لبنان يحبط محاولات تهريب 40 مليون حبة «كبتاغون» مخدرة إلى الخليج

الأزمة السورية تحول لبنان إلى ممر لتجارة المخدرات

لبنان يحبط محاولات تهريب 40 مليون حبة «كبتاغون» مخدرة إلى الخليج
TT

لبنان يحبط محاولات تهريب 40 مليون حبة «كبتاغون» مخدرة إلى الخليج

لبنان يحبط محاولات تهريب 40 مليون حبة «كبتاغون» مخدرة إلى الخليج

حدّ لبنان من نشاط تجار المخدرات السوريين الذين يتخذون من لبنان منصة لتهريب الحبوب المخدرة «كبتاغون» إلى دول الخليج العربي، وذلك بعد سلسلة عمليات ناجحة، أفضت منذ عام 2013 إلى ضبط ما يزيد على 40 مليون حبة مخدرة، كانت معدة للتهريب وتوقيف عشرات المهربين، وملاحقة آخرين، فيما تتواصل جهود مكتب مكافحة المخدرات المركزي التابع لقوى الأمن الداخلي في لبنان، لملاحقة مشتبهين وإحباط عمليات أخرى.
وبدأ نشاط السوريين المتاجرين بالحبوب المخدرة، عبر لبنان، بعد اندلاع الأزمة السورية، يقل، مما دفعهم للبحث عن بدائل، في ظل وجود «أرض خصبة» للتهريب في لبنان، تتمثل في وجود عدد كبير من الناشطين اللبنانيين في قطاع الاتجار بالمخدرات في منطقة البقاع الشمالي الحدودية مع سوريا، ودخول شركاء لبنانيين مع السوريين على خط التهريب.
ويؤكد رئيس مكتب مكافحة المخدرات المركزي في لبنان العميد غسان شمس الدين لـ«الشرق الأوسط» أن إحباط أكثر من 10 عمليات كبيرة، تعدّ كمية الحبوب المخدرة المهربة عبرها بالملايين، والاستمرار في ملاحقة الآخرين وضبط العمليات «حدّ من نشاط الاتجار بالحبوب المخدرة نحو دول الخليج»، مشيرًا إلى «أننا قوّضنا حركتهم إلى حدّ كبير، وأوقفوا العشرات منهم، مما دفع آخرين لمغادرة لبنان باتجاه تركيا وغيرها بغرض إدارة نشاطهم». وأشار إلى أن العمليات الناجحة «لا تعني أنهم توقفوا عن المحاولة، رغم أن النشاط خفّ إلى حد كبير في لبنان».
وبحسب بيانات مكتب مكافحة المخدرات المركزي، التابع لقوى الأمن الداخلي، فإن المكتب ضبط منذ مطلع العام 2015 حتى أواخر يوليو (تموز) الماضي، 2336584 حبة كبتاغون كانت معدة للتهريب، فيما سجل عام 2014 ضبط أكثر من 35 مليون حبة، فضلاً عن حبوب ومواد مخدرة أخرى، وتوقيف 80 متورطًا منذ مطلع 2014، معظمهم من السوريين واللبنانيين.
ويشرح شمس الدين، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، آليات ضبط المتورطين، مشيرًا إلى أنه «بعد الخبرة ونجاح العمليات لضبط حبوب الكبتاغون التي تُقدّر بالملايين، بات معروفًا أنه في كل عملية، هناك متورطون، يجري توقيف المتورطين، أو توقيف قسم منهم، وتتخذ إجراءات قانونية بحق الفارين حتى يتم توقيفهم في أي بلد من العالم، ونتخذ إجراءات بحقهم ونعمم تلك الأسماء».
ويضيف: «إثر تقاطع العمليات والتحقيقات التي نجريها، تبين لنا أن تجار المخدرات السوريين ناشطون في الاتجار بالكبتاغون منذ بدايات العقد الماضي»، لافتًا إلى أنه «قبل الأزمة السورية، وفي عامي 2007 و2008، تُبيّن مراسلات من دول الخليج إلى السلطات اللبنانية، أن هناك معلومات عن سوري ناشط بتهريب حبوب الكبتاغون إلى المملكة العربية السعودية أو الكويت أو الإمارات، وموجود في لبنان أو يتخذ من الأراضي اللبناني ممرًا لعبور مخدراته».
ويضيف شمس الدين: «لمسنا من الإخوة السعوديين أن حبوب الكبتاغون كانت تهرب إليهم منذ عامي 2005 و2006، مما يعني أن المتاجرين السوريين ناشطون منذ ذلك الوقت، لكنهم كانوا يهربونه من سوريا، برًا أو بحرًا عبر وسائل متعددة».
بعد اندلاع الأزمة السورية، تحوَّل نشاط الاتجار بالمخدرات السوري، نحو لبنان، بفعل الحرب التي عصفت بالبلاد. ويقول شمس الدين: «التجار السوريون يعتبرون لبنان أرضا خصبة لهم، نظرًا إلى أنه يتضمن عددًا كبيرًا من تجار المخدرات المعروفين في مناطق البقاع الشمالي والمناطق الحدودية. ناسبهم ذلك»، فضلاً عن أن «النازحين نقلوا شغلهم معهم إلى لبنان بشكل عام، وكان تجار المخدرات بينهم».
وقرر السوريون نقل عملهم إلى لبنان، على ضوء معرفتهم أن هناك مساحات شاسعة وأرضًا خصبة تساعدهم، فاستغلوا شبكات يتمتع بها تجار المخدرات اللبنانيين وطرق إمدادهم وتهريبهم، لأن التجار اللبنانيين خبراء في استيراد المخدرات وتصديرها. ويكشف شمس الدين أن السوريين «تعاونوا مع اللبنانيين ليهربوا المخدرات عبر المرافق الحدودية اللبنانية، برًا وبحرًا وجوًا».
في البدايات، رصد «مكتب مكافحة المخدرات المركزي» أن الواحد منهم كان يستأجر قطعة أرض لممارسة مهنته، سواء أكان حدادًا أم نجارًا أم صانعًا.. ذلك أنهم يتخذون من بعض المهن غطاء لشغلهم الأساس، وهو التهريب، فضلاً عن أن التهريب يستدعي منهم عملاً مشابهًا لتهريب المخدرات، بغرض البحث عن وسائل مبتكرة غير مكشوفة.
ويوضح شمس الدين: «أولى العمليات الكبيرة التي تم ضبطها في يوليو 2013، كانت عبارة عن 5 ملايين حبة كبتاغون، مخبأة في سخان (شوديير) تم تصنيعه لهذه الغاية في سوريا، ونقل إلى لبنان بغرض تصديره عبر مرفأ بيروت»، مشددًا على أن تلك العملية بحجمها «لم تكن مسبوقة». ويشير إلى أن عملية الضبط تلك «كانت الأكبر على صعيد الحبوب المخدرة، ذلك أن المضبوطات قبل تلك العملية، لم تتخطَ 150 ألف حبة، وكان بعضها تجري محاولة تهريبه عبر المطار أو غيره».
على أثر تلك العملية «تبين لنا أن هناك نشاطًا وتوجهًا لاتخاذ الأراضي اللبناني ممرًا للتهريب، فركزنا جهودنا وتوالت العمليات بعدها، فضبطنا بعد أسبوع عملية تهريب 5 ملايين حبة كانت مخبأة في هياكل الشاحنات». ويؤكد أن العمليات الكبيرة «يصل عددها إلى عشر عمليات، وأثبتت التحقيقات أنها تتوجه إلى المملكة العربية السعودية».
في هذا الإطار، يؤكد شمس الدين أن التنسيق بين السلطات السعودية واللبنانية «فعّال، وهناك تعاون مثمر ومنتج على كل المستويات وبأحسن ما يرام»، مشددًا على أن هناك «تعاونًا مهمًا من الجهتين لمكافحة الأعمال الإجرامية».
المشهد اليوم، لم يعد مشابهًا لمشهد التهريب في عامي 2013 و2014. يقول شمس الدين: «بعد نجاحنا بهذه العمليات البارزة والكبيرة التي ضبطنا في إحداها 30 مليون حبة متجهة إلى الإمارات، ومنها إلى السعودية عبر شحنتي ذرة، 15 مليون منها في مرفأ بيروت وتم التبليغ عن 15 مليون أخرى كانت قد وصلت إلى الخرطوم وأوقفت بناء على اتصالات مع مكتب مكافحة المخدرات في السودان، انكفأ بعضهم وغادر إلى تركيا وسواها»، مشيرًا إلى أن هؤلاء «يسيّرون أعمالهم عبر أتباعهم في لبنان والأردن، ويتوارون في بلدان أخرى».
والى جانب تقويض نشاط تجار الكبتاغون، يسجل لمكتب مكافحة المخدرات المركزي خلال العامين الماضيين، إنجازات على صعيد إحباط عمليات إدخال أو تهريب الكوكايين، حيث تمت مصادرة عشرات الكيلوغرامات.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.