الحوثيون وصالح سرقوا آثار عدن واستخدموا مواقعها التاريخية كحصون

شباب المدينة تناوبوا على حراسة المكتبات.. وثقافة الحرب تطغى على السكان

موقع التفجير الذي تعرض له مبنى الأمن السياسي ومعسكر القوات الخاصة في عدن (إ.ب.أ)
موقع التفجير الذي تعرض له مبنى الأمن السياسي ومعسكر القوات الخاصة في عدن (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون وصالح سرقوا آثار عدن واستخدموا مواقعها التاريخية كحصون

موقع التفجير الذي تعرض له مبنى الأمن السياسي ومعسكر القوات الخاصة في عدن (إ.ب.أ)
موقع التفجير الذي تعرض له مبنى الأمن السياسي ومعسكر القوات الخاصة في عدن (إ.ب.أ)

ما أقسى ما حدث لمدينة عدن القديمة (كريتر) جنوب اليمن، فالميليشيات الحوثية وقوات المخلوع، لم تغادر وتنسحب، إلا بعد أن عاثت بالمدينة عبثا وخرابا.
ودأبت على ابتكار طريقة مختلفة؛ لتنتقم من كل ما هو جميل وبديع وإنجاز ومقدس وتاريخي ونفيس.. اختارت أهدافها بعناية، كي تختفي وتحمي نفسها وجندها من غارات الطيران، فيما الحقيقة والغاية، كانت أهدافها حاقدة مرادها الخراب والدمار لكل منجز ومعلم وإرث. فالميليشيات فعلت كل ذلك، وفي كل مدن الجنوب؛ في فنادق وقصور وجامعات ومستشفيات ومؤسسات ومدارس وجوامع صلاة ومعالم تاريخية ومنشآت وجسور.. وغيرها من المكاسب الوطنية المكلفة جدا، والنادرة والمهمة؛ لكنها وحين تكون في عدن القديمة، فذاك يعني أن التكلفة تزيد، والفعل يكون هنا همجيا بربريا.
وقالت مؤسسة «عدن أجين» الثقافية، إن مدينة عدن عرفت بالحب والسلام، والثقافة والتحضر، وأضافت المؤسسة في تقرير لها تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه، إن سكان المدينة لم يكونوا يوما من دعاة الحروب، وإنما دائما وعلى مدى التاريخ كانت المدينة عرضة للأطماع وللغزو والعدوان.
وتطرقت المؤسسة إلى أن أقسى ما لاقته مدينة عدن من خراب ودمار كان في الحرب القائمة، التي لم تفرق بين مدني وعسكري.. بين معلم تاريخي وصرح ثقافي، وبين مسكن ومشفى.
وأبرزت حجم الدمار الذي لم يبق أو يذر شيئا إلا وطاله في جبروت وحقد أعمى ضاعف من المأساة، التي كانت شاملة وماحقة.
وقد شمل الدمار كثيرا من المراكز الحيوية، والمنشآت المهمة؛ كالكهرباء والاتصالات وميناء الزيت والمطار والطرقات وغيرها، فضلا عن الدمار الذي لحق بأهم معالم المدينة الثقافية والتاريخية، خاصة في مدينة عدن القديمة «كريتر» التي ما من شارع فيها أو حي، إلا وفيه معلم وشاهد على تاريخ وحقبة وحضارة.
وذكرت المؤسسة، في تقريرها، أن أهم المعالم الثقافية التي تضررت بفعل الحرب الهمجية البربرية، المتحف الحربي في مدينة كريتر، فهذا المبنى البديع في بنائه، وموقعه في قلب المدينة، وعلى ضفتي شارع أخذ اسمه من اسم «المتحف»، معلم تاريخي مكون من طابقين عريضين، بواجهته البديعة ذي الأقواس، والحجر الشمساني، نسبة لجبل شمسان السامق، فيما أعواد الخشب الأحمر تضفي عليه لمحة عدنية مميزة. وأردف «مبنى المتحف الحربي يعد من أجمل المباني القديمة في مدينة عدن القديمة؛ إذ كان من أقدم المدارس في عدن، بل وفي شبه الجزيرة العربية، وسميت هذه المدرسة وقتها بمدرسة السيلة، ومع قيمته وأهميته، تم استهدافه في الحرب وبلا مبالاة، وعلى ثلاث مراحل؛ الأولى مطلع شهر أبريل (نيسان) الماضي، وتحديدا حين طاله قصف ميليشيات الحوثي وصالح، الذي تسبب بشق فتحة في أحد أقواس الدور الأرضي، وتاليا بعد اشتباكات انتهت باقتحام الميليشيات وقوات الرئيس المخلوع للمدينة في مستهل شهر مايو (أيار) الماضي، وتضرر على أثرها المتحف وبشكل أكبر؛ إذ أحدثت القذائف فتحات في جدرانه، وحطمت بوابته الكبيرة تماما، لتتخذه الميليشيات وقوات صالح، ثكنة عسكرية لها، مرتكبة بذلك انتهاكها الثاني.
وفي منتصف شهر يوليو (تموز) الماضي، تعرض المتحف لقصف طيران، جراء اتخاذه من الميليشيات وقوات المخلوع ثكنة لجنودهما وعملياتهما وعتادهما ومؤنهما، وهو ما تسبب في الانتهاك الثالث لمبنى المتحف الحربي، فبسبب ضربة طيران هدمت جهته الغربية، ليصبح معرضا لسرقة محتوياته الثمينة.
وعن هذه المحتويات، قال التقرير إنها في المعظم ثمينة وهامة، وتم نهب بعضها على مرحلتين؛ الأولى، حين أقدمت ميليشيات الحوثي وصالح على سرقة بعض القطع الأثرية المهمة والنفيسة، وتحديدا عقب دخولهم المدينة واتخاذهم المتحف ثكنة عسكرية.
أما المرحلة التالية، فبعد إخراج الميليشيات؛ إذ قام بعض المهمشين بسرقة بعض السيوف والأسلحة القديمة، وتمت إعادة جزء كبير منها، والجزء المتبقي ما زال بحوزة من سرقوا.
وأكد أن المتحف بحاجة لإعادة ترميم، على يد خبراء؛ ترميم يحفظ للمبنى هويته وقيمته التاريخية، داعيا مسؤولي المتحف لسرعة جرد القطع الأثرية وحفظها في مكان آمن.
ومن معالم المدينة «مكتبة الفقيد باذيب الوطنية»، نسبة إلى المفكر والسياسي والإعلامي الفقيد عبد الله باذيب، فهذه المكتبة الوطنية، بنيت في مطلع الثمانينات في مدينة كريتر التاريخية، وتقع في شارع المتحف، وتحوي أرشيف عدن الثقافي، وعدة وثائق مهمة، وأرشيفا لنسخ قديمة من صحافة عدن في أوج عهد عدن الثقافي مطلع القرن الماضي.
وعرض التقرير كيف طالها العبث والتدمير، على أيدي ميليشيات الحوثي وصالح، عند اقتحامها للمدينة؛ إذ كانت المكتبة أول المعالم المتضررة مطلع أبريل الماضي، فقد تهشمت واجهتها الزجاجية بالكامل، وتسببت قذيفتين بإحداث فجوتين كبيرتين في مبنى المكتبة؛ واحدة في الدور الأرضي جهة قاعة الشاعر الراحل لطفي جعفر أمان، ابن المدينة، وأحد شعرائها العظام، والأخرى في غرفة مدير المكتبة.
وأضاف أن شباب المدينة تناوبوا على حراسة المكتبة، إلى أن تمكنت الميليشيات من دخول المدينة في شهر مايو الماضي، ومن وقتها والمكتبة عرضة لسرقات متعددة، فمنها ما طال معظم أجهزة الكومبيوتر، ومنها مكيفات التبريد، وأخرى للكتب الجديدة العهد.
بعد إخراج الميليشيات من كريتر، قامت مجموعة من الشباب المخلصين بدور تطوعي لحماية أرشيف عدن، وسهروا ليلا ونهارا وما زالوا يسهرون ويتعبون لحماية المكتبة التي أضحت مفتحة الأبواب والنوافذ والجدران، ومعرضة للسرقة من كل حدب وصوب، وللأسف لم تلتفت أي جهة لدور الشباب الشهم ولم تتم تغطية ولو مصاريفهم اليومية، كما لم تتحرك أي جهة لسد الثغرات والفتحات المحدثة في جدران مبنى المكتبة.
وانتقل التقرير إلى مسجد الحسيني المعروف بمسجد «خوجة»، الذي يعد من المساجد الأثرية ذات الطراز المميز في مدينة عدن، وكان قد بني بداية القرن العشرين، أي أن عمره يتجاوز المائة عام، ويتبع الطائفة الشيعية العدنية التي تعيش في عدن بسلام وانسجام منذ قرون. ثم اقتحمت ميليشيات الحوثي وصالح مدينة كريتر القديمة، واتخذت المسجد ثكنة وسكنا لها ومقر مواجهات، مما أدى إلى دماره، وسيحتاج المسجد لفريق هندسي آثري متخصص لإعادة بنائه بصورته القديمة.
وتطرق لكنيسة سانت جوزيف وباقي الكنائس، فما يميز عدن عن باقي المدن الجنوبية ومدن المنطقة، أنها المدينة الوحيدة التي تعايش فيها كثير من الأديان السماوية وغير السماوية، فما زال المسيحيون يقيمون شعائرهم في كنائس عدن، وكذلك الهندوس يتعبدون كل جمعة في معبد الخساف.
وتعرضت كنيسة سانت جوزيف في منطقة البادري بكريتر للعبث وتدمير محتوياتها من قبل ميليشيات الحوثي وصالح، وكتبوا شعاراتهم على جدرانها.
وأشار إلى أن فريق «عدن أجين» زار كنيسة البادري وحفظ ما تبقى بمكان آمن، لكن ذلك لا يكفي، فلا بد من دعم حكومي وتضافر لحماية معالم عدن الدينية وإبقائها بعيدا عن أيادي العابثين.
وعرج التقرير على رصيف ويلز، بمدينة التواهي، الشهير لدى العامة بـ«رصيف السياح»، الذي بني بالطراز نفسه لبوابة ميناء بومباي في الهند، سنة 1905م، ويعد أحد معالم ميناء المدينة، فطوال حقبة نافت على القرن والبوابة تقف بطرازها الفريد والجميل وسقفها القرميدي النادر، مما جعلها من أهم ما تتميز به مدينة التواهي.
هذا البنيان الأثري، سيطرت عليه الميليشيات، وتمركزت بداخله، معرضة إياه لضربة طيران دمرته بنسبة 90 في المائة، فلم يتبق منه غير الواجهة التي بقيت سليمة، فيما سقفه ومعظم أحجاره تحول إلى ركام.
كما كشف التقرير عما تعرض له معبد الهندوس، في أطراف منطقة الخساف الجبلية؛ فالمعبد بني في ثنايا الجبل قبل أكثر من مائة عام، معبد يؤدي فيه الهندوس طقوسهم وشعائرهم بكل هدوء وحرية. فمنذ عاود المعبد فتح بابه، عاد أتباع الطائفة الهندوسية يؤدون شعائرهم وصلواتهم فيه دونما اعتراض أو خوف من أحد. لكنه وبعيد إخراج الميليشيات وأتباع صالح من مدينة كريتر منتصف يوليو الماضي، جاء بعض الشبان المتشددين الذين يدعون التدين، وهدموا المعبد ومحتوياته وبشكل همجي لا يمت للدين الإسلامي بصلة، مستغلين الفراغ الأمني، وقلة الوعي الذي يهدد المعالم الدينية لعدن.
وذهب التقرير لسرد ما تعرضت له المدارس من خراب ودمار، فالمدارس كانت أكثر الأماكن استهدافا وتعرضا للخطر خلال فترة الحرب.. كثير من المدارس استخدمت ثكنات عسكرية من قبل ميليشيات الحوثي وصالح، وكثير منها استخدم من قبل المقاومة الجنوبية ثكنات أيضا. وبعض المدارس، ونتيجة لاستخدامها ثكنة للميليشيات، تعرضت للقصف الجوي والدمار.
ففي مدينة كريتر على سبيل المثال، أكثر من خمس مدارس استخدمت ثكنات عسكرية من قبل الحوثيين وصالح، ومدرسة واحدة استخدمت من قبل المقاومة، ومدرستين تعرضتا لقصف جوي.
وبينما حافظت المقاومة على المدارس التي استخدمتها لخدماتها خلال فترة الحرب، لم تكترث ميليشيات الحوثي وصالح بالمدارس، فلم تكتف الميليشيات بتحويل المدارس ثكنات عسكرية وسجونا بل وعيادات لجرحاها، بل قاموا بالعبث بكثير من المدارس وتكسير أبوابها وكتابة شعاراتهم على جدران المدارس.
وتتميز مدينة كريتر العتيقة العريقة العبقة برائحة التاريخ والقدم، بطراز قديم يميزها عن باقي مدن الجنوب والمنطقة، فالمبنى العدني القديم يتكون من عدة ملامح أهمها: الحجر الشمساني المنحوت باليد، والنوافذ الخشبية المصنوعة بحنكة وإتقان، والقمريات الخشبية المميزة بزجاجها الملون التي تختلف كليا عن القمريات الجصية، والشبك الخشبي الذي يغطي النوافذ والأبواب والمشربيات.
ولكن ومنذ سنوات والصناعات الحرفية لهذه النوافذ انقرضت، وهو ما أضحى يهدد الطراز المعماري القديم للمدينة القديمة ويشوه هويتها. معظم نوافذ المدينة القديمة ظلت بحالة جيدة وحافظ عليها قاطنوها، مع الحرب تكسرت عشرات بل ومئات النوافذ القديمة، وتهدمت بعض المنازل الشمسانية. ونظرا لقلة الاهتمام المسبق بهوية المدينة وطرازها القديم، فإن الخطر أصبح يحدق بمدينة كريتر القديمة وأيضا بمدينة التواهي.
وقالت المؤسسة إن إعادة إحياء حرفة صناعة النوافذ العدنية أضحت ضرورة ملحة، وإن على الجهات المسؤولة في المحافظة والمجالس المحلية الانتباه لذلك.
ولفتت إلى أنه وككل جوانب الحياة في عدن، تأثرت ثقافة المجتمع أيضا بفعل هذه الحرب، ومن أهم المظاهر التي أثرت على ثقافة المدينة تعطيل المسيرة التعليمية لمدة تقارب الخمسة أشهر منذ اندلاع الحرب، علاوة على انتشار ظاهرة حمل السلاح بين أفراد ليسوا من المقاومة، وهي الظاهرة التي كانت تحاربها ثقافة سكان عدن، وانتشار أناشيد وزوامل لم تعهدها ثقافة المدينة مسبقا، لكن وبفعل الحرب لقيت قبولا واسعا في صفوف الشباب وأصبحت كالموضة مع أنها أناشيد تتبع ثقافة متطرفة بعيدة عن ثقافة أهالي عدن. وكذلك انتشار أنواع من الملابس تتماشى مع فترة الحرب ولا تمت للزي الشعبي للسكان بصلة.
ودعت كل سكان عدن لرفع الوعي بضرورة الحفاظ على معالم عدن الثقافية والتاريخية والدينية، وضرورة الحفاظ على هوية المدينة، ونمطها المعماري القديم والفريد، والحفاظ على روح المدينة العتيقة، التي هي ميزتها وسر سحرها، والحفاظ على الثقافة المدنية الحضارية لسكان عدن، التي لطالما عُرف سكان المدينة بها.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».