التربية المستنيرة في مجتمع الوسائط: تأملات كانطية

الإرادة السياسية شرط ضروري ودور المدرسة محوري

التربية المستنيرة في مجتمع الوسائط: تأملات كانطية
TT

التربية المستنيرة في مجتمع الوسائط: تأملات كانطية

التربية المستنيرة في مجتمع الوسائط: تأملات كانطية

كيف يمكن للتربية أن تكون أساسا مؤسسا لمجتمع يسوده التنوير والحداثة؟ ما أرومه من مقالي هو إعادة التفكير في وظيفة المدرسة بوصفها مؤسسة للتربية في مجتمع تتعدد فيه الوسائط التي تشارك، أو لنقل تنافس المدرسة بشكل رسمي أو غير رسمي هذا الدور الذي وجدت له، وهو التربية والتأهيل لأفراد المجتمع حتى يكونوا قادرين على الاندماج مستقبلا في المجتمع الذي يعيشون فيه، والتفكير في نفس الوقت في قضايا هذا المجتمع وراهنه من منظورات يكون أساسها ومنطلقها «الذات الفاعلة»، وهي ذات متحررة من كل الإكراهات الخارجية، سواء كانت تأثيرات إيديولوجية لوسائل الإعلام، أو لقوى سياسية أو دينية، وهكذا تكون الذات الفاعلة غايتها التفكير من خارج منطق الوصاية انطلاقا من ماضيها المدرسي والتكويني والثقافي الذي اكتسبته، والذي تعمل على إعادة تمثله ليس من أجل إعادة إنتاجه، بل من خلاله تعمل على بناء المشترك بعيدا عن كل غاية خاصة.
بطرحنا لهذا الإشكال الذي غايته التساؤل حول وظيفة المدرسة، نكون مجبرين منهجيا على إثارة المضامين التي يجب أن تنفرد بها المدرسة عن غيرها من الوسائط التي تكون في الغالب ذات أهداف آيديولوجية خاصة، بالمقارنة مع المدرسة التي لا ننفي عليها هذا البعد الآيديولوجي، إلا أن هذه الآيديولوجية تكون في الغالب «عمومية» ومتعاقدا عليها بناء على ميثاق تربوي وسياسي، يتفق عليه جميع أفراد المجتمع، عن طريق المؤسسات أو الفاعلين الذين يمثلونهم، وهنا أوظف اصطلاح «العمومية» بالمنظور الكانطي، وأقصد به القدرة على استخدام العقل استخداما خاصا، بحيث تكون كمواطن حينما تكون داخل المدرسة أو الإدارة أو مخفر للشرطة ملزما بالخضوع للقوانين واحترامها، لكن يجب أن يتيح لك القانون الحرية التامة لكي تعبر عن وجهات نظرك من كل المؤسسات أو الخدمات التي لا تبدو لك جيدة في الفضاء العمومي الذي يتكون من الصالونات الثقافية ووسائل الإعلام السمعية والمكتوبة. وهكذا، عوض اللجوء إلى الفوضى والعنف، تكون الذات الفاعلة والحداثية التي يجب أن تعمل مدارسنا على تكوينها وتنميتها محترمة للقانون من جهة حينما تكون داخل كل المؤسسات الرسمية والخاصة، ومعبرة عن موقف نقدي مؤسس وبناء في الفضاءات العمومية الموازية التي تمتص العنف وتتيح لجميع الأفراد التعبير عن مواقفهم استنادا إلى العقل وقدرته التبريرية المبنية على العقل والحجاج.
لا يخفى على أحد اليوم أن المدرسة لم تعد الوسيط الوحيد الذي ينشأ فيه الأفراد أو يطبّعون ويهذبون داخل المجتمع، فإلى جانبها نجد كل من: التلفاز – المذياع - أشرطة الفيديو - البرامج التفاعلية - شبكات التواصل الاجتماعي - المكتبات الرقمية - الرسوم المتحركة...، وحتى إذا ما افترضنا إسهاما لا يمكن معرفة أثره للمدرسة في بناء هذه القيم التي نريد أن يكون المجتمع قائما عليها، فإن الواقع يثبت أنه أحيانا لا تكون هذه القيم التي يتم تهذيب الأطفال وفقها في المدرسة ذات «أثر براغماتي» داخل المجتمع، إذ لا نستطيع التمييز بين تلميذ دخل المدرسة، وبين آخر لم تطأ قدمه فضائها نهائيا، فحينما ننظر لسلوكات المتعلمين وغير المتعلمين داخل الحياة العمومية المشتركة، وفي الحياة العملية بعد سنوات من التعليم، نكتشف أحيانا أن العنف، والوثوقية وعدم الإيمان بالاختلاف ما زالت لم تصبح سلوكا يوميا لديهم، بينما يسيطر منطق القبيلة والأنانية المطلقة والاحتكام إلى العواطف والانفعال في التعبير عن الرأي وهو ما يجعل السؤال مطروحا بحدة: أي قيم؟ وأي مضمون تربوي يتم تربية أبنائنا عليه في المدارس اليوم، وخاصة في عالمنا الممتد من شمال أفريقيا إلى حدود بلاد فارس؟
لا يمكن أن نتسرع في الإجابة عن ذلك، ولكن يمكن أن نطرح تصورا بديلا لأحد المجتمعات التي عاشت نفس مأزقنا في القرن الثامن عشر، وسأعطي مثالا بالمدرسة الألمانية، التي يمكننا أن نلمس أزمة نظامها التربوي الذي كان يعم أوروبا آنذاك في مختلف الأدبيات التربوية والفلسفية التي صيغت في ذاك العصر، ولا شك أن كتاب «إميل» أو في التربية لجان جاك روسو، أو تأملات في التربية لكانط التي أصدرها تلميذه رنكه سنة قبل وفاته، ومنها التمس مفهوم التربية المستنيرة بوصفه بديل ممكن لهذه الهجانة التي نعيشها على مستوى المضامين التربوية في مدرستنا التي يعكسها تضارب «قيم عمومية وقيم خاصة»، والقيم الخاصة هي القيم الماقبل مدرسية وتنبني على العرف والعادة والثقافة الشعبية، وهي غالبا قيم لا يمكنها أن تقدم للفرد ما يمكنه من الانفتاح والقبول بالآخر، لذلك كنا في حاجة إلى المدرسة ليس فقط من أجل نقل مجموعة من الخبرات التقنية للمتعلم كي يستطيع الاندماج بها في سوق المهن، بل من أجل الإشراف على توجيه سلوكاته وتصرفاته وتمثلاته نحو النزوع إلى «الخروج» من العادة والعرف والانفتاح على العالمية والإنسانية دون الانسلاخ من فردانيته وخصوصيتها.
بعودتنا لهذه النصوص التي ألقاها كانط في جامعة كوسنبرج سنة 1776-1787 نجد كانط يصرح في بدايتها بأن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يجب تربيته، ويقصد كانط بفعل التربية: الرعاية والتغذية والتعهد والانضباط والتعليم المقترن بالتكوين ومن هذه الزوايا الثلاث يكون الإنسان رضيعا وتلميذا وطالبا، وتنقسم غايات التربية عند كانط إلى:
1 - غايات مادية: يؤهل فيها الطفل جسميا وبدنيا لكي يكون قادرا على الإقبال على الحياة.
2 - غايات معرفية وعقلية: تنصب على صقل الاستعدادات والملكات العقلية للطفل عن طريق التعليم.
التربية ليست خيارا
هكذا مع كانط لم تعد التربية خيارا للآباء أو للمجتمع أو الدولة، وهي ليست نوعا من الصدقة والكرم الذي نجود به على الطفل، بل هي ضرورة وجودية من أجل تفادي حيوانية الأفراد وفي هذا الصدد يتساءل كانط «هل يمكن الحديث عن إنسانية الإنسان لو جرد من التربية»؟ وهو ما يعني أن التربية هي ما يكسب الإنسان إنسانيته، ويظهر ذلك جليا من خلال المقارنات التي يعطيها كانط بين الإنسان والحيوان، فالحيوانات عند ولادتها لا تحتاج للتربية لكي تتعلم ما عليها القيام به، بينما الإنسان يحتاج للتربية وهو ما يؤكده كانط بقوله «الإنسان لا يصير إنسانا إلا بالتربية».
التربية إسهام في التأسيس للمجتمع الإنساني
تكتسي التربية المستنيرة قيمتها وراهنيتها من خلال اعتبارها أساسا متينا لبناء المشروع الأنواري والمجتمع الإنساني الذي دافع عنه كانط في نصه الشهير ما التنوير؟ وفي كتابه تأسيس ميتافزيقا الأخلاق، وفي مقالته حول السلم الدائم. فالتربية المستنيرة ذات وظيفتين أساسيتين: فهي من جهة تعلم الفرد كيف يمكنه أن يمتثل للمجتمع الذي يعيش فيه في لحظة الطفولة، لكنها في نفس الوقت تعلمه وتصقل مواهبه واستعداداته العقلية والوجدانية كي يستطيع التصرف في حريته حينما يصل إلى سن الرشد عن واجب وليس عن طريق الإكراه، مما يجعلنا أمام إنسان لا يخفي النوايا البغيضة بقدر ما يعبر عن جميع تصوراته ومواقفه لأنه يعي تمام الوعي أنه حر ومسؤول عن شخصه الذي يحمل عبء الإنسانية جمعاء ويطمح لسعادتها.
البيداغوجية كوسيط تأسيسي للتربية المستنيرة
لكي يتحقق هذا الهدف، يطالب كانط بتأسيس علم للتربية (البيداغوجية)، وتعني البيداغوجيا: مختلف الطرائق والآليات والوسائط التي نعتمدها في نقل معارف ومعلومات وتصورات من المستوى العالم إلى المستوى القابل للتعلم، مع مراعاة الخصوصيات السيكولوجية والنفسية والعمرية للمتعلمين، وهكذا تكون البيداغوجية قائمة على النظر والتفكير في تطوير الاستعدادات الإنسانية وتوجيهها لترتقي بها نحو وضع أفضل مما هي عليه، لهذه الغاية على البيداغوجية أن تتخذ بعدا كونيا وعالميا وهو ما لا يمكن أن يتأتى حسب كانط إلا عن طريق «العمل على توريث الأجيال القادمة تعليمات تستطيع تحقيقها بالتدريج بغية الوصول نحو الكمال الإنساني».
إذن كيف يمكن أن نجمع بين الحرية والإكراه في التربية؟ وكيف يمكن أن تكون التربية المستنيرة ما يميز المدرسة اليوم في ظل تعدد الوسائط التي تنافس المدرسة في هذه الوظيفة؟ أجيب بأنه يمكن ذلك عن طريق فهمنا لبنية كل من: الوسائط والمدرسة فـ:
1 - الوسائط: غايتها آيديولوجية وتخدم المصالح الخاصة، وذلك واضح من خلال الوسيط الإعلامي الذي يخدم في العمق الدعاية السياسية أو الشركات الكبرى الراعية للإشهارات أو خدمة الاقتصاد والاستهلاك.
2 - المدرسة: مؤسسة عمومية تعمل على نشر القيم العمومية والمدنية ويمكن أن تسمح للطفل بأن يقول كل شيء، وهي ليست حكرا على جهة معينة، بل غايتها إعداد الفرد لكي يخرج من وضع القصور الطبيعي والثقافي الذي يفرض عليه أحيانا من طرف الأجهزة الآيديولوجية المنتشرة اليوم، وتكمن قيمة المدرسة في كونها وسيطا آيديولوجيا، لكنه خاضع ويجب أن يكون خاضعا ومنفذا للتعاقد السياسي الذي اتفقت عليه كل الإرادات الفردية والجماعية داخل الدولة، وهكذا نعتبر أن المدرسة يمكنها أن تكون الوسيط الأكثر قدرة على الإسهام في التربية المستنيرة، إذ من داخلها يكون متاحا للمتعلم والطفل والتلميذ، بأن يفكر في كل القضايا سواء السياسية أو الاقتصادية أو الإعلامية أو الثقافية من منظور مختلف بواسطة موجه وهو البيداغوجي الذي يقود المتعلم نحو استخدام عقله الخاص في التفكير.
الإرادة السياسية شرط ضروري للتربية المستنيرة والمجتمع الإنساني:
إن تكون لدينا وعي تاريخي وحصّلنا بعض الدروس من التاريخ فيمكن أن نصل في نهاية المطاف في عالمنا إلى ما قاله كانط في نصه الشهير «تأملات في التربية»: «لا يستطيع الإنسان أن يصير إنسانا إلا بالتربية. فهو ليس سوى ما تصنعه به التربية. ولا بد بالتأكيد من ملاحظة أن الإنسان لا يربّى إلا من قبل أناس، ومن قبل أناس ربوا هم أيضا. لذا، فإن عدم الانضباط والتعليم الذي يلاحظ عند بعض الناس يجعل منهم مربين سيئين لتلاميذهم، فلو تعهد كائن من طبيعة فائقة بتربيتنا لرأينا إذ ذاك ما يمكن أن يصنع بالإنسان. ولكن بما أن التربية من جهة لا تعلّم البشر إلا أشياء معينة، ومن جهة أخرى لا تفعل سوى أنها تنمي لديهم صفات معينة، فمن المستحيل أن نعرف إلى أين تمضي استعدادات الإنسان الطبيعية. ولو أن تجربة معينة أجريت - في هذا الشأن - بدعم من أولي الأمر وتضافر قوى الكثير من الناس، لمكنّنا ذلك من معارف كثيرة نتبيّن من خلالها إلى أين يمكن للإنسان أن يتقدم، وإنه لشيء محزن بالنسبة إلى شخص يحب الإنسانية، وجدير بالملاحظة على حد سواء بالنسبة إلى ذهن تأملي، أن يرى أغلبية أولي الأمر لا يفكرون أبدا إلا في أنفسهم، ولا يشاركون أبدا في التجربة الخطيرة للتربية حتى تخطو الطبيعة خطوة أكثر نحو الكمال»، مما يؤكد أن مجتمعا إنسانيا تؤسسه التربية المستنيرة وتساهم فيه المدرسة يظل شرطه الأساسي هو الإرادة السياسية الحقيقية.



«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب
TT

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف ودوره عبر تمثيلات الإنتلجنسيا في السرد الروائي، متخذاً من إبداع الروائي المصري الراحل علاء الديب نموذجاً للرصد والتحليل والتطبيق، وفي ظلال رؤية نقدية كاشفة لطبيعة المثقف ووقوعه في حبال التناقض، ما بين أقصى المع والضد. لكن لماذا موت المثقف، وهو أمر يفضي إلى العدم، وليس انتحاره، باعتباره موقفاً رافضاً للحياة وعبثيتها؟ هل أحكمت دوائر الاغتراب والاستلاب على روحه وجسده فأصبح غريباً عن ذاته وواقعه وأحلامه في عالم تتعدد فيه المفاهيم والرؤى، وتتشابه النصوص وطرائق النسج، ويحتار الإنسان ثقافياً ومعرفياً في البحث عن بوصله توصله للحقيقة؟!

صدر الكتاب عن «بيت الحكمة» بالقاهرة، ويقع في 258 صفحة من القطع التوسط، ويستهله شهريار بمقدمة، يؤكد فيها أن المثقف شخصية إشكالية بطبيعتها، لافتاً إلى أن المثقف العربي بشكل عام، والمصري بشكل خاص، قد مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين، زادت من همومه وإحساسه بالاغتراب وعدم التآلف مع كل المحيطين به، كما تعمق إحساسه بعدم قدرته على الاندماج مع المجتمع. ثم يناقش دور ومفهوم المثقف، في اللغة والثقافة، وفي أفكار وآراء كثير من الباحثين والمفكرين العرب والأجانب، مثل إدوارد سعيد، وبرهان غليون، ومحمد عابد الجابري، وعلى شريعتي، وغرامشي، ويرى أنهم جميعاً ينطلقون «تقريباً من الربط بين المثقف ودوره، وليس بما يمتلكه من معرفة، ومن ثم فإن المثقف يأخذ جدارته ووجوده من دوره النقدي المناوئ لكل ما هو تقليدي ومستقر». السؤال الذي يطرح نفسه هنا من باب التعليق على هذه الآراء: أَليس امتلاك المعرفة من أهم الأدوار والأسلحة التي تعزز دور المثقف، في مواجهة العسف والقمع والنفي؟! ثم إن المثقف لا يرتقي بأفكار الطبقة التي صعد إليها بحسب غرامشي، أياً كانت هويتها، وإنما يرتقي ويصعد بأفكاره هو، بما يحلم به، وما يريده لواقعه والعالم من حوله أن يكون. الثقافة ليست مرمية على قارعة الطريق، إنما هي علم ومعرفة وبناء، تصعد وترتقي بتراكم الخبرات والتجارب وتعدد زوايا النظر والرؤية.

ومن باب رصد أفعال الشخصية ومدى تفاعلاتها بأفكارها وعواطفها وواقعها سياسياً واجتماعياً، يدلف شهريار إلى صورة المثقف في إبداع علاء الديب، ويرى أن المثقف في أعماله الروائية ينتمي للطبقة المتوسطة بكل شرائحها، التي عصفت بأحلامها تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عنيفة، شهدها الواقع المصري على مدار نحو نصف قرن، منذ حقبة الخمسينات، مروراً بهزيمة 67، مثل: منير عبد الحميد فكار في رواية «أطفال بلا دموع »، لافتاً إلى أن المثقف في ظل هذه الحقبة الممتدة حتى الثمانينات يظل حاضراً بوعيه وقدرته قادراً على رؤية المجتمع الذي يكتسحه الطوفان، لكنه غير قادر على الفعل، ما يضاعف من إحساسه بالعجز والهزيمة.

المثقف العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص، مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين

يعاين المؤلف ردود فعل هذا العجز، من داخل طبيعة المثقف نفسه ليضعنا أمام أنماط متنوعة من النكوص تؤطر شخصيته، فهناك المثقف المنسحب، مثل: عبد الخالق المسيري بطل رواية «زهرة الليمون »، وهناك «المثقف الخائن» الذي يخون أفكاره وينفر من طبقته، ويتحين الفرصة للحاق بالطبقة الأعلى، وهناك «المثقف المستَلب» الذي يواجه إحساساً بالعجز والاغتراب عن الواقع ما يدفعه إلى الرضوخ والتعايش معه كأمر واقع، فوعيه يظل دائماً مستلباً بقوة اللامبالاة واللاشعور، مثل شخصية الدكتورة سناء فراج بطلة رواية «قمر على المستنقع» فهي تحكي الرواية كمونولوج طويل عن مشاعرها وانكسارها، وإحساسها الممض بالهزيمة. وهناك «المثقف المسخ» الذي يمثله ناصر منير فكار بطل وسارد رواية «عيون البنفسج»، فهو شخصية مشوهة شديدة التناقض، وبرغم كونه شاعراً ومثقفاً لا يستطيع أن يتجاوز تناقضاته، بدءاً من علاقته بزوجته المستَلبة وبالواقع والوطن، وهناك «المثقف المقاوم» الذي يحوّل ضعفه وانهزامه إلى قوة يواجه بها ما حوله من قبح وفوضى وعشوائية، ثم «المثقف المتمرد فردياً»، مثل فتحي بطل رواية «القاهرة»، فهو غير قادر على التواؤم مع ما يحيط به من أوضاع اجتماعية والتعايش معها، فظل في حالة اغتراب تام عن كل المحيطين به. ثم «المثقف المبعد» كما في شخصية أمين الألفي بطل رواية «أيام وردية» المؤمن بعدالة القضية الفلسطينية إلى حد القلق والأرق، وأخيراً «المثقف المهاجر» سواء من هاجر إلى الخليج المتباهي بأمواله والمنشغل بها دائماً، على عكس المهاجر إلى الغرب، الذي يجد نفسه أمام نموذج مجتمع حر، متقدم علمياً وإنسانياً.

ويرصد الكتاب في فصله الثالث علاقة المثقف والجماعة، عبر دوائر عدة، لافتاً إلى أنه لا يمكن فهم المثقف بمعزل عن هذه الدوائر، وفي مقدمتها طبقته، أو جماعة المثقفين التي ينتمي إليها، فهي تؤثر من بعيد أو قريب في موقفه ورؤيته لذاته وللعالم، ويرى أن هذا يتجلى ويتعمق في روايات علاء الديب، سواء في الحدث أو في بناء الشخصيات، وطرائق توظيف المكان والزمان، فالمثقف، في الغالب الأعم، يعاني حالة من عدم التآلف مع الجماعة، ومع الأمكنة والزمن، ثم إن ما يشهده العالم من تحولات يبدو أعنف وأكبر من قدرته على التكيف أو التعايش. ومن ثم يتكشف عبر هذه الروايات الانفصال والقطيعة بين أبطالها المثقفين وكل شخوص الرواية.

لكن هل للمثقف أمكنة تخصّه، وكيف يتم التعامل معها روائياً؟ في الفصل الرابع «أمكنة المثقف» يركز الكتاب على فاعلية المكان في السرد وتحريكه، وتهيئته للشخوص لتلعب أدوارها، بل تولد من رحمه أحياناً، لافتاً إلى أهمية المكان، ليس كخلفية للحدث، إنما كعنصر حكائي قائم بذاته، تربطه وشائج قوية بالزمن الروائي، وبقية العناصر الأخرى المكونة للفعل الروائي.

ويؤكد شهريار على ضرورة دراسة التشكيل الجمالي للمكان في روايات علاء الديب، لفهم شخصية المثقف التي تحتل مكانة مركزية، وكذلك معرفة مدى تناغم هذه الأمكنة مع التكوين النفسي لهذه الشخصية. فالمكان يعتبر تجسيداً مادياً للشخصية التي تسكنه. ويتطرق إلى الطبيعة المادية للأمكنة، وما تتميز به، وتتشابه من خلاله، فهناك المكان المقفل مثل البيت، والمفتوح كالشوارع والميادين، والمكان المؤقت كالمقاهي والبارات، والمكان الملاذ والأثر، والمكان المأمول والمستعاد وغيرها، مؤكداً أن الأماكن في أعمال علاء الديب واقعية، ولها وجود حقيقي عاينه المثقف، ورآه وعاش فيه يوماً ما، لكنها تتجاوز هذا الوجود الفيزيقي، إلى وجود ذهني، وظلت تسكنه أكثر مما يسكنها، فبخلاف بيت الطفولة ثمة أمكنة كثيرة في روايات الديب، يستعيدها أبطالها كذكرى بعيدة تركت آثاراً فيهم، كما تركوا آثارهم فيها، وعادة ما يكون هذا المكان مرتبطاً بالبحر وبالطبيعة، وأيضاً بحبّ قديم لم يزل يعيش عليه البطل. يقول على لسان البطل مستعيداً جماليات المكان والمشهد في رواية «زهرة الليمون»: «الماء أزرق والرمال بيضاء، أقدامه العارية، وأقدامها تتلاقيان في ماء دافئ، وجسدها القوي الحر المليء بالأسرار يبعث فيه نشوة وهدوءاً».


«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ
TT

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي، من خلال توظيف التاريخ مع حفريات الذاكرة الشعبيّة، ومن منظور وذاكرة تعدّدت فيهما مستويات السرد التي ارتكزت على تعدّد الرواة، ودفق الحكايات، والبؤر الثانويّة التي تنافذت وتضافرت مع الحكاية الإطارية، والمضمون المركزي الذي تصدّى لقصّة بناء سفينة القصب (دجلة) وتهيئتها إلى «الطيران»، ومن ثم تعرّضها للحرق على سواحل جيبوتي عام 1978، وما بين أيام البناء، وتحقيق كل المستلزمات من قبل عالم الأعراق والحضارات القديمة (تور هيرالد) وبمساعدة (الشيخ مسعد)، إلى اشتباكه مع العشائر والعمّال في منطقة القرنة.

تبدأ أحداث الرواية من سعي الشخصية المحورية (أحمد فؤاد فتاح) لنيل شهادة الدكتوراه حول هذه السفينة الفضائية العجائبيّة وكشف أسرارها وعلاقتها بأساليب الإبحار في الحضارات الرافدينية، وما دار حولها من حكايات ومرويّات وشخصيّات، وقد كلّفه أستاذه (أكرم مصطفى الشاوي) أستاذ الحضارات القديمة بقسم الأنثروبولوجيا المستحدث في الجامعة فضلاً، عن وصيّة الأب وتمنيّاته الشخصيّة في البحث عن الآثار والعلوم الإنسانية. وبذلك تبدأ مسيرة الرحلة المضنية والغامضة والعصيّة من قبل طالب الدكتوراه لسبر أغوار التاريخ والحوادث، والتقاط كلّ ما من شأنه أن يعمّق دراسته لنيل الشهادة. واقتضى منه الأمر القيام برحلة شائكة إلى مدينة البصرة للبحث عن شخصية الدكتور (عبد الغني مجيد) الذي يوجد في مقهى بمنطقة العشار: «هذا الرجل كان ظلاًّ لهيرالد وهو الكنز المدفون وعارفاً بأدق الأسرار، والكثير مما خُفي عن السفينة ورحلتها، والرجل كان محكوماً بالإعدام، والغريب في قصته أنّه خرج من السجن بعد سقوط النظام، وقبيل لحظة التنفيذ في أبريل (نيسان) 2003 ينجو من الموت بأعجوبة. ويحاول الدارس إقامة علاقة معه لفكّ أسرار هذه الرحلة» (الرواية: 28).

وقبل الخوض في البؤر والأبعاد والتقنيات والظواهر الفنيّة، يتوجّب التوقف عند دلالة العنوان «عين الهراتي»، وما ينطوي عليه من إشارات ودلالات، فهو عنوان متعدّد الدلالات ومفتوح على التأويل والإحالة، وقد وردت معانٍ مختلفة له في الرواية.

و«الهراتي» هو نوع من الديكة القوية، وثاقبة البصر يتم استخدامها في حلبات الصراع أو النزالات بين الديكة، بمراهنات اشتهرت بها أجواء المقاهي والأماكن الخاصة بهذا النوع الذي يعتمد على المقامرة والرهان، وما يحدث فيها من تنافس على الفوز وربح المال. و(زعبول الهراتي) هو الديك الذي كان يراهن به (سمير القاص) أو (صاحب الهراتي)، وهو مفتاح خزانة الأسرار لأنّه الأقرب إلى شخصيّة (عبد الغني)، ولا يمكن الوصول إليه إلّا من خلاله، فيما الديك الهراتي يمكن أن يرمز إلى فكرة المغامرة أو المقامرة التي قام بها عالم الأعراق النرويجي (تور هيرالد) في أجواء مشحونة وعوالم غائرة بشعبيتها وخرافاتها وأساطيرها، إذ تتفشّى التقاليد العشائرية الحاكمة والخرافة التي تحكم السلوكات والسحر والصراعات الاجتماعية.

وعلى وفق هذه الملامح فإنّ الرواية تمثّل نمطاً من السرد القائم على البحث والتحرّي، وسبر أغوار الألغاز والطلاسم والأسرار، وهي ثيمة شاعت في مثل هذا النوع من الروايات، وأصبحت ثيمة كونيّة كما حصل في رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو، والبحث عن أسرار الكهنة والدير والتحقيق في الجرائم التي ارتكبت فيه، ونجدها في رواية «الخيميائي» لكويلو، وعربياً نجدها في «الطريق» لنجيب محفوظ، و«المخاض» لغائب طعمة فرمان، إذ يبحث البطل في هذه الرواية عن أهله وتاريخه بعد ردح من الغربة.

ورواية البحث والتحرّي وكشف الأسرار تحقّق نوعاً من التشويق والإثارة، وتتّخذ من المهمّة طابعاً بوليسياً، وبؤرة للكشف عن المخفي، والمسكوت عنه والمدهش، ممّا ينتج طاقة لجذب استقطاب المتلقّي، وإسهامه ذهنياً في التشبّع، ومتعة الكشف عمّا خُفي من التاريخ. وهذه المعطيات تحمل كثيراً من المحمولات الجمالية والفكريّة والإحالات والإشارات المتعدّدة، أي توظيف الشكل البوليسي وشكل السرد القائم على التحرّي، وجعله فضاءً ومساحة يمرّر بها الكاتب كثيراً ممّا يرمي إليه من أفكار ورؤى، وكشف وإحالات، وبما يعزّز المعنى الكلي للعمل الروائي المؤطّر بهذا الشكل من البناء الفني القادر على التعبير عن التناقضات والثنائيات المتضادة. وذلك ما نجده قد تجلّى في رواية «عين الهراتي» من مفارقة الصدام بين «الخرافة والعلم» في مجتمع القرنة العشائري والشعبي، بين عالم الأعراق «تور هيرالد» وبين الصراع الاجتماعي القائم بين الشخصيّات داخل هذا المجتمع، وانتشار الحسد والسحر والانتقام الغريزي، وبين مهمة السفينة التي تسعى للبرهنة على التواصل بين الحضارات عبر التاريخ، والغوص في تاريخ الحضارات القديمة، وربطها بمنجزات العصر، واختيار علومها ومنجزاتها. ونلحظ من الخصائص الفنية في الرواية، ارتكازها على السرد الذاتي بصيغة ضمير المتكلّم، على لسان الشخصيّة (أحمد فؤاد فتاح) ووصف كلّ تفاصيل رحلة الاستكشاف في مجاهيل وحوادث قديمة وملتبسة.

وبحسب تصنيف «جيرالد جينيت» فإنّ بطل الرواية ينتمي إلى النمط المتماثل حكائياً أي السارد المشارك «الضمني» في أحداث ووقائع الرواية، غير أن لعبة السرد تنقلب فجأة حيث يتحوّل (أحمد فؤاد) إلى مرويّ له، من قبل سارد أو راوٍ جديد هو (سمير القاص) الذي يروي ويسرد الأحداث ويتعمق في سيرة (عبد الغني) وإيداعه في السجن والاعتقال بسبب رسالة وصلته من زوجة (تور هيرالد) تبلّغه بموت الأخير، ممّا جعل السلطات تتهمّه بالتجسس، ويحكم عليه بالإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد) الشخصيّة الدينية، وبإشراف الضابط المكلف بالإعدام (عبد المجيد مري).

يجسد (سمير القاص) نمطاً من الحكّاء الماهر المخاتل، وهو رمز للحقيقة المخاتلة وهشاشة المرويات، ويمكن الاستدلال على توصيف السرد داخل الرواية بأنه سرد يرتكز على استلهام تقنيّة النسق الكرنفالي، وذلك لميل الرواية إلى استثمار المفارقة الحادّة والدالة، بدءاً من التناقض بين المجتمع في القرنة، وبين شخصيّة القادم من النرويج، وتصادم البيئتين، والرواية تتعمّق في توليد سلسلة من المفارقات التي تتضمّن البعد الساخر عبر المفارقة، وقد تصل بحمولتها أحياناً إلى الكوميديا أو التهكم المرّ، لا سيما قصّة الحب والعشق بين الفتاة الريفية (غالية) وعشقها للعالم أو صانع السفينة (هيرالد) النرويجي، ومن ثم المرويات المتناقضة حول انتحارها حرقاً، أو أنّها وقعت ضحية «القيل والقال»، والمفارقة أنّ (أحمد فؤاد) يهدي جهده العلمي إلى روح (غالية)، وهي رمز الحقيقة التي يغتالها التناقض، أو يعبث بها الرواة الحّكاءون المهرة، فالإهداء يقول: «إلى روح (غالية) أنثى هذه الأطروحة، البنت التي ظلمها (القيل والقال)، أرفع لروحها الطاهرة أسمى آيات التقدير والتبجيل يوم ضاع دمها بين القبائل المتشاطئة ما بين نهري دجلة والفرات في مدينة القرنة، عند نقطة التقائهما، إذ حدث ما لا يصدّقه العقل، حتّى غدت البنت كبش فداء هذا العالم، لولاها لما توَصّلتُ إلى اكتشافات مهمّة حول سفينة بُنيت من قصب، وأبحرت على نحو من (عفو الخاطر) حتى أصبح للسفينة المعنى الجديد من أصل هذه الدراسة» (الرواية:7).

وتتولد أنساق المفارقة الكرنفالية أيضاً بإطلاق سراح (عبد الغني) من حبل المشنقة والإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد)، وتلك هي مفارقة كرنفالية سوداء أخرى، عكست ذروة من الحدث الدرامي بين قرار الإعدام الذي أُلغي بسبب سقوط النظام، والهروب الفوضوي، وهو ما يرويه الضابط (عبد المجيد مرّي) حين اقتاد من تقرّر تنفيذ الإعدام بحقّهم إلى منطقة بعيدة على أطراف الفلّوجة لتنفيذ هذه المهمّة، ولعلّ المفارقة الكرنفالية والسخرية المرّة تكشف عنها «الرسائل» التي كانت السبب في اعتقالهم ومن ثمّ قرار الإعدام بحقّهم، وهذا يحيلنا إلى أنّ الرواية استثمرت ووظّفت جانباً من تقنية أو أسلوب (السرد الرسائلي)، وتجلَّت الرسائل التي أدت إلى الهاوية والإعدام على أنّها محركّات مركزيّة، وبؤرة دراميّة لصنع الحدث الفادح.


حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق. هذا العام، لم يعد المعرض مجرد منصة لبيع وشراء حقوق النشر، بل هو مختبر حي لمناقشة مستقبل الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي، ونافذة تطل منها الثقافات العالمية على بعضها البعض، وهو أيضاً ليس مجرد تجمع للناشرين، بل هو «غرفة عمليات» كبرى تقودها أضخم دور النشر في العالم.

وشهد المعرض هذا العام حضوراً لافتاً لمجموعات مثل (بلومزبري/ Bloomsbury) التي يقودها نايجل نيوتن، وبونيير بوكس، وغيرهما، بالإضافة إلى كبار النشر الأكاديمي والتعليمي مثل ويلي، ومطبعة جامعة برنستون. لا تكتفي هذه المؤسسات بعرض نماذج من إصداراتها فقط، بل تستخدم المعرض كمنصة لإعلان الاندماجات الكبرى، وتوقيع عقود عابرة للقارات، وتحديد «الترند» القادم في عالم القراءة، سواء كان ذلك في أدب الناشئين أو كتب تطوير الذات التي تعتمد على البيانات.

من الورق إلى الخوارزميات

يعمل المعرض كمحرك أساسي لتطوير صناعة الكتاب من خلال مسارات رئيسية هي:

> ثورة الذكاء الاصطناعي والتخصيص، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للكتابة، بل تحول في دورة 2026 إلى محرك لاكتشاف الكتب. وكالة «بوك ديسكفري»، مثلاً، ناقشت في جلسات المعرض كيف يمكن للخوارزميات مساعدة القراء في العثور على كتبهم المفضلة بعيداً عن تحيزات وإغراءات «الأكثر مبيعاً»، مما يمنح الكتاب المستقلين فرصة أكبر للوصول لقرائهم.

> استدامة سلاسل التوريد: في ظل الأزمات اللوجيستية العالمية والتوترات الإقليمية، ركز المعرض على تقنيات «الطباعة عند الطلب» (POD) والطباعة المحلية لتقليل التلوث الكربوني واحتراق الوقود الناتج عن الشحن الدولي، وهو ما يغير جذرياً نموذج العمل التقليدي الذي يعتمد على المخازن الضخمة.

> سوق الحقوق المتقاطعة (Cross-Format Rights): تطورت صناعة الكتب لتصبح صناعة محتوى، وليست صناعة ورق؛ حيث تم في المعرض التفاوض على تحويل الكتاب إلى بودكاست، أو مسلسل لمنصات البث الرقمي، أو حتى تجربة تفاعلية في «الميتافيرس»، مما يطيل عمر العمل الأدبي ويزيد من عوائده الاقتصادية.

> معايير الوصول العالمية (Accessibility): مع دخول قوانين تداول المطبوعات الأوروبية حيز التنفيذ، تحول المعرض إلى ورشة عمل كبرى لضمان أن تكون الكتب الإلكترونية (EPUB3) والصوتية متاحة للجميع، بما في ذلك لذوي الاحتياجات الخاصة، مما يوسع قاعدة القراء عالمياً.

المشاركة العربية

شهد هذا العام حضوراً عربياً استثنائياً تميز بالانتقال من «العرض» إلى «التفاعل المباشر» مع سوق النشر العالمي، مما يشير أن الأدب العربي لم يعد معزولاً، بل أصبح شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل المعرفة. والنجاح الحقيقي للمشاركة العربية هذا العام يتجسد في تلك الجسور التي بُنيت بين الناشر العربي والوكيل الأدبي العالمي، مما يَعِد بوصول الصناعة الإبداعية العربية إلى أرفف المكتبات في كل مكان.

وشاركت المملكة العربية السعودية بقوة عبر هيئة الأدب والنشر والترجمة. وركز الجناح السعودي على بناء شراكات دولية لترجمة الأدب السعودي إلى لغات العالم.

كما شاركت جهات كبرى مثل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ودارة الملك عبد العزيز، مما عكس تنوع المشهد الثقافي السعودي ضمن «رؤية 2030».