من باب العدد في أن هناك أمازيغ موجودين في شتى أنحاء ليبيا.
وتساءل العوامي: «هل يحق للمرشح أن يتقدم لشغل مقاعد الأقليات أم يشارك كمرشح عن دائرته التي يقيم فيها؟». وقال إن الأقلية ترى في ذلك إجحافا بحق الأكفاء منهم؛ فالمقاعد المخصصة لهم تقع في نطاق وجودهم، سواء في زوارة وجبل نفوسة وغيرهما، ولا يمكن للأمازيغي بدائرة طرابلس الترشح لشغل مقعد بتلك الدوائر.
ويعود أصل المشكلة، كما يقول العوامي، إلى أن الأمازيغ يريدون شيئا واضحا هو ضمان أن تكون اللغة الأمازيغية بالذات منصوصا عليها في الدستور بجانب العربية؛ فهم يرون أن اللغة هي مدخل هويتهم، ودسترتها معناه دسترة حقوقهم، بيد أن الجدل يظل قائما في أروقة المؤتمر، وهناك عدة مقترحات لإيجاد حل لعقدة الأقلية منها رفع عدد مقاعد اللجنة.
وأضاف العوامي: «أنا شخصيا أتعاطف معهم، وأقف إلى جانبهم في المطالبة بحقوقهم، وأتمنى أن يصل الجميع إلى صيغة توافقية ترضي كل الأطراف، ويضمن من خلالها التبو والطوارق والأمازيغ حقوقهم التي هي من حقوقنا كليبيين».
وفي سياق التعبير عن هذه المخاوف، تساءل محمود جبريل، رئيس تحالف القوى الوطنية: «كيف يمكن إعداد دستور غاب عنه الأمازيغ؟»، مؤكدا أنه لم يحدث أن كتب دستور على أسنة الرماح، في إشارة منه إلى الأوضاع الأمنية التي جرت فيها هذه الانتخابات.
وقال جبريل، في مقابلة تلفزيونية بثت أخيرا، إن الذين يملكون السلاح هم الذين يملكون القرار، مضيفا: «كنت أتمنى أن تكون هناك مصالحة وجيش وشرطة قبل هذه الانتخابات».
وانتقد جبريل قانون العزل السياسي الذي أقره البرلمان وشمله، وقال إن ثمانية آلاف شخص يشملهم فقط؛ لأنهم عملوا مع النظام السابق، مضيفا: «نحن نرى أن يطبق العزل على السلوك وعلى المفسدين فقط، وليس على كل من عمل مع الحكومة».
وفى هكذا حال ينسى الكثيرون أن ليبيا ما زالت تحت مظلة الأمم المتحدة منذ سقوط النظام السابق، فيما الحديث يجري خلف الكواليس عن استدعاء القادم المجهول من الخارج لإعادة ترتيب بيت يتنافس الليبيون حتى الآن، وبعد مرور نحو ثلاث سنوات على مقتل القذافي وسقوط نظام حكمه بالسلاح، على كيفية إعادة بنائه من جديد.
ولعل أكثر من يدرك هذه المفارقة هو نوري أبو سهمين رئيس المؤتمر الوطني الذي ينتمي إلى أقلية الأمازيغ، ويشغل فعليا منصب الرجل الأول في الدولة الليبية، والقائد الأعلى لقواتها المسلحة؛ فمقاطعة عشيرته للانتخابات يمثل إحراجا سياسيا كبيرا للرجل الذي قال عقب انتخابه لـ«الشرق الأوسط»: «أعتز بقول إنني مسلم، إنني ليبي، إنني أمازيغي، إنني عربي. ليبيا يجمعها الإسلام والوطن، وتجمعها الأصالة الأمازيغية والعربية».



«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».