التربية المستنيرة في مجتمع الوسائط: تأملات كانطية

الإرادة السياسية شرط ضروري ودور المدرسة محوري

التربية المستنيرة في مجتمع الوسائط: تأملات كانطية
TT

التربية المستنيرة في مجتمع الوسائط: تأملات كانطية

التربية المستنيرة في مجتمع الوسائط: تأملات كانطية

كيف يمكن للتربية أن تكون أساسا مؤسسا لمجتمع يسوده التنوير والحداثة؟ ما أرومه من مقالي هو إعادة التفكير في وظيفة المدرسة بوصفها مؤسسة للتربية في مجتمع تتعدد فيه الوسائط التي تشارك، أو لنقل تنافس المدرسة بشكل رسمي أو غير رسمي هذا الدور الذي وجدت له، وهو التربية والتأهيل لأفراد المجتمع حتى يكونوا قادرين على الاندماج مستقبلا في المجتمع الذي يعيشون فيه، والتفكير في نفس الوقت في قضايا هذا المجتمع وراهنه من منظورات يكون أساسها ومنطلقها «الذات الفاعلة»، وهي ذات متحررة من كل الإكراهات الخارجية، سواء كانت تأثيرات إيديولوجية لوسائل الإعلام، أو لقوى سياسية أو دينية، وهكذا تكون الذات الفاعلة غايتها التفكير من خارج منطق الوصاية انطلاقا من ماضيها المدرسي والتكويني والثقافي الذي اكتسبته، والذي تعمل على إعادة تمثله ليس من أجل إعادة إنتاجه، بل من خلاله تعمل على بناء المشترك بعيدا عن كل غاية خاصة.
بطرحنا لهذا الإشكال الذي غايته التساؤل حول وظيفة المدرسة، نكون مجبرين منهجيا على إثارة المضامين التي يجب أن تنفرد بها المدرسة عن غيرها من الوسائط التي تكون في الغالب ذات أهداف آيديولوجية خاصة، بالمقارنة مع المدرسة التي لا ننفي عليها هذا البعد الآيديولوجي، إلا أن هذه الآيديولوجية تكون في الغالب «عمومية» ومتعاقدا عليها بناء على ميثاق تربوي وسياسي، يتفق عليه جميع أفراد المجتمع، عن طريق المؤسسات أو الفاعلين الذين يمثلونهم، وهنا أوظف اصطلاح «العمومية» بالمنظور الكانطي، وأقصد به القدرة على استخدام العقل استخداما خاصا، بحيث تكون كمواطن حينما تكون داخل المدرسة أو الإدارة أو مخفر للشرطة ملزما بالخضوع للقوانين واحترامها، لكن يجب أن يتيح لك القانون الحرية التامة لكي تعبر عن وجهات نظرك من كل المؤسسات أو الخدمات التي لا تبدو لك جيدة في الفضاء العمومي الذي يتكون من الصالونات الثقافية ووسائل الإعلام السمعية والمكتوبة. وهكذا، عوض اللجوء إلى الفوضى والعنف، تكون الذات الفاعلة والحداثية التي يجب أن تعمل مدارسنا على تكوينها وتنميتها محترمة للقانون من جهة حينما تكون داخل كل المؤسسات الرسمية والخاصة، ومعبرة عن موقف نقدي مؤسس وبناء في الفضاءات العمومية الموازية التي تمتص العنف وتتيح لجميع الأفراد التعبير عن مواقفهم استنادا إلى العقل وقدرته التبريرية المبنية على العقل والحجاج.
لا يخفى على أحد اليوم أن المدرسة لم تعد الوسيط الوحيد الذي ينشأ فيه الأفراد أو يطبّعون ويهذبون داخل المجتمع، فإلى جانبها نجد كل من: التلفاز – المذياع - أشرطة الفيديو - البرامج التفاعلية - شبكات التواصل الاجتماعي - المكتبات الرقمية - الرسوم المتحركة...، وحتى إذا ما افترضنا إسهاما لا يمكن معرفة أثره للمدرسة في بناء هذه القيم التي نريد أن يكون المجتمع قائما عليها، فإن الواقع يثبت أنه أحيانا لا تكون هذه القيم التي يتم تهذيب الأطفال وفقها في المدرسة ذات «أثر براغماتي» داخل المجتمع، إذ لا نستطيع التمييز بين تلميذ دخل المدرسة، وبين آخر لم تطأ قدمه فضائها نهائيا، فحينما ننظر لسلوكات المتعلمين وغير المتعلمين داخل الحياة العمومية المشتركة، وفي الحياة العملية بعد سنوات من التعليم، نكتشف أحيانا أن العنف، والوثوقية وعدم الإيمان بالاختلاف ما زالت لم تصبح سلوكا يوميا لديهم، بينما يسيطر منطق القبيلة والأنانية المطلقة والاحتكام إلى العواطف والانفعال في التعبير عن الرأي وهو ما يجعل السؤال مطروحا بحدة: أي قيم؟ وأي مضمون تربوي يتم تربية أبنائنا عليه في المدارس اليوم، وخاصة في عالمنا الممتد من شمال أفريقيا إلى حدود بلاد فارس؟
لا يمكن أن نتسرع في الإجابة عن ذلك، ولكن يمكن أن نطرح تصورا بديلا لأحد المجتمعات التي عاشت نفس مأزقنا في القرن الثامن عشر، وسأعطي مثالا بالمدرسة الألمانية، التي يمكننا أن نلمس أزمة نظامها التربوي الذي كان يعم أوروبا آنذاك في مختلف الأدبيات التربوية والفلسفية التي صيغت في ذاك العصر، ولا شك أن كتاب «إميل» أو في التربية لجان جاك روسو، أو تأملات في التربية لكانط التي أصدرها تلميذه رنكه سنة قبل وفاته، ومنها التمس مفهوم التربية المستنيرة بوصفه بديل ممكن لهذه الهجانة التي نعيشها على مستوى المضامين التربوية في مدرستنا التي يعكسها تضارب «قيم عمومية وقيم خاصة»، والقيم الخاصة هي القيم الماقبل مدرسية وتنبني على العرف والعادة والثقافة الشعبية، وهي غالبا قيم لا يمكنها أن تقدم للفرد ما يمكنه من الانفتاح والقبول بالآخر، لذلك كنا في حاجة إلى المدرسة ليس فقط من أجل نقل مجموعة من الخبرات التقنية للمتعلم كي يستطيع الاندماج بها في سوق المهن، بل من أجل الإشراف على توجيه سلوكاته وتصرفاته وتمثلاته نحو النزوع إلى «الخروج» من العادة والعرف والانفتاح على العالمية والإنسانية دون الانسلاخ من فردانيته وخصوصيتها.
بعودتنا لهذه النصوص التي ألقاها كانط في جامعة كوسنبرج سنة 1776-1787 نجد كانط يصرح في بدايتها بأن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يجب تربيته، ويقصد كانط بفعل التربية: الرعاية والتغذية والتعهد والانضباط والتعليم المقترن بالتكوين ومن هذه الزوايا الثلاث يكون الإنسان رضيعا وتلميذا وطالبا، وتنقسم غايات التربية عند كانط إلى:
1 - غايات مادية: يؤهل فيها الطفل جسميا وبدنيا لكي يكون قادرا على الإقبال على الحياة.
2 - غايات معرفية وعقلية: تنصب على صقل الاستعدادات والملكات العقلية للطفل عن طريق التعليم.
التربية ليست خيارا
هكذا مع كانط لم تعد التربية خيارا للآباء أو للمجتمع أو الدولة، وهي ليست نوعا من الصدقة والكرم الذي نجود به على الطفل، بل هي ضرورة وجودية من أجل تفادي حيوانية الأفراد وفي هذا الصدد يتساءل كانط «هل يمكن الحديث عن إنسانية الإنسان لو جرد من التربية»؟ وهو ما يعني أن التربية هي ما يكسب الإنسان إنسانيته، ويظهر ذلك جليا من خلال المقارنات التي يعطيها كانط بين الإنسان والحيوان، فالحيوانات عند ولادتها لا تحتاج للتربية لكي تتعلم ما عليها القيام به، بينما الإنسان يحتاج للتربية وهو ما يؤكده كانط بقوله «الإنسان لا يصير إنسانا إلا بالتربية».
التربية إسهام في التأسيس للمجتمع الإنساني
تكتسي التربية المستنيرة قيمتها وراهنيتها من خلال اعتبارها أساسا متينا لبناء المشروع الأنواري والمجتمع الإنساني الذي دافع عنه كانط في نصه الشهير ما التنوير؟ وفي كتابه تأسيس ميتافزيقا الأخلاق، وفي مقالته حول السلم الدائم. فالتربية المستنيرة ذات وظيفتين أساسيتين: فهي من جهة تعلم الفرد كيف يمكنه أن يمتثل للمجتمع الذي يعيش فيه في لحظة الطفولة، لكنها في نفس الوقت تعلمه وتصقل مواهبه واستعداداته العقلية والوجدانية كي يستطيع التصرف في حريته حينما يصل إلى سن الرشد عن واجب وليس عن طريق الإكراه، مما يجعلنا أمام إنسان لا يخفي النوايا البغيضة بقدر ما يعبر عن جميع تصوراته ومواقفه لأنه يعي تمام الوعي أنه حر ومسؤول عن شخصه الذي يحمل عبء الإنسانية جمعاء ويطمح لسعادتها.
البيداغوجية كوسيط تأسيسي للتربية المستنيرة
لكي يتحقق هذا الهدف، يطالب كانط بتأسيس علم للتربية (البيداغوجية)، وتعني البيداغوجيا: مختلف الطرائق والآليات والوسائط التي نعتمدها في نقل معارف ومعلومات وتصورات من المستوى العالم إلى المستوى القابل للتعلم، مع مراعاة الخصوصيات السيكولوجية والنفسية والعمرية للمتعلمين، وهكذا تكون البيداغوجية قائمة على النظر والتفكير في تطوير الاستعدادات الإنسانية وتوجيهها لترتقي بها نحو وضع أفضل مما هي عليه، لهذه الغاية على البيداغوجية أن تتخذ بعدا كونيا وعالميا وهو ما لا يمكن أن يتأتى حسب كانط إلا عن طريق «العمل على توريث الأجيال القادمة تعليمات تستطيع تحقيقها بالتدريج بغية الوصول نحو الكمال الإنساني».
إذن كيف يمكن أن نجمع بين الحرية والإكراه في التربية؟ وكيف يمكن أن تكون التربية المستنيرة ما يميز المدرسة اليوم في ظل تعدد الوسائط التي تنافس المدرسة في هذه الوظيفة؟ أجيب بأنه يمكن ذلك عن طريق فهمنا لبنية كل من: الوسائط والمدرسة فـ:
1 - الوسائط: غايتها آيديولوجية وتخدم المصالح الخاصة، وذلك واضح من خلال الوسيط الإعلامي الذي يخدم في العمق الدعاية السياسية أو الشركات الكبرى الراعية للإشهارات أو خدمة الاقتصاد والاستهلاك.
2 - المدرسة: مؤسسة عمومية تعمل على نشر القيم العمومية والمدنية ويمكن أن تسمح للطفل بأن يقول كل شيء، وهي ليست حكرا على جهة معينة، بل غايتها إعداد الفرد لكي يخرج من وضع القصور الطبيعي والثقافي الذي يفرض عليه أحيانا من طرف الأجهزة الآيديولوجية المنتشرة اليوم، وتكمن قيمة المدرسة في كونها وسيطا آيديولوجيا، لكنه خاضع ويجب أن يكون خاضعا ومنفذا للتعاقد السياسي الذي اتفقت عليه كل الإرادات الفردية والجماعية داخل الدولة، وهكذا نعتبر أن المدرسة يمكنها أن تكون الوسيط الأكثر قدرة على الإسهام في التربية المستنيرة، إذ من داخلها يكون متاحا للمتعلم والطفل والتلميذ، بأن يفكر في كل القضايا سواء السياسية أو الاقتصادية أو الإعلامية أو الثقافية من منظور مختلف بواسطة موجه وهو البيداغوجي الذي يقود المتعلم نحو استخدام عقله الخاص في التفكير.
الإرادة السياسية شرط ضروري للتربية المستنيرة والمجتمع الإنساني:
إن تكون لدينا وعي تاريخي وحصّلنا بعض الدروس من التاريخ فيمكن أن نصل في نهاية المطاف في عالمنا إلى ما قاله كانط في نصه الشهير «تأملات في التربية»: «لا يستطيع الإنسان أن يصير إنسانا إلا بالتربية. فهو ليس سوى ما تصنعه به التربية. ولا بد بالتأكيد من ملاحظة أن الإنسان لا يربّى إلا من قبل أناس، ومن قبل أناس ربوا هم أيضا. لذا، فإن عدم الانضباط والتعليم الذي يلاحظ عند بعض الناس يجعل منهم مربين سيئين لتلاميذهم، فلو تعهد كائن من طبيعة فائقة بتربيتنا لرأينا إذ ذاك ما يمكن أن يصنع بالإنسان. ولكن بما أن التربية من جهة لا تعلّم البشر إلا أشياء معينة، ومن جهة أخرى لا تفعل سوى أنها تنمي لديهم صفات معينة، فمن المستحيل أن نعرف إلى أين تمضي استعدادات الإنسان الطبيعية. ولو أن تجربة معينة أجريت - في هذا الشأن - بدعم من أولي الأمر وتضافر قوى الكثير من الناس، لمكنّنا ذلك من معارف كثيرة نتبيّن من خلالها إلى أين يمكن للإنسان أن يتقدم، وإنه لشيء محزن بالنسبة إلى شخص يحب الإنسانية، وجدير بالملاحظة على حد سواء بالنسبة إلى ذهن تأملي، أن يرى أغلبية أولي الأمر لا يفكرون أبدا إلا في أنفسهم، ولا يشاركون أبدا في التجربة الخطيرة للتربية حتى تخطو الطبيعة خطوة أكثر نحو الكمال»، مما يؤكد أن مجتمعا إنسانيا تؤسسه التربية المستنيرة وتساهم فيه المدرسة يظل شرطه الأساسي هو الإرادة السياسية الحقيقية.



ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».


لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة
TT

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد أمين عبد الصمد. والكتاب، كما هو واضح من العنوان، يشير إلى تلك الواحة الشهيرة التي تقع في شمالي غرب مصر على بعد نحو 340 كم من ساحل البحر المتوسط وعلى بعد 450 كم من وادي النيل وتقترب بشدة من الحدود السياسية لليبيا، ويتحدث سكانها اللغة الأمازيغية «باللهجة الشاوية» بجانب اللغة العربية المتداولة رسمياً.

يعتمد أهل سيوة في حياتهم الاقتصادية على الزراعة ويشتهرون بإنتاج أنواع متعددة من البلح، وذلك لانتشار النخيل وزراعته في الواحة بأنواعه المتعددة، حيث كان تعداد النخيل في سيوة عام 1960 نحو 100 ألف نخلة، فضلاً عن 30 ألف شجرة زيتون تعطي بعد عصرها 200 طن من زيت الزيتون.

ويبدي المؤلف اهتماماً خاصاً، بواحدة من أشهر الأحداث التاريخية التي ارتبطت بسيوة، وهي زيارة الإسكندر الأكبر للواحة، في واقعة نادرة اكتنفها الكثير من الغموض، بهدف أن يستقي الكثير من معارفه منها ومن كهنتها ومعبودها «آمون»، كما قوي حضوره وذاع صيته بعد إعلانه من جانب الكهنة ابناً لهذا الإله الشهير بين آلهة مصر القديمة.

اتجه الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة في شتاء عام 331، قبل الميلاد، وذلك بعد أن وضع تخطيطاً لمدينة تحمل اسمه وهي الإسكندرية، فوصل أولاً إلى مدينة «باراتونيوم» وهي مكان مدينة «مرسى مطروح» حالياً وتلقى هدايا رسل ملوك المدن الليبية وإعلان طاعتهم له، ثم انطلق بعدها جنوباً قاصداً الواحة.

ويذكر مؤرخ بلاط الإسكندر الذي رافقه في هذه الرحلة أنهم تعرضوا للهلاك عطشاً أثناء الرحلة بعد نفاد الماء منهم، ولم ينقذهم سوى سقوط أمطار بشكل مفاجئ فارتووا منها وخزنوا بعضها لبقية الطريق، كما تعرضوا للهلاك مرة ثانية بعد أن ضلوا الطريق ولم ينقذهم سوى ظهور غراب في السماء فأمرهم الإسكندر بتتبعه والاتجاه معه فوصلوا الواحة بعد سبعة أيام واعتبرت حاشية الإسكندر أن نجاة الإسكندر ونجاة من معه من معجزات الإله آمون.

وصل الإسكندر بركبه إلى «معبد النبوءات» فاستقبله كهنة آمون واحتفوا به وبمن معه وتلقى الكهنة تساؤلات مرافقي الإسكندر الأكبر وأجابوهم عنها في بهو المعبد الشهير، أما الإسكندر الأكبر فقد طلب من الكهنة أن يسأل الإله آمون في خلوة فاصطحبه رئيس الكهنة إلى الهيكل ولم يرافقه أحد من حاشيته وسأل ما شاء من أسئلة وعندما خرج من الهيكل إلى رفاقه لم يخبرهم بأي شيء مما دار معه في الداخل واكتفى فقط بقوله: «سمعت من الإله آمون ما طابت له نفسي».

ولم يذكر التاريخ أو يسجِّل لنا أي شيء عما دار داخل الهيكل أو غرفة النبوءات تصريحاً أو تلميحاً وكل ما سجله التاريخ هو ما كتبه الإسكندر الأكبر في رسالته إلى والدته «أوليمبياس» عن تلك الزيارة فقال: «إنه سمع من الإله أشياء مهمة جداً لا يستطيع أن يذكرها في خطابه وسيرويها لها عندما يراها» ولكن هذا اللقاء لم يتم، فقد مات الإسكندر الأكبر وأخذ معه سره وسر ما قيل له في غرفة النبوءات.

يذكر المؤرخون حرص الإسكندر الأكبر فيما بعد على زيارة سيوة وإرسال رسله ليسأل كهنة آمون كلما كان مقدماً على أمر مهم، وهو ما يدل على الأثر الكبير الذي تركه آمون وكهنته في نفسه، حتى إنه عندما كان يعاني من سكرات الموت في مرضه الأخير في مدينة بابل تقدم إليه صديقه المقرب أريدوس وسأله: هل يوصي بشيء بخصوص ابنه وزوجته؟ فأعرض عنه الإسكندر الأكبر، فجاءه أريدوس مرة أخرى وسأله عمن يخلفه في القيادة بعد موته فأجابه بأن القيادة للأقوى منهم.

سأله «أريدوس» إن كان له طلب خاص ففتح الإسكندر الأكبر عينيه وقال إنه «يوصي بأن يدفنوه إلى جوار أبيه آمون في واحة سيوة». تم وضع الجثمان في تابوت ذهبي وسار وراءه الجيش كله منكس الرأس والسلاح والأعلام من مدينة بالمي في العراق حتى وصل إلى مدينة منف في مصر وكانت كل مدينة يمر عليها موكب الجنازة تخرج لتحييه وتبجل رحيله.

وعندما أراد اليونانيون استكمال مسيرتهم إلى واحة سيوة، أقنعهم بطليموس الذي كان يحكم مصر باسم الإسكندر الأكبر بأن يدفنوه في مدينة الإسكندرية التي دشن بناءها الإسكندر نفسه فاقتنع قادة الجيش اليوناني ووافقوا على دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية.


«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»