لبنان: دعم عون ترشيح صهره لرئاسة «التيار الوطني الحر» يهدد قواعده الشعبية

الاعتراض يبدأ بتمزيق بطاقات حزبية .. والمعارضون ينفون خلافاتهم مع وزير الخارجية

لبنان: دعم عون ترشيح صهره لرئاسة «التيار الوطني الحر» يهدد قواعده الشعبية
TT

لبنان: دعم عون ترشيح صهره لرئاسة «التيار الوطني الحر» يهدد قواعده الشعبية

لبنان: دعم عون ترشيح صهره لرئاسة «التيار الوطني الحر» يهدد قواعده الشعبية

زعزع الاتفاق على اسم وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل لرئاسة «التيار الوطني الحر» الذي يترأسه النائب ميشال عون، بوصفه «انقلابًا على أدبيات التيار» القائمة على تكريس مبدأ التداول الديمقراطي للسلطة على قاعدة الانتخابات، ومواجهة التوريث.
واصطدم القرار الأخير بجملة معترضين، بينهم قياديون في التيار، قرأوا في نتيجة الانتخابات استبعادًا لـ«مناضلين» كانوا قد واجهوا السلطتين اللبنانية والسورية بعد إبعاد عون إلى فرنسا إبان فترة الوجود السوري في لبنان، في حين أذعنت سلطة التيار لـ«المتمولين» و«أقرب الأنسباء» وهو صهره الوزير باسيل. وظهرت الحركة الاعتراضية على شكل أصوات طالبت بـ«إصلاح التيار من داخله» و«عودة العماد عون إلى الشخص الذي آمنا به بثوابته وقيم تياره الحزبية».
وعلى الرغم من القراءة السياسية التي تراهن على أن باسيل «شخصية حوارية من شأنها أن تخلق انفتاحًا في صفوف التيار على أقطاب سياسية لبنانية، بدليل تجربته في موقع وزارة الخارجية»، كما يقول نائب رئيس البرلمان السابق إيلي الفرزلي، المقرب من عون، فإن تفاعل الحركة الاعتراضية يحمل مؤشرات على انقسامات التيار في المستقبل بعد غياب «ضمانة عون نفسه للتيار»، وبالتالي تحوله إلى «تيارات».
على الصعيد السياسي اللبناني، لا يتوقع الفرزلي - حسب تعبيره - تغييرات دراماتيكية في الإدارة السياسية العامة في لبنان، بعد انتخابات التيار، ورأى في تصريح أدلى به لـ«الشرق الأوسط» أن «استعداد باسيل للحوار والانفتاح على مختلف الأقطاب السياسية المحلية والإقليمية، هو موضوع جاهز، وقد تبرهن عبر توليه موقع وزير الخارجية... والمهم أن تتلقف الأطراف السياسية الأخرى هذا الاستعداد للحوار والذهاب باتجاهه، وطي صفحة التصادم بالعلاقات، ولا تتعامل معه على طريقة إدارة الظهر».
غير أن المعترضين يؤكدون أن المشكلة ليست مع الوزير باسيل بل مع «طريقة إخراج التسوية، والضغط على المرشحين والناخبين والتملص من الانتخابات»، كما قال أحد المناصرين المعترضين على الانتخابات؛ إذ قال القيادي طوني حرب، الذي تقدم باستقالته من التيار بعد تسوية الانتخابات، لـ«الشرق الأوسط»، إن الاعتراض «ليس على باسيل، ولا على عمله كوزير، بل تقع المشكلة في التنظيم الداخلي الذي كان مسؤولاً عنه على مدى عشر سنوات... فضلاً عن عدم السماح بإرساء نهج جديد بالعمل الحزبي لإصلاح الضرر، وانحياز (النائب ميشال) عون إلى باسيل من دون أن يتخذ موقف (الأب غير المنحاز)»، مشددًا على أن تلك الأسباب «كافية لمواجهة الانتخابات ودعم مرشح آخر».
ويعبّر مناصرو التيار عن «إحباط» نتيجة التوصل إلى تسوية، مع أن باب الترشيحات للانتخابات من الناحية الرسمية لا يزال مفتوحًا حتى 27 من الشهر الحالي، على أن تُجرى الانتخابات في 20 سبتمبر (أيلول) المقبل، ولقد أعلن فارس لويس، الأمين العام السابق للتيار في فرنسا، بالفعل ترشحه للانتخابات.
من جهة أخرى، أوضح العضو السابق في لجنة التثقيف في التيار مارك الأسمر لـ«الشرق الأوسط»، أن الاعتراض «هو حركة إصلاحية للتيار، وليس تنصلاً منه»، مشيرًا إلى أن الاعتراض على المدى القصير «محصور بقضية الانتخابات والضغط على مرشحين للأنساب» في إشارة إلى النائب آلن عون، وأضاف: «إنه تيار، وليس حزبًا في الأساس، يعني حركة شعبية ليست عائلية ولا إقطاعية، وما نحاول قوله أننا نطبق ما قاله الجنرال وآمنا به، وما زلنا في التيار وسنبقى فيه، ولا نرضى أن يصبح حزبًا عائليًا». أما في السابق، فقد «بدأت المشكلة مع تعديل القانون الداخلي، ومنع المساءلة المالية لرئيس التيار»، بحسب الأسمر، الذي تابع أن الاعتراض «لا يعني أن هناك انقسامًا، فنحن من التيار وراغبون بالبقاء فيه، لكننا نريد الجنرال الذي نعرفه، الشجاع الذي يواجه ويصحّح، ولا يحول التيار إلى حزب عائلي، بل يضع الشخص المناسب في المكان المناسب».
وفي حين يرى مراقبون أن حملة الاعتراض يمكن أن تتوسع مع تمزيق كثيرين لبطاقاتهم الحزبية على خلفية التسوية الانتخابية، ما يهدد القواعد الشعبية للتيار، يؤكد حرب أنه «من جهتنا، ليس من الوارد أن يكون هناك انشقاقات، لأن الخلاف غير سياسي». وشرح قائلاً: «إننا مقتنعون بطروحات عون الأساسية، رغم اعتراضنا على إدارته لملف الوضع الداخلي وموقفه من سوريا وتحفّظنا على العلاقة مع بعض الحلفاء»، لكن «هذا السبب لا يشكل نواة لانقسام سياسي، نظرًا إلى غياب خلاف كامل، بينما يقتصر الخلاف على الشق التنظيمي». وأردف: «هناك حركة الاعتراض بعد الموقف الأخير، وإحساس بالخيبة عن رفقاء حزبيين، لكننا نتمنى ألا تكبر هذه الحالة كي لا تساهم في إضعاف التيار».
وفي المقابل، يراهن كثيرون على أن الحفاظ على وحدة التيار يوفرها عون نفسه، الذي يعد «ضمانة للقاعدة الشعبية». وحول هذا الجانب يقول الفرزلي إن القاعدة الشعبية للتيار الوطني الحر «ستبقى مؤمّنة، وستتجمّع حول الشعار الذي رفعه عون»، مشيرًا إلى أن «المعيار الحقيقي هو النائب إبراهيم كنعان الذي تربطه علاقات بجميع الأطراف في التيار، ويجسّد تقاطع الطرفين في التيار اللذين كانا يمثلان القياديين في لبنان أو خارجه خلال فترة وجود عون في باريس، ولقد صاغ علاقات حقيقية لتؤكد وحدة القواعد»، وتابع أن «الجنرال عون حريص عليها، وبوجوده يستطيع أن يؤمن الاستمرارية».
وحسب الفرزلي «يجب ألا تتم المراهنة على تفكيك قواعد التيار الشعبية، لأن القاعدة هي الحالة العونية وليس التيار بحد ذاته كحزب... وإذا حصل خروج أشخاص من الحزب لأسباب شخصية، فهي حالات فردية لا تؤثر على الوحدة العونية، ذلك أن القياديين تجمعهم حالة رفاقية سواء كانوا في لبنان أم باريس».
على صعيد آخر، يؤخذ على «التيار الوطني الحر» أنه من أبرز الدعاة لإجراء انتخابات لرئاسة الجمهورية اللبنانية من قبل الشعب، كما يعد من أبرز المعارضين للتمديد للبرلمان اللبناني. وهو الآن في الوقت نفسه يحاول إفقاد الانتخابات شفافيتها عبر اختيار مرشح توافقي، بعد إجبار عون ابن شقيقته النائب آلن عون على سحب ترشيحه مقابل صهره باسيل، كما يقول المعترضون. غير أن الفرزلي يرى أنه من الصعب الخروج بأحكام مشابهة، كون تجربة التيار «فتية على مستوى المسألة الانتخابية، لأنها المرة الأولى التي تشهد تجربة لصناعة العلاقة الحزبية بين أركان التيار». ويقول نائب رئيس البرلمان السابق إن قضية «الائتلاف السياسي والحزبي أمر قائم على مستوى كامل الأحزاب في العالم، وبالتالي لا يمكن الخروج بخلاصات بأن هناك موقفًا ضد الانتخابات».
ورأى الفرزلي أن «المعركة الانتخابية وقعت في الإعلام، وخلصت إلى ائتلاف في داخل الحزب، وهو أمر مغاير للتمديد للمؤسسات الدستورية اللبنانية خلافا للنص القانوني». ثم أضاف: «نحن كغرباء، ولا علاقة لنا بالتيار، نقرأ الموضوع من زاوية سياسية لناحية انعكاساتها على المستوى الوطني، ونرى أنها تشجّع، وتدفع لتقديم النصح لأطراف سياسية أخرى بالتعاطي مع التيار بأسلوب جديد، بالنظر إلى انفتاح باسيل وتجربته الحوارية مع الأطراف اللبنانية».
في هذه الأثناء، تبرز حركة المعترضين بين أعضاء التيار في فرنسا وأستراليا وكندا، ويقول مارك الأسمر لـ«الشرق الأوسط» إن ضغوطًا تُمارس على المعترضين هنا، مشيرًا إلى «غياب في الشفافية لناحية الانتخابات، إذ نرصد منع منح بطاقات حزبية عن معترضين، إضافة إلى أن تلفزيون (أو تي في) التابع للحزب، لا يمنح المرشحين فرصًا متساوية، إذ يعطي باسيل حق الظهور مقابل منع فارس لويس من الظهور عليه»، إضافة إلى «80 في المائة من أعضاء اللجنة الانتخابية هي من الماكينة الانتخابية لباسيل».
وتابع الأسمر، الذي يدعم المرشح لويس، أن التأخير في إعلان لائحة الأخير «يعود إلى أننا نبحث عن أعضاء غير مسيحيين لمنصب نائب رئيس التيار، كون التيار وطنيًا، وليس مسيحيًا في الأساس، غير أن الخطاب المسيحي الذي تبناه عون قلل عدد الأعضاء غير المسيحيين».



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.