أزمة اللاجئين تسمم العلاقات الأوروبية.. وتكتسح شبكات قطاراتها

المجر ترفض الانتقادات الفرنسية.. وبرلين تحذر من الفشل في معالجة المشكلة

مهاجرة مقعدة ترفع على كرسي إلى قطار متجه من النمسا إلى ميونيخ الألمانية أمس (إ.ب.أ)
مهاجرة مقعدة ترفع على كرسي إلى قطار متجه من النمسا إلى ميونيخ الألمانية أمس (إ.ب.أ)
TT

أزمة اللاجئين تسمم العلاقات الأوروبية.. وتكتسح شبكات قطاراتها

مهاجرة مقعدة ترفع على كرسي إلى قطار متجه من النمسا إلى ميونيخ الألمانية أمس (إ.ب.أ)
مهاجرة مقعدة ترفع على كرسي إلى قطار متجه من النمسا إلى ميونيخ الألمانية أمس (إ.ب.أ)

شهدت الحدود بين المجر والنمسا أمس ازدحاما خانقا، حيث عززت عمليات التفتيش بحثا عن المهربين، لكن المهاجرين نجحوا في الصعود بالمئات إلى القطارات في بودابست أملا منهم في الوصول إلى ألمانيا. في الوقت نفسه أظهرت الدول الأوروبية التي دعتها بروكسل إلى احترام «قيمها الإنسانية» انقساماتها بشأن إدارة أزمة المهاجرين واللاجئين الذين يتدفقون إلى القارة الأوروبية.
واضطر الأشخاص الذين كانوا يتوجهون بالسيارة من المجر إلى النمسا إلى الانتظار أمس في طوابير طويلة امتدت إلى 50 كيلومترا قرب الحدود بعد أن شددت النمسا المراقبة على الحدود بحثا عن مهربي المهاجرين، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. واتخذت هذه التدابير مساء أول من أمس بعد العثور الأسبوع الماضي على شاحنة مركونة بجانب الطريق في ولاية برغنلاند قرب الحدود مع النمسا وبداخلها جثث 71 مهاجرا.
وفي إطار عمليات المراقبة التي أجريت بالتعاون الوثيق مع السلطات المجرية والسلوفاكية والألمانية، فتشت الشرطة كل شاحنة أو سيارة بحثا عن مهربين. وعثرت الشرطة على 12 مهاجرا بينهم ثلاثة أطفال مكدسين في شاحنة صغيرة تحمل لوحة تسجيل فرنسية.
من جهتها، سمحت السلطات المجرية لمئات المهاجرين بالصعود إلى قطارات متجهة إلى النمسا وألمانيا بعد أن أمضوا أياما في محطات بودابست التي تحولت إلى مخيمات عشوائية للاجئين. وكانت الشرطة المجرية منعت حتى الآن المهاجرين من الرحيل لأنهم لم يكونوا يحملون وثائق رسمية. ولم تكن قوات الأمن موجودة أمس عندما اندفع مهاجرون، بينهم كثير من السوريين، للصعود إلى قطارات متجهة إلى فيينا وميونيخ وبرلين. وصرح شرطي نمساوي كان في محطة القطارات أنه سيتم توقيف المهاجرين لدى دخولهم النمسا وسيمنعون من مواصلة رحلتهم لعدم حيازتهم الوثائق اللازمة.
وأكد نائب رئيس المفوضية الأوروبية فرنس تيمرمانس خلال زيارته لمرفأ كاليه شمال فرنسا أمس: «إنها أزمة عالمية تستلزم معالجة أوروبية مشتركة (...) علينا أولا أن نكون مخلصين لقيمنا؛ القيم الإنسانية». وأضاف أن أوروبا «لن تعيد من يحتاجون للحماية إلى بلدانهم (...) عدد الوافدين هائل. إنها أزمة عالمية، لكن يمكن استيعاب هذه الأرقام وسط مجموع سكاني يقدر بـ500 مليون نسمة».
إلى جانبه، قال رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس إنه «تحد تواجهه كل دولة من دول الاتحاد الأوروبي يضع مجتمعاتها أمام اختبار».
وفي أحد أبرز المواقع لأزمة المهاجرين من حيث يحاول آلاف الأجانب الوصول إلى بريطانيا، التقى المسؤولان مهاجرين ولاجئين مع المفوض المكلف قضايا الهجرة ديمتريس أفراموبولوس.
وتسمم الأزمة العلاقات بين الأوروبيين؛ فقد دعت وزيرة الداخلية النمساوية يوهانا ميكل ليتنر أمس إلى «خفض» أو حتى «إلغاء» المساعدات المالية التي تخصصها بروكسل لدول الاتحاد الأوروبي التي ترفض استقبال مزيد من اللاجئين.
بدوره، قال رئيس الوزراء الفرنسي: «يرفض كثير من الدول أن تأخذ حصصها. كل أوروبا معنية بهذه الأزمة الخطيرة جدا، وبالتالي عليها التحرك».
من جهتها، قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خلال مؤتمر صحافي إن «الحقوق المدنية العالمية كانت حتى الآن مرتبطة بشكل وثيق بأوروبا وتاريخها، بوصفها مبدأ مؤسسا للاتحاد الأوروبي. وإذا فشلت أوروبا في معالجة أزمة اللاجئين، فإن هذا الرابط مع الحقوق المدنية العالمية سينقطع». ودعت المستشارة الألمانية مرة جديدة إلى وضع حصص تتضمن عدد اللاجئين الواجب على كل دولة أوروبية أن تستقبلهم، الأمر الذي رفضه كثير من الدول الأوروبية.
وفي إشارة إلى المجر أمس، عدّ وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس موقف بعض الدول الأوروبية «معيبا»، ودعا إلى إزالة الحواجز التي يتم بناؤها بين الدول الأعضاء في الاتحاد. ورد وزير الخارجية المجري بيتر سيجارتو بالقول إن هذه الانتقادات «تثير صدمة»، واستدعى أمس السفير الفرنسي في بودابست.
وفي براغ، أعلن رئيس وزراء تشيكيا، أمس، بوهوميل سوبوتكا، أن رؤساء حكومات «مجموعة فيسغراد»، وهي المجر وبولندا وسلوفاكيا وجمهورية تشيكيا، سيعقدون في براغ خلال الأيام المقبلة «قمة استثنائية» حول الهجرة يتوقع أن يؤكدوا خلالها رفضهم مبدأ الحصص في توزيع المهاجرين على دول الاتحاد الأوروبي. وقال للصحافيين: «آمل أن نؤكد موقفنا المشترك الرافض للحصص». وكان قال في وقت سابق إنه لا يتوقع «قرب انتهاء أزمة المهاجرين» وإن «أيا من أعضاء الاتحاد الأوروبي لا يمكنه حل المشكلة بمفرده، وينبغي البحث عن حل على المستوى الأوروبي».
بدوره، أكد رئيس حكومة سلوفاكيا روبرت فيكو، في لوبليانا، أمس، أن بلاده «لن توافق بتاتا» على مبدأ الحصص، وأنه لا يقبل «الانتقادات من دول ترفض ضم بلغاريا ورومانيا إلى فضاء (شينغن)» في إشارة إلى فرنسا وألمانيا اللتين بررتا موقفهما في 2010 بالفساد والجريمة المنظمة في البلدين.
إلى ذلك، أكدت رئيسة وزراء بولندا أيوا كوباش، أنه سيتعين على المفوضية الأوروبية الاتفاق على حصص جديدة لاستقبال اللاجئين بين الدول الأعضاء مع تخطي أرقام الوافدين منهم إلى أوروبا التوقعات.
ووافقت بولندا في يوليو (تموز) الماضي على استقبال ألفي لاجئ من سوريا وشمال أفريقيا بحلول عام 2017 في إطار خطة أوروبية لإعادة توزيع اللاجئين في أرجاء الاتحاد وتخفيف حدة الأزمة التي تواجه دولها الجنوبية. وقالت كوباش في مؤتمر صحافي أمس: «أنا أتفهم أننا اليوم لا نتكلم عن نحو 2200 لاجئ وسط توافد عدد أكبر من اللاجئين، وأن هذا التوزيع سيعاد النظر فيه. سيكون على بولندا أن تعلن موقفها الجديد بهذا الشأن». ولم توضح رقم اللاجئين الأكبر من ذلك الذي اتفق عليه في يوليو. وأضافت: «سنقيم إمكاناتنا، لكننا سنتعامل مع المسألة بشعور بالمسؤولية».
وجلس اللاجئون الذين فر كثير منهم من الحروب في الشرق الأوسط، في الشمس الحارقة في الممرات المكتظة للقطارات، أو راحوا يتابعون في حيرة إعلانات القطارات المتوقع وصولها بالمحطة الرئيسة في فيينا. وتلقي محنتهم الضوء على التحديات الإنسانية والدبلوماسية التي يواجهها الاتحاد الأوروبي الذي ألغى قيود الرقابة على الحدود بين 26 دولة في «منطقة شينغن»، لكنه يلزم طالبي اللجوء بالتقدم بطلبات اللجوء في أول دولة عضو يدخلونها، وهي في هذه الحالة المجر.
وأطلع سامي، وهو سوري عمره 35 عاما، مراسلا لوكالة «رويترز» على تذكرة بقيمة 120 يورو (134 دولارا) اشتريت حديثا لركوب قطار الساعة 1.10 بعد الظهر إلى ميونيخ. وقال: «كنت أنام هنا على الأرض مثل الكلب مع ولدي الاثنين منذ ستة أيام. واليوم نترك هذا البلد وراء ظهرنا ونلحق بأخواتي في ميونيخ إن شاء الله». وكان نحو ألف لاجئ آخر ينتظرون على بطاطين خارج محطة السكة الحديد يحدوهم الأمل في أن يلحقوا بهم في وقت لاحق.
ويحاول مئات الآلاف من المهاجرين الوصول إلى الاتحاد الأوروبي هربا من العنف والفقر في الشرق الأوسط وأفريقيا. وضبطت الشرطة المجرية أكثر من 140 ألف شخص على الجانب الصربي حتى الآن هذا العام. وخلال الأيام الثلاثة الماضية قالت الشرطة المجرية إنها ضبطت 8792 مهاجرا يعبرون الحدود إلى البلاد معظمهم من صربيا. وقال رجل من أفغانستان يدعى سعيد وعمره 22 عاما، إنه كان في المجر منذ أسبوعين ولم يستطع الانتظار حتى يركب قطار ريلجت إلى ميونيخ. وكان قد اشترى تذكرة لركوب القطار.. لكنه أضاف أنه تساوره شكوك في أنه سيستطيع القيام بالرحلة إلى هناك. وقال: «الشرطة المجرية خدعتنا مرات كثيرة ولن أصدق هذا إلا في النمسا».
وفي برلين، نفت الحكومة الألمانية أنه توجد «قطارات خاصة» تحمل المهاجرين إلى ألمانيا من المجر. وقالت إنه بموجب قوانين الاتحاد الأوروبي، يجب على طالبي اللجوء الذين يصلون إلى المجر أن يتم تسجيلهم هناك أولا. وتتوقع ألمانيا استقبال نحو 800 ألف مهاجر هذا العام، وهو عدد أكبر مما يتوقعه أي بلد في الاتحاد الأوروبي.
وفي وقت لاحق أمس، أعلنت الشرطة السلوفاكية أنها اعتقلت عند الحدود مع المجر سائقين صربيين كانا يحاولان نقل 26 مهاجرا سوريا أو عراقيا في شاحنتيهما. وقال مارتن والدل، المتحدث باسم الشرطة، إنه تم العثور على المهاجرين عند مركز حدودي قرب براتيسلافا. وذكرت قناة «تي إيه 3» التلفزيونية أن المهاجرين، وبينهم امرأة وطفل في الرابعة، كانوا يأملون في بلوغ ألمانيا، وقد دفع كل منهم للمهربين 400 يورو. وأضافت أن إحدى الشاحنتين تحمل لوحة صربية، فيما الأخرى لوحتها سويسرية.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».