صلاح اللقاني مهندس ري يضبط شعرية الوجع على إيقاع محبة الحياة

قصور الثقافة أصدرت أعماله احتفاء بصوته المتميز في جيل السبعينات بمصر

صلاح اللقاني مهندس ري يضبط شعرية الوجع على إيقاع محبة الحياة
TT

صلاح اللقاني مهندس ري يضبط شعرية الوجع على إيقاع محبة الحياة

صلاح اللقاني مهندس ري يضبط شعرية الوجع على إيقاع محبة الحياة

وعي النص ووعي الشاعر، ثنائية تتقاطع وتتجاور بتراوحات شفيفة في شعر صلاح اللقاني، وتكاد تشكل مدار أسئلته وهواجسه وأحلامه ورؤاه، على مدار تجربته الشعرية التي أثمرت ستة دواوين شعرية حتى الآن، صدرت حديثا في جزأين عن هيئة قصور الثقافة بمصر.
يكشف الكتابان عن صوت اللقاني المتميز في جيل السبعينات المصري، كما تتبدى تحولات ومفاصل تجربته فكريا وشعريا في فضاء هذه الثنائية، وكيف حافظت منذ البدايات على صوتها الخاص من خلال مسافة ما بين الوعيين، لتناور من خلالها اشتباكات الداخل والخارج، وترصد كيف يفترقان ويلتقيان، ويتخلقان من رحم الشعر، وفي إطار رؤية حية، لم تزل مفتوحة بعين طفل على يقين الحياة ويقين الشعر معا، وترى الاثنين بمثابة كينونة واحدة، من دونها يصبح وجود الآخر مهددا.
قصيدة اللقاني، الذي خبر تحولات الماء من خلال عمله «مهندس ري» لا تترجم الحياة، ولا تسعى لاستعارتها أو محاكاتها، وإنما هي مهمومة أصلا بمساءلاتها، والتعاطي معها من كل الأبعاد والزوايا، بل تكاد تربت على كتفيها، وتعتذر لها عن مساوئ البشر، إنها قصيدة محبة للحياة، تحتفي بها حتى في أقصى لحظات التناقض والضعف والقوة. كما أنها ترفض أن تتحول إلى قناع لها، لأن مسرح الحياة يتجدد يوميا، وتتفاوت أدورانا فيه، لكن لا أحد يحتكر البطولة لنفسه إلى الأبد.
في الجزء الأول من أعماله الشعرية، الذي يضم دواوين «النهر القديم» و«ضل من غوى وسر من رأي» و«تاسوعات»، يبدو وعي النص ووعي الشاعر في حالة من المفارقة الدائمة، يتسع إيقاعها ويتشابك فنيا وواقعيا، في مساحة قلقة وخشنة، بين الذات والموضوع، أحيانا تصل إلى حد الترصد، والشك في الواقع نفسه. ومن ثم فالفعل الشعري هو فعل مواجهة وتحفز وإدانة، يرى يقينه في الصرخة، في فضاء النشيد والشعار والأغنية، بل في رمزية الانتظار والرجاء والأمل، وإشاعة روح الأنوثة في النص.. وكما يقول في قصيدة بعنوان «العبور»:
«أبحث يا مدينتي
عن طائر يحملني
عن خنجر يذبحني
أغنية بلا طبول.
أبحث يا مدينتي
عن طائر ينبتني
عن شاعر يهزّني
على مشارف الخروج والدخول.
أبحث يا مدينتي
في وجهك الصخري عن ملامح الجنون
لعلني أضيع فيها مرة
أو مرتين
لعلني أجن
لعلني أجيء في مواسم القبول».
بيد أن هذه الرمزية تكشف عن تنوعات فنية لافتة في هذه الدواوين الثلاثة المبكرة. تؤكد مقدرة الشاعر على تشييد عالمه بقوة، وتقليب تربته ومناخه بسلاسة وتناغم في فضاء الأعراف الشعرية التقليدية الشائعة في تلك الفترة، من سبعينات القرن الماضي، والتي شهدت موجة رائدة في الشعر المصري اصطلح على تسميتها بـ«شعراء السبعينات»، انحازت للتجريب وقيم الحداثة، واستطاعت بالمغامرة والمعرفة الواسعة أن تضخ دماء جديدة في مشهد القصيدة المصرية آنذاك.
هذا التحول يتجسد في قصائد هذه الدواوين، حتى وهي تستند على «القضية»، في مظانها العامة سياسيا واجتماعية وثقافيا وعاطفيا. فحركة الفعل الشعري تبدأ من الذاتي، من الوجع الخاص، وتنوع مساراتها على مستوى اللغة وبناء الصورة، والبنية الموسيقية العروضية في الغالب الأعم، وإيقاع المشهد وامتداداته في الداخل والخارج، وهي في هذا تحاول أن تكسر الحواجز، بين الفعل الشعري كـ«إناء» وما يحتويه، وما يجترحه من علاقات، بعضها واضح، وبعضها ملتبس، أو غامض، يكمن فيما وراء وعي النص ووعي الشاعر، واللغة والتاريخ والتراث والزمن، زمن الشعر والوقائع والأشياء.
وهكذا، يتكئ الفعل الشعري على «الأنا»، كلبنة أساس أولى، ويناور أحيانا باستخدام تقفية لها وقع دائري، ينساب بشكل صريح، أو مضمر في النص، في محاولة لخلق همزة وصل غير مرئية، تدفع النص دراميا، لبؤرة أوسع، في حواره مع الذات والواقع.. فكل شيء يبدأ من الذات، ويرتد إليها، بل إن الواقع نفسه يبدو في كثير من النصوص بمثابة صدى لحركة الذات، حتى وهي تتفتت وتعتصر الوجع.. وتتحول إلى محض ثقوب في كف الزمن والحياة.. وهو ما تشير إليه قصيدة بعنوان «الوقوف على الركبتين» يقول فيها:
«الشارع المحمول في سيارة الظهيرة
يخلعني..
كالجورب المثقوب
ثم ينحني
يلمني من بعد ما انفرطتُ وتنشطرتُ وانحصرتْ
من بعد ما بكيتْ
من بعد ما خرجتُ أو عبرتُ أو دخلتُ
من بعد ما صليتْ
يا مستطيل الضوء بددني غبارا ناعما
واجعلْ دمي
قطبا لريح الكون
أو باب لنور الشمس
أو شجرْ
ينمو على رخام ضحكتي إذا بكيتْ».
ورغم ذلك، تتخفف النصوص كثيرا من حمولتها الرمزية الثقيلة، وتصبح أقرب إلى المناجاة العاطفية، حينما تتشرب بروح الأنثى، بيد أن هذه الروح نادرا ما تخلص لذاتها، حيث تبدو غالبا، وكأنها طبقة أخرى أو عجينة في طوايا هذه الحمولة الرمزية.. «سأجيء يوما أحمل البشرى إليكِ / وأقول كان الليل أعمى والسما خرساء والقمر الصغير». أو: «هي الآن تعرف أن اسمها منحته القواميس معنى جديدا / وشكلا جديدا / فتهرب من شكلها المستعار / وتهرب من صوتها المستعار / وتهرب من حزنها المستعار / وتبحث وسط الحجارةِ عن وجهها المتفتت تحت الجدار».
وطيلة رحلته مع الشعر لا ينفصل صلاح اللقاني عن قصيدته، لكنه مع ذلك قادر على أن يمنحها عزلتها، لتتخلص من شوائب العالم والواقع والعناصر والأشياء، وتطفو فوق العقد والفواصل السميكة في الزمن والإنسان، وفي تعارضات الجسد والروح. لذلك تنفتح بقوة على الحياة والموت معا، كأنهما خطوتان في خطوة واحدة.. كأنهما مرثية لطريق لم يزل مفتوحا على المجهول.. فتبدو هذه العزلة وكأنها اللحظة التي تنصت فيها الذات لشجنها الخاص، خصوصا حين يعلو صوت الفقد والانخطاف، هنا تشف حكمة السنين الشعر معا.. فحينما يرثي الشاعر صلاح جاهين، تبدو وكأنها مرثية للطبيعة:
«هذا قرارك كلهُ
عاد التراب إلى التراب
حرّا..
نظيفا من بقايا الروح
من قصص العذاب
فابدأ على الورد ارتحالك والشجرْ
وارحل إلى طين الإناءِ
إلى بدايات المطرْ
وفي ديوانه «تاسوعات» يستشرف الميثولوجيا في شذراتها الفلسفية، كاشفا عن وجع النار، في خماسية شعرية تعلق فيها ومضات من أقانيم أفلوطين، الفيلسوف السكندري الشهير، وتتقاطع مع الموروث الشعبي والإسلامي وإيقاع البيئة المحلية. ويكشف الديوان عن خيال جامح ومقدرة على النفاذ في ما وراء العناصر والأشياء، إذ تبدو خماسية النار، وكأنها صرخة الميلاد الأولى والشهوة الأولى للكون والكائنات، ويمتد هذا الاستشراف بتنوعات متباينة إلى الميثولوجيا الفرعونية، وتتناثر في حنايا القصائد مشهدية المعابد والرموز وطقوس الكهنة وأسماء الآلهة والرموز والعلامات المصرية القديمة.. «كان بهو الروح مفتوحا على هواء منير / وخادمات المعبد ينقلن جرارا الماء من النيل / ويسكبن اللبن.. ويصنعن سلالا من الخوص لحمل الأزهار.. وأنواع الأنبذة ولحم التيوس».
ولا يبدو لي هذا الاستشراف المتنوع مجرد تجوال عابر في حقول الزمن، وإنما هو عتبة مهمة، يريد أن يصنع الشاعر من خلالها أسطورته الخاصة، ويؤكد في الوقت نفسه شكلا من أشكال الديمومة أو التلاقح بين وعي الأنا لذاتها ووعيها للزمن، وأن الإدراك المدهش لكل منهما للآخر هو محاولة للمعرفة وفتح نوافذ جديدة للحلم والذاكرة. فالأنا في كثير من النصوص تتلبس شكل الراوي المتخفي وراء حكاية ما، قد تبدو مبتورة وهشة وناقصة، أو نفضت غبارها وتحولت إلى أثر على جدار الزمن، لكنه مع ذلك ليس راويا عليما، بحسب أدبيات السرد الروائي، وإنما هو طاقة حية وطازجة لطرح الأسئلة، أسئلة الوجود الأساسية، والواقع المعيش، وكأنها لم تطرح من قبل، بل كأن لحظة التكوين تبدأ توا من النص، تتخلق في هوامشه وظلاله كجسر لعبور الروح والجسد إلى معنى الكون، وأيضًا معنى الفساد:
«وأنه قد جعل لأبدان النساءِ
وطأة الحصنِ
وخفة الهواءِ
ولمشاهدهنَّ قلق الوحش
وشفافية الزلازلِ..
وقيلَ: بل هو قنبلة الأضدادِ
تحت لسان الكونِ
حيث ترتجف العناصر في اتحادها وانفصالها
وحيث الأرض.. قفا السماء».
وفي الجزء الثاني من الأعمال الشعرية والذي يضم دواوين: «ترتيب اللحظات السعيدة» و«الكون والفساد» و«رنين الرمل» يفترق ويتقاطع هذا الهم بوشائجه الفنية والفكرية. بيد أنه يصعد وبتنامي بطاقة تحرر، تندفع أكثر إلى براح التجريب والفضاء النثري، وتنفض الذات قشرة التوازنات الشعرية الكامنة تحت قبضة وعي الشاعر، ووعي النص معا. وتبرز معادلة الكون والفساد، وكأنها محاولة لترتيب اللحظات السعيدة، أو اصطياد الأزمنة الهاربة من هواء المعادلة نفسها، بينما يبدو رنين الرمل، وكأنه صدى لصراع خفي، تبحث فيه العناصر والأشياء والكائنات وحقائق الواقع المعيش، عن معنى آخر لوجودها، معنى تتلمسه بخفة الكائن فوق سطح النص، وتتشرب دلالاته، وهي تنداح بحيوية نحو الأعماق.. وحسبما يقول: «قال له: إن الماء رائق مثل عين الديك، فاقترب بوجهه من سطح المياه، وهناك سمع فجأة أذانًا عاليا يدوي في أذنيه».
بهذه الطاقة الجديدة يدفع صلاح اللقاني قصيدته إلى أقصى درجات البوح والاختزال، أقصى درجات الشفافية والكتمان.. محولا نصه في ديوانه «رنين الرمل» الذي يختتم به أعماله الشعرية المجمعة، إلى معزوفة شعرية حية، يتضافر فيها إيقاع البصر والبصيرة، وفي شكل شعري، يعتمد على عفوية الومضات الخاطفة. وكأنها زمن خاص يجدد نفسه تلقائيا كلما تبدلت حركة النص من الأسفل إلى الأعلى أو العكس.. وكما يقول في الديوان نفسه وكأنه يستبطن مراوغة الوجود: «كأنه الظل لا يثبت على حال»، أو حين يتساءل منحازا لرقة وجمال الطبيعة «من أجل ماذا يتحمل حاجز الموج كل هذه الصفعات؟!».



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.