تنتهي مساء اليوم مهلة الـ96 ساعة التي يتيحها قانون مكافحة الإرهاب للتحقيق مع أيوب الخزاني الموجود منذ مساء الجمعة الماضي بين أيدي الأجهزة الأمنية لجلاء حقيقة ما كان ينوي فعله في القطار السريع «تاليس» خلال رحلته بين أمستردام وباريس بعد ظهر ذلك اليوم. وفيما تستمر عملية الاستجواب والبحث عن القرائن المادية والتحقق من مسار هذا الشاب المغربي الجنسية الذي كان يتنقل بين الكثير من البلدان الأوروبية «إسبانيا، بلجيكا، ألمانيا، فرنسا» ببطاقة إقامة إسبانية المصدر.
يدعي الخزاني، بحسب مصادر التحقيق وبحسب ما نقلت عنه محاميته، أنه حرامي وليس إرهابيا ولا علاقة له بالأوساط الإسلامية المتطرفة. وأكثر من ذلك، يستمر في الزعم أنه عثر على الأسلحة في حديقة قريبة من محطة القطارات المركزية في بروكسل حيث كان ينام مع هامشيين آخرين وأنه كان ينوي «السطو» على ما يحمله ركاب القطار «حتى يأكل» وليس ارتكاب عمل إرهابي.
وليلا، سيقدم الخزاني إلى قاضي التحقيق الذي إما أن يأمر بإخلاء سبيله أو توجيه التهم إليه رسميا وإرساله إلى السجن بانتظار انتهاء التحقيق وإحالته على المحاكمة. وبحسب أكثر من مصدر قضائي، فمن الثابت أن تهمة الإرهاب هي التي ستوجه إليه باعتبار أن روايته حول العثور على الأسلحة صدفة ورغبته في القيام بعملية سطو على طراز أفلام «الكاو بوي» الأميركية لا تقنع أحدا.
بيد أن هذا «الجدل» لم يمنع الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند من المسارعة إلى تكريم ثلاثة أميركيين «بينهم عسكريان» ومواطن بريطاني نجحوا في منع ما وصفه هولاند بـ«المجزرة» عندما نجحوا في نزع سلاح الخزاني وطرحه أرضا والسيطرة عليه بعد أن أطلق عدة عيارات نارية وأصاب أحد الأميركيين بمبضع كان يحمله. وخلال احتفال قصير أقيم في قصر الإليزيه بحضور رئيسي وزراء بلجيكا وفرنسا وعدد من الوزراء الفرنسيين على رأسهم برنار كازنوف، وزير الداخلية والسفيرة الأميركية في باريس فضلا عن مسؤولين أمنيين آخرين، منح هولاند الأربعة وسام جوقة الشرف من رتبة فارس. وعادة يمنح هذا الوسام لمن أدى خدمات جلى لفرنسا. وفي كلمته، توجه هولاند إلى الجنديين أليك سكارلاتوس وسبنسر ستون وصديقهما الطالب أنتوني سادلر وإلى رجل الأعمال البريطاني كريس نورمان بالقول: «مساء الجمعة قرر شخص ارتكاب اعتداء على متن تاليس. كان لديه ما يكفي من الأسلحة والذخائر لارتكاب مجزرة فعلية. وما كان ليقوم بذلك لو لم تتمكنوا من ضبطه مع المجازفة بكل شيء، حتى بحياتكم».
وأضاف الرئيس الفرنسي: «تعبيرا عن امتناننا لكم، حرصت استثنائيا على تقليدكم وسام جوقة الشرف، التكريم الأعلى الذي يمكن منحه». واعتبر هولاند الذي أشاد بشجاعة وهدوء الأربعة أنهم «يمثلون الخير» في مواجهة «الشر المتمثل بالإرهاب».
هذا العمل «البطولي» الذي قام به الأربعة الذين ضم إليهم لاحقا مواطن فرنسي رفض الكشف عن اسمه يعمل في أمستردام وآخر مزدوج الجنسية «فرنسي - أميركي» اسمه مارك موغليان، أصيب برصاصة أثناء العراك مع الخزاني، جعل من الأميركيين الثلاثة والمواطن البريطاني «أبطالا» عالميين يعقدون المؤتمرات الصحافية كما في مقر السفارة الأميركية ويتنقلون بين شاشات التلفزة ومحطات الإذاعة الفرنسية والعالمية. وبعد الانتقادات الحادة التي وجهها ممثل فرنسي لطريقة تصرف موظفي القطار السريع طاليس، عثرت السلطات الفرنسية على موظف لشركة السكك الحديد كان في إجازة وقيل إنه «ساعد» في السيطرة على الخزاني. وأشارت رئاسة الجمهورية إلى أن هولاند سيعمد إلى تكريم الآخرين في مرحلة لاحقة علما بأن أحدهم أصيب برصاصة أطلقها الخزاني أثناء العراق وما زال يرقد في المستشفى في مدينة ليل (شمال فرنسا). مرة أخرى، يطرح بقوة موضوع أمن القطارات وغياب أي رقابة فعالة على المسافرين وعلى الحقائب. ورغم مرور أربعة أيام على محاولة الاعتداء، لم تقرر شركة سكك الحديد الفرنسية التابعة للدولة أي تدبير أمني إضافي باستثناء توفير رقم هاتف من أجل الإبلاغ عن أي تصرف «مشبوه» لأي مسافر على متن القطارات. والثابت أن الخزاني صعد إلى القطار حاملا حقيبته المليئة بالسلاح «رشاش كلاشنكوف وتسع خزنات ومسدس من طراز لوغر ومبضع وجهازي هاتف جوال وأغراض أخرى» من غير أن يلقى أي صعوبة. وحجة مسؤولي الشركة الفرنسية أن فرض المرور تحت الكواشف المعدنية واعتماد التفتيش سيعني تأخير المسافرين وفرض أعباء إضافية لا طاقة للشركة تحملها في الوقت الحاضر. فضلا عن ذلك، فإن العمل بالتدابير الإضافية لا يمكن أن يتم سريعا بل يحتاج إلى أشهر وسنوات. وحتى اليوم، جل ما يطلب من المسافر عابر الحدود هو إبراز بطاقة السفر وأحيانا بطاقة الهوية. أما الرحلات الداخلية فهي غالبا ما تكون خالية من أي عمليات تفتيش أو مساءلة.
منذ ليل الجمعة - السبت، يتركز انتباه المحققين ومعهم الوسائل الإعلامية على رسم مسار حياة هذا الشاب المغربي الذي سيبلغ السادسة والعشرين من عمره في الثالث من سبتمبر (أيلول) القادم خصوصا في الأشهر الأخيرة وتنقله بين إسبانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا والنمسا وإمارة الأندور «الواقعة على الحدود الفرنسية - الإسبانية، في جبال البيرينه». وتعتبر أجهزة المخابرات الداخلية في الدول الأربع المذكورة أن الخزاني «إسلامي راديكالي» وأن راديكاليته، بحسب تحقيق قامت به صحيفة «لوموند» المستقلة، انطلقت من إقامته في مدينة الجزيرة الخضراء «الجزيراس، في الأندلس الإسبانية» حيث كان يرتاد مسجد «التقوى» المعروف بتشدده.
وتعيش في مدينة الجزيرة الخضراء التي تقع قبالة الشاطئ المغربي جالية مغربية فقيرة يزيد عددها على الـ8 آلاف شخص. وتسكن عائلة الخزاني في شقة واقعة في أحد أفقر أحياء المدينة.
وتشير الصحيفة المذكورة إلى تعليقات أوردها أيوب الخزاني على صفحته على «فيسبوك»، عقب العمليتين الإرهابيتين ضد الصحيفة الساخرة «شارلي إيبدو» والمتجر اليهودي في باريس بداية العام الحالي، إذ ندد بالماضي الاستعماري لفرنسا ووصفها بأنها «حضارة إرهابية ودولة إرهابية» متهما المسيحيين واليهود بأنهم «أصل الإرهاب».
حتى الآن، تجهد الأجهزة الفرنسية وكذلك الأجهزة البلجيكية التي لا تصدق إطلاقا رواية الخزاني في سبر ماضي هذا الرجل والكشف عن شبكة علاقاته وعن «شركاء» محتملين ربما يكونون قد ساهموا في توفير السلاح والمال له، وهي تتساءل عن حاجة «رجل هامشي متشرد يسعى للعثور على لقمة العيش» وفق وصف محاميته، لهاتفين جوالين وعن كيفية قدرته على السفر والتنقل. ولكن وبعكس المعلومات التي نشرت يوم السبت نقلا عن «مصدر أمني» إسباني، لا تمتلك الأجهزة الفرنسية دليلا على سفر الخزاني إلى سوريا. وبحسب تقارير صحافية إسبانية، فإن الخزاني أوقف ثلاث مرات على الأقل في إسبانيا بسبب امتلاكه أو تجارته بالمخدرات وآخر مرة كانت في عام 2012 في مدينة سبته لدى عودته من المغرب. وفي نهاية هذا العام، أخذت الأجهزة الإسبانية تنظر إليه على أنه «إسلامي راديكالي» و«يحتمل أن يكون خطيرا». لكن هذا التوصيف الذي عمم على فرنسا وبلجيكا وألمانيا لم يمنع الخزاني من التنقل بحرية. أما سبب وجوده في بروكسل، فيعود لكون شقيقة له تقيم في العاصمة البلجيكية فيما وصوله إلى باريس سببه عقد عمل لستة أشهر من شركة بريطانية اسمها «لايكاموبيل» تبيع أجهزة هواتف جوالة وخصوصا شرائحها. وقد طلب منه الترويج لها في منطقة سين سان دوني «شمال باريس» حيث تعيش جالية مغاربية مهمة. وتسعى الأجهزة الفرنسية إلى تتبع خطاه وتنقلاته وعلاقاته على الأراضي الفرنسية.
لص أم إرهابي؟ لكل طرف روايته. لكن يتعين على قاضي التحقيق أن يحسم هذه الليلة الجدل مع ترجيح تبني الفرضية الثانية.
الرئيس الفرنسي خلال تكريمه ثلاثة أميركيين نجحوا في منع «مجزرة» على القطار الأوروبي عندما نجحوا في نزع سلاح المسلح أيوب الخزاني وطرحه أرضا والسيطرة عليه بعد أن أطلق عدة عيارات نارية (أ.ب)
