كتاب المهجر.. أقلام تروي سيرة الهجرة بأكثر من لغة

تشكل رافدًا أساسيًا للأدب المغربي وتعزز حضوره العالمي

كتاب المهجر.. أقلام تروي سيرة الهجرة بأكثر من لغة
TT

كتاب المهجر.. أقلام تروي سيرة الهجرة بأكثر من لغة

كتاب المهجر.. أقلام تروي سيرة الهجرة بأكثر من لغة

أثار الأدب المغربي في المهجر اهتمامًا لافتًا ومتابعة متواصلة، مشكلاً قيمة مضافة للأدب المغربي، ومؤكدًا حضوره على أكثر من صعيد، هو الذي ارتبط، في بداية الأمر، بالإقامة في بلد ولغة المستعمر، قبل أن تتعدد وتتمدد بلدان ولغات الإقامة، لتشمل مهاجر موزعة بمختلف قارات العالم، وتتنوع الأسئلة والهواجس، ليصير للمهجر معنى آخر. لذلك، يطرح كثيرون، اليوم، سؤال «هل ما زال (أدب المهجر) قادرًا على إثارة الانبهار بمبدعيه ومنجزه؟»، خصوصا بعد أن «تراجعت الأحاسيس التي كان (أدب المهجر) يثيرها في وجدان أجيال الدارسين»، و«لم تعد فكرة الهجرة تحمل الوقع نفسه»، و«تغير مفهوم الوطن والأدب المرتبط به»، ليفقد الأدب المكتوب في الخارج أهم سمتين كانتا تميزانه، وهما: الغربة والحنين، ليبقى «من غير المفهوم»، كما يرى الشاعر طه عدنان، المقيم في بلجيكا، «أن تذرف القصائد على وطن هجرتَه من تلقاء نفسك، أو أن تتباكى على البعد في الوقت الذي عملت فيه الفضائيات والإنترنت وطائرات الشارتر على تبديد هذا الإحساس».
في ظل هذه التحولات التي مست مفهوم المهجر ودلالات «الهجرة»، ستتناسل الأسئلة، بخصوص راهن الأدب المغربي في المهجر، ومن ذلك كيف تحافظ الهجرة على قيمتها كأفق للكتابة، والقيمة المضافة التي يجتهد مغاربة العالم، من الكتاب، في إضفائها على الإبداع المعاصر، وأوجه المقارنة بين إبداعات الجيل الأول ومنجز الأجيال اللاحقة. كل هذا، فيما يتم التشديد على خاصية تميز هذا الأدب، تتمثل في تنوع المنجز وتعدد الفاعلين فيه، حيث «الأدباء صنفان: من ولد وترعرع في الضفة الشمالية، ومن غادر البلاد في سياقات مختلفة بعدما درس في الوطن وناضل داخله ليجد نفسه في النهاية موزعا بين (المنافي)».
على صعيد قيمة المنجز، يجمع المتتبعون لمسيرة الأدب المغربي على أن «أدب المهجر» يشكل رافدًا ومكونا أساسيًا ضمن هذا الأدب، مع تفاوت ملحوظ عند المقارنة بين مساهمة كل جيل، وفي الكيفية التي يتم بها رصد التحول الجذري الذي طال مسألة الهجرة والكتابة، مقارنة بما كان متداولاً في سبعينات القرن الماضي، على الأقل».
يرى الشاعر محمد الصالحي أن «موضوع أدب المهجر يعيدنا، شئنا أم أبينا، إلى ما عرف، منذ عقود، بـ(الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية)، فيما نعيش، اليوم، مفارقة أن يصير الكاتب مطالبا بالعيش والإقامة خارج وطنه حتى يحمل لقب (أديب مهجري)، في حين أن (الأدب المغربي المكتوب بغير العربية)، سابقا، كان يمنح صاحبه لقب (الكاتب المغربي بالفرنسية) أو (بغير العربية) أينما كان. أما إذا كان الأمر يتعلق باستعادة مفهوم (أدب المهجر)، كما كان الأمر عند مطالع القرن العشرين، فإنه ينبغي التشديد على أن المهجريين الأوائل كانت هجرتهم شبه مفروضة، إن لم نقل مفروضة، ثم إنهم كتبوا بالعربية قبل أي لغة أخرى. ثم فرضت عليهم الفرنسية فاستعملوها للحديث عن قضايا أوطانهم وشجون ذواتهم، لهذا اعتبرها الكاتب الجزائري مولود معمري (غنيمة حرب)، فيما سيتحدث كاتب جزائري آخر، هو مالك حداد، عن مواطنه محمد ديب، قائلا إنه (أي محمد ديب) يكتب الفرنسية ولا يكتب بها».
يشدد الصالحي على أن استحضاره لمقولتي معمري وحداد، هو بغاية «تبين الفرق بين الجيل المؤسس للظاهرة ومن نسميهم الآن أدباء المهجر، حيث كان الانتباه، في البداية، مركزا على لغة واحدة، قبل أن تنضاف، اليوم، الإسبانية والهولندية والإيطالية والألمانية، وغيرها، تبعا لتعدد وتمدد المهجر». لذلك، يتساءل إن كان هناك من «مسوغ جمالي يبيح إطلاق أدب المهجر على هذا الأرخبيل من الكتابات التي لا يجمع بينها، ظاهريا، إلا أن أصحابها يقيمون خارج البلد»، قبل أن يدعو إلى «إعادة النظر في المصطلح المتعلق بأدب المهجر، خصوصا بعد أن انتقلنا من الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية إلى أدب المهجر، بمعنى أننا انتقلنا من الأداة، التي هي اللغة، باعتبارها مهجرًا، إلى المكان، باعتباره مهجرا محددا في الجغرافيا».
على مستوى قيمة المنجز، يبدو الصالحي منتصرا للجيل الأول، حيث يقول: «يبدو لي أن من نسميهم اليوم أدباء المهجر، الذين يكتبون بغير العربية منهم، يكتبون باللغات الأجنبية ولا يكتبونها، والدليل أنهم لم يمنحوا قراءهم كاتبا كبيرا من طراز كاتب ياسين أو مولود معمري أو محمد خير الدين».
من جهتها، تعتقد القاصة والروائية حنان درقاوي، المقيمة في فرنسا، أن «الكاتب المغربي الذي يعيش في المهجر يعيش حالة توتر داخلي كبير»، قبل أن تتحدث عن تجربتها الخاصة، قائلة: «أحس، من خلال تجربتي الشخصية في الهجرة، أن هناك تمزقا داخليا، فنحن هاجرنا بلدانا كانت جذورنا فيها ممتدة لنوجد في بلدان غريبة عنا من حيث القيم وتصور الإنسان وعلاقة الذات بالواقع والتاريخ والثقافة».
وترى درقاوي أن «تجربة الاجتثاث» مشتركة بين أبناء جيلها، قبل أن تمضي موضحة: «ما قرأته من كتابات المهجر يحفل بالتراجيديا، تراجيديا المنفي الذي يغادر أرضه دون أن يستطيع أن يمد عروقه في أرض بديلة»، غير أنها تعترف باستفادتها من الهجرة، وتعتقد أن غنيمتها كانت في التعرف أكثر على الثقافات العالمية، كما تشدد على أن «الهجرة، من حيث هي ارتحال في الجغرافيا والتاريخ معا، تفرز أدبا له قضاياه الخاصة»، لذلك تقول إن هناك قضايا كثيرة في المهجر تتمنى التطرق إليها، ومن ذلك أنها تكتب، حاليا، رواية «العشيق الفرنسي»، عن حب مستحيل بين فرنسي ومغربية ينتهي بمأساة تعكس التصدعات التي يحدثها اللقاء بالآخر المختلف، قبل أن تستدرك، قائلة إن «هذا التصدع هو مصدر للإبداع، فكما نتحدث عن صدمة الحداثة هناك صدمة الهجرة».
تتحسر درقاوي على مفارقة لافتة، تهم علاقة الكاتب المغربي الأصل ببلد الإقامة، قراءة وتلقيا، وانتشارا، فتقول: «الأدب العربي المكتوب يغني ثقافة البلد المستقبل، وحبذا لو كانت هناك حركة ترجمة جدية لأدب الهجرة لكي يتسنى لنا ككتاب الانتشار في البلد المستقبل. قليلة هي الأعمال العربية التي تترجم مما يحول بين القارئ الفرنسي وأعمالنا».
بصدد لغات الكتابة، يتحدث عدنان عن تجربته الشخصية، فيقول: «كل مبدع يحمل معه وطنه وذاكرته ولسانه. كلّ حسب تاريخه الشخصي وخصوصية علاقته بالوطن الأم وموطن الهجرة ولغاتهما.
أنا هاجرت عام 1996. كان عمري حينها 26 سنة. وصلتُ هنا حاملا ثقافة وفكرا ووجدانا ولغة كتابة، أيضًا. ولن تطاوعني لغةٌ كما يُمكن للضّاد أن تفعل، لذا فقد اعتمَدْتُها ناطقا رسميّا باسم الوجدان. خاصة أن اللّغة العربيّة لغة طيّعة متفتّحة ويمكنها التأقلم بسلاسة مع مفردات البيئة المختلفة. كما أنني كمواطن بلجيكي يعيش في مدينة متعددة الثقافات مثل بروكسل، أدافع عن كتابتي باللغة العربية باعتبارها لغة بروكسلية،شأنها في ذلك شأن الفرنسية والهولندية والإنجليزية وغيرها من اللغات التي توشّي فضاء العاصمة اللغوي. اللغة العربية التي أصبحت تحتل المركز الرابع، بعد اللغات الثلاث الآنفة الذكر، من مجموع اللغات المائة المتداولة في هذه العاصمة المتعددة الثقافات. لكنني أفهم تماما اختيار الروائي عيسى آيت بلعيز الكتابة بالفرنسية. إنها اللغة التي حملها معه من مغرب السبعينات، قبل سياسات التعريب والمغربة. تماما كما أتفهّم اضطرار أبناء الجيل الثاني والثالث للهجرة المغربية ببلجيكا إلى التعبير بلغات هذا البلد،إذ يمكن اعتبار اللغتين الفرنسية أو الهولندية حسب منطقة نشأتهم، جنوبًا أو شمالاً، لغة أمًّا لهم ولغة كتابة، أيضًا. رغم أن ثمرات إبداعهم تظل متشبثة بالمغرب خيالا وفضاء».
يقارن عدنان بين الوضع الراهن للمشهد الإبداعي في المهجر وبدايات الظاهرة في أواخر القرن التاسع عشر، فيشدد على أنه «لا علاقة لما يكتب اليوم بأدب المهجر الذي واكب نزوح بعض المسيحيين العرب في سوريا ولبنان أواخر القرن التاسع عشر إلى المهاجر، هربا من ظلم العثمانيين وبطشهم، ولا حتى بكتابات المنفيين الذين هربوا إلى أوروبا من جور الأنظمة الوطنية في النصف الثاني من القرن الماضي. فالكثير من أبناء جيلي هاجروا بمحض اختيارهم ولأسباب ليست سياسية على الإطلاق. لذا فهم ليسوا مهجّرين ولا منفيين. إنهم شباب أقاموا في بلدان الاستقبال الأوروبية عموما وتأقلموا معها وأبدعوا داخلها أدبا قد يكون عربيا، تماما كما يمكن اعتباره رافدا من روافد الأدب المعاصر لبلدان الاستقبال. ويمكنك بعدها أن تسميه ما شئت: أدب اغتراب أو أدب إقامة حتى».
لا ينسى عدنان أن يعطي رأيه في قيمة الإبداع المهجري في النسيج الثقافي والإبداعي بالمغرب: «أولا، ومهما تعدّدت لغات الكتابة، فالإبداع المهجري هو إبداع مغربي، أيضًا. إبداع يرصّع شجرة الأدب المغربي المتحركة ويغنيها بالموضوعات الفنية والمقترحات الجمالية. كما أنه يقرّب القارئ المغربي من عوالم الهجرة خارج الصور النمطية الجاهزة التي يروّج لها الإعلام بشكل موسمي. إنه قيمة مضافة أكيدة للأدب المغربي. كما أنه منذور للتطور تبعًا لتطور الهجرة. وأتوقع شخصيا مفاجآت أدبية في بلدان ولغات تظل غير مطروقة من طرف الكتاب المغاربة، كإيطاليا التي تعتبر الهجرة إليها حديثة نسبيا. فمن الطبيعي أن تنتج الهجرة هناك أقلام تروي سيرة هذه الهجرة بلغة إيطالية ووجدان مغربي. وتنتج أدبًا يؤكد التعددية اللغوية كقيمة مركزية في الأدب المغربي المعاصر ويوسّع من مدار الأدب المغربي ويعزز حضوره العالمي».



نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».


ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».