فكرة العلمانية في ضوء مستويات التدين داخل المجتمعات الغربية

تراجع تأثير الكنيسة في الحياة الاجتماعية والسياسية وتراجعت ممارسات الطقوس من طرف الأفراد

فكرة العلمانية في ضوء مستويات التدين داخل المجتمعات الغربية
TT

فكرة العلمانية في ضوء مستويات التدين داخل المجتمعات الغربية

فكرة العلمانية في ضوء مستويات التدين داخل المجتمعات الغربية

عندما نقول إن المجتمعات الغربية مجتمعات علمانية، يكون المقصود بذلك تراجع الكنيسة عن التأثير في الحياة الاجتماعية والسياسية، كما كانت تفعل في العصور الوسطى. وبالمقابل، تراجعت الممارسات الطقوسية الدينية من طرف الأفراد، كحضور القداس والتعميدات والجنائز وطقوس الزواج إلى غير ذلك، حيث يصبح الدين مسألة شخصية وقناعة فردية لا غير، ويكون الإنسان الغربي غير ملزم باعتقادات معينة مفروضة من الدولة أو الحكومة يجب أن يؤمن بها، أو ممارسات محددة يتوجب عليه القيام بها، ليصبح صوت رجال الدين خافتا ويحل محله صوت العلم، والقانون، والحرية الشخصية، والأخلاق الفردية، كمبادئ ينبغي الالتزام بها عوض المبادئ الدينية.
في هذا المقال، نجد مقاربة سوسيولوجية للدين، تتأسس على أبحاث ميدانية ومعطيات إحصائية حديثة للوضع الديني في الغرب. ونريد من وراء ذلك، إثارة الانتباه إلى أن فكرة العلمانية التي تنعت بها أوروبا، والتي تعد باللاتدين، وتراجع الدين من الحياة الاجتماعية، وتراجع التكتلات المؤسسة على مرجعيات وأفكار دينية، وكذلك تقلص الالتزام الديني الفردي، هذه الفكرة، تتعارض مع الأبحاث الميدانية لمستويات التدين التي تنجز في كل من أوروبا وأميركا، حيث يعد ظهور الأفكار الدينية الأصولية في الولايات المتحدة الأميركية، ومعاداة المهاجرين من ذوي الديانات الأخرى، خاصة الإسلام، والتضييق على عباداتهم، والإسلاموفوبيا، الأحداث الأكثر تأثيرا التي قادت إلى مراجعة التفكر في الدين داخل المجتمعات الغربية. فهل الغرب علماني فعلا، كما يتم الترويج له، أم أن حضور الدين فيه لا يزال قويا وله تأثيره الكبير على الحياة الفردية والاجتماعية داخل المجتمعات الغربية؟

* الاعتقادات والالتزامات الدينية في أميركا
تحوز الاعتقادات الدينية أهمية عالية في الولايات المتحدة. وتكشف متابعة الرقابة الاجتماعية العامة، أن ما يقارب 63 في المائة من الأميركيين لا شك لديهم في وجود الله، في حين أن 2.2 في المائة فقط لا يؤمنون بالله، وما يقارب ثلث الأميركيين يعتقدون بأن الكتاب مقدس وهو كلام الله الحق، وأكثر من 80 في المائة يرونه إلهاما إلهيا، كما يؤمن 77 في المائة بالجنة، و63 في المائة بالجحيم، و58 في المائة بوجود الشيطان. يضاف إلى هذا، أن 61 في المائة من الأميركيين ينتمون إلى جمعيات دينية، و29 في المائة يرتادون الكنيسة مرة في الشهر على الأقل، و22 في المائة يشاركون في الخدمة الاجتماعية ذات الدوافع الدينية، وينفقون عليها نسبة معتبرة من أموالهم تعادل 440 دولارا سنويا للعائلة.
وثمة مظهر جلي للتدين الأميركي هو التنوع، حيث تعتبر التعددية الدينية مقوما أساسيا للدين في الولايات المتحدة. فهناك ما يزيد على 2100 جماعة دينية، و26 في المائة من البروتستانت، و25 في المائة يعرفون ذواتهم ككاثوليك، و5.2 في المائة من اليهود، و9 في المائة ليسوا متدينين. وتبين الأبحاث، أن الاعتقادات والسلوكيات الدينية، تتأثر بعوامل متعددة، خاصة تلك المتعلقة بالاحتضان العائلي، حيث يلعب الآباء دورا مهما في توجيه أبنائهم إلى وجهة دينية معينة، كما تلاحظ المشاركة الكبيرة للنساء في الحياة الدينية، حيث يملن إلى نبذ اللاتدين. كما أن الكثير من المطالب السياسية في الولايات المتحدة، تلبس لباسا دينيا، كمطالبة السود بالحقوق، ومطالبة الشعوب اللاتينية بالعدالة الاجتماعية. في حين يؤثر الدين في جوانب أساسية في حياة الفرد الأميركي كالعلاقات الاجتماعية، الصحة الجسدية والنفسية، وبناء علاقات إيجابية مع الغير، وغيرها من الحسنات التي تجلبها الحياة الإيمانية.
هكذا نستنتج أن الدين لا يرفض التواري في الولايات المتحدة الأميركية وحسب، بل يواصل تأثيره على الانتماءات السياسية، والعلاقات الأسرية، والصحة، والرفاهية، والفضاء الاجتماعي الحر، والرأسمال الاجتماعي، وهو صناعة مهمة في أميركا، ومكون أساسي للقطاع غير الربحي في الاقتصاد.

* الدين في المجتمعات الأوروبية
غالبا ما يقوم كثيرون بمقارنة أوروبا الحالية بأوروبا العصر الوسيط، ويعتقد كثيرون بأن أوروبا المعلمنة اليوم، أقل قدسية من أوروبا العصور الوسطى. لكن مؤرخي الدين جمعوا شهادات تثبت أن العامة في القرون الوسطى، كانت غير متدينة فعلا. فالفلاحون كانوا يعبدون بعض الأرواح التي عبأها الفلكلور بمدلولات مسيحية. والحضور إلى الكنيسة كان، في كثير من الأحيان، يتسم بالعبث واللامسؤولية، والقيام بتصرفات مخلة بالأخلاق وبقدسية الكنيسة وهيبتها. أما الكنيسة، فقد كانت دائما ظاهرة حضرية. فمن النادر مشاهدة قس في الأرياف. كما أن الإحصائيات ظلت ضعيفة حول التدين، ولو قوربت بمقاربات القرن 20 لاعتبرت أوروبا آنذاك علمانية.
إذا كنا ننعت الغرب بالعلمانية، ونعتقد بأنه قد رفع يده عن الدين وتركه للحرية الشخصية، فإن الواقع يظهر عكس ذلك تماما. فالوضع الديني في أميركا يختلف عنه في أوروبا. فإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية تشرعن التعددية الدينية، فإن أوروبا تشهد احتكارات دينية، حيث المجال الديني مؤطر بسياسة دينية قوية، ولا يقل في ذلك شأنا عن احتكار المجال الديني الذي يحدث في الكثير من الدول العربية كالمغرب، والسعودية وإيران وغيرها.

* أوروبا الكاثوليكية
تفرض إيطاليا الكاثوليكية رقابة كبيرة على النواحي الدينية داخلها، فحتى سبعينات القرن الماضي، لم يكن بإمكان الكهنة البروتستانت إجراء قداس الزواج في إيطاليا. فقد كان الكهنة الكاثوليك هم من يمتلكون الحق في ذلك، وليس بإمكان البروتستانت فسخ عقود زواجهم إذا ما أقر من الكنيسة الكاثوليكية. وبالإضافة إلى هذا، يسجل القانون الإيطالي حتى الآن، تضاعف مستوى العدائية ضد الإكليروس البروتستانتي. ونجد أن الإذاعة والتلفزة الحكوميتين تبثان أسبوعيا، ساعات عدة من البرامج الكاثوليكية. أما البروتستانت، فلا يمنحون إلا 20 دقيقة أسبوعية في الإذاعة، و15 دقيقة فقط في التلفزة.
أما بالنسبة لبلجيكا، فقد عملت على محاربة الطائفة المسيحية المعروفة بشهود يهوه، وهي طائفة مسيحية لا تعترف بالطوائف المسيحية الأخرى، ويتميز اتباعها بوعظهم التبشيري الدءوب، بالذهاب إلى أصحاب البيوت، وعرض دروس بيتية مجانية في الكتاب المقدس، ورفضهم لمظاهر الاحتفالات التي يزاولها أغلب المسيحيين بميلاد المسيح. كما أنهم لا يؤمنون بالثالوث ولا بشفاعة القديسين، ولا بنار الهاوية كوسيلة لتعذيب الأشرار. وهي طائفة انبثقت في الولايات المتحدة الأميركية، وجرى تجريم الانتماء لها سنة 1974. وكانت الشرطة تعمل على تعنيفهم بقسوة. أما إسبانيا فقد أصدرت سنة 1992 قانونا يسمح بالتعددية الدينية، ووسعت من مساهماتها المالية تجاه كل التيارات الدينية. هذه الملاحظات حول الاحتكارات والسياسات التوجيهية للدين، تتنافى بشكل كبير مع شعارات الدولة العلمانية، التي يشاع أنها توارت ورفعت أيديها عن المجال الديني في الغرب.

* أوروبا البروتستانتية
في الدول البروتستانتية، يوجه إكليروس الكنائس الأمور حسب مرادهم. فالجانب الديني مؤطر بقوانين ملكية، بصفة الملك راعي الكنيسة الذي يعين رؤساء الأساقفة والأساقفة. وكما هو معلوم، يولد المواطنون السويديون منتمين بالوراثة إلى الكنيسة. أما في إسكندنافيا فتهيمن شروط مشابهة، إذ إن للبرلمان الدنماركي سلطة واسعة على الكنيسة.
أما آيرلندا فتظهر فيها مستويات عليا من الدين المنزلي. كما أن الاعتقاد في خلود الأرواح شائع. يتصرح 75 في المائة من السكان باعتقادهم في الله. في حين يكشف 1 في المائة فقط، عن إلحاده. وباستثناء النرويج والسويد، فإن أغلب أفراد كل دولة تطبعهم سمات الشخصية المتدينة. كما أن اختلافات التدين الشخصي بين الدول المعلمنة والدول الورعة، أقل بكثير مما يأمله منظرو العلمنة. ففي الدول السبع، يعتقد معظم الناس في حياة بعد الممات، ويرون أن الكتاب مقدس موحى من الله، أما الثلث فهم فقط الذين يعدون أنفسهم غير متدينين.
يمكن أن نستنتج من كل هذا أن العلمانية كفكرة، تحتاج اليوم إلى مراجعة، وإلى تخليصها مما علق بها من طبقات مترسبة من الأوهام، حتى أصبحت حقيقة لا مناص من التعلق بها، ما دام أن الواقع اليوم، يفرض علينا الفحص النقدي لهذه الفكرة، حتى لا تبقى حقائق ووثوقيات لا يتسلل الشك إليها.

*أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي، المغرب.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.