التحدي المطروح على وزراء الداخلية والنقل الأوروبيين الذين سيجتمعون في باريس غدًا السبت، يتمثل في تصور التدابير اللازمة والناجعة التي من شأنها منع تكرار العملية الإرهابية التي كان الشاب المغربي أيوب الخزاني ينوي القيام بها في القطار السريع الرابط بين أمستردام وباريس يوم الجمعة الماضي. ويجمع المسؤولون السياسيون والأمنيون على أنه لو لم يتحلّ العسكريان الأميركيان والأشخاص الآخرون بالجرأة والشجاعة لنزع أسلحة الخزاني (رشاش كلاشنيكوف مع 270 طلقة ومسدس لوغر مع ممشطين ومبضع شاطر وقنينة من البنزين) لكانت حصلت «مجزرة رهيبة».
الاجتماع دعا إليه وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف الذي يريد توافق 9 بلدان أوروبية تربط بينها سكك الحديد (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، إسبانيا، بريطانيا، سويسرا، هولندا، بلجيكا ولوكسمبورغ) من أجل اتخاذ إجراءات «ملموسة» لتشديد الأمن في المحطات والقطارات. وقال كازنوف في حديث، أول من أمس، إن الغرض من الاجتماع «البحث في وسائل التعرف بشكل أفضل على الذين يستخدمون وسائل النقل المشترك». ويبدو واضحا أن الوزراء المعنيين يريدون قبل أي شيء أمرين متلازمين: الأول، طمأنة الرأي العام في البلدان التسعة الذي «لا يفهم» كيف أن شخصا مثل أيوب الخزاني تتابعه الأجهزة الأمنية في أربعة بلدان (إسبانيا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا) استطاع بسهولة بالغة أن يركب القطار في محطة بروكسيل المركزية حاملا معه ترسانة من الأسلحة من غير رقيب أو حسيب. وسبق أن فرنسيا (مهدي نموش) الذي ارتكب عملية القتل في محفل يهودي في بروكسل في ربيع عام 2014 عاد من العاصمة البلجيكية مع سلاحه ولم يُلْقَ القبض عليه في محطة القطارات في مدينة مرسيليا إلا صدفة. أما الهدف الثاني فيتمثل في البحث المشترك عن الوسائل الكفيلة بخفض نسبة التهديد الإرهابي في وسائل النقل، وتحديدًا في القطارات إن كانت المحلية أو العابرة للبلدان، حيث يبدو أن مستوى الخطورة ما زال مرتفعا للغاية رغم التدابير المتخذة منذ عدة سنوات.
ثمة «أفكار» ستكون مطروحة للنقاش غدًا، بيد أن مصادر أمنية فرنسية رأت أنه «لا حل ناجعا في القريب العاجل» وأن التدابير والإجراءات التي ستقر خلال الاجتماع «لن تكون فاعلة إلا إذا تحقق شرطان رئيسيان: الأول، التعاون التام بين الأجهزة الأمنية المعنية والثاني، الالتزام الحرفي بتطبيقها جماعيا». وسيسعى وزير الداخلية الفرنسي إلى إقناع زملائه بالحاجة إلى الاستفادة من قاعدة البيانات الأوروبية للأشخاص الذين تحوم بصددهم شبهات أمنية ويُمنعون من الصعود إلى الطائرات في الفضاء الأوروبي في موضوع السفر في القطارات العابرة للبلدان. والحال أن العمل بهذه القاعدة لن ينطلق طالما لم يصوت البرلمان الأوروبي عليها. فضلا عن ذلك، فإن اللجوء إليها يعني تحميل الأجهزة الأمنية وموظفي شركات السكك الحديد أعباءً إضافية، والتسبب في تأخير سير القطارات. وقال رئيس الشركة الفرنسية غيوم بيبي إن حجم حركة المسافرين على القطارات في فرنسا مثلا يزيد 20 مرة عما هو عليه في النقل الجوي.
ولذا، فإن التفتيش المنهجي للمسافرين ولحقائبهم «غير ممكن، ولا يتعين التفكير بذلك». ولكن ما هو مستطاع هو وضع أجهزة كشف إلكترونية للمعادن في المحطات التي تنطلق منها الرحلات الدولية واعتماد عمليات التفتيش «الانتقائية». فضلا عن ذلك، سيدرس الوزراء المجتمعون كيفية تعزيز الأمن في المحطات ولكن أيضًا في القطارات نفسها عبر زيادة رجال الأمن. لكن الواضح أن هذه التدابير لن تصل إلى مستوى ما هو معمول به على طرفي القطار السريع «يوروستار» في محطة «سان بانكراس» اللندنية أو «محطة الشمال» في باريس.
في أي حال، يأتي اجتماع باريس بعد أن وجه القضاء الفرنسي عصر أول من أمس اتهامات رسمية لأيوب الخزاني. وقال مصدر قضائي إن اللائحة الاتهامية تنص على «محاولة اغتيال ذات طبيعة إرهابية وحيازة وحمل ونقل أسلحة وعناصر أسلحة وذخيرة من الفئتين ألف وباء على علاقة بمؤسسة فردية أو جماعية إرهابية، والمشاركة في عصبة أشرار إرهابية بهدف التحضير لجريمة أو عدة جرائم اعتداء تستهدف أشخاصا». وبناء على هذه الاتهامات، وضع الخزاني قيد التوقيف الاحتياطي فيما سيستكمل التحقيق لجلاء ما زال غامضا من تشعبات هذه المسألة تحت إشراف قاضٍ متخصص في المسائل الإرهابية.
الواقع أن الأجهزة الأمنية الفرنسية لم تنجح في حسم عدد من النقاط التي ما زالت «غامضة» رغم أربعة أيام من الاستجواب المتواصل التي أخضع لها الخزاني. وهذا الأخير لم يبد تعاونا مع المحققين. ومنذ يوم الأحد الماضي، أي بعد يومين من توقيفه، لزم الصمت ورفض الإجابة عن الأسئلة المطروحة عليه مكتفيا بترداد روايته الخاصة بأنه ليس إرهابيا، وأن الأسلحة التي كانت في حوزته عثر عليها «صدفة» في حديقة قريبة من محطة القطارات الرئيسية في بروكسل، وأن غرضه كان سلب المسافرين على متن القطار.
بيد أن التحقيق اعتبر هذه الرواية من نسج الخيال. فقد أكد المدعي العام فرنسوا مولان أن الخزاني سعى لتنفيذ مشروع إرهابي «محدد الهدف ومتعمد»، وأن روايته «مختلقة». وثمة «قناعة قوية» بصدد انتماء الخزاني للتيار الراديكالي العنيف.
ومما أشار إليه المدعي العام لإثبات جنوح الخزاني نحو الإرهاب أنه تصفح موقعًا دعائيًا إسلاميًا على هاتفه الجوال قبيل الهجوم.
تفيد المصادر المتابعة للتحقيق أن النقاط الغامضة تتناول تحديد مصدر الأسلحة و«مسار» المتهم الذي صنفته أجهزة أمنية أوروبية في أربع بلدان على أنه «راديكالي إسلامي» والجهات التي قدمت له المساعدة إن للحصول على الأسلحة أو للتنقل بين الكثير من البلدان الأوروبية ومنها إسبانيا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا والنمسا وتركيا وإمارة أندورا (على الحدود الفرنسية – الإسبانية). فضلا عن ذلك، لم ينجح التحقيق، رغم تعاون الأجهزة الأوروبية المعنية وتحديدا ألمانيا وإسبانيا، في توفير الدليل على انتقال الخزاني إلى سوريا خلال إقامته في تركيا بداية العام الماضي، حيث أمضى فيها شهرا كاملا، وعاد منها في يونيو (حزيران) الماضي.
ويتساءل المحققون عن السبب الذي جعله يعود من تركيا عبر ألبانيا انطلاقا من مطار مدينة أنطاكيا القريبة من الحدود السورية، علما بأنه توجه في رحلة إلى إسطنبول من ألمانيا. كذلك لم ينجح المحققون في كشف شبكة علاقات قد يكون الخزاني قد بناها مع جهات لها اتصالات مع التنظيمات الإرهابية. وستكون هذه النقاط في صلب عمل المحققين للأسابيع المقبلة.
أوروبا تسعى لحماية قطاراتها من الأعمال الإرهابية
اجتماع في باريس لوزراء الداخلية والنقل في 9 بلدان أوروبية غدًا
رجال البحث الجنائي يجمعون الأدلة من القطار السريع الرابط بين أمستردام وباريس يوم الجمعة الماضي قبل توجيه الاتهام الى الشاب المغربي أيوب الخزاني (ا.ب)
أوروبا تسعى لحماية قطاراتها من الأعمال الإرهابية
رجال البحث الجنائي يجمعون الأدلة من القطار السريع الرابط بين أمستردام وباريس يوم الجمعة الماضي قبل توجيه الاتهام الى الشاب المغربي أيوب الخزاني (ا.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
