الصحافة الأفغانية الوليدة في خطر مع اقتراب الانسحاب الأميركي

تكاليف بشرية مستمرة لتغطية الأخبار.. ومستقبل مجهول لمائة قناة تلفزيونية

مدير شرطة كابل يتحدث عن التفجير الانتحاري على مطار العاصمة
مدير شرطة كابل يتحدث عن التفجير الانتحاري على مطار العاصمة
TT

الصحافة الأفغانية الوليدة في خطر مع اقتراب الانسحاب الأميركي

مدير شرطة كابل يتحدث عن التفجير الانتحاري على مطار العاصمة
مدير شرطة كابل يتحدث عن التفجير الانتحاري على مطار العاصمة

يوجد معهد تطوير وسائل الإعلام الممول أميركيا في منزل كبير من طابقين خلف بوابة حديدية مدرعة، وفي حراسة جنود مسلحين لا يستطيعون الوصول إلى المبنى إلا من خلال الماسح الحاسوبي الضوئي. ولقد طبقت إجراءات السلامة في ربيع هذا العام عقب اتهامات من حركة طالبان بأن معهد ناي صار «مركزا للغزو الثقافي الأميركي في البلاد».
منذ سقوط النظام الديني المتطرف في عام 2001، أنفقت الولايات المتحدة ما لا يقل عن 110.7 مليون دولار على تطوير وتعزيز وسائل الإعلام المفتوحة في أفغانستان حيث لم تشهد البلاد مثل تلك الوسائل من قبل، وفقا لتحليل التعاقدات على موقع (USAspending.gov) للإنفاقات الحكومية الأميركية. في ذلك الوقت، تعرض ما لا يقل عن 43 صحافيا محليا وأجنبيا للاغتيال، مع الإصابات التي طالت عشرات آخرين. ومع اقتراب انسحاب القوات الأميركية من البلاد، فهناك حالة الشك العميق تحوم حول مستقبل الصحافة في واحدة من أكثر البيئات عداء للصحافة والصحافيين في العالم.
بعد ظهيرة أحد الأيام في المعهد المذكور - حيث توجد صور جدارية لبعض الصحافيين الأفغان المغتالين - كانت سميرة حمتا (33 عاما) تدرس أساسيات علم الصحافة إلى 17 طالبا، كلهم من الذكور إلا واحدة. وكانوا يناقشون دور الصحافة في المجتمع الأفغاني. حيث أعرب أحد الطلاب عن شكواه للهجمات المتكررة على الصحافيين، حيث قال: «إن غالبية شعبنا من غير المتعلمين. وهم في حاجة إلى الصحافيين كي يزودوهم بالأخبار. وذلك هو السبب وراء رفعة تلك الوظيفة هنا»، فابتسمت حمتا. وهي الصحافية الإذاعية التلفزيونية السابقة التي انخرطت في تلك المهنة لتحقيق فارق يُذكر في حياة الناس هناك، حيث حصلت على درجة جامعية في الصحافة من جامعة كابل، ثم عملت على صقل مهاراتها من خلال ورش العمل الصحافي المدعومة من قبل الحكومة الأميركية.
وتقول عن ذلك «إن البندقية سلاح الجندي. والقلم هو سلاح الصحافي». ومنذ الإطاحة بنظام حكم طالبان من البلاد، انتشرت مراكز الإعلام المستقلة في البلاد التي مزقتها ويلات الحروب، وكانت تلك المراكز تتلقى التمويل والتوجيه الأميركي إلى حد كبير. ولا تزال حرية الإعلام وحرية التعبير من الأهداف الرئيسية للتدخل الأميركي في أفغانستان، ولكن الخوف يكمن في أن البندقية صارت أعلى صوتا من القلم.
حيث يواجه الصحافيون الاعتداءات البدنية والترهيب من جانب حركة طالبان، وأمراء الحرب، والمجرمين، ومن حكومة البلاد ذات الدعم الأميركي، التي اعتقلت وسجنت ما لا يقل عن 60 صحافيا، وفقا لجماعات مراقبة حرية وسائل الإعلام. وكان العام الماضي أكثر الأعوام عنفا على الإطلاق بالنسبة للصحافيين الأفغان منذ عام 2001، وكذلك يتضاءل الآن التمويل الوارد من الولايات المتحدة ومن مختلف الحكومات الغربية الأخرى، والذي كان سببا في عمل المئات من المراكز الإعلامية في البلاد.
ويقول نجيب شريف، العضو المؤسس لاتحاد الصحافيين الأفغان، حول الصحافة «إنها أكبر إنجازات الولايات المتحدة في أفغانستان. وعلينا المحافظة عليها».
وجاء الدافع وراء صعود وسائل الإعلام الأفغانية المستقلة في فترة ما بعد حكم طالبان إثر «العطش» الأفغاني للتعبير عن الذات بعد عقود طويلة من القهر والقمع والجيل الجديد الذي يتعطش للمعلومات، كما أضاف السيد شريف.
يقول لطف الله نجفي زاده، مدير الأخبار والشؤون العامة في محطة تلفزيون تولو: «لقد نشأ ذلك الجيل مع حرية التعبير. إنها تجري في عروقهم. ولقد ترسخت في أذهانهم هناك»، مشيرا إلى أن ثلثي الشعب الأفغاني لا تقل أعمارهم عن 25 سنة.
لقد تغير التدفق الحر للمعلومات في البلاد التي تضم نحو 31 مليون مواطن ويجاوز حجمها حجم ولاية تكساس الأميركية. ولم يكن هناك إعلام مستقل تحت حكم حركة طالبان ولمدة خمسة أعوام كاملة.
واليوم، يشتمل المشهد الإعلامي الأفغاني على قرابة 100 قناة تلفزيونية ونحو 250 محطة إذاعية، وفقا للاستبيان الممول أميركيا حول وسائل الإعلام الأفغانية في هذا العام. كما أن هناك أكثر من 200 صحيفة ومجلة. وأغلب وسائل الإعلام تتبع القطاع الخاص. وهم يوظفون، بشكل إجمالي، نحو 7200 صحافي.
كما أن هناك أيضا 34 وكالة إعلامية، فضلا عن 17 مركزا للتدريب الصحافي مسجلة لدى وزارة الإعلام والثقافة الأفغانية. وتضم تلك المراكز معهد ناي، الذي يعمل على تعزيز وسائل الإعلام المستقلة ويتلقى تمويله من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية من خلال شبكة إنترنيوز غير الربحية.
وكانت هناك نجاحات مسجلة: حيث نشرت قصة في ديسمبر (كانون الأول) بواسطة وكالة باجهوك أفغان الإخبارية حول فساد المسؤولين في محافظة فراه التي اشتملت على واردات الوقود غير القانونية والتي أدت إلى إقالة محافظ الإقليم، والقضية مطروحة الآن أمام مكتب المدعي العام الأفغاني. وفي إقليم لغمان، أدى تحقيق أجرته مجلة زاركمار حول ابتزاز موظفي الجمارك للأموال على الطرق السريعة بالإقليم إلى فصل الكثير من المسؤولين هناك.
والسؤال المطروح حاليا في كثير من الأذهان هو ما الذي سوف يحدث عقب إنهاء الولايات المتحدة لمهمتها وانسحاب القوات الأميركية من البلاد، وهو الإجراء المتوقع تنفيذه بحلول عام 2016.
ويمكن لوسائل الإعلام الكبرى في المناطق الحضرية أن تتجاوز ذلك، كما يقول المحللون. ولكن الكثير من المراقبين يخشون أن المحطات الإذاعية والصحف الصغيرة في المناطق النائية والريفية التي تعتمد في جزء كبير على أموال التبرعات سوف تتوقف عن العمل تماما، أو تتحول إلى أدوات في أيدي أمراء الحرب، والشخصيات السياسية، أو المتمردين. يقول السيد شريف «يمكنهم الموت، أو التحول إلى آلات دعائية في خدمة المصالح الإقليمية أو حركة طالبان».
تراجع التمويل الأميركي الذي ساعد في تشكيل سوق وسائل الإعلام الأفغانية يساهم في انهياره: فهناك الكثير من الصحافيين. تقول شارميني بويل من وكالة إنترنيوز «لن يستمر الأمر لذلك العدد الكبير من وسائل الإعلام في تلك الدولة الصغيرة. حيث إن عوائد الإعلانات ضئيلة للغاية».
ساعد التمويل بقيمة 2.8 مليون دولار من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في شراء المعدات التي أدت لقيام قناة تولو التلفزيونية، وهي الشبكة التلفزيونية الأكبر في البلاد حتى الآن. وهي تتمتع بالثقة والمصداقية وبالأخبار العاجلة السريعة، ولكنها تذيع القليل للغاية من التقارير حول المسائلة.
ساعدت وكالة إنترنيوز على تأسيس معظم المحطات الإذاعية الأفغانية، والممولة في جانب كبير منها بمنحة أميركية تقدر بمبلغ 21 مليون دولار. وتستخدم الأموال في بناء المحطات وتركيب أجهزة البث والإرسال في جميع أنحاء البلاد.
وتعتبر محطة سلام واتاندر من أكبر الشبكات الإذاعية المستقلة في البلاد التي أسست عام 2003، وفي ظل وجود 67 محطة إذاعية أخرى، فهي تعمل لمدة 4 ساعات في اليوم، وتتضمن البرامج الأخبار والبرامج التي تتعامل مع قضايا المرأة والشباب والحكومة الجيدة والزراعة. كما استخدم مبلغ 5.2 مليون دولار من أموال المساعدات الأميركية في إنشاء وتشغيل وكالة باجهوك أفغان الإخبارية، وهي أكبر وكالة إخبارية مستقلة في البلاد. وهي تضم طاقم عمل من 120 موظفا موزعين في جميع أنحاء المحافظات الأفغانية البالغ عددها 34 إقليما. ولا تزال وكالة باجهوك تتلقى مبلغا يقدر بـ10 آلاف دولار أميركي من الحكومة الأميركية شهريا.
وعلى خلاف معظم وسائل الإعلام الأفغانية، فإن وكالة باجهوك الإخبارية تجني الأرباح من بعض من 16 خدمة إخبارية مختلفة توفرها للمواطنين. حيث يقول رئيس تحرير الوكالة دانيش كاروخيل «إن هدفنا هذا العام أن نحقق الاعتماد الكلي على الذات».
ولكن أكثر وسائل الإعلام الأفغانية ربحية هي تلك التي تعرض المسلسلات التركية وغيرها من البرامج الترفيهية.
والكثير من البرامج العامة الخدمية الجادة - التي تركز على المرأة، والشباب، والانتخابات - تتلقى تمويلها الحالي من الجهات المانحة الغربية، ومعظمها من الحكومات والمؤسسات. ومع تقلص تلك الأموال، يمكن لرجال الأعمال الأثرياء وأمراء الحرب أن يعملوا على تغيير تلك المعادلة بسبب أنهم غير قلقين من وجود الجمهور المتابع أو السعي وراء أموال الإعلانات. وبالفعل، يمتلك بعض منهم محطات تلفزيونية وبعض الصحف لتعزيز أجنداتهم السياسية الخاصة والمجموعات العرقية التي ينتمون إليها.

* خدمة «نيويورك تايمز»



زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
TT

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)

سيرته الإعلامية ومشواره المهني لا يشبهان أحداً سواه. منذ خطواته الأولى في عالم الإعلام، اختار الإعلامي اللبناني زافين قيومجيان أن يسلك طريق الاختلاف، فغرّد خارج السّرب وترك بصمة غير تقليدية في الإعلام المرئي والمسموع. وتمكّن من تكريس هوية خاصة به.حتى منشوراته، ومنها «أسعد الله مساءكم»، و«لبنان فلبنان»، و«لبنان على ال اشة»، عكست حبّه العميق للبنان والشاشة، فطعّمها بذكرياته ومشاهداته وتعلّقه بالوطن، لتتحوّل مع الوقت إلى مرجع للذاكرة الجماعية.

«الإعلامي الأميز عربياً»

في كل لقاء مع زافين، لا بدّ من اكتشاف جديد عنه. وأخيراً، من أخباره أنه تُوّج بلقب «الإعلامي الأميز عربياً» لعام 2025، إثر استفتاء شمل 18600 مشارك من مختلف أنحاء العالم العربي، أجراه فريق هيئة «الملتقى الإعلامي العربي». وهذا لقب لا يُعدّ جديداً على مسيرته، إذ سبق أن صنّفته مجلة «نيوزويك» الأميركية ضمن الـ43 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم العربي. كما احتل المرتبة الثالثة على قائمة «الشخصيات الـ30 الأكثر تأثيراً على تويتر» في لبنان. وهذا، إلى جانب عشرات الجوائز التكريمية التي حصدها عن برامجه التلفزيونية، لا سيما فئة البرامج الحوارية الاجتماعية.

شغفه بالعمل الإخباري

على الصعيد المهني، يقول زافين إن أجمل تجاربه الإعلامية، والأقرب إلى قلبه على امتداد 35 سنة، تبقى التجربة الإخبارية. ويوضح: «أحِب العمل الإخباري وكل ما يتعلّق بتلفزيون الواقع. ولقد أحببت كثيراً فترة عملي مراسل أخبار، وأيضاً في التحقيقات الاستقصائية، والحوارات السياسية، وإذاعة الأخبار... إذ إنني عندما اخترت دراسة الصحافة كان العمل الإخباري هدفي الأول».

اختبر الزمن... ولم يبدّل مبادئه

يعزو زافين قيومجيان «استمراريته» الناجحة إلى جرأته الدائمة على التغيير. وبحسب رأيه: «إذا لم يبدّل الإنسان قشرته الخارجية يذبُل ويموت، وشرط البقاء هو الحفاظ على المبادئ. التغيير يمكن أن يصيب الشكل لكن لا يجوز أن يمسَّ المضمون. وبالتالي، فإن قاعدتي الذهبية ترتكز على (ثلاثية) الحرفية والاحترام والقيَم».

وحقاً، يقتنع بنفسه ويدعو الآخرين إلى الإيمان بذواتهم، بحثاً عن الأفضل على الدوام. ثم يعلّق: «أنا لا أكتفي بالنتيجة الإيجابية... لأنني أرغب بما هو أفضل. أن تكون إعلامياً مخضرماً، وتواكب الأجيال يعني أن تنجح في اختبار الزمن والعمر. قلّة فقط تملك هذه القدرة لأن الثمن المدفوع يكون مرتفعاً».

حوار رئيس الجمهورية

من جهة ثانية، كان زافين أول إعلامي لبناني يُجري حواراً حصرياً مع رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون. وعنه يكشف: «كنت أرغب في هذه المقابلة عن سابق تصوّر وتصميم. وفعلاً، طلبت موعداً من القصر الجمهوري... ومشكورين، كان لي ما أردته. والحقيقة أن الرئيس يدرك طبيعة حواراتي وبساطة أسلوبي البعيد عن الادعاء». ثم يضيف: «كانت المرة الأولى التي ألتقيه فيها وجهاً لوجه وفي مناسبة غير عامة. قرأت الصدق في عينيه، وإصراره على العبور بلبنان إلى ضفة الازدهار والسلام. إنه يتمتع بتواضع وإرادة قوية لإجراء الإصلاحات اللازمة، وهو شخص لطيف وصادق جداً».

يقدم اليوم على شاشة "الجديد" برنامج "سيرة وكمّلت" (إنستغرام)

محطات وشخصيات صنعت الذاكرة

طوال مسيرته الإعلامية، التقى زافين شخصيات سياسية وفنية كثيرة تركت - كما يقول - أثرها في تجربته، من بينها الرئيسان الراحلان إلياس الهراوي ورفيق الحريري في ميدان السياسة، وفي المجال الفني الفنانتان إليسا ونوال الزغبي.

ويتابع: «تعرّفت إلى الهراوي والحريري عن قرب عندما كنت مراسلاً إخبارياً في القصرين الجمهوري والحكومي، ولمست وطنيتهما. فقد آمنا بلبنان وعَملا على نقله من زمن الحرب إلى زمن السلم... أنا أحب الأشخاص الذين يُحدثون تحوّلات ويوسّعون هامش الحرية. أما بالنسبة لأهل الفن فإن إليسا ونوال كسرتا القوالب التقليدية وصنعتا قوانين جديدة تشبه شخصيتيهما».

مهنياً، يعدّ زافين المديرَ العام السابق لـ«تلفزيون لبنان»، فؤاد نعيم، الداعمَ الأكبر له، مستطرداً: «لقد آمن بي وغامر معي في نقل الإعلام من التقليدي إلى الحديث. اكتشفني ووضع يده على روحي، ولولاه لكانت حياتي بالتأكيد أصعب».

الإنسانية: المدرسة الأولى... والأخيرة

في الواقع، تنقّل زافين قيومجيان بين أكثر من محطة تلفزيونية، من «تلفزيون لبنان» إلى «المستقبل» وصولاً إلى «الجديد». وذاع صيته عربياً بوصفه أحد أوائل مَن قدَّموا برامج حوارية جريئة على شاشة فضائية عربية، كاشفاً المسكوت عنه، وغائصاً في عمق البيوت ومشاكلها. وعن هذا الجانب يعلّق: «منذ بداياتي رغبت في تناول هذا النوع من القصص من دون أحكام مسبقة. أنا لا أركّز على الأرقام بل على التجربة الإنسانية. ولا يهمّني عدد الضحايا بقدر ما يهمّني ما عاشته الضحية. إنما أنتمي إلى المدرسة الإنسانية، وأعتزّ بذلك».

النجاح... قدرة على التأقلم

في مرحلة سابقة، غاب صاحب السؤال الشهير «شو حسّيت؟» (بماذا شعرت؟) عن وسائل التواصل الاجتماعي، مفضّلاً الانتقال من الانتشار الواسع إلى جمهور أصغر. وبالفعل، قدّم بودكاست «100 ع 100» بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU). وشارك في مناظرات شبابية «30 - 31»، قبل أن يطلّ اليوم في «سيرة وكمّلت» على شاشة «الجديد»، ولعلها النُّسخة المعاصرة من برنامجه الشهير «سيرة وانفتحت». وهو أيضاً يشارك في برنامج «بونجورين» عبر إذاعة «صوت كل لبنان».

وهنا يقول: «لم أعد بحاجة لإثبات مكاني. أعمل بدافع الشغف. الإذاعة نابعة من حبّي للتواصل مع جيل لا يزال وفياً لها، وفي المقابل أحرص على التواصل مع جمهور أصغر سناً». وفي هذا السياق، كونه أستاذاً جامعياً في الإعلام في الـ«LAU»- حيث تلقى تعليمه الجامعي - يبقى زافين على تماسٍ مباشر مع جيل الشباب. ويوضح: «مهما كانت خبرتي طويلة، أدرك ضرورة الإصغاء إلى الأصغر سناً، تماماً كالفنان النجم الذي يتعاون مع ملحّن مغمور... هذه التنازلات ضرورية لأنها تحمل تحدّيات التجديد».

الشاشة الصغيرة... الرهان المستمر

رغم تنوّع منصّاته، يعود زافين دائماً إلى التلفزيون، مؤمناً بدوره الجامع. ويقول: «أريد أن أشارك في الولادة الجديدة للتلفزيون. صحيح أن الناس استعاضت عنه بالهواتف، لكن الشاشة الصغيرة تبقى التجربة المشتركة الوحيدة للعائلة. طبعاً لن أعيده إلى عصره الذهبي... لكنني سأعمل على تطويره. هذه الولادات تحتاج إلى إعلاميين مخضرمين يكونون جسر عبور بين جيل وآخر».

إعادة الشريط المهني بقالب حديث

ويُسعد زافين اللقاء بالقول عن مرحلته الحالية إنها «مراهقة الخمسين» الإعلامية (جَهْلة الخمسين المهنية)، وفق تعبيره. وفيها يعيد تقديم القصص الاجتماعية التي اشتهر بها بشروط جديدة... ويختتم: «أشعر بالحنين إلى الإعلام التقليدي، وأحاول عبر الإذاعة والبودكاست والتدريس الجامعي الابتعاد عن ضغوط الإعلام السائد، وتحسين قواعد اللعبة الإعلامية على طريقتي».


ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)
TT

ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)

يبدو أن منصات التواصل الاجتماعي تمر بـ«أزمة»، إذ بدا الدور الأصيل لها -وهو التواصل، وبناء الروابط الاجتماعية- يتلاشى، ليبرز الترفيه، ومتابعة الفيديوهات الخاصة بأشخاص «غرباء» باعتبار أنه احتياج أوّلي للمُستخدمين.

هذا الاتجاه يطرح تساؤلات بشأن ماذا سيحدث لاستراتيجيات عمل الناشرين حين يصبح الفيديو لغة المنصات الأولى؟ وكان معهد رويترز لدراسة الصحافة قد لفت في التقرير السنوي «لاتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2026»، أخيراً، إلى أن وسائل التواصل باتت أقل «اجتماعية»، بسبب تحوّل جذري في سلوك المستخدمين إزاء منصات «السوشيال ميديا» التقليدية، مع تراجع المحتوى الآتي من دائرة الأصدقاء لصالح موجز تقوده توصيات الذكاء الاصطناعي، ومقاطع الفيديو.

الدكتور أنس النجداوي، مدير جامعة أبوظبي-فرع دبي، وأستاذ الأعمال الرقمية المشارك، مستشار قناتي «العربية» و«الحدث» للتكنولوجيا ووسائل التواصل، يرى أن منصّات التواصل الاجتماعي تُغير خوارزمياتها بشكل مستمر، غير أن ما برز خلال العامين الماضيين هو انتقال اهتمام هذه المنصات من «مَن تتابع؟» إلى «ماذا يشدّ انتباهك ويبقيك وقتاً أطول على المنصة؟».

وأوضح النجداوي لـ«الشرق الأوسط» أنه «في السابق كانت منصات (السوشيال ميديا) تقوم بتحليل الرسم البياني الاجتماعي، أو Social Graph Analysis لمعرفة شبكة علاقات المستخدم، والأصدقاء، والحسابات التي يتابعها، ومن خلال هذه البيانات تبني ملف اهتمام يحدد سلوك المستخدم بدقة... غير أن الفيديو القصير هو الآن الأداة الأقوى لرفع مؤشر البقاء داخل التطبيق، لأنه سريع، ومتلاحق، ويدفع المستخدم من مقطع إلى آخر، وهو ما يترجم إلى أرباح إعلانية أعلى». وأردف: «وفي المقابل، تصبح النصوص الطويلة، والروابط الخارجية عبئاً، لأنها تخرج المستخدم من المنصة، فتتراجع فرص انتشارها».

عن انعكاس هذا التغير على استراتيجيات عمل الناشرين، يرى النجداوي أن «المؤسسات الصحافية والإعلامية أمام أزمة، لأن النموذج المعتاد للوصول للجمهور تغيّر... ذلك أننا نعيش الآن عصر (الزيرو كليك)، أي أن الروابط لم تعد مُجدية، وزيارات المواقع الصحافية انخفضت، ما يعكس ضرورة أن تغير نموذج العمل». وأوضح من ثم أن هذا التحوّل صنع ما يُسمّى بـ«النيوز إنفلونسر».

وتابع الدكتور النجداوي بقلق قائلاً إن «السرعة يمكن أن تدفع البعض للتبسيط المُخِلّ، أو للإثارة، ما يعني أن مُجاراة الخوارزميات يمكن أن تدفع الناشرين لتقديم محتوى بلا تأثير حقيقي، أو معلومة واضحة، فالمعادلة صارت صعبة؛ كيف تصنع فيديو يناسب الخوارزمية من دون أن تخسر التحقق، والدقة، والثقة؟».

من جهة ثانية، وفق بيانات وفرها «تشارتبيت» لصالح تقرير «رويترز» تراجع متوسط الإحالات إلى مواقع الأخبار من «فيسبوك» بنحو 43 في المائة خلال العامين الماضيين ونصف العام، بينما انخفضت الإحالات من «إكس» بنسبة 46 في المائة، في مؤشر على أن الانتشار عبر الروابط لم يعد يضمن حركة زيارات كما كان سابقاً.

وهنا علّق محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي بدولة الإمارات المتحدة، قائلاً إن الاستثمار في منصات الفيديو مثل «يوتيوب» و«تيك توك» بات خياراً أكثر جدوى من الاعتماد المفرط على الوصول من خلال المنصات التقليدية للتواصل الاجتماعي، أو «غوغل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «صحيح أن (غوغل ديسكوفر) كان مصدراً ضخماً للزيارات، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات جذرية، وبات من الصعب الاعتماد عليه، لا سيما أنه يخضع بالكامل لخوارزميات تتغير باستمرار، وقد ترفع أو تخفض الزيارات بشكل حاد خلال أيام». وتابع أن «سياسة (غوغل) أصبحت واضحة في استهداف إبقاء المستخدم داخل منظومتها عبر ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما يقلل من قيمة الزيارة نفسها، ويضعف العائد التحريري والاقتصادي للناشر».

أيضاً اعتبر عاطف أن «يوتيوب» و«تيك توك» باتتا بيئة استهلاك حقيقية للجمهور اليومي، و«الاستثمار فيهما، لا يعني فقط تحقيق مشاهدات، بل بناء حضور متكرّر، وهوية بصرية، ونمط سردي يتعرف عليه الجمهور بسهولة». وحسب رأيه فإن «الاستراتيجية الأكثر واقعية في 2026 هي التحول من عقلية مصادر الزيارات إلى عقلية أماكن وجود الجمهور، لأن الفيديو القصير أصبح اللغة السائدة... بل حتى (غوغل) نفسها باتت تكافئه داخل (ديسكوفر)، لذلك الاستثمار في الفيديو لم يعد خياراً إضافياً».

واختتم موضحاً أن «إدراج الفيديو القصير ضمن منتجات المؤسسات الصحافية بات ضرورة، لضمان الوصول إلى فئات عمرية جديدة من الجمهور... لكن الفيديو القصير يعد تحدياً أمام الناشرين، لأنه يفرض منطقاً مختلفاً بالكامل في السرد الصحافي. وعلينا أن نقر بأن الجمهور بات أسرع في سلوكه التفاعلي، فهو لا يمنح أكثر من ثوانٍ قليلة قبل اتخاذ قرار المشاهدة، أو التمرير، ما يجعل نوع المحتوى وزاوية تقديمه عاملين حاسمين في النجاح».


الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.