هل بمقدور القراصنة إسقاط إحدى المدن إلكترونيًا؟

باحثون أميركيون يحذرون من احتمالات التسلل إلى شبكات الطاقة والنقل

هل بمقدور القراصنة إسقاط إحدى المدن إلكترونيًا؟
TT

هل بمقدور القراصنة إسقاط إحدى المدن إلكترونيًا؟

هل بمقدور القراصنة إسقاط إحدى المدن إلكترونيًا؟

أولا ينقطع التيار الكهربائي.. والسبب في ذلك غير واضح، ولكن يبدأ ازدحام السيارات في الشوارع مع توقف إشارات المرور عن العمل. ثم يبدو أن شيئا مجنونا يحدث في خطوط مترو الأنفاق أيضا.. لا يستطيع أحد الذهاب إلى العمل. وإذا تمكنوا من الذهاب، فماذا يفعلون؟ فلقد تعرضت المدينة لهجوم إلكتروني، سبب الشلل في كل شيء.
بطبيعة الحال، لم يحدث ذلك حتى الآن. وتبدو فكرة أن يتمكن القراصنة والمتسللون من إسقاط إحدى المدن بالنسبة للكثير من الناس مجرد حبكة سينمائية سخيفة. ولكن الفكرة قد لا تحمل من الجنون القدر الذي تبدو عليه، وفقا لرأي خبراء الأمن الذين يقولون إن زيادة اعتماد المدن على التكنولوجيا والطرق العشوائية التي تتواصل بها تلك النظم مع بعضها في بعض الأحيان قد يعرضها لخطر أحد الأشخاص الساعين لإحداث الفوضى.

مدن إلكترونية

تعتمد المدن الآن على الكومبيوترات مثلها مثل كافة دول العالم. ولكن النظم العاملة على إدارة أكثر النظم حساسية قد يوجد بها بعض الثغرات الأمنية. وفي حين أن الخطر من وقوع الهجوم الإلكتروني الفعلي ليس وشيكًا، فإن ذلك التهديد يحوم في الأفق من زاوية نظر الباحثين المختصين في الأمن الإلكتروني الذين يحذرون من أن الحكومات المحلية ليست مستعدة لمواجهة مثل تلك التهديدات.
يقول ديفيد ريموند، نائب مدير مختبر فيرجينيا للأمن التكنولوجي «إن الهجوم المحتمل الذي تواجهه إحدى المدن كبير جدا. والمسارات الرقمية بين كل الكيانات والمنظمات في المدينة لا تدار بشكل جيد في أغلب الأحيان. وفي كثير من الحالات، لا توجد هناك هياكل أمنية شاملة أو حتى إدراك كلي لما تبدو عليه المدينة من الناحية التكنولوجية».

مواطن ضعف

وقد اكتشف الباحثون مؤخرا مواطن ضعف كثيرة تتعلق بالتكنولوجيا الجديدة المستخدمة في الكثير من المدن.
خلال العام الماضي، وجد الباحثون أن نظام المراقبة المرورية المستخدم في عشرات المدن الأميركية، ومن بينها واشنطن العاصمة، قد يسمح للمتسللين والقراصنة الخبثاء بتزوير بيانات المرور والتلاعب بإشارات المرور في الشوارع. ويقول المسؤولون في واشنطن إن المدينة تراجع الحالة الأمنية للمستشعرات المرورية فيها. وقبل عدة أعوام، أقر اثنان من مهندسي المرور في واشنطن بالذنب حيال اختراق نظام المرور بالمدينة وإبطاء حركة المرور في التقاطعات الرئيسية وذلك لدعم الاحتجاجات العمالية.
في عام 2008، نشرت صحيفة «التليغراف» أن الشرطة البولندية تعتقد أن مراهقا يبلغ 14 عاما فقط هو المسؤول عن انحراف عربة الترام عن مسارها مما أدى إلى إصابة 12 مواطنا بجروح، وهي الحادثة التي تسبب فيها باستخدام جهاز للتحكم التلفزيوني تم تعديله للسيطرة على التوجيه والإشارات في نظام الترام. ويقول ريموند: «لا أحد يفكر في الآثار الأمنية المترتبة».
وتعتبر نظم النقل من نقاط الضغط الرئيسية في المدن والأماكن حيث يمكن للتكنولوجيا، المؤمنة جيدا بخلاف ذلك، أن تتقاطع بصور تجعلها عرضة للهجمات المتعمدة التي يمكن أن تتوالى عبر مختلف أنحاء المدينة، وذلك وفقا لريموند وأحد الباحثين البارزين يدعى غريغوري كونتي، أستاذ الأمن الإلكتروني في كلية ويست بوينت الحربية الأميركية، وتوم كروس، رئيس قسم التكنولوجيا في شركة دروبريدج للأمن الإلكتروني. تقدم ريموند وكونتي وكروس بأبحاثهم في مؤتمر بلاك هات يو إس إيه للأمن الإلكتروني في لاس فيغاس في الشهر الماضي.
يقول كروس: «يهتم كل شخص بمكانه ويحاول الدفاع عن إدارته أو وكالته فحسب – وبدرجات متفاوتة من النجاح – ولكنهم لا يولون أهمية كافية للعلاقات الرابطة بين قطعتهم الخاصة من البازل وقطع أناس آخرين».
وفي بعض الحالات، لم تكن النظم الصناعية القديمة مصممة لأن تعمل عبر الإنترنت وبالتالي فهي تحاول الآن شق طريقها إلى ذلك. والباحثون الذين يستخدمون (شودان Shodan)، محرك البحث المستخدم في تحديد الأنظمة المتصلة بالإنترنت، اكتشفوا بشكل روتيني إشارات المرور، ومرافق معالجة المياه، وحتى نظم التحكم في محطات الكهرباء على الإنترنت.

ثغرات أمنية

هذا الصيف، يقول الباحثون إنهم عثروا على ثغرات أمنية يمكن استخدامها لإغلاق محطة للطاقة النووية. وشملت الثغرات الأمنية مفاتيح شبكات إيثرنت المستخدمة في البيئات الصناعية، وفقا للباحثين كولين كاسيدي، وروبرت لي، وايريان ليفريت، الذين كانوا حاضرين في مؤتمر بلاك هات يو إس إيه للأمن الإلكتروني في لاس فيغاس. وكشف الباحثون عن تلك المشكلات إلى مصممي النظم وقالوا إن الإصلاحات قيد العمل. ولكنهم يشعرون بالقلق من أن عملية الإصلاح البطيئة لتلك النوعية من القضايا قد تترك بعض الأنظمة المتضررة عرضة للثغرات الأمنية لعدة سنوات.
حتى مجرد العثور على ذلك النوع من المشكلات يمكن أن يكون صعبا، إذ إن الوصول إلى محطات الطاقة ومرافق المياه من الصعوبة بمكان. وتلك الأنواع من المرافق الصناعية ليست من الأهداف التقليدية للمجرمين الإلكترونيين الذين تحركهم الدوافع المالية، ولذلك من غير المرجح للباحثين البحث عن المشكلات المحتملة هناك، كما يقول كروس. ولكن الدولة القومية أو القراصنة من ذوي الدوافع السياسية قد يهتمون بتلك الأنواع من المنشآت الصناعية في المستقبل، كما قال كروس أيضا.
ومما يزيد من سوء الأوضاع أن القراصنة والمتسللين يزدادون قوة بمرور الوقت. حيث يقول كونتي: «إن مستوى تقدم وتعقيد المهاجمين يزداد في جميع المجالات».

برمجيات خبيثة

والبرمجيات الخبيثة المتطورة التي لا يتم الوصول إليها الآن إلا من قبل الوكالات الحكومية ينتهي بها الحال في أيدي المجرمين الإلكترونيين وقد تستخدم في أحد الأيام من جانب أحد الأشخاص الذي يهدف إلى إحداث دمار، كما يقول الباحثون.
في ذات الوقت، فإن المدن التي يساورها القلق بشأن مخاطر الأمن الإلكتروني تحاول في أغلب الأحيان جذب الخبرات المناسبة وتعمل على تأمين الموارد الكافية للتعامل مع هذه القضايا وعلى المدى الطويل، كما يقول الباحثون، حيث يتابع كونتي قائلا: «قد يُتاح لأحد الزعماء السياسيين الفرصة التعليمية لكي يعرف المزيد حول الأمن الإلكتروني – أو وقوع حادثة ما تعمل على إيقاظهم – ولكن يتعين على الزعيم التالي له أن يعيد التعلم من ذلك».
يقول كروس: «إن منهج إدارة المخاطر الذي تطبقه المدن على الأنماط التقليدية من الهجمات ينبغي استخدامها كذلك في المجال الرقمي. فلم يتمكن أحد المجرمين الإلكترونيين من إيقاف قدرات إحدى المدن على العمل بعد، ولكن ذلك لا يعني أنه لن يحدث. إنه حس زائف بالأمن».
لا يمكن إقناع الجميع بأن المدن تواجه أزمة في الأمن الإلكتروني حتى الآن: يقول جيمس لويس الزميل البارز، الذي تتركز أبحاثه حول الأمن الإلكتروني لدى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إنه من المرجح للمدن أن تكون هدفا للمتسللين في المستقبل القريب، وليست الهجمات الإلكترونية الهادفة إلى إحداث ضرر عالمي حقيقي. ويتابع قائلا: «كان هناك قدر هائل من الزيادة في التعرض للثغرات الأمنية، ولكن ذلك لا يُترجم إلى زيادة في المخاطر الحقيقية».
ولكن المتسللين الذي يهاجمون إشارات المرور للتحذير من كارثة وهمية (كما حدث قبلا) ليسوا هم الشغل الشاغل للباحثين الآن. ولا يكمن التهديد الحقيقي ببساطة في ذلك الشخص الذي يشن هجوما إلكترونيا ضد مدينة من المدن، كما يقول ريموند، ولكن في ذلك الهجوم المصمم لإحداث أكبر قدر ممكن من الضرر. «إن أسوأ سيناريو هو ذلك الشخص الذي يتمتع ببعد نظر في التخطيط لهجماته».



«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
TT

«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)

بعد ساعات من انتهاء المهلة المحددة لسداد غرامة بالملايين فرضها الاتحاد الأوروبي، قدّمت منصة «إكس»، المملوكة للملياردير إيلون ماسك، إلى المفوضية الأوروبية تصوراً لتعديلات جوهرية على المنصة.

وأكد مسؤول إعلامي باسم الهيئة المنظمة، ومقرها بروكسل، الجمعة، أن المقترحات المقدمة من المنصة تركز بالأساس على تطوير آليات توثيق الحسابات عبر علامات التحقق (الشارات الزرقاء)، بهدف تعزيز الشفافية ومكافحة التضليل.

ولم يكشف المسؤول عن أي تفاصيل، لكنه أشار إلى أنها خطوة في الاتجاه الصحيح، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي: «لا يسعنا إلا أن نثمن أنه بعد حوار بناء مع الشركة، أخذت التزاماتها القانونية على محمل الجد وقدمت لنا مقترحات عملية».

يذكر أن المفوضية الأوروبية كانت قد فرضت على المنصة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، غرامة قدرها 120 مليون يورو (137.7 مليون دولار) استناداً إلى قانون الخدمات الرقمية، وذلك على خلفية ما وصفته بـ«الافتقار إلى الشفافية» في طريقة توثيق الحسابات باستخدام علامة بيضاء على خلفية زرقاء، والتي عدّتها مضللة.

وجاء إجراء الاتحاد الأوروبي ضد «إكس» عقب تحقيق استمر نحو عامين بموجب قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي، الذي يُلزم المنصات الإلكترونية ببذل مزيد من الجهود لمكافحة المحتوى غير القانوني والضار.

وفي يوليو (تموز) 2024، اتهمت المفوضية الأوروبية «إكس» بتضليل المستخدمين، مشيرة إلى أن علامة التوثيق الزرقاء لا تتوافق مع الممارسات المتبعة في هذا المجال، وأن أي شخص يستطيع الدفع للحصول على حالة «موثق».


إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
TT

إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)

أشادت «قمة مونتغمري 2026» العالمية بجهود منظمة التعاون الرقمي، التي باتت منصة دولية ذات مصداقية تهدف إلى سدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية لخدمة الإنسان.

وتجمع القمة نخبة من رواد الأعمال والمستثمرين وصنّاع السياسات وقادة القطاع التقني من مختلف أنحاء العالم لمناقشة التوجهات الناشئة التي تسهم في تشكيل مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأكدت ديمة اليحيى، الأمين العام للمنظمة، خلال مشاركته في القمة عبر الاتصال المرئي، أن «التعاون الرقمي ليس شعارات بل إنجازات على أرض الواقع»، منوهة بأن «أفضل ما في الدبلوماسية التقنية لم يأتِ بعد، والمزيد من دول العالم تختار هذا المسار يوماً بعد يوم لتحقيق طموحات شعوبها باقتصاد رقمي مزدهر يشمل الجميع».

وأضافت اليحيى أن «المنظمة أصبحت تضم اليوم 16 دولة و800 مليون إنسان، ومجتمعاً متنامياً؛ بفضل رؤية الدول الأعضاء، والتزامها وتفاني الأمانة العامة، وثقة شركائها في القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني».

إلى ذلك، تُوِّجت الأمين العام للمنظمة، خلال حفل أقيم ضمن أعمال القمة، بـ«جائزة الدبلوماسية التقنية»، التي تُمنح لتكريم القادة العالميين الذين يسهمون في تعزيز التعاون الدولي بمجال التقنية والابتكار الرقمي، بوصفها أول شخصية عربية وسعودية تحصدها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء السعودية».

من جهته، أفاد جيمس مونتغمري، مؤسس القمة، بأن اليحيى «أثبتت أن التعاون المتعدد الأطراف في القضايا الرقمية ليس ممكناً فحسب، بل هو ضرورة لا غنى عنها»، مشيراً إلى أنها «أرست نموذجاً جديداً لكيفية تعاون الدول في مجال السياسات التقنية».

بدوره، اعتبر مارتن راوخباور، مؤسس «شبكة الدبلوماسية التقنية»، أن المنظمة «باتت منصة عالمية ذات مصداقية تجمع الحكومات والقطاع الخاص لسدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية، وضمان أن يخدم التقدّم التقني الإنسان بدلاً من أن يتركه خلفه».

ولفت راوخباور إلى أن «التعاون التقني الدولي الفعّال ممكنٌ وملحّ في آن واحد، وهذا المزيج بين الرؤية والتنفيذ والحسّ الدبلوماسي هو تحديداً ما أُنشئت جائزة الدبلوماسية التقنية للاحتفاء به».

وحقّقت منظمة التعاون الرقمي، التي تتخذ من الرياض مقراً لها، تقدّماً كبيراً منذ تأسيسها في عام 2020، لتكون أول منظمة دولية متعددة الأطراف مكرّسة لتمكين اقتصادات رقمية شاملة ومستدامة وموثوقة من خلال التعاون الدولي.

وتضم المنظمة اليوم 16 دولة تمثل أكثر من 800 مليون نسمة وناتجاً محلياً إجمالياً يتجاوز 3.5 تريليون دولار، تعمل معاً لفتح آفاق جديدة في الاقتصاد الرقمي. وشهدت نمواً ملحوظاً وحضوراً دولياً متزايداً، حيث تضاعفت عضويتها 3 مرات منذ تأسيسها من 5 دول مؤسسة، ووسّعت فئة المراقبين والشركاء لديها لتتجاوز 60 مراقباً وشريكاً.

كما حصلت على اعتراف رسمي ضمن منظومة الأمم المتحدة، ما يُعزِّز دورها منصة عالمية لتعزيز التعاون الرقمي، علاوةً على مبادراتها وشراكاتها في هذا الصدد، وجمع الوزراء وصنّاع السياسات ورواد الأعمال والمنظمات الدولية لتعزيز الحوار والتعاون العالمي حول الاقتصاد الرقمي.


الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
TT

الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)

مع التصعيد المتسارع على عدة جبهات في الشرق الأوسط، تتدفق المعلومات بسرعة تكاد توازي سرعة الأحداث نفسها. وغالباً ما تكون منصات التواصل الاجتماعي أول مكان تظهر فيه الصور ومقاطع الفيديو والتقارير عن هجمات مزعومة أو تطورات عسكرية. لكن بالتوازي مع المعلومات الحقيقية، بدأت أيضاً موجة من المحتوى المضلل أو المفبرك تنتشر على الإنترنت، ما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف أكثر صعوبة.

تحدٍّ رقمي متزايد

في هذا السياق، يحذر خبراء الأمن السيبراني من أن الانتشار السريع للمعلومات المضللة، لا سيما عبر مقاطع الفيديو المعدلة وتقنيات التزييف العميق (Deepfakes)، أصبح تحدياً رقمياً متزايداً خلال فترات عدم الاستقرار الجيوسياسي.

ويؤكد ماهر يمّوت الباحث الرئيسي في الأمن لدى شركة «كاسبرسكي» خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، أن التمييز بين المعلومات الموثوقة والروايات الزائفة يصبح أكثر أهمية خلال حالات الطوارئ، حين ترتفع حدة المشاعر ويميل الناس إلى مشاركة المحتوى بسرعة من دون التحقق منه.

ويردف: «مع تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، حذّرت جهات حكومية في دول مجلس التعاون الخليجي من نشر أو تداول أي معلومات من مصادر غير معروفة». ويضيف أن «الأخبار الزائفة، أي المعلومات المضللة أو غير الدقيقة التي تُقدَّم على أنها أخبار حقيقية، تصبح أكثر خطورة خلال حالات الطوارئ».

ماهر يموت باحث أمني رئيسي في «كاسبرسكي» (كاسبرسكي)

المعلومات المضللة

ليست الأخبار الزائفة ظاهرة جديدة، لكنّ حجم انتشارها وسرعتها تغيّر بشكل كبير مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي، يمكن أن تنتشر تقارير غير مؤكدة أو مقاطع فيديو معدّلة على نطاق واسع خلال دقائق، وقد تصل إلى ملايين المستخدمين قبل أن تتمكن جهات التحقق من الحقائق من مراجعتها.

ويصنف الخبراء الأخبار الزائفة عادة ضمن فئتين رئيسيتين؛ الأولى تتعلق بمحتوى مفبرك بالكامل يهدف إلى التأثير في الرأي العام أو جذب زيارات إلى مواقع إلكترونية معينة. أما الثانية فتتضمن معلومات تحتوي على جزء من الحقيقة، لكنها تُعرض بشكل غير دقيق لأن الكاتب لم يتحقق من جميع الوقائع، أو بالغ في بعض التفاصيل.

وفي الحالتين، يمكن أن يؤدي ذلك إلى إرباك المتابعين خلال الأزمات، خصوصاً عندما يعتمد المستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي، بدلاً من المصادر الإخبارية الموثوقة للحصول على التحديثات.

كما بدأت السلطات في عدة دول، التحذير من أن نشر معلومات خاطئة حتى من دون قصد، قد يعرّض المستخدمين للمساءلة القانونية، ما دفع الحكومات وخبراء الأمن الرقمي إلى التشديد على أهمية الوعي الرقمي والمسؤولية عند مشاركة المعلومات في أوقات حساسة.

الخداع المدعوم بالذكاء الاصطناعي

أدخل الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً إلى مشكلة المعلومات المضللة، من خلال ما يُعرف بتقنيات «التزييف العميق»، وهي مقاطع فيديو مفبركة تُنشأ باستخدام تقنيات التعلم الآلي؛ مثل تبديل الوجوه أو توليد محتوى بصري اصطناعي. وفي بعض الحالات يمكن تعديل مقاطع حقيقية لتبدو كأنها توثق أحداثاً لم تقع أصلاً.

ويصرح يمّوت بأن أهمية التحقق من الأخبار الزائفة باتت أكبر من أي وقت مضى مع انتشار التزييف العميق. ويزيد: «الذكاء الاصطناعي يتيح دمج مقاطع فيديو مختلفة لإنتاج مشاهد جديدة تظهر أحداثاً أو أفعالاً لم تحدث في الواقع، وغالباً بنتائج واقعية للغاية».

وتجعل هذه التقنيات مقاطع الفيديو المعدلة تبدو حقيقية إلى حد كبير، ما قد يؤدي إلى تضليل المستخدمين، خصوصاً عندما يتم تداولها في سياقات مشحونة عاطفياً؛ فعلى سبيل المثال، قد تظهر مقاطع معدلة كأنها توثق هجمات أو تحركات عسكرية أو تصريحات سياسية لم تحدث. وحتى إذا تم كشف زيف هذه المقاطع لاحقاً، فإن انتشارها الأولي قد يسبب حالة من القلق أو الارتباك لدى الجمهور.

قد تؤدي الأخبار الزائفة إلى إرباك الجمهور ونشر الشائعات خصوصاً عند تداولها دون تحقق (شاترستوك)

كيفية التحقق من المعلومات

يشدد خبراء الأمن السيبراني على أن المستخدمين أنفسهم يلعبون دوراً أساسياً في الحد من انتشار المعلومات المضللة؛ فبينما تطور المنصات والجهات التنظيمية أدوات لرصد المحتوى المزيف، يمكن للأفراد اتخاذ خطوات بسيطة للتحقق من صحة المعلومات قبل مشاركتها.

أولى هذه الخطوات هي التحقق من مصدر الخبر؛ فبعض المواقع التي تنشر أخباراً مزيفة قد تحتوي على أخطاء إملائية في عنوان الموقع الإلكتروني أو تستخدم نطاقات غير مألوفة، تحاكي مواقع إعلامية معروفة.

وينصح يمّوت بالتحقق من عنوان الموقع بعناية، والاطلاع على قسم «من نحن» في المواقع غير المعروفة. ومن الأفضل الاعتماد على مصادر رسمية ومعتمدة؛ مثل المواقع الحكومية أو المؤسسات الإعلامية الموثوقة.

كما ينبغي التحقق من هوية الكاتب أو الجهة التي نشرت الخبر. فإذا لم يكن المؤلف معروفاً أو لا يمتلك خبرة واضحة في الموضوع، فقد يكون من الحكمة التعامل مع المعلومات بحذر.

وتعد مقارنة الخبر مع مصادر موثوقة أخرى خطوة مهمة أيضاً؛ فالمؤسسات الإعلامية المهنية تعتمد إرشادات تحريرية وإجراءات تحقق من المعلومات، ما يعني أن الأحداث الكبرى عادة ما تُغطى من قبل أكثر من جهة إعلامية موثوقة.

ويشير يمّوت أيضاً إلى أهمية التحقق من التواريخ والتسلسل الزمني للأخبار، إذ إن بعض المعلومات المضللة يعتمد على إعادة نشر أحداث قديمة أو عرضها، كما لو أنها وقعت حديثاً. كما يلفت إلى أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي قد تخلق ما يُعرف بـ«غرف الصدى»، حيث تُعرض للمستخدمين محتويات تتوافق مع آرائهم واهتماماتهم السابقة، وهو ما يجعل من الضروري الاطلاع على مصادر متنوعة وموثوقة قبل تكوين أي استنتاجات.

التلاعب بالمشاعر

يعتمد كثير من الأخبار الزائفة على إثارة المشاعر؛ فالعناوين المثيرة أو المقاطع الدرامية غالباً ما تُصاغ بطريقة تستفز مشاعر الخوف أو الغضب أو الصدمة، وهي مشاعر تزيد من احتمال مشاركة المحتوى بسرعة.

ويقول يمّوت: «كثير من الأخبار الزائفة يُكتب بطريقة ذكية لاستثارة ردود فعل عاطفية قوية». ويضيف أن «الحفاظ على التفكير النقدي وطرح سؤال بسيط مثل: لماذا كُتب هذا الخبر؟ قد يساعد المستخدمين في تجنب نشر معلومات مضللة». وتزداد أهمية هذا الأمر على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تميل الخوارزميات إلى إبراز المحتوى الذي يحقق تفاعلاً كبيراً، وبالتالي قد تنتشر المنشورات المثيرة للمشاعر أسرع من التقارير المتوازنة.

يسهم الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق في إنتاج فيديوهات وصور تبدو واقعية لكنها مفبركة (شاترستوك)

مؤشرات بصرية على التلاعب

يمكن للصور ومقاطع الفيديو نفسها أن تقدم مؤشرات على احتمال تعرضها للتعديل؛ فبعض الصور المعدلة قد تظهر خطوطاً خلفية مشوهة أو ظلالاً غير طبيعية، أو ألوان بشرة تبدو غير واقعية. أما في مقاطع الفيديو المزيفة فقد تظهر مشكلات في الإضاءة أو حركة العينين أو ملامح الوجه. ورغم أن اكتشاف هذه المؤشرات ليس دائماً سهلاً، خصوصاً عند مشاهدة المحتوى عبر الهاتف الجوال، فإنها قد تساعد المستخدمين على الشك في مصداقية بعض المقاطع المتداولة.

مسؤولية رقمية مشتركة

يرى الخبراء أن الحد من انتشار المعلومات المضللة خلال الأزمات، يتطلب تعاوناً بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الإعلامية والمستخدمين أنفسهم. ويلفت يمّوت إلى أن أبسط قاعدة قد تكون الأكثر فاعلية: «إذا كنت غير متأكد من صحة المحتوى، فلا تشاركه». ويضيف أن المشاركة المسؤولة تساعد في الحد من انتشار المعلومات المضللة وتحمي المجتمعات الرقمية.

ومع استمرار المنصات الرقمية في تشكيل طريقة انتقال المعلومات عبر الحدود، تصبح القدرة على تقييم المحتوى على الإنترنت مهارة أساسية؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي والحروب، حين تختلط الشائعات بالوقائع، لا يتعلق التحدي بالأمن السيبراني فقط؛ بل أيضاً بحماية مصداقية المعلومات نفسها.