يعود ناشطون لبنانيون اليوم إلى الشارع مجددا، اعتراضا على تأخر الحكومة في إيجاد حل لأزمة النفايات المستشرية منذ الشهر الماضي، وتأجيل فض عروض الشركات المقدمة لمناقصة كنس وجمع النفايات ومعالجتها، وذلك في محاولة لتشكيل إطار ضغط شعبي على الحكومة، بعد انحسار الدعم السياسي لناشطي المجتمع المدني، وترك العشرات منهم فقط يتظاهرون ويواجهون القوى الأمنية التي فضّت اعتصامهم بالقوة مساء أول من أمس.
ويسعى هؤلاء الناشطون، على قلتهم، للتعويض عن إحجام الشباب اللبناني، المتحزب، عن المشاركة في مظاهرات وتحركات مطلبية، وإحجام الأحزاب السياسية عن الدعوة للمشاركة في مظاهرات مطلبية، وسط اتهامات توجه إليها بأنها: «مشاركة في أزمة النظام، وهي جزء منه». غير أن هؤلاء الناشطين حازوا أمس دعما لافتا من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، الذي قال في تغريدات له في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»: «بما أن الأحزاب السياسية، غالبها على الأقل، أفلست ومعها القيادات وخطاباتها الفارغة، فإن حركة الاعتراض التي قام بها الشباب ومعهم الصبايا في وسط بيروت هي شرعية ومحقة». وشدد على أن «الطريقة الهمجية التي استعملت بحقهم من ضرب وخراطيم مياه مرفوضة ومدانة»، مضيفا: «هم أحرار في التعبير عن رأيهم عن أحوال البلاد والنفايات السياسية مثل الأحزاب وما يسمى بالشخصيات».
هذا الموقف لا يصل إلى دعوة ضمنية لقطاع الشباب في الحزب التقدمي الاشتراكي للمشاركة في تلك التحركات الشبابية، بل يقتصر على دعم جنبلاط والحزب لتحركات الشباب. وعنه يقول مفوض الإعلام في «الحزب التقدمي الاشتراكي» رامي الريس، لـ«الشرق الأوسط»: «إننا ندعم التحرك الشبابي والحركة الاعتراضية، ذلك أننا نعرف وجع شباب لبنان ويأسهم جراء الأزمات المعيشية»، مشددا على أنه «من حق المواطن التخلص من النفايات والحصول على الكهرباء وسائر الخدمات الأساسية، ومن المنطق أن ندعم تحرك المجموعة ونشد على أيديهم، كما أننا نرفض تعرض القوى لهم، لأن الدستور اللبناني يكفل حق التظاهر». وكشف «إننا في الإطار الحزبي عندنا تصور لتحركات مستقبلية بعناوين مشابهة».
وعصر اليوم، يعتصم ناشطو حملة «طلعت ريحتكم»، في ساحة النجمة في وسط بيروت، على خلفية تفاقم أزمة النفايات والعجز الحكومي عن إيجاد الحلول لها. ويشارك فيها ناشطو منظمات المجتمع المدني، وأفراد ينضوون في النوادي الطلابية في الجامعات اللبنانية، من غير مشاركة رسمية من تلك النوادي، وذلك «بسبب نقص في التنسيق بين القائمين على الحملة وباقي الأطراف»، كما يقول مصدر من أحد تلك النوادي لـ«الشرق الأوسط».
ويشير المصدر نفسه إلى أن المشاركين في الاعتصام ينقسمون بين من يقتصر تحركه على مطالب حملة «طلعت ريحتكم» التي تسعى للضغط على الحكومة لإيجاد حل لأزمة النفايات، بالنظر إلى أنها باتت تشكل تهديدا صحيا، وبين مشاركين يحملون مطالب إضافية، يمثلها ناشطون مستقلون ومجموعات طلابية يسارية، تهدف إلى «توجيه الرسائل بأن هذا النظام الطائفي لم يعد جديرا بحل أزمات اللبنانيين المعيشية». ويقول: «هناك خطاب سياسي آخر، يتمثل في أن النظام مسؤول عن الأزمات، وعليه أن يرحل، ولا ترضينا حلوله القائمة على المحاصصة على حساب الشعب».
وتدفع الأزمات المعيشية والمطلبية شباب لبنان للخروج إلى الشارع، بهدف الضغط على السلطة السياسية، وتمثل حركة اعتراض غير محزبة، يرتفع صوتها اعتراضا على تفاقم المشاكل بدءا من أزمة الكهرباء وانقطاع المياه، وصولا إلى أزمة النفايات. إلا أن تلك التحركات لم تصل إلى مستوى التأثير، ولم تشكل إطارا فاعلا للضغط، بالنظر إلى قلة المشاركين. ويرى الباحث في مؤسسة «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين أن هذا الحراك «غير منتج»، مشيرا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الحراك الذي أدى إلى إقفال مطمر الناعمة، وهو المطمر الرئيسي لنفايات العاصمة اللبنانية: «كان سياسيا، وهو ما أدى لنجاحه».
ويقول شمس الدين إن الشباب كان له دوره الفاعل في أحداث معينة «لكن حركتهم الآن باتت محدودة، كذلك تأثيرهم محدود، نظرا إلى الأعداد القليلة التي تشارك في التحركات». ويوضح: «في الوقت الذي أظهرت فيه الدراسات أن 70 في المائة من اللبنانيين كانوا يعارضون التمديد لولاية مجلس النواب في عام 2014، لم يتجاوز عدد المشاركين في الاعتصام ضد التمديد أكثر من 70 شخصا، وهو ما يمثل مشكلة كبرى»، مشددا على أن المشاركات الخجولة في أمور معيشية «معيبة».
وتعود أسباب إحجام الشباب اللبناني عن المشاركة في اعتصامات وتحركات مطلبية إلى أن «الشباب اللبناني إما مطيف أو محزب، وبالتالي تحدد مصلحة الطائفة والحزب أطر التحرك»، بحسب شمس الدين الذي أكد أنه «خارج الإطار الطائفي والحزبي يبقى التحرك محدودا، ولا يحصل على دعم من غير مرجعية». ويقول إن الشباب في لبنان «يراعون مصالحهم، ويرضون الطبقة السياسية والطائفية على أمل الحصول على منصب، ويسعون لإرضاء الزعامات بغرض الانتفاع منها». ويضيف: «لو جرى التفلت من تلك القيود، سيكون عدد المشاركين في تحركات مطلبية أكبر، ومنها قضية التظاهر لأجل ملف النفايات الذي تتضرر منه جميع الفئات اللبنانية من دون استثناء».
ويشير إلى أنه «من أصل مليون لبناني تقل أعمارهم عن أربعين عاما، شاهدنا مئات قليلة من المشاركين، وهو أمر معيب، وغير مؤثر، ولن يشكل ضغطا على الطبقة السياسية، بل ستستخف بهم». ويقول إن الشباب اللبناني «لم يصل بعد إلى مرحلة النضوج، بدليل الخلافات والتضارب الذي تشهده الجامعات أحيانا، في أوساط أشخاص يفترض أن يكونوا مثقفين، وذلك لأسباب سياسية».
الشارع ملاذ شباب لبنان للضغط على الحكومة مطلبيًا.. وغياب مواكبة الأحزاب يقلص تأثيرهم
يعتصمون لحل أزمة النفايات اليوم.. وجنبلاط يدعم تحركهم ويصفه بـ«الشرعي» و«المحق»
الأجهزة الأمنية اللبنانية تستخدم خراطيم المياه لتفريق نشطاء يحاولون إزالة الأسلاك الشائكة التي تسد مدخل القصر الحكومي خلال مظاهرة احتجاج ضد أداء الحكومة اللبنانية وسط بيروت (أ.ب)
الشارع ملاذ شباب لبنان للضغط على الحكومة مطلبيًا.. وغياب مواكبة الأحزاب يقلص تأثيرهم
الأجهزة الأمنية اللبنانية تستخدم خراطيم المياه لتفريق نشطاء يحاولون إزالة الأسلاك الشائكة التي تسد مدخل القصر الحكومي خلال مظاهرة احتجاج ضد أداء الحكومة اللبنانية وسط بيروت (أ.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





