مآسيهم تهز أوروبا.. أزمة لاجئين كبرى تلوح في الشرق الأوسط

سوريا أكبر مصدر لهم في العالم.. والجهود الإنسانية لإغاثتهم تتداعى

جنود مجريون يضبطون الأسلاك الشائكة فوق سور على الحدود لمنع تدفق اللاجئين الذين يشكل السوريون غالبيتهم (رويترز)
جنود مجريون يضبطون الأسلاك الشائكة فوق سور على الحدود لمنع تدفق اللاجئين الذين يشكل السوريون غالبيتهم (رويترز)
TT

مآسيهم تهز أوروبا.. أزمة لاجئين كبرى تلوح في الشرق الأوسط

جنود مجريون يضبطون الأسلاك الشائكة فوق سور على الحدود لمنع تدفق اللاجئين الذين يشكل السوريون غالبيتهم (رويترز)
جنود مجريون يضبطون الأسلاك الشائكة فوق سور على الحدود لمنع تدفق اللاجئين الذين يشكل السوريون غالبيتهم (رويترز)

في الوقت الذي تتركز فيه أنظار العالم على عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين الذين يجتاحون أوروبا، فإن أزمة أخرى ربما أعمق بكثير بدأت تتكشف ملامحها في دول الشرق الأوسط التي تحملت الجزء الأكبر من تبعات الإخفاق في حسم الحرب السورية.
في الواقع، فإن من يصلون لأوروبا يشكلون نسبة ضئيلة من إجمالي 4 ملايين سوري فروا إلى لبنان والأردن وتركيا والعراق، مما جعل سوريا أكبر مصدر للاجئين في العالم وأسوأ أزمة إنسانية طارئة على امتداد أكثر من أربعة عقود.
ومع دخول القتال العام الخامس، تتزايد قناعة وكالات الإغاثة والدول المستضيفة للاجئين والسوريين أنفسهم بأن الجزء الأكبر من الأزمة الراهنة لن ينقشع قريبًا، مما يخلق أمام المجتمع الدولي أزمة طويلة الأمد لا يزال هو مفتقرًا إلى الأدوات المناسبة لتناولها، وهي أزمة قد تثير حالة عميقة من زعزعة الاستقرار بالمنطقة والعالم ككل.
ويعد هذا الإخفاق دبلوماسيًا بالأساس، حسبما يرى أنتونيو غوتيريس، المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
يذكر أن الصراع الدائر في سوريا خلف وراءه 250 ألف قتيل على الأقل في القلب الاستراتيجي للشرق الأوسط، وشرد أكثر من 11 مليون شخص. ومع ذلك، لم تظهر حتى الآن عملية سلام ولا يلوح في الأفق حل أو نهاية لهذا الصراع.
والآن، بدأت الجهود الإنسانية في التداعي أيضًا، جراء تراجع الاهتمام وانحسار التبرعات وتفاقم الاحتياجات. وقد تلقت الأمم المتحدة أقل من نصف المبلغ الذي أعلنت عن حاجتها إليه لرعاية اللاجئين على امتداد الأعوام الأربعة الماضية. وحاليًا، يجري خفض المساعدات وتجميد برامج، في اللحظة ذاتها التي تنفد فيها مدخرات أولئك الذين فروا من ديارهم على عجل، على أمل أن يعودوا إليها سريعًا، وكذلك المساعدات التي تلقوها لاحقًا.
وعن هذا الوضع، قال غوتيريس خلال مقابلة أجريت معه: «إنها مأساة لا نظير لها في الماضي الحديث»، محذرًا من أن الملايين قد ينتهي بهم الحال من دون مساعدة تعينهم على البقاء أحياء.
في الواقع، إنها مأساة لم تكشف عن ثمنها الحقيقي بعد.
في شتى أرجاء الشرق الأوسط، ينتشر اللاجئون العاجزون المعوزون حول المدن والمزارع، ليذكروا الجميع بإهمال العالم لهم. وينتشرون في شوارع بيروت وإسطنبول وعمان، وكذلك المدن والقرى فيما بينها، حيث يبيعون المناديل الورقية أو الزهور أو يتسولون للحصول على كسرة خبز.
عن هذا الوضع، قالت جميلة محمود، 53 عامًا، التي تعيش مع حفيدتها، 7 سنوات، على الإعانات في المنيا بالبقاع اللبناني: «هذه ليست حياة. إننا أحياء فقط لأننا لسنا موتى». يُذكر أن المنيا عبارة عن معسكر من الخيام على امتداد الطريق السريع الساحلي شمال لبنان.
وعليه، فإن من يستطيع الرحيل لا يتردد إزاءه، وتعتمد الأسر على مدخراتها وتقترض من أصدقاء ليدفعوا لمهربين كي يحشروهم في قوارب تعبر البحر المتوسط إلى أوروبا وفرصة أفضل للعيش.
يُذكر أن السوريين شكلوا النسبة الأكبر بين طالبي اللجوء السياسي لأوروبا على مدار العامين الماضيين، وترتفع أعدادهم بسرعة، وتحديدًا، شكل السوريون 63 في المائة من إجمالي 160 ألف شخص وصلوا إلى اليونان بحرًا هذا العام.
ومع ذلك، فإن أوروبا خيار قائم أمام اللاجئين القادرين على دفع ما بين 5000 و6000 دولار يطلبها المهربون.
وتوحي أدلة شفهية بناءً على مقابلات أجريت مع سوريين في تركيا ولبنان، بأن من أقدموا بالفعل على هذه الرحلة، عادة ممن كانوا ميسورين قبل اندلاع الحرب. وهناك آخرون يدخرون القليل الذي يحصلون عليه أو يكسبونه، ويبيعون أرضهم وممتلكاتهم، على أمل أن يتمكنوا أيضًا من القيام بهذه الرحلة.
وبالنسبة لغالبية اللاجئين، فإنه لا مفر من المخيمات المتردية أو مذلة الاستجداء، أو اليأس الصامت في الانتظار، في فقر مدقع داخل المخيمات التي أقامتها الحكومات أو مفوضية اللاجئين في لبنان والأردن حتى تضع الحرب أوزارها.
ومن الواضح حجم المخاطرة التي تحملها هذه المأساة الإنسانية بالنسبة للدول الإقليمية الهشة بالفعل. وتشير الإحصاءات إلى أن قرابة 750 ألف طفل لم يلتحقوا بمدارس، بينما يعاني آباؤهم من البطالة في سن الشباب، ويدخل المراهقون سن الشباب من دون أمل في إيجاد عمل لدوام كامل.
وقد استمرت هذه الأزمة لفترة طويلة لدرجة أنست بعض الأطفال من أين أتوا. من ناحيته، لا يزال رشيد حمادي، 9 سنوات، يتذكر منزله الذي كان يضم غرفا له ولأشقائه وبه حديقة مزدانة بالورود، لكنه لا يزال يتذكر أيضًا دبابات وأصوات رصاص وجريه خوفًا من القنابل. إلا أنه تردد في الإجابة عن سؤال حول اسمه بلدته، واكتفى بالقول: «لا أتذكر»، أما بشرى، 11 عامًا، فقد بدأت تنسى كيفية القراءة.
على الجانب الآخر، فإن عدم اندلاع اضطرابات خطيرة بسبب اللاجئين حتى الآن، فإنها حقيقة تعد بمثابة شهادة لصلابة كل من السوريين والدول التي تستضيفهم، حسبما قالت روشيل ديفيز، البروفسورة المساعدة بمركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة جورج تاون. إلا أنها استطردت بأنه «لا يمكن أن يعج 25 % من بلادك بمواطني دولة أخرى، من دون أن تصبح لديك مشكلات».
في تركيا، الدولة الوحيدة بالمنطقة التي رحبت باللاجئين، جرى السماح لبعض السوريين بالعمل وارتياد مدارس وتلقي رعاية طبية. وقد حذرت الحكومة التركية مواطنيها حيال ضرورة الاستعداد لحقيقة أن وجود 1.9 مليون سوري ببلادهم البالغ إجمالي تعدادها 75 مليون نسمة، قد يصبح دائمًا.
في لبنان، تسببت الذكريات حول الدور الذي لعبه لاجئون فلسطينيون في إشعال الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1999، في ردع الحكومة عن تحسين حياة 1.1 مليون لاجئ سوري مسجلين لدى الأمم المتحدة.
وتشير الأرقام إلى أن واحدًا على الأقل من بين كل 4 يعيشون في لبنان، لاجئ سوري، وتنتمي غالبية اللاجئين السوريين إلى المسلمين السنة، لذا فإن وجودهم يحمل مخاطرة قلقلة التوازن الطائفي الحساس بالبلاد، مثلما فعل قدوم 100 ألف لاجئ فلسطيني سنِّي بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948 في التوازن بين المسلمين والمسيحيين.
من ناحيتها، رفضت الحكومة اللبنانية السماح ببناء مخيمات للسوريين. وعليه، ترك اللاجئون لتولي أمور معيشتهم بأنفسهم. وغالبًا ما يتجهون لاستئجار شقق سكنية دون المستوى اللائق أو يعيشون داخل مئات المعسكرات غير الرسمية التي ظهرت بمختلف أرجاء البلاد، حيث يدفعون لأصحاب الأرض في المتوسط نحو 100 دولار شهريًا مقابل النوم في خيام.
وتسببت قيود حكومية جديدة في زيادة صعوبة إيجاد السوريين لعمل أو تجديد أوراق الإقامة، مما جعلهم خائفين من مغادرة معسكراتهم. كما فرضت بعض المدن اللبنانية حظر تجوال على السوريين.
وداخل المجتمعات التي يتركز بها لاجئون، تتجلى الصدوع والفجوات بصورة صارخة. على سبيل المثال، قال علي رحيمي، صاحب متجر بمدينة طالبية القريبة: «إنها معسكرات تفرز الإرهابيين والأمراض».
وأضاف رحيمي، وهو مسلم شيعي، أن «اللبنانيين يتعرضون لصعوبات في المعيشة بسببهم، حيث قل الطعام في أيدي اللبنانيين ولم تعد لديهم وظائف. وإذا استمر هذا الحال لفترة أطول، ستندلع حرب بين اللاجئين والسكان الأصليين للبلاد».
والملاحظ أن وكالات الإغاثة بدأت بصورة متزايدة في طرح مناشداتها للحصول على مزيد من المال، ليس في صورة احتياجات إنسانية، وإنما باعتبار ذلك ضرورة استراتيجية. وهذا العام، جرى أيضًا تخصيص أموال لأكثر المجتمعات التي تستضيف لاجئين، فقرًا.
وعن هذا، قال روس ماونتن، منسق مجمل الجهود الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان الذي أوشكت فترة عمله على نهايتها: «إنها قضية إنسانية وأمنية في الوقت ذاته. إن وجود فقراء يائسين أمر لا يتماشى مع الأمن والاستقرار».
اللافت أن مجمل جهود الإغاثة تعاني بصورة متزايدة من نقص التمويل. وقد أنفق مكتب المفوض السامي لشؤون اللاجئين التابع للأمم المتحدة أكثر من 5.6 مليار دولار على إسكان وإطعام وإعاشة سوريين منذ اشتعال القتال، لكن هذا يقل عن نصف المبلغ الذي أعلن المكتب حاجته إليه. وحتى منتصف العام الحالي، قدم المانحون 37 % فقط من إجمالي 4.5 مليار دولار قالت الأمم المتحدة إنها لازمة لإعالة اللاجئين خلال عام 2015.
من جهة أخرى، قلص برنامج الغذاء العالمي باستمرار من حصة الغذاء الشهرية بالنسبة للفرد من 40 دولارًا العام الماضي إلى 13.50 دولار، وسيوقف المساعدات تمامًا الشهر المقبل لأكثر من 200 ألف من اللاجئين الأكثر احتياجًا بين إجمالي اللاجئين البالغ 1.6 مليون شخص، حسبما أعلن البرنامج.
وبعد تركيا، التي أعلنت إنفاقها 6 مليارات دولار على رعاية اللاجئين، تأتي الولايات المتحدة في المرتبة الثانية كأكبر متبرع للجهود الإنسانية السورية، حيث قدمت حتى الآن 4 مليارات دولار للاجئين وللمشردين داخل سوريا.
إلا أن هذه الأموال، تقل عن ثلث الـ10.5 مليون دولار التي يجري إنفاقها يوميًا على الحرب الجوية التي تقودها واشنطن ضد مسلحي «داعش» في سوريا والعراق، تبعًا لما توضحه الأرقام الصادرة عن الحكومة الأميركية.
في الوقت ذاته، تشهد التبرعات الخاصة تراجعًا هي الأخرى، حيث أعلنت وكالات الإغاثة أنه لأسباب عدة، فاقت الأزمة السورية في شدتها الجهود التي بذلها جامعو التبرعات لإثارة تعاطف المواطنين العاديين.
يُذكر أن منظمة «وورلد فيجين» الأميركية للإغاثة نجحت في جمع 8 ملايين دولار خلال أسبوعين لضحايا زلزال نيبال، الذي خلف وراءه 500 ألف مشرد. في المقابل، فإنه خلال أربع سنوات، لم تفلح المناشدات لصالح اللاجئين السوريين سوى في جمع 2.7 مليون دولار، تبعًا لما أعلنه رئيس المنظمة، ريتشارد ستيرنز. وقد عزا غياب اهتمام المواطن العادي إلى تعقيد الصراع الدائر في سوريا وتنامي مشاعر الريبة حيال المسلمين بوجه عام.
وقال: «لا يشعر الناس بمودة وتعاطف عندما يتعلق الأمر بمساعدة مسلمين، لوجود اعتقاد عام بأن المسلمين لا يحملون مشاعر ودية للولايات المتحدة».
علاوة على ذلك، فإن سوريا ليست الأزمة الوحيدة التي تستدعي اهتمام المتبرعين، حيث اشتعلت بمختلف أرجاء العالم مجموعة استثنائية من الحروب والكوارث دفعت أعداد المشردين من منازلهم إلى 59.5 مليون شخص بحلول نهاية عام 2014، وهو رقم قياسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تبعًا لما كشفته مفوضية اللاجئين.
من بين هؤلاء، أكثر من 13 مليونًا تشردوا خلال العام الماضي، جراء صراعات في دول مثل أوكرانيا واليمن ونيجيريا وجمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان والعراق. كما جاء انتشار وباء «إيبولا» في غرب أفريقيا ووقوع زلزال في نيبال ليزيد الوضع تعقيدًا أمام وكالات الإغاثة. ويقدر مكتب منسق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة أنه سيحتاج إلى 52 مليار دولار عام 2015 للتوافق مع الأزمات الطارئة، علاوة على 6.2 مليار دولار تسعى مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة لجمعها.
ومن بين المشكلات القائمة على هذا الصعيد أن منظومة التعامل مع اللجوء السياسي جرى تصميمها في أعقاب الحرب العالمية الثانية لاستيعاب بضعة آلاف من المواطنين الفارين من القمع في الكتلة السوفياتية، تواجه حاليًا سيلا من الملايين سنويًا، حسبما شرح مايكل دبليو دويل، الذي يترأس «مبادرة السياسة العالمية» التابعة لجامعة كولومبيا.
من ناحيتها، أعلنت ألمانيا في وقت سابق من هذا الشهر أنها ستمنح إقامة مؤقتة لجميع اللاجئين السوريين الذين يصلون إليها، وتتوقع أن يفد إليها أكثر من 800 ألف لاجئ بحلول نهاية 2015. من جهتها، تحث الأمم المتحدة الدول بمختلف أرجاء العالم على منح اللجوء إلى 130 ألف سوري العام المقبل.
من جهتها، قبلت الولايات المتحدة إعادة توطين 1500 سوري لديها منذ اندلاع الصراع عام 2011، لكنها تأمل في السماح للمزيد العام المقبل، حسبما أعلنت جوليا ستريكر، المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية.
ومع ذلك، يرى مسؤولو الإغاثة أن المشكلة الأكبر أمام اللاجئين السوريين هي الحرب ذاتها. وعن ذلك، قال ماونتن، منسق الأمم المتحدة: «ما نحتاجه بشدة هو السلام في سوريا، ليس فقط لوقف قتل السوريين، وإنما كذلك لتمكين السوريين من العودة لبلادهم».
وهذا تحديدًا ما يقول اللاجئون إنهم يرغبون فيه لكن تزداد مخاوفهم حيال إمكانية عدم تحققه.

* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.