صلاح اللقاني مهندس ري يضبط شعرية الوجع على إيقاع محبة الحياة

قصور الثقافة أصدرت أعماله احتفاء بصوته المتميز في جيل السبعينات بمصر

صلاح اللقاني مهندس ري يضبط شعرية الوجع على إيقاع محبة الحياة
TT

صلاح اللقاني مهندس ري يضبط شعرية الوجع على إيقاع محبة الحياة

صلاح اللقاني مهندس ري يضبط شعرية الوجع على إيقاع محبة الحياة

وعي النص ووعي الشاعر، ثنائية تتقاطع وتتجاور بتراوحات شفيفة في شعر صلاح اللقاني، وتكاد تشكل مدار أسئلته وهواجسه وأحلامه ورؤاه، على مدار تجربته الشعرية التي أثمرت ستة دواوين شعرية حتى الآن، صدرت حديثا في جزأين عن هيئة قصور الثقافة بمصر.
يكشف الكتابان عن صوت اللقاني المتميز في جيل السبعينات المصري، كما تتبدى تحولات ومفاصل تجربته فكريا وشعريا في فضاء هذه الثنائية، وكيف حافظت منذ البدايات على صوتها الخاص من خلال مسافة ما بين الوعيين، لتناور من خلالها اشتباكات الداخل والخارج، وترصد كيف يفترقان ويلتقيان، ويتخلقان من رحم الشعر، وفي إطار رؤية حية، لم تزل مفتوحة بعين طفل على يقين الحياة ويقين الشعر معا، وترى الاثنين بمثابة كينونة واحدة، من دونها يصبح وجود الآخر مهددا.
قصيدة اللقاني، الذي خبر تحولات الماء من خلال عمله «مهندس ري» لا تترجم الحياة، ولا تسعى لاستعارتها أو محاكاتها، وإنما هي مهمومة أصلا بمساءلاتها، والتعاطي معها من كل الأبعاد والزوايا، بل تكاد تربت على كتفيها، وتعتذر لها عن مساوئ البشر، إنها قصيدة محبة للحياة، تحتفي بها حتى في أقصى لحظات التناقض والضعف والقوة. كما أنها ترفض أن تتحول إلى قناع لها، لأن مسرح الحياة يتجدد يوميا، وتتفاوت أدورانا فيه، لكن لا أحد يحتكر البطولة لنفسه إلى الأبد.
في الجزء الأول من أعماله الشعرية، الذي يضم دواوين «النهر القديم» و«ضل من غوى وسر من رأي» و«تاسوعات»، يبدو وعي النص ووعي الشاعر في حالة من المفارقة الدائمة، يتسع إيقاعها ويتشابك فنيا وواقعيا، في مساحة قلقة وخشنة، بين الذات والموضوع، أحيانا تصل إلى حد الترصد، والشك في الواقع نفسه. ومن ثم فالفعل الشعري هو فعل مواجهة وتحفز وإدانة، يرى يقينه في الصرخة، في فضاء النشيد والشعار والأغنية، بل في رمزية الانتظار والرجاء والأمل، وإشاعة روح الأنوثة في النص.. وكما يقول في قصيدة بعنوان «العبور»:
«أبحث يا مدينتي
عن طائر يحملني
عن خنجر يذبحني
أغنية بلا طبول.
أبحث يا مدينتي
عن طائر ينبتني
عن شاعر يهزّني
على مشارف الخروج والدخول.
أبحث يا مدينتي
في وجهك الصخري عن ملامح الجنون
لعلني أضيع فيها مرة
أو مرتين
لعلني أجن
لعلني أجيء في مواسم القبول».
بيد أن هذه الرمزية تكشف عن تنوعات فنية لافتة في هذه الدواوين الثلاثة المبكرة. تؤكد مقدرة الشاعر على تشييد عالمه بقوة، وتقليب تربته ومناخه بسلاسة وتناغم في فضاء الأعراف الشعرية التقليدية الشائعة في تلك الفترة، من سبعينات القرن الماضي، والتي شهدت موجة رائدة في الشعر المصري اصطلح على تسميتها بـ«شعراء السبعينات»، انحازت للتجريب وقيم الحداثة، واستطاعت بالمغامرة والمعرفة الواسعة أن تضخ دماء جديدة في مشهد القصيدة المصرية آنذاك.
هذا التحول يتجسد في قصائد هذه الدواوين، حتى وهي تستند على «القضية»، في مظانها العامة سياسيا واجتماعية وثقافيا وعاطفيا. فحركة الفعل الشعري تبدأ من الذاتي، من الوجع الخاص، وتنوع مساراتها على مستوى اللغة وبناء الصورة، والبنية الموسيقية العروضية في الغالب الأعم، وإيقاع المشهد وامتداداته في الداخل والخارج، وهي في هذا تحاول أن تكسر الحواجز، بين الفعل الشعري كـ«إناء» وما يحتويه، وما يجترحه من علاقات، بعضها واضح، وبعضها ملتبس، أو غامض، يكمن فيما وراء وعي النص ووعي الشاعر، واللغة والتاريخ والتراث والزمن، زمن الشعر والوقائع والأشياء.
وهكذا، يتكئ الفعل الشعري على «الأنا»، كلبنة أساس أولى، ويناور أحيانا باستخدام تقفية لها وقع دائري، ينساب بشكل صريح، أو مضمر في النص، في محاولة لخلق همزة وصل غير مرئية، تدفع النص دراميا، لبؤرة أوسع، في حواره مع الذات والواقع.. فكل شيء يبدأ من الذات، ويرتد إليها، بل إن الواقع نفسه يبدو في كثير من النصوص بمثابة صدى لحركة الذات، حتى وهي تتفتت وتعتصر الوجع.. وتتحول إلى محض ثقوب في كف الزمن والحياة.. وهو ما تشير إليه قصيدة بعنوان «الوقوف على الركبتين» يقول فيها:
«الشارع المحمول في سيارة الظهيرة
يخلعني..
كالجورب المثقوب
ثم ينحني
يلمني من بعد ما انفرطتُ وتنشطرتُ وانحصرتْ
من بعد ما بكيتْ
من بعد ما خرجتُ أو عبرتُ أو دخلتُ
من بعد ما صليتْ
يا مستطيل الضوء بددني غبارا ناعما
واجعلْ دمي
قطبا لريح الكون
أو باب لنور الشمس
أو شجرْ
ينمو على رخام ضحكتي إذا بكيتْ».
ورغم ذلك، تتخفف النصوص كثيرا من حمولتها الرمزية الثقيلة، وتصبح أقرب إلى المناجاة العاطفية، حينما تتشرب بروح الأنثى، بيد أن هذه الروح نادرا ما تخلص لذاتها، حيث تبدو غالبا، وكأنها طبقة أخرى أو عجينة في طوايا هذه الحمولة الرمزية.. «سأجيء يوما أحمل البشرى إليكِ / وأقول كان الليل أعمى والسما خرساء والقمر الصغير». أو: «هي الآن تعرف أن اسمها منحته القواميس معنى جديدا / وشكلا جديدا / فتهرب من شكلها المستعار / وتهرب من صوتها المستعار / وتهرب من حزنها المستعار / وتبحث وسط الحجارةِ عن وجهها المتفتت تحت الجدار».
وطيلة رحلته مع الشعر لا ينفصل صلاح اللقاني عن قصيدته، لكنه مع ذلك قادر على أن يمنحها عزلتها، لتتخلص من شوائب العالم والواقع والعناصر والأشياء، وتطفو فوق العقد والفواصل السميكة في الزمن والإنسان، وفي تعارضات الجسد والروح. لذلك تنفتح بقوة على الحياة والموت معا، كأنهما خطوتان في خطوة واحدة.. كأنهما مرثية لطريق لم يزل مفتوحا على المجهول.. فتبدو هذه العزلة وكأنها اللحظة التي تنصت فيها الذات لشجنها الخاص، خصوصا حين يعلو صوت الفقد والانخطاف، هنا تشف حكمة السنين الشعر معا.. فحينما يرثي الشاعر صلاح جاهين، تبدو وكأنها مرثية للطبيعة:
«هذا قرارك كلهُ
عاد التراب إلى التراب
حرّا..
نظيفا من بقايا الروح
من قصص العذاب
فابدأ على الورد ارتحالك والشجرْ
وارحل إلى طين الإناءِ
إلى بدايات المطرْ
وفي ديوانه «تاسوعات» يستشرف الميثولوجيا في شذراتها الفلسفية، كاشفا عن وجع النار، في خماسية شعرية تعلق فيها ومضات من أقانيم أفلوطين، الفيلسوف السكندري الشهير، وتتقاطع مع الموروث الشعبي والإسلامي وإيقاع البيئة المحلية. ويكشف الديوان عن خيال جامح ومقدرة على النفاذ في ما وراء العناصر والأشياء، إذ تبدو خماسية النار، وكأنها صرخة الميلاد الأولى والشهوة الأولى للكون والكائنات، ويمتد هذا الاستشراف بتنوعات متباينة إلى الميثولوجيا الفرعونية، وتتناثر في حنايا القصائد مشهدية المعابد والرموز وطقوس الكهنة وأسماء الآلهة والرموز والعلامات المصرية القديمة.. «كان بهو الروح مفتوحا على هواء منير / وخادمات المعبد ينقلن جرارا الماء من النيل / ويسكبن اللبن.. ويصنعن سلالا من الخوص لحمل الأزهار.. وأنواع الأنبذة ولحم التيوس».
ولا يبدو لي هذا الاستشراف المتنوع مجرد تجوال عابر في حقول الزمن، وإنما هو عتبة مهمة، يريد أن يصنع الشاعر من خلالها أسطورته الخاصة، ويؤكد في الوقت نفسه شكلا من أشكال الديمومة أو التلاقح بين وعي الأنا لذاتها ووعيها للزمن، وأن الإدراك المدهش لكل منهما للآخر هو محاولة للمعرفة وفتح نوافذ جديدة للحلم والذاكرة. فالأنا في كثير من النصوص تتلبس شكل الراوي المتخفي وراء حكاية ما، قد تبدو مبتورة وهشة وناقصة، أو نفضت غبارها وتحولت إلى أثر على جدار الزمن، لكنه مع ذلك ليس راويا عليما، بحسب أدبيات السرد الروائي، وإنما هو طاقة حية وطازجة لطرح الأسئلة، أسئلة الوجود الأساسية، والواقع المعيش، وكأنها لم تطرح من قبل، بل كأن لحظة التكوين تبدأ توا من النص، تتخلق في هوامشه وظلاله كجسر لعبور الروح والجسد إلى معنى الكون، وأيضًا معنى الفساد:
«وأنه قد جعل لأبدان النساءِ
وطأة الحصنِ
وخفة الهواءِ
ولمشاهدهنَّ قلق الوحش
وشفافية الزلازلِ..
وقيلَ: بل هو قنبلة الأضدادِ
تحت لسان الكونِ
حيث ترتجف العناصر في اتحادها وانفصالها
وحيث الأرض.. قفا السماء».
وفي الجزء الثاني من الأعمال الشعرية والذي يضم دواوين: «ترتيب اللحظات السعيدة» و«الكون والفساد» و«رنين الرمل» يفترق ويتقاطع هذا الهم بوشائجه الفنية والفكرية. بيد أنه يصعد وبتنامي بطاقة تحرر، تندفع أكثر إلى براح التجريب والفضاء النثري، وتنفض الذات قشرة التوازنات الشعرية الكامنة تحت قبضة وعي الشاعر، ووعي النص معا. وتبرز معادلة الكون والفساد، وكأنها محاولة لترتيب اللحظات السعيدة، أو اصطياد الأزمنة الهاربة من هواء المعادلة نفسها، بينما يبدو رنين الرمل، وكأنه صدى لصراع خفي، تبحث فيه العناصر والأشياء والكائنات وحقائق الواقع المعيش، عن معنى آخر لوجودها، معنى تتلمسه بخفة الكائن فوق سطح النص، وتتشرب دلالاته، وهي تنداح بحيوية نحو الأعماق.. وحسبما يقول: «قال له: إن الماء رائق مثل عين الديك، فاقترب بوجهه من سطح المياه، وهناك سمع فجأة أذانًا عاليا يدوي في أذنيه».
بهذه الطاقة الجديدة يدفع صلاح اللقاني قصيدته إلى أقصى درجات البوح والاختزال، أقصى درجات الشفافية والكتمان.. محولا نصه في ديوانه «رنين الرمل» الذي يختتم به أعماله الشعرية المجمعة، إلى معزوفة شعرية حية، يتضافر فيها إيقاع البصر والبصيرة، وفي شكل شعري، يعتمد على عفوية الومضات الخاطفة. وكأنها زمن خاص يجدد نفسه تلقائيا كلما تبدلت حركة النص من الأسفل إلى الأعلى أو العكس.. وكما يقول في الديوان نفسه وكأنه يستبطن مراوغة الوجود: «كأنه الظل لا يثبت على حال»، أو حين يتساءل منحازا لرقة وجمال الطبيعة «من أجل ماذا يتحمل حاجز الموج كل هذه الصفعات؟!».



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.