فيديريكو فيلليني.. الفنان الحائر بين شخصياته

شخصياته الكاريكاتيرية ما زالت تعيش بيننا

المخرج الفذ فيديريكو فيلليني أثناء تصوير «أماركورد»
المخرج الفذ فيديريكو فيلليني أثناء تصوير «أماركورد»
TT

فيديريكو فيلليني.. الفنان الحائر بين شخصياته

المخرج الفذ فيديريكو فيلليني أثناء تصوير «أماركورد»
المخرج الفذ فيديريكو فيلليني أثناء تصوير «أماركورد»

قيام مهرجان فينسيا بعرض نسخة جديدة من أحد أفضل أفلام فيديريكو فيلليني مناسبة للحديث عن مخرج ما زال اسمه مدويا حتى من بعد 22 سنة من رحيله. الفيلم المختار للعرض هو «أماركورد» أو «أتذكر»، وحمل أيضا عنوان «فيديريكو فيلليني يتذكر»، ولو أن المخرج صرّح مواربا بأن الفيلم ليس سيرته الشخصية.
في الحقيقة لم يحقق سيرة شخصية أو ذاتية لا في «أتذكر» ولا في أي فيلم آخر. استبدلها بمنظوره ورؤيته والكثير من نفسه. فيلليني لم يسرد ذكرياته أو سيرته، لكنه صنع عوالم من تلك الذكريات أكثر من مرّة. في «ثمانية ونصف» و«دولتشي فيتا» و«جنجر وفرد» و«أتذكر» من بين سواها. وحين لم يضع في فيلم تلك الشذرات الشخصية عالج أفلام ببصمته الخاصّة العصية على التقليد، وهذا شمل كل فيلم حققه من عام 1954 («لا سترادا») وحتى الأخير سنة 1990 («صوت القمر»).
ولد في مدينة ريميني الإيطالية في العشرين من يناير (كانون الثاني) سنة 1920. والده كان بائعا متجولا حلم أن يدرس ابنه القانون ويصبح محاميا. لكن فيلليني الابن كان له رأي آخر: لقد استهواه السيرك والرسم منذ الصغر وخاض الكثير من المتاهات في حياته صبيا وشابا باحثا عن هوية محددة لما يريد. في السابعة عشرة من عمره نزح إلى مدينة فلورنسا، حيث عمل رسام كوميكس في إحدى الصحف، ومنها إلى روما حيث مارس العمل نفسه، بالإضافة إلى تحرير محاضر المحاكمات كصحافي. وهناك رابط بين ولعه بالرسم الكارتوني وبين شخصياته الحية التي صورها في ما بعد على الشاشة.
عمل مع المخرج ذي النفحة الواقعية روبرتو روسيلليني في «روما مدينة مفتوحة»، عام 1954، وكان ذلك أول احتكاك له بالسينما. في سنة 1948 مثّل مشهدا من أحد جزءي فيلم «الحب» لروسيلليني وعنوان الجزء «المعجزة» كما كتبه. وبعد ذلك ببضع سنوات شارك خلالها ألبرتو لاتوادا إخراج فيلم بعنوان «أضواء المنوعات»، أخرج فيلليني أول فيلم كامل له هو «الشيخ الأبيض» الذي كان قد كتب السيناريو له ورغب المنتجون في البداية في إسناد إخراجه إلى لاتوادا أو مايكلانجلو أنطونيوني، لكن فيلليني أصر على أن يخرجه بنفسه. منذ البداية استوى فيلليني على عرش خاص به، وتميّز بأسلوب مبدع وخصائص في الشكل لم تتوافر عند أحد من رفاقه.

* قطار المهرجين
* هناك استعراض كبير للوجوه والأشخاص في كل فيلم من أفلام فيديريكو فيلليني. بعض تلك الاستعراضات تتميز بشخصيات مهذبة أقرب إلى الحياة الحاضرة (كما في «تدريبات الأوركسترا»، 1978)، لكن معظمها كناية عن شخصيات تبدو غريبة ومجنونة ومثيرة للخوف أو للضحك أو للاثنين معا.
إذ بدأ فيلليني الرسم الكارتوني يستطيع المرء سريعا وببساطة أن يجد العلاقة بين تلك الهواية الأولى التي احترفها في الصحف في ما بعد، والكيفية التي يقدم فيها نماذجه من الشخصيات، فهي أيضًا تماثل الرسومات في غرائبيتها وعدم واقعيتها. لكن الأمر في مدلولاته ليس مجرد استكمال معين لولع سابق، وليس مجرد انتقال ذلك الولع من وسط فني إلى آخر، بل هناك الكثير من الأسئلة التي تثيرها تلك الشخصيات الغريبة التي يقدمها لنا: من هم هؤلاء؟ لماذا يثقلون على كاهل فيلليني؟ كيف يستطيع أن يلتقط معانيهم؟ أين يجدهم وماذا يريد منهم؟
في «فيلليني: مفكرة مخرج» (كتاب حكى فيه عن ذاته) يقول حول شخصياته:
«نعم، أعلم أن الأمر يبدو مشينا وقاسيا، لكني كثير الإعجاب بكل هذه الشخصيات التي تطاردني. تتبعني من فيلم إلى آخر. كلها شخصيات مجنونة إلى حد. تقول إنها بحاجة إليّ، لكن الحقيقة أنني بحاجة إليها أكثر. إن قيم شخصياتي الإنسانية كثيرة، وفيرة، كوميدية وأحيانا مشوقة».
إذن هناك علاقة وطيدة بين فيلليني وتلك الشخصيات «المجنونة قليلا» التي يقدمها. هناك، كما يمكن أن نستنتج ليس من هذا الحديث فقط بل أساسا من أفلامه، شغف كبير بها: الفتى السمين، المرأة القبيحة، الأنثى اللعوب، الفنان أو المثقف الباحث عن هويته، الأزواج المحبطين، الأقزام، ذوي الوجوه النحيفة، ذوي العيون البارزة، وكل شكل يمكن لك أن تتخيله.
هذا جلي في «ساتيركون»، «روما»، «السفينة تبحر»، «كازانوفا»، أو «مدينة النساء» وسواها حيث تقطع الكاميرا على تلك الشخصيات الكارتونية شكلا في لقطات كثيرة. أحيانا في مشاهد طويلة وهم كثيرا ما يتطلعون إلى الكاميرا في حديث مباشر غالبا ما ينتهي بضحكة. هم - شكلا على الأقل - مهرجون يتجاوزون العدسة وينظرون إليك بالعين كما لو كنت حاضرا. وحضورك مزدوج: على الكرسي الذي جلست عليه لتتفرج، ومن خلال الشخصية «العاقلة» الوحيدة التي تمر بين كل هؤلاء. هذه الشخصية قد تكون فتى ساذجا يبحث عن حياة أفضل من تلك المحيطة به (ساتيركون) أو رجلا عاديا كان يحلم في قطار (مدينة النساء) أو صحافيا على ظهر سفينة (والسفينة أبحرت).

* كاريكاتيرية فقط
* هذا الحضور الثاني غالبا ما هو الحضور البريء وسط هذا الجمع من الشخصيات ذات الوجوه المطلية الغريبة أو الأجساد غير الطبيعية.. إنما غير المشوهة. وبعض هذا الحضور هو وجود فيلليني نفسه في نهاية المطاف، فإذا كان يلاحق شخصياته ويصورها باهتمام عاكسا شغفه التام بها فإنه من الطبيعي أن تكون بعض تلك الشخصيات البريئة التي تدور في الوسط هي تلك التي تعبر عنه، ونحن الذين لا نعلم الكثير عن حياته الأولى (بقيت غامضة في الكثير من أجزائها) يمكن لنا أن نتلقف شيئا عن ماضيه من خلال مراقبتنا لبعض علاقاته بتلك الشخصيات خاصة لناحية تصويره للمرأة في معظم أفلامه ووضعها في أنماط «كاريكاتيرية» متعددة اضطر في النهاية إلى أن يجمعها معا ويضعها في «مدينة النساء» بحيث صارت لدينا نماذج وأنماط المرأة الفاتنة، المرأة القوية، المرأة ذات الحاجات الجنسية النهمة وكثيرات أخريات معظمهن يعكسن شعورا داخليا لدى بطل فيلليني أو فيلليني نفسه بالخوف منهن.
لكن كما لاحظ الناقد ديفيد تومسون في كتابه «القاموس النقدي للسينما»، تخلو أفلام فيلليني من بناء الشخصيات. بكلمات ذلك الناقد أن فيلليني ليس لديه شخصيات بالمعنى الدرامي الكامل أو التجسيدي. يقول إنها «ليست شخصيات بل كاريكاتير فقط». في هذا نصيب كبير من الصحة. وأتساءل بدوري إذا ما كان فيلليني قادرا على أن يبتدع شخصية حقيقية ما. بالتالي أن يجسد شخصا له أبعاد أفراد فرانشيسكو روزي أو مايكلانجلو أنطونيوني. لكن إذا ما كان فيلليني قادرا على أن يفعل ذلك فإنه قادر - بطبيعة الحال – على أن يسرد حكاية الفيلم بطريقة عادية أو مألوفة، وهو ما لم يفعله إلا في حالات نادرة ومبكرة في حياته الفنية (الشيخ الأبيض).
يبقى أن رسوماته - شخصياته ما زالت تحمل في ثناياها الكوميديا الخفية. أحيانا السخرية أو ذلك اللون منها الذي أتقنه المخرجون الإيطاليون أكثر من غيرهم. وهذا ما يساعد على اعتبار نماذجه المتعددة مجموعة من المهرجين احتشدوا في قطار كل عربة منه تحكي قصة مختلفة.



أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
TT

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء. وكان يفتح الدُّرج الأول لبيع أقسام من الشركة وأملاكها في يوم، ويستردها في يوم آخر، ويقبض نسبته من العقود في كلتا الحالتين.

هذا الوضع يبدو اليوم أقل أهمية مما كان عليه آنذاك، وما انكشف عنه يومها من فضيحة لم يؤذِ أحداً، وغلَّفه التاريخ بالنسيان. وبالمقارنة مع ما يحدث في «هوليوود» اليوم من عمليات شراء بين المؤسسات وعمليات دمج يصعب تتبّعها، تبدو عمليات الأمس طبيعية؛ لأنها لم تقع في فخاخ الأوضاع الاقتصادية المتعثرة التي سادت خلال السنوات العشر الأخيرة.

رؤوس متعددة

قبل 3 أيام، رفعت شركة «باراماونت» السعر الذي عرضته للاستحواذ على شركة «وورنر»، التي كانت على وشك الموافقة النهائية على عرض قدَّمته «نتفليكس» في الشهر الأخير من العام الماضي. وما إن علمت «باراماونت» أن «وورنر برذرز» تدرس جدياً عرض «نتفليكس»، حتى عرضت شراءها بمبلغ تجاوز 100 مليار دولار، مقابل مبلغ 87.2 مليار دولار عرضته منصة «نتفليكس».

السعر الجديد الذي تُواجِهُ به «باراماونت» تردّدَ «وورنر» في القبول هو الآن 108 مليارات و500 مليون دولار.

«معركة بعد أخرى» أحد أهم نجاحات «وورنر» الأخيرة (وورنر)

الأهداف هنا متعددة؛ فمن ناحية، يحتوي أرشيف «وورنر» آلاف الأفلام التي أنتجتها الشركة، أو أنتجتها شركة «نيولاين سينما» التابعة لها. ومن ناحية أخرى، ستؤدي عملية الشراء إلى تعزيز حجم شركة «باراماونت»، التي تمتلك بدورها أرشيفاً ضخماً من الأفلام. كذلك تسعى «باراماونت» إلى تحسين وضعها بعدما سجَّلت في نهاية العام الماضي أضعف دخل لها، وحلَّت خامسة بين الاستوديوهات السينمائية الخمسة الكبرى («ديزني»، و«وورنر»، و«يونيڤرسال»، و«سوني»، و«باراماونت»)، إذ بلغت عائدات أفلامها ملياراً و419 مليون دولار، بفارق 5 مليارات و161 مليون دولار عن الشركة التي حلّت في المرتبة الأولى؛ «ديزني».

ما تبحث عنه «باراماونت» أيضاً هو ضم إدارة أعلى فاعلية حققت نجاحات تجارية ملحوظة في الأشهر الأخيرة من خلال إنتاج فيلمي «معركة بعد أخرى» و«خاطئون». يضاف إلى ذلك امتلاك «وورنر» حقوق إنتاج أفلام مؤسسة «دي سي (DC)» للكوميكس، التي تضم شخصيتي «سوبرمان» و«باتمان»، وتستعد لإطلاق نسخة جديدة من «سوبرغيرل».

وكان أنجح أفلام «باراماونت» في العام الماضي «مهمة: مستحيلة: الحساب الأخير (Mission: Impossible - The Final Reckoning)»؛ إذ سجّل 598 مليون دولار عالمياً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق ربح؛ لأن تكلفة إنتاجه بلغت 400 مليون دولار.

من يد إلى يد

تاريخ «هوليوود»، خصوصاً استوديوهاتها الكبرى، مليء بعمليات الاستحواذ مقابل مبالغ خيالية. فشركة «مترو» نفسها بيعت لـ«أمازون» العام الماضي بـ8 مليارات و500 مليون دولار، وأصبح اسمها الآن «أمازون م.ج.م».

وعبر هذا التاريخ شهدنا عقوداً عدَّة، منها شراء شركة «سوني» اليابانية العملاقة في عام 1990 «كولومبيا» وشريكتيها «تراي - ستار» و«سكرين غمز (Gems)». ولم تكن «كولومبيا» الأولى ولا الأخيرة؛ فمنذ الثلاثينات تم شراء ودمج وبيع كثير من الشركات، توقف كثير منها لاحقاً (مثل «آر كي أو» و«ريبابلك»)، لتبقى المؤسسات السبع الكبرى المعروفة: «كولومبيا»، و«م.ج.م»، و«يونيڤرسال»، و«باراماونت»، و«وورنر»، و«ولت ديزني»، و«فوكس».

لكن هذا التاريخ لم يشهد عقداً بحجم العرض الذي قدَّمته «باراماونت» مؤخراً لشراء «وورنر». فمبلغ 108 مليارات و500 مليون دولار هو سعر مرتفع، ويتضمّن 7 مليارات دولار لتغطية أي تأخير في تنفيذ الصفقة، إضافة إلى رفع قيمة السهم الواحد إلى 31 دولاراً، مع ضمان عدم انخفاض هذا المبلغ تحت أي ظرف.

الأكبر إغراءً أن المبلغ سيُدفع نقداً، وليس عبر ودائع أو تحويلات مصرفية. وفي المقابل، تحصل «باراماونت» على الشركة وقنواتها التلفزيونية (بما فيها «سي إن إن - CNN») ومنصاتها الخاصة. وكانت «وورنر» تميل إلى قبول عرض «نتفليكس» عندما رفعت الأخيرة عرضها إلى 72.2 مليار دولار، لكنها تنظر الآن بعين التقدير إلى العرض الجديد، في حين لا يبدو أن «نتفليكس» ترغب في تجاوز هذا الرقم الخيالي بعرض منافس.

عين «باراماونت» على «سوبرمان» (وورنر)

أفلام ناجحة ولكن...

السؤال الأبرز هو: لماذا تعرض «وورنر» نفسها للبيع على الرغم مما حققته في العامين الماضيين من نتائج تجارية جيدة عبر أفلام مثل «سوبرمان»، و«معركة بعد أخرى»، و«خاطئون»؟

سؤال وجيه لأكثر من سبب؛ منها احتلال الشركة المركز الثاني تجارياً بين شركات «هوليوود»، إذ بلغت عائداتها مع نهاية العام الماضي 4 مليارات و379 مليون دولار، مقابل 6 مليارات و580 مليون دولار لـ«ديزني».

وتكشف صحيفة «لوس أنجليس تايمز» عن أن أحد أهم الأسباب يعود إلى بضع عمليات اندماج نفذتها الشركة خلال السنوات الماضية؛ مما حمَّلها أعباءً مالية كبيرة، بعدما جاءت النتائج دون التوقعات. ومن بين هذه العمليات شراء مؤسسة «تايم» الإعلامية عام 1990، والأسوأ منها شراء شركة «إيه أو إل (AOL)» عام 2001، وهي صفقة وُصفت بأنها من أسوأ عمليات الدمج في تاريخ «هوليوود».

كما استحوذت «وورنر» على محطات غير ربحية مثل «تي إن تي (TNT)»، و«تي بي إس (TBS)»، و«تي سي إم (TCM)». وفي عام 2016 اشترت الشركة العملاقة «إيه تي آند تي (AT&T)» شركة «وورنر»، لكن ذلك لم يحل الأزمة، إذ لا تزال الشركة تعاني من ديون تبلغ 53 مليار دولار منذ عام 2022.

وعند إضافة هذه العمليات الخاسرة والديون المتراكمة إلى حقيقة أن «هوليوود» بأسرها تمرُّ بأزمة سببها منافسة المنصات الكبرى («أمازون»، و«نتفليكس»، و«أبل»)، التي تمارس ضغوطاً متصاعدة على استوديوهات «هوليوود» التقليدية، (كما حدث عندما اشترت «أمازون» «م.ج.م»)، ومع غياب خطة فعلية لمواجهة هذه المنصات التي استحوذت على نحو 50 في المائة من جمهور السينما، يصبح السبب النهائي واضحاً: تخلُّص «وورنر» من أعبائها عبر بيع أصولها لمن يرغب.


شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
TT

شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)

SENTIMENTAL VALUE

★★★

إخراج:‫ يواكيم تراير‬

النرويج - ألمانيا - الدنمارك (2025)

دراما عائلية مرشّحة لأكثر من جائزة «أوسكار»

قرب مطلع الفيلم، تنتفض «نورا» (رينايت راينسڤ) خائفة. تُصاب، وهي على بُعد دقائق من الظهور أمام الجمهور، بما يُعرف بـ«الخوف من الخشبة». تحاول تمزيق ردائها الذي ستظهر به قبل أن يردعها المحيطون بها. تبدو كأنها استسلمت وبدأت تستعد لصعود المسرح، لكنها فجأة تركض بشكل هستيري نحو باب الخروج هاربة. يلحق بها الجميع ويدفعونها إلى المسرح قسراً. تترصَّدها الكاميرا لتسجِّل حالتها وقد أدركت أن عليها مواجهة الجمهور المنتظر. وما إن تفعل ذلك، حتى تستعيد ثباتها وتقدّم عرضاً ناجحاً، يكتفي المخرج يواكيم تراير بعرض نموذج قصير منه، يعقبه تصفيق حادٌّ من الجمهور.

إنها بداية موفّقة للتعريف بالممثلة داخل الفيلم، وكذلك بأسلوب المخرج تراير المتمكِّن في سرد الحكاية بالحيوية المطلوبة. لكن العلاقة بين هذه المقدِّمة وما يليها تبقى في حدود التعريف؛ إذ يتحوَّل المشهد إلى تمهيد للدخول في عالم فني متكامل تتطور حكايته مباشرة بعد ذلك.

«نورا» ممثلة ناجحة، لكن حياتها الخاصة مضطربة. لديها شقيقة أصغر (إنغا إبسدوتر) متزوجة، وعلاقة الشقيقتين بوالدهما «غوستاف» (ستيلان سكارسغارد) تبدو كوترٍ مشدود يكاد ينقطع. يتضح ذلك حين يصارح الأب «نورا» برغبته في أن تؤدي الدور الرئيسي في فيلمه المقبل: «كتبت السيناريو وأنت في البال». لكنها ترفض، مذكِّرة إياه بأنه لم يتابع مسيرتها المهنية، وأنه غاب طويلاً قبل أن يعود الآن بدافع حاجته إليها فقط. يؤكد لها أن الأمر ليس كذلك، لكنها تُصرُّ على الرفض، فيلجأ إلى ممثلة أخرى؛ مما يجعل علاقته بابنته أعلى حدَّة وتوتراً.

هذه هي عتبة الفيلم نحو وضع أعلى سخونة. فالفيلم الذي يود «غوستاف» العودة به إلى السينما بعد انقطاع طويل مبني على قصة حياته منذ شبابه، لا سيما حادثة انتحار والدته. وهذا ما يزيد التوتر؛ لأن الشقيقتين تريان عودتَه بعد غياب طويل عنهما نابعةً من مصلحة شخصية.

الحكاية ليست العنصر الجاذب الأول؛ فهي حبكة جيدة لكنها محدودة التأثير في حد ذاتها. يمنح الفيلم مشاهديه موقع المتابعة وليس المشاركة؛ لأن المسائل العاطفية المطروحة ليست جديدة ولا حاسمة تماماً. ما يمنح الفيلم قيمته الفعلية هو الأداء التمثيلي الجماعي، إضافة إلى قدرة المخرج على توظيف الكاميرا والصوت لالتقاط تفاصيل المشاهد بقوة.

WOLFRAM

★★★

إخراج:‫ وورويك ثورنتون‬

أستراليا (2026)

من أفلام «مسابقة برلين» وأحد الأعمال الجديرة بالاهتمام

هو نوع من أفلام الويسترن الأسترالي؛ نظراً إلى طبيعة المكان والأجواء، لكن مع رسالة واضحة وتنفيذ جيد إلى حدٍّ مقبول. تدور أحداثه في ثلاثينات القرن الماضي فوق أرض صحراوية قاحلة، مع ما يلزم من شخصيات طيبة وأخرى شريرة. خلال تلك الفترة شهدت المناطق الأسترالية البعيدة تنافساً على استخراج حجر التنغستن (الاسم الآخر: وولفرام)، الذي يُقال إنه نافس الذهب في قيمته. شريران يسعيان إلى اكتشافه طمعاً في ثروة كبيرة، لكن أسلوبهما يبدأ خشناً وينتهي عنيفاً، فيما يكون الضحايا غالباً من السكان الأصليين لأستراليا.

«وولفرام» (دارك ماتر دستربيوشن»)

في الوقت نفسه، تبحث أمٌّ من السكان الأصليين (ديبرا مايلمن) عن ولديها اللذين اختفيا، كما اختفى غيرهما من أطفال السكان الأصليين. فقد خُطِف هؤلاء لتشغيلهم في المناجم دون أجر، حيث تصبح حياتهم رهينة الاستغلال، ويمكن التخلّص منهم بالقتل في أي وقت. نتعرَّف إلى الولدين وهما يعملان في منجم يديره رجل قاسٍ. ومع وصول الشريرين إلى المكان، ينقلب حال صاحب المنجم بعدما يدرك أنه أمام منافسة شرسة.

غاية الفيلم نبيلة؛ إذ يسلِّط الضوء على معاناة السكان الأصليين في أستراليا واستغلالهم على يد البيض بوصفهم عبيداً قبل التخلّص منهم. وكان وورويك ثورنتون قد قدَّم قبل 8 سنوات فيلماً آخر عن هذا الشعب المقهور بعنوان «سويت كنتري (Sweet Country)»، في ما يبدو أنه الجزء الأول من ثلاثية قد تكتمل مستقبلاً بالانتقال إلى أربعينات أو خمسينات القرن الماضي.

جماليات الفيلم لافتة، وملتقطة بعناية، ويلعب المكان وألوان الطبيعة دوراً مهماً في ترسيخ القسوة التي يتحدث عنها العمل.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.