«داعش» ليبيا يحاول السيطرة على طريق دولي يصل إلى حدود مصر

شن هجمات على بلدة إجدابيا للتمدد شرقًا

عناصر من الهلال الأحمر الليبي في طريقهم لانتشال جثث الضحايا من المهاجرين قرب شاطئ مدينة الخمس أمس (أ.ف.ب)
عناصر من الهلال الأحمر الليبي في طريقهم لانتشال جثث الضحايا من المهاجرين قرب شاطئ مدينة الخمس أمس (أ.ف.ب)
TT

«داعش» ليبيا يحاول السيطرة على طريق دولي يصل إلى حدود مصر

عناصر من الهلال الأحمر الليبي في طريقهم لانتشال جثث الضحايا من المهاجرين قرب شاطئ مدينة الخمس أمس (أ.ف.ب)
عناصر من الهلال الأحمر الليبي في طريقهم لانتشال جثث الضحايا من المهاجرين قرب شاطئ مدينة الخمس أمس (أ.ف.ب)

كشفت جولة خاطفة لـ«الشرق الأوسط» في شرق ليبيا عن أمرين محيرين لدى كثير من أهل هذا البلد الذي يتجه نحو المجهول. ضابط عجوز كان يتكأ على صندوق سيارة عسكرية مرابطة هنا لخصهما بتنامي «داعش» في مدينة سرت في الشهور الثلاثة الأخيرة.. والسر وراء الأهمية التي أصبحت عليها الطريق الدولية الجنوبية المهجورة والواصلة بين بلدة إجدابيا، وطبرق، وهي مدينة تبعد عن حدود مصر بنحو 150 كيلومترا فقط.
كان الضابط ويدعى حسين التباوي مقاتلا شرسا في شبابه أثناء حرب تشاد في ثمانينات القرن الماضي. قال جنودٌ تدربوا حديثا للحاق بحرب الجيش ضد المتطرفين إن لدى التباوي، أسمر البشرة، قدرة فريدة على حل الألغاز. قالوا ذلك وهم يمزحون. ثم، بعد أن ضحك الجميع، خيم القلق والانتظار على الفرقة المرابطة غرب بلدة إجدابيا.. نحو ثلاثين جنديا بأسلحة معظمها من نوع كلاشنيكوف، وسبع سيارات عسكرية (ربع نقل) مربوط فوق كل منها مدفع من عيار 14.5 مم، أو 23 مم. إمكانات ضعيفة والإصبع على الزناد. والعيون لا تنام.
ويقر الجميع بأن التباوي ضابط محنك وله احترام خاص. فوق شاربه الأبيض خطان أصفران من التبغ. لا تنطفئ السيجارة بين أصابعه وهو يقف على جبهة جديدة انفتحت أمام القوات المسلحة وقائدها الفريق أول خليفة حفتر. الضباط وجنودهم، رغم الاقتصاد في استخدام الذخيرة، بسبب الحظر الدولي على توريد السلاح لليبيا، ما زالت لديهم روح الفكاهة الممزوجة بالرغبة في الاستماع إلى قصص التباوي وما فيها من بطولات جرت قبل ربع قرن في الحرب ضد الفرنسيين في تشاد.
وبسبب شح العتاد العسكري هنا يستخدم تسعة على الأقل من جنود الفرقة أسلحة كان يستخدمها الجيش قبل ثلاثين سنة. وهناك خمسة آخرون معهم أسلحة تعود للحرب العالمية الثانية. يأتي وقت الجد فيقول التباوي في ثقة: «سننتصر على الإرهاب حتى لو رفض العالم مساعدتنا. وفي المقابل يقول القادة العسكريون إن عدد مقاتلي (داعش) في سرت قد يزيد على ألفين أكثرهم ليبيون وتوانسة ومصريون. ويمتلك التنظيم أسلحة حديثة وبنادق قنص بعيدة المدى من نوع (إف إن)، وقذائف صاروخية وإذاعة محلية يبث فيها خطبه وفتاويه».
من المنظار المكبر تستطيع أن ترى تحركات آليات التنظيم في الجانب الصحراوي الشرقي من سرت. يفصل عن فرقة التباوي وأول خط للمواجهة مع «داعش» نحو خمسة كيلومترات. في الظهيرة حرٌّ وغبار يسد الأنوف. وصلت سيارات مدنية جرى تعديلها لتكون صالحة لخوض المعارك وتعضيد الفرقة. نزل من السيارة الأمامية وسط سحابة تراب، أحد مستشاري الجيش، بنظارته الطبية الكبيرة التي تغطي نصف وجهه. لقد درس وأقام لسنوات في الولايات المتحدة الأميركية، والآن يبدو مغبرا في بنطلونه الجينز كأنه خارج من فيلم من أفلام الصحراء. ومن السيارات الأخرى نزل سبعة من المتطوعين الجدد.
وبعد شرب الشاي أعاد جندي متحمس من قبيلة رئيس البرلمان، عقيلة صالح، وهي قبيلة العبيدي، طرح نفس الأسئلة التي أجاب عنهما التباوي منذ قليل عن تحولات «داعش». بدأ مستشار الجيش، صلاح الدين عبد الكريم، شرح الوضع على الأرض وكيف أنه لا بد من هزيمة المتطرفين في نهاية المطاف، رغم قلة السلاح والذخيرة و«التآمر الدولي على ليبيا».
حل الألغاز الخاصة بتحركات «داعش»، باختصار، هو أن التنظيم يعمل على تغيير تكتيكاته، وكأنه يستعين بخبراء أجانب، لمواجهة الجيش، ولهذا لجأ إلى سرت محاولاً إغراء العاطلين من غرب البلاد وشرقها بالانضمام إليه، ويعدهم، عبر الإذاعة المحلية، بحصص مالية من البترول في حال تمكن من بيعه في السوق السوداء. من سرت أيضا يريد التنظيم أن يضرب ضربته في طبرق عبر الطريق الدولي الجنوبي، ومنها يكون على بعد رمية حجر من حدود مصر.
لكن الدكتور عبد الكريم يؤكد في رده على أسئلة لـ«الشرق الأوسط» أن الجيش رغم كل شيء سينتصر، مشيرا إلى أن الدواعش الذين انتشروا فجأة في سرت جاءوا من عدة مناطق في محاولة منهم للتجمع عقب خسائرهم في درنة.
ويمكن هنا أن تفهم أن من بين الأسباب وراء اختيار «داعش» للتمركز في سرت، وفقا للمصادر العسكرية، خلو المدينة تقريبا من السلاح. فقد شهدت سرت التي كان يتحصن فيها معمر القذافي حتى مقتله في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011، معارك طاحنة جرى خلالها نزع أسلحة القبائل التي كانت ترفض الثورة ضده ومنها قبيلة القذافي نفسها. بالإضافة إلى فرار الكثير من أبناء المدينة ممن كانوا يعملون في الجيش أو في اللجان الثورية (الجهاز الأمني للقذافي)، عقب انهيار النظام السابق.
بالإضافة إلى هذه الأرضية، تتميز سرت بوجود ميناء بحري وآخر جوي هو مطار القرضابية. يقول عبد الكريم إن «هناك سفن تأتي من البحر المتوسط وترسو في ميناء مدينة مصراتة البحري، وهي مدينة خارجة عن سلطة الدولة، ثم تقوم مراكب صغيرة بنقل المقاتلين الأجانب والأسلحة إلى ميناء سرت، رغم ما يقع من مواجهات بين عناصر من (داعش) وقوات محسوبة على مصراتة بين وقت وآخر».
اليوم يبدو أن «داعش» ليبيا يشعر بأنه قادر على التهديد. توعد أواخر الشهر الماضي السلطات المصرية التي تخوض هي الأخرى حربا شرسة ضد فرع التنظيم في سيناء. وتوعد حفتر أيضا. وقام خلال ذلك بتعليق ضحاياه على أعمدة الكهرباء في طرقات سرت، بعد قتلهم بوحشية. لهذا اتجهت أنظار الليبيين لتتبع تحركات «داعش سرت» ومحاولاته الأخيرة للسيطرة على النفط وعلى الطريق الدولية الجنوبية المعروفة باسم «أجدابيا - طبرق»، وهي طريق إسفلتية تمتد بطول نحو 400 كيلومتر، وأصبحت مهجورة بعد أحداث 2011 بسبب سطوة الميليشيات وقطاع الطرق عليها.
ويوجد في شمال ليبيا من ناحية الشرق طريقان سريعان يربطان وسط البلاد والحدود المصرية. ظل التنظيم المتطرف، حين كان يتحصن في درنة، يبحث عن وسيلة للوصول إلى مدينة طبرق التي تقع بالقرب من الحدود مع مصر، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل بسبب قوة القبائل المسيطرة على المدينة التي يعقد فيها البرلمان جلساته. وشارك دواعش مصريون وتونسيون في تفجيرات في مدن مجاورة لدرنة منها طبرق نفسها والقبة والبيضاء التي توجد فيها الحكومة الشرعية برئاسة عبد الله الثني.
في ذلك الوقت كثر الحديث عن «جيش مصر الحر». وحتى مايو (أيار) الماضي، كانت هناك مخاوف بين المصريين من أن يمثل دواعش ليبيا تهديدا للحدود، رغم توجيه ضربات بالطائرات الحربية المصرية لمواقع التنظيم في درنة ردا على قيامه حينذاك بذبح 21 مصريا في سرت التي كان قد بدأ ينشط فيها. الطريق الذي فشل «داعش درنة» في اجتيازه إلى الشرق، يعرف باسم «الطريق الساحلي». وذبح فيه قبل شهرين خمسة صحافيين، أربعة ليبيين ومصري، وقتل أعداد غير معروفة من المواطنين العاديين.
أما الطريق الثانية فهي الطريق الدولية الجنوبية، وتصل مباشرة إجدابيا بطبرق دون المرور على أي عوائق تذكر، لا مدن ولا بوابات أمنية مجهزة. لكن فرقة التباوي تقدمت وتمركزت غرب مدينة إجدابيا قبل أيام، لمواجهة أي تحرك مفاجئ من «داعش» الذي يسعى لاقتحام المدينة التي تمثل بداية الوصول للطريق الدولية الجنوبية. ومع ذلك تمكن التنظيم من إحداث بعض الخروقات. هجم على بوابة من البوابات الهشة التابعة للجيش هناك وتقع في المنتصف أي على بعد نحو 200 كيلومتر شرق إجدابيا، وقتل فيها أربعة جنود ليبيين قبل أسبوعين.
وتقول المصادر الأمنية إن «داعش» لو سيطر على الطريق الجنوبية، سيتمكن من الوصول إلى طبرق بسهولة، وعندها سيمثل تهديدا للبرلمان وللحدود مع مصر. وقبل أن يختفي مستشارو الجيش بسياراتهم، يشير عبد الكريم بعلامة النصر ويعدل من وضع نظارته الطبية، ويختفي وراء سحب الغبار، للمرور على نقطة أخرى من النقاط المرابطة على الجبهة الشرقية لسرت.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.