رياض المالكي لـ«الشرق الأوسط» : الرفض الإسرائيلي والأميركي أحبط اندفاع باريس لمجلس الأمن

وزير الخارجية الفلسطيني: كيري وعدنا بالاهتمام مجددًا بملف المفاوضات مع إسرائيل بعد الانتهاء من الاتفاق النووي الإيراني

رياض المالكي لـ«الشرق الأوسط» : الرفض الإسرائيلي والأميركي أحبط اندفاع باريس لمجلس الأمن
TT

رياض المالكي لـ«الشرق الأوسط» : الرفض الإسرائيلي والأميركي أحبط اندفاع باريس لمجلس الأمن

رياض المالكي لـ«الشرق الأوسط» : الرفض الإسرائيلي والأميركي أحبط اندفاع باريس لمجلس الأمن

في لقاء مطوَّل بمناسبة وجوده في باريس للقاء وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس، حاورت «الشرق الأوسط» وزير الخارجية الفلسطيني، الدكتور رياض المالكي، وطرحت عليه الكثير من الأسئلة بشأن الاتصالات الدبلوماسية الدولية الخاصة بالملف الفلسطيني، وتحرك السلطة، وذلك قبل أسابيع قليلة على اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر المقبل في نيويورك.
وتركّز الحوار في جانب أساسي منه على المبادرة الفرنسية التي كانت باريس عازمة طرحها في مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار يثبت محددات السلام وينص على مهلة زمنية لإنجاز المفاوضات.
وقال المالكي، إن فابيوس طمأنه بأن المبادرة ما زالت قائمة، وأن المطلوب توفير ظروف النجاح لها، علمًا بأن واشنطن وإسرائيل سعتا لإجهاضها، ما أدى، وفق المالكي، إلى «إحباط الاندفاع الفرنسي»، ولكن من غير أن يقضي على المبادرة، وبعد التجربة الفاشلة التي مني بها الطرف الفلسطيني في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي عندما طرح مشروع قرار لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، يبدو اليوم حذرًا وراغبًا في تلافي تجربة مماثلة.
وقال المالكي، إن السلطة الفلسطينية «تعمل من خلال اللجنة الوزارية العربية المصغرة وتريد توفير كل أسباب النجاح لأي تحرك جديد في مجلس الأمن».
وإزاء استمرار التعنت الإسرائيلي الاستيطاني والممارسات التي تقوم بها إسرائيل ميدانيًا، يؤكد المالكي أن الطرف الفلسطيني يملك سلاح اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية عبر ما يسمى إجراء «الإحالة» الذي يلزم المدعية العامة بفتح تحقيق بناء على طلب من البلد العضو وهو في هذه الحالة فلسطين. وبحسب الوزير الفلسطيني، فإن هذا السلاح متروك لمرحلة قد تكون أشد وأقوى. وفي ما يلي نص الحديث:
* ماذا جرى في اللقاء مع وزير الخارجية لوران فابيوس؟ وما توجهات الدبلوماسية الفرنسية اليوم بالنسبة للملف الفلسطيني؟
- هذه الزيارة إلى باريس تأتي في إطار استكمال لقاءات سابقة وأنت تعلم أنه كانت للوزير فابيوس قبل فترة مجموعة من المقترحات التي يطلق عليها المبادرة الفرنسية. وجاء فابيوس إلى القاهرة في شهر يونيو (حزيران) الماضي والتقى «المجموعة الوزارية العربية المصغرة»، ثم انتقل لاحقًا إلى رام الله والتقينا به، وبالتالي نحن معنيون باستكمال هذه الاتصالات.
رسالتنا اليوم أننا مهتمون بالمبادرة الفرنسية، وهذا الاهتمام يبرز من خلال استمرار التواصل مع فابيوس ونريد أن نفحص مع الجانب الفرنسي ما آلت إليه خطته وكيف يرى الخطوات القادمة. ونريد إشعار الجانب الفرنسي أننا ندعم توجهه وخطته وأننا نسعى لإقامة تنسيق أوثق معه إن كان ذلك كفلسطينيين أو كعرب.
بالطبع، نحن نأخذ بعين الاعتبار أنه ليس في الساحة الدبلوماسية اليوم أي تحرك آخر غير التحرك الفرنسي الذي إذا تراجع أو أصبح خجولاً فهذا معناه أننا لن نستفيد منه بشيء. نريد أن يصبح تحركًا شجاعًا وقويًا ومتفاعلاً مع احتياجاتنا ومبادرًا رغم الأوضاع المعروفة ومواقف بعض الدول التي تحاول إحباط التوجه الفرنسي ووأده في مهده.
* فرنسا أعدت خطة متكاملة وكانت تنوي تقديمها إلى مجلس الأمن في سبتمبر (أيلول) المقبل.. سؤالي: هل الخطة كما تعرفنا إليها ما زالت قائمة وما زالت باريس عازمة على عرضها على مجلس الأمن؟
- السؤال صعب.. صحيح أن بدايات الخطة الفرنسية كانت مشروع قرار إلى مجلس الأمن. ونحن تفاعلنا معه وفابيوس أرسل لنا منه نسخة ودرسناه على مستوى اللجنة العربية المصغرة «4+ا: تترأسها مصر وعضوية الأردن، المغرب والأمانة العامة للجامعة العربي». وكان للجنة ردود فعل على الورقة الفرنسية التي حولناها للخبراء الذين درسوها ووضعوا إثر ذلك تصورات رفعت إلى الجانب الفرنسي. عقب ذلك، التقت المجموعة مع فابيوس في برشلونة بمناسبة اجتماع سياسة الجوار الأوروبي. ووعد فابيوس بالعودة إلينا لمناقشة تصوراتنا حتى تدمج بالمشروع الفرنسي أو في حال وجود ملاحظات البحث في الخطوات اللاحقة. ثم جاء إلى القاهرة واجتمعت اللجنة به مجددًا وإذا بالوزير الفرنسي يتحدث عن أفكار أخرى، وتحديدًا فكرة تشكيل مجموعة المتابعة والدعم. وخلال مناقشاتنا، تبين لنا بوضوح أن أفكاره تمت مواجهتها بمعارضة إسرائيلية قوية، وكذلك بمعارضة أميركية. وواضح أن الأميركيين بسبب تركيزهم على الملف الإيراني طلبوا منه الامتناع عن التحرك حتى إبرام الاتفاق النووي مع إيران وتمريره في الكونغرس.
واضح لنا أن الرفض الإسرائيلي المسبق وكذلك الرفض الأميركي أحبطا الاندفاع الفرنسي. وحتى لا يبدو أنه تراجع أو انهزامية، طرحت فكرة تشكيل مجموعة المتابعة والدعم. السؤال الذي نطرحه نحن: هل هذا بديل عن ذاك؟ الوزير الفرنسي نفى الأمر.
* ماذا قال لكم أمس بخصوص هذه النقطة بالذات؟
- قال وكرر أن المجموعة ليست بديلاً عن مشروع القرار «في مجلس الأمن»، وأن المشروع ما زال قائمًا، ولكن نحن لا نريد أن نعاود الذهاب إلى مجلس الأمن، وأن نفشل كما فشل الجهد الفلسطيني في ديسمبر الماضي، وبالتالي يتعين أن يتم التنسيق مع كل المجموعات المؤثرة في المجلس من أجل الحصول على دعمها وموافقتها.
* بكلام أوضح، أنتم تريدون ضمان الحصول على موافقة أميركية.. أليس كذلك؟
- بالضبط. ولهذا السبب، المشروع الفرنسي لم يسقط، ولكنه ينتظر الظروف والمناخات المناسبة. وبالمقابل، يدفع فابيوس بفكرة مجموعة الدعم والمتابعة. أنا قلت لفابيوس، إن خطة تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن يجب أن تبقى على الطاولة، ولكن إذا كانت هناك تحفظات عليها لأنها تتناول معاودة المفاوضات ضمن مهلة زمنية محددة، لماذا لا يكون مشروع القرار مركزًا على مسألة الاستيطان بكل مكوناته بما فيها عنف المستوطنين الذي يسمى اليوم «الإرهاب اليهودي»، وهذا النوع من العنف تتعين إدانته وتلافي تكراره. وفي سياق الحديث عن الاستيطان يمكن العودة إلى موضوع المفاوضات والإشارة إلى مبادرة السلام العربية التي يتوفر حولها إجماع عربي دولي بما في ذلك الموافقة الأميركية إذ تنظر إليها واشنطن على أنها «أساس»، وبالتالي تستطيع باريس إدخالها كإطار ومحاولة إيجاد «ميكانيكية» إيجابية بدل الاستمرار في التأجيل، وخصوصًا أن الأميركيين لا يستطيعون اليوم استخدام حق النقض «الفيتو» بشأن موضوع الاستيطان، وإنما سيكون عليهم التعامل معه، وبالتالي نستطيع أن نحصل شيئًا ما من مجلس الأمن سيكون رافعة للتحرك، وهذا بالغ الأهمية بالنسبة إلينا في ظل غياب أي نوع من التحرك، ونحن نريد تحركًا ومعنيون به. والآن، إذا لم يتحرك الفرنسيون، فإن أي طرف لن يحرك ساكنًا. لذا، غرض الزيارة كان تحفيز هذا الدافع وسنلتقي الطرف الفرنسي مجددًا الشهر المقبل بمناسبة انعقاد اجتماع اللجنة الوزارية وسنعيد طرح الموضوع والدفع به. وإذا اقتنع الجانب الفرنسي بطرحنا وقبل الذهاب إلى مجلس الأمن من زاوية الاستيطان فسيكون ذلك مكسبًا لنا لأن من شأنه تحريك الملف وجعله أولوية من أولويات المجتمع الدولي وهذا مهم للغاية.
* بعد الاجتماع مع الوزير فابيوس، صدر بيان عن وزارة الخارجية تقول الفقرة الثانية فيه إن فابيوس أكد «استمرار فرنسا بالعمل لتشكيل لجنة الدعم والمتابعة»، ولكن من غير الإشارة إلى خطة مشروع القرار في مجلس الأمن. وقد يؤكد هذا ما أشرت إليه شخصيًا قبل نحو شهر ونصف الشهر من أن باريس «تراجعت».
- السبب في الإشارة إلى مجموعة الدعم والمتابعة «من غير المجيء على ذكر مجلس الأمن» أن باريس حصلت على موافقة من الاتحاد الأوروبي خلال آخر اجتماع لوزراء الخارجية الأوروبيين، بينما لم تحسم أمرها بعد بالنسبة لمجلس الأمن.
* معلوماتنا تفيد بأن باريس كانت ذاهبة إلى مجلس الأمن وأن خطتها كانت متكاملة «معاودة المفاوضات لفترة 18 إلى 24 شهرًا لإقامة دولة فلسطينية وتضمين القرار محددات السلام وجعل القدس عاصمة الدولتين واقتراح تسوية بالنسبة لموضوع اللاجئين..».
- نحن تحدثنا في موضوع قمة المناخ ولا إشارة لها في بيان الخارجية.
* لكن قمة المناخ ليست بأهمية مجلس الأمن والمفاوضات ومستقبل الدولة بالنسبة إليكم.
- كلا. لست موافقًا على هذا الرأي والقمة مهمة للغاية بالنسبة لفرنسا وهي تراهن على نجاحها. هذا بيان الخارجية وهي تريد ألا يتضمن أي شيء يعطل جهودها، وهذا شيء طبيعي. نحن نستطيع إصدار بيان نشير فيه إلى ما نريد. وغياب الإشارة إلى مجلس الأمن في البيان لا يعني إطلاقًا أن الفكرة سقطت.
* لنترك فابيوس وخطته.. أتمنى أن تحدثني عما تنوون أنتم القيام به في الأسابيع والأشهر المقبلة.
- اليوم ليست لدى أي طرف آخر أي مبادرة. لذا، نحن نعمل على دفع الطرف الفرنسي.
* هل قطعتم الأمل من أي تحرك أميركي إيجابي في ما تبقى من ولاية باراك أوباما الثانية؟
- قال لنا الأميركيون إنهم بعد أن ينتهوا من موضوع الملف النووي الإيراني في الكونغرس سيعاودون الاهتمام بالموضوع الفلسطيني. لكن السؤال: ما الذي يمكن أن يقوموا به؟ تصريحات أحد مسؤولي البيت الأبيض مع صحافيين إسرائيليين مؤخرًا واضحة إذ قال بكل صراحة إن الاتفاق مع إيران تم على حساب القضية الفلسطينية. وقال كذلك إنه سيكون من الصعب جدًا أن تستطيع الإدارة الأميركية في ما تبقى لها من ولاية أن تقوم بشيء بخصوص الملف الفلسطيني.
* لكن ما زال أمامها 17 شهرًا؟
- هذا ما قاله هذا المسؤول. لذا، نحن من جهة نقول إننا ننتظر لنرى ما إذا كان الوزير كيري سيقوم بشيء ما ومن جهة ثانية ننظر في ما يمكن أن نقوم به من جانبنا في حال لم يكن في جعبة كيري شيء يخصنا.
أنت تعلم أن اللجنة الوزارية العربية المصغرة هي التي تبحث الطرق وآليات التحرك وفي كيفية وضع حد للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وبالتالي ستجتمع اللجنة لتقرر ما إذا كانت ثمة تحركات قائمة يمكن التعويل عليها أم يتعين علينا كعرب أن نبادر.
* ما أفهمه أن الطرف الفلسطيني غير راغب في معاودة الكرّة في مجلس الأمن كما فعلتم العام الماضي؟
- نحن نعمل ضمن إطار اللجنة الوزارية العربية. واللجنة تقول إن هناك أفكارًا فرنسية ويجب دفعها إلى الأمام. وعندما التقى الرئيس محمود عباس بلجنة المتابعة العربية في القاهرة في الخامس من هذا الشهر وصدر قرار عن اللجنة بتفعيل العمل في مجلس الأمن، قمنا نحن بالتحرك وأعطيت تعليمات لسفيرنا لدى الأمم المتحدة لبدء التشاور. وأول خطوة قام بها هي البدء مع الأردن، العضو العربي في مجلس الأمن لنرى إمكانية التحرك. ولذا، كان مهمًا بالنسبة إلينا أن نرى ما إذا كانت باريس عازمة على القيام بشيء ما أم لا بحيث لا يكون ذلك الشماعة التي تمنع أي تحرك عربي في مجلس الأمن.

* هل التحرك على المستوى الدولي مرهون بتوفير سبل النجاح؟
- نحن في نهاية المطاف ما زلنا نعتقد بأهمية الذهاب إلى مجلس الأمن. وكما ذهبنا في ديسمبر من العام الماضي، ما زلنا نعتقد أنه يجب توفير الظروف والفرص للعودة لمجلس الأمن. لكن اليوم نحن مرتبطون بآليات مختلفة عن تلك التي كانت قائمة في ديسمبر الماضي، أي أننا أصبحنا نعمل ضمن إطار اللجنة الرباعية «4+1» وهي التي تحدد الخطوات الضرورية. وفلسطين لا تستطيع أن تلعب وحدها ويجب أن يتوافر الاقتناع من طرف اللجنة بأهمية الذهاب إلى مجلس الأمن. الرغبة موجودة بالذهاب إلى مجلس الأمن والحوافز قائمة ونحن نبحث عن الفرصة للتحرك وكلما سنحت لنا فرصة، نحن نتحرك. وفي الوقت نفسه، يجب أن نستخلص العبر والدروس من تجاربنا السابقة ولذا لا نريد أن نصل إلى النتيجة نفسها وإلا إذا فشلنا مرة أخرى في مجلس الأمن سينعكس ذلك بشكل كبير على كل أدائنا السياسي والدبلوماسي مع بقية دول العالم. ووجودنا ضمن اللجنة الرباعية العربية يعزز فرص النجاح. إذا نريد الاستفادة من تجربة نهاية العام الماضي والسعي إشراك أكبر عدد من الأطراف في ما نقوم به حتى لا نكون منفردين وتعزيز إمكانيات النجاح.
* صحيح أن فرنسا دولة مهمة ومؤثرة وفاعلة. ولكنَّ ثمة أطرافًا دولية أخرى لها أهميتها وقد عادت الدبلوماسية الروسية لتلعب دورًا رائدًا في قضايا المنطقة. لماذا لا تتوجهون إلى روسيا كذلك؟
- تركيزنا على فرنسا لأنها البلد الوحيد الذي أطلق مبادرة واضحة لتقديم مبادرة وإعادة الملف الفلسطيني على أجندة المجتمع الدولي.
* لكنَّ هناك روسيا والصين وبلدانًا أخرى في الاتحاد الأوروبي؟
- روسيا والصين لم تقدما أي مبادرة.
* ألا يجب التحرك نحوهما؟
- هذا صحيح وأنا زرت موسكو قبل أسبوعين والتقيت الوزير لافروف، وحكينا في أهمية مجلس الأمن وفي إمكانية استجلاب آلية «5+1» التي نجحت بخصوص الملف النووي الإيراني والعمل بها بشأن الملف الفلسطيني وقد وعدنا بمناقشة هذا الموضوع مع الوزير كيري. كذلك تناولنا الأفكار الفرنسية... نحن لا نستطيع إلا أن نبقى على تواصل مع كل الدول الأعضاء في مجلس الأمن وسفيرنا لدى الأمم المتحدة على تواصل مع ممثلي هذه الدول الأخرى.
* ماذا عن التحرك باتجاه دول الاتحاد الأوروبي؟
- نحن نتواصل مع بلدان الاتحاد وطلبنا لقاء مع وزراء الخارجية الأوروبيين حتى نطرح عليهم أفكارنا وتصوراتنا ولإدامة التواصل معهم وكلما جاءنا وزير أوروبي إلى رام الله نطلب منه أن ينقل مواقفنا إلى المجلس الوزاري الأوروبي. كذلك نفعل كلما زرنا بلدًا أوروبيًا. وفي الفترة الأخيرة تقدمت بمقترح لمجموعة من الوزراء الأوروبيين في ما يتعلق بتشكيل لجنة أصدقاء فلسطين. ولدي رسائل من وزراء خارجية اليونان ومالطا وآخرين لمسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية فدريكا موغيريني لدعم هذه الفكرة. علمنا بأن وزير خارجية إيطاليا دعا موغيريني عقب اجتماع اللجنة الوزارية المشتركة إلى توجيه دعوات لفلسطينيين وإسرائيليين لمناقشة كافة هذه الأفكار. أما الرئيس القبرصي فقد اقترح دعوة الرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء الإسرائيلي للحديث أمام رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي. الخلاصة أننا نركز على الاتحاد الأوروبي وتفعيل الملف الفلسطيني داخل الاتحاد من خلال كل زيارة ولقاء. ولو جاءت أي دولة بمبادرة شبيهة بالمبادرة الفرنسية، فلن نتوانى عن تقديم كطل الدعم لها أيًا كانت. ونحن مقتنعون بأنه إذا كان هناك من دور مميز إزاء قضيتنا فهو الدور الأوروبي.
* الاتحاد الأوروبي مهتم جدًا بموضوع البضائع المنتجة في المستوطنات في الضفة الغربية. وهذا الاهتمام يمكن البناء عليه.
- بالطبع. نحن نتابع هذا الموضوع والإجراءات الأوروبية بشأن البضائع الصادرة عن المستوطنات التي كان يفترض البدء بتطبيقها في الأول من يناير (كانون الثاني) 2015 وأجّلت لمطلع عام 2015. وتنص هذه الإجراءات على منع التعامل مع الشركات التي لها نشاطات في المستوطنات. وحتى الآن لم يحصل أي شيء. إلا أن موغيريني بدأت بالحديث عن البدء بتطبيق هذه الإجراءات. ونحن نتابع هذا الموضوع. وبشأن صادرات المستوطنات، أرسل 16 وزير خارجية أوروبي رسالة إلى موغيريني رسالة يدعون فيها إلى البدء بتطبيق شهادة المصدر. وجاء ذلك نتيجة تواصل مستمر مع بلدان الاتحاد. كذلك نحن ندعو إلى وضع «قائمة سوداء» في ما يتعلق بالمستوطنين والوصول إلى درجة أن كل مستوطن يجب أن يمنع من دخول منطقة شنغن، ذلك إذا كان الاتحاد يقول إنه يجب «تمييز» منتجات المستوطنات، فإن المستوطن هو من منتجاتها ويتعين النظر إليه بهذه الطريقة. وأريد أن أشير إلى أننا قمنا بإيصال رسائل بشأن المجموعات الاستيطانية كـ«شبيبة التلال» و«دفع الثمن» ندعو فيها الاتحاد إلى وضعها على لائحة المنظمات الإرهابية، كذلك إلى الوزير كيري ووزير خارجية كندا وأستراليا.. هذا جزء من الحراك المتواصل الذي لا يتوقف إذ نعتقد بالحاجة إلى زخم كبير والتشديد على القضايا التي يتعين على الاتحاد الأوروبي التعامل معها لأنها تلتقي مع مبادئه الأساسية ولأن الممارسات الإسرائيلية تتعارض مع القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
* كل فترة، كان للجانب الفلسطيني «ورقة» يعول عليها كالمطالبة بالدخول إلى منظمة الأمم المتحدة كعضو كامل العضوية أو كعضو مراقب أو الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية. وكان الناس يعتقدون أن من شأن هذه الأوراق أن تغير اللعبة وتقرب الفلسطينيين من أهدافهم. ما هي «الورقة» الموجودة في جعبتكم اليوم؟ ولماذا لم نرَ بعد أثرًا للانضمام إلى الجنائية الدولية؟
- ما زلنا في المراحل الأولى بشأن الجنائية الدولية. لم نقطف بعد الثمن من الانضمام. ولكن ما زال لدينا سلاح قوي جدًا لم نستخدمه بعد حتى هذه اللحظة في محكمة الجنايات.
هناك طريقتان لطرح القضايا في المحكمة: الأولى، الطلب من المحكمة النظر في الحالة الفلسطينية، وبالتالي فإنها تفتح تحقيقًا أوليًا لترى ما إذا كانت هناك أدلة كافية وبراهين لتفتح تحقيقًا رسميًا. وعندما تتأكد من توفر هذه الأدلة، تطلب المدعية العامة تفويضًا لفتح تحقيق كهذا. وهذه الطريقة اعتمدناها نحن حتى الآن. ولكنَّ هناك شكلاً آخر هو ما يسمى «الإحالة»، حيث إن الدولة العضو، وفي حالتنا فلسطين، بعد أن أصبحت عضوًا في الأول من أبريل (نيسان) الماضي تستطيع أن تقدم «إحالة» إلى المحكمة بحيث يتم تخطي كل المراحل التي ذكرتها سابقًا وتطلب من المدعية العامة النظر مباشرة في حالة محددة. على سبيل المثال النظر في كما حصل لعائلة الدوابشة بموت طفل حرقًا على أيدي مستوطنين أو غيرها. ويتعين على المحكمة أن تفتح تحقيقًا فورًا. ونحن، حتى هذه اللحظة لم نلجأ إلى «الإحالات» واكتفينا بالطريقة الأولى بخصوص غزة والاستيطان وغيرها من القضايا. وموضوع الإحالة سلاح لم نلجأ إليه بعد. وفي اللحظة المناسبة، سوف نستخدم هذا السلاح وعندما نعتقد أننا بإمكاننا استخدامه أو لدينا حاجة لاستخدامه.
* ألم تجدوا حتى الآن أن هناك حاجة ملحة لاستخدام هذا السلاح؟
- المسألة تكمن في اختيار الوقت المناسب لاستخدامه حتى تكون النتيجة ملائمة لأن استخدامه في الوقت غير المناسب لا يؤدي الغرض المطلوب أو النتيجة القصوى التي نسعى إليها. نحن نعلم أن لدينا هذا السلاح وإسرائيل تعلم ذلك وكذلك أميركا والمحكمة تدرك ذلك جيدًا. واستشعارنا أننا نستطيع الاستغناء عنه الآن، من خلال الطلب من المحكمة النظر في الملفات التي أحلناها عليها وفق الطريقة الأولى. ونحن نراقب إن كان ذلك كافيًا لفتح التحقيقات التي نريدها. وفي حال فشلت المحكمة، يمكننا اللجوء إلى سلاح الإحالة. أما إذا كانت النتيجة إيجابية، فهذا يعني أننا قد تركنا سلاح الإحالة جانبًا لاستخدامه في مرحلة لاحقة قد تكون أقوى وأشد. إذا، نحن لا نتنازل عنه إنما تأجيل اللجوء إليه طالما هناك طرق أخرى نستطيع من خلالها أن نحقق الغاية نفسها.



البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
TT

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)

أعلن رئيس نيابة الجرائم الإرهابية في البحرين أن المحكمة الكبرى الجنائية أصدرت، الثلاثاء، حكمها في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع جهات أجنبية، اتهم فيهما ستة متهمين، من بينهم اثنان يحملان الجنسية الأفغانية، وأربعة مواطنين، بالتخابر مع «الحرس الثوري» الإيراني، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وعدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وقضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد، وبراءة متهم واحد، وأمرت بمصادرة المضبوطات، وإبعاد المتهمين الأفغانيين من البلاد نهائياً بعد تنفيذ العقوبة.

وبحسب «وكالة الأنباء البحرينية»؛ تعود تفاصيل هذه الواقعة إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية، تفيد بقيام «الحرس الثوري» الإيراني بالتواصل مع أحد المتهمين (أفغاني الجنسية)، وتجنيده لتنفيذ مخططاته الإرهابية في مملكة البحرين، حيث كُلف بمهام استخباراتية للقيام بأعمال عدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وتمثلت المهمة الموكلة للمتهمين في مراقبة وتصوير المنشآت الحيوية والمهمة داخل البلاد، وجمع المعلومات بشأنها، ونفاذاً لذلك قام المتهم برصد إحدى المنشآت الحيوية، وجمع معلومات عنها مقابل مبالغ مالية تلقاها من «الحرس الثوري» الإيراني، كما قام هذا المتهم بتجنيد المتهم الثاني، وهو من ذات الجنسية، لمعاونته في تلك العمليات الاستخباراتية لصالح المنظمة المشار إليها، وعلى أثر ذلك تم ضبط المتهمَيْن وبحوزتهما أدوات استُخدمت في ارتكاب الجريمة.

كما تعود تفاصيل الواقعة الثانية إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية بشأن قيام بعض عناصر «الحرس الثوري» الإيراني بتجنيد أحد المتهمين (مواطن بحريني هارب وموجود في إيران)، وإقناعه بالعمل لصالحهم ضد مملكة البحرين، وكُلف بالبحث عن عناصر محلية داخل المملكة لتجنيدها، وتسخيرها لتنفيذ مخططات المنظمة الإرهابية المشار إليها.

وذكرت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه نفاذاً لذلك تمكن المتهم من تجنيد المتهمين الثلاثة الآخرين (وهم مواطنون بحرينيون) في ذات الواقعة، وأسندت إليهم مهام تستهدف الإضرار بأمن البلاد، ومصالحها، شملت رصد ومراقبة وتصوير المنشآت الحيوية، وجمع المعلومات عنها، وتزويد «الحرس الثوري» الإيراني بها.

وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعتين فور تلقي البلاغين، حيث استجوبت المتهمين المضبوطين، وندبت الخبراء الفنيين لفحص الأجهزة الإلكترونية المضبوطة، كما استمعت إلى أقوال الشهود، ومن بينهم مجري التحريات الذي أفاد بأن تحرياته توصلت إلى أن البيانات والمعلومات التي قدمها المتهمون لمنظمة «الحرس الثوري» الإيراني شكلت ركيزة أساسية في الأعمال العدائية الإرهابية التي استهدفت عدداً من المنشآت الحيوية داخل المملكة، بما عرض أمن البلاد واستقرارها للخطر.

وأضافت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه على ضوء ذلك، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهمين إلى المحكمة الكبرى الجنائية، وقد نُظرت الدعويان المنفصلتان على عدة جلسات روعيت خلالها كافة الضمانات القانونية المقررة، بما في ذلك حضور محامي المتهمين، وتمكينهم من إبداء دفاعهم، حتى أصدرت المحكمة حكمها المتقدم بجلسة اليوم. كما كانت المحكمة قد أصدرت قراراً بحظر النشر في الدعويين، نظراً لما تنطويان عليه من معلومات تتعلق بالأمن القومي.

وتعكف النيابة العامة على دراسة الحكم فيما قُضي به من براءة المتهم، والنظر بالطعن فيه بالاستئناف استناداً إلى الأدلة القائمة ضده.

وأكدت النيابة العامة أن جريمة التخابر مع الجهات الأجنبية المعادية لمملكة البحرين تُعد من أخطر الجرائم الماسة بالأمن الوطني، لما تنطوي عليه من تمكين تلك الجهات من الحصول على معلومات تُستغل في تنفيذ أعمال عدائية تستهدف المملكة، ومصالحها.

وشددت النيابة العامة على مضيّها، في إطار ما خولها القانون، في التصدي بحزم لكل من يرتكب مثل هذه الأفعال المجرمة، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه، صوناً لأمن البلاد واستقرارها.


الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.


الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

تشهد المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، تصاعداً في وتيرة الإنفاق على الفعاليات ذات الطابع الآيديولوجي، وفي مقدمتها المناسبة المرتبطة بما يُعرف بذكرى «الصرخة الخمينية»، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية بصورة غير مسبوقة، ويجد ملايين اليمنيين أنفسهم عالقين بين الجوع، وانقطاع الرواتب، وتراجع الخدمات الأساسية، وتآكل ما تبقى من قدرتهم على الصمود في مواجهة واقع معيشي بالغ القسوة.

وفي مقابل الانكماش الاقتصادي الحاد، واستمرار التدهور في قيمة الدخول، والارتفاع المتواصل في معدلات الفقر والبطالة، تمضي الجماعة في تخصيص موارد مالية كبيرة لتمويل الفعاليات التعبوية، بما يشمل الحشد الإعلامي، وطباعة الشعارات، وتنظيم الأنشطة الجماهيرية، في مشهد يثير تساؤلات واسعة بشأن أولويات الإنفاق في مناطق تعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق مصادر مطلعة، فقد رصدت الجماعة الحوثية، عبر ما تُسمى اللجنة العليا للاحتفالات، ما يقارب مليون دولار لتمويل فعاليات ذكرى «الصرخة الخمينية»، ضمن مساعٍ متواصلة لترسيخ خطابها الآيديولوجي وتعزيز حضورها التعبوي داخل المجتمع، خصوصاً بين فئة الشباب، عبر سلسلة من الأنشطة المكثفة التي شملت المدارس والمعاهد والجامعات، إلى جانب مهرجانات جماهيرية ومحاضرات تعبوية أُقيمت في عدد من المدن والمناطق الواقعة تحت سيطرتها.

أطفال في محافظة حجة حشدتهم الجماعة الحوثية لإحدى فعالياتها (إكس)

وعلى امتداد الأيام الماضية، شهدت مناطق سيطرة الجماعة أكثر من 150 فعالية واحتفالية مرتبطة بهذه المناسبة، وهو ما فجّر موجة استياء واسعة بين السكان الذين يرون أن الأولوية يجب أن تُمنح لمعالجة الملفات المعيشية الملحة، وفي مقدمتها صرف الرواتب المتوقفة، وتحسين خدمات الكهرباء والمياه، والحد من التدهور الاقتصادي الذي يدفع مزيداً من الأسر نحو دائرة الفقر المدقع.

وتعكس شهادات السكان حجم الفجوة بين ما يُصرف على الأنشطة التعبوية وبين الاحتياجات الأساسية للمواطنين؛ فهناك موظفون حكوميون يؤكدون أنهم لم يتسلموا رواتبهم منذ سنوات، فيما تعتمد أسر كثيرة على الديون، أو على مساعدات متقطعة بالكاد تكفي لسد الرمق.

ولا يقتصر أثر الأزمة على جانب واحد من الحياة اليومية؛ إذ تمتد تداعياتها إلى التعليم والصحة وفرص العمل، مع اتساع رقعة العجز داخل الأسر عن تأمين الاحتياجات الأساسية، واضطرار كثير من الأطفال إلى ترك مقاعد الدراسة، في حين يواجه المعلمون والعاملون في القطاع العام ظروفاً معيشية خانقة نتيجة توقف المرتبات وغياب أي معالجات اقتصادية ملموسة.

أولويات طائفية

يرى مراقبون يمنيون أن استمرار توجيه الموارد نحو هذه الفعاليات الحوثية، يعكس طبيعة الأولويات التي تحكم سياسات الجماعة، حيث تتقدم الاعتبارات الآيديولوجية والسياسية على الملفات الخدمية والمعيشية الأكثر إلحاحاً بالنسبة للسكان.

وبحسب هذه القراءة، فإن الاستثمار في المناسبات التعبوية لا يُنظر إليه بوصفه حدثاً موسمياً فحسب؛ بل بوصفه جزءاً من استراتيجية أوسع تستهدف إعادة تشكيل الوعي العام وترسيخ خطاب الجماعة في المجال الاجتماعي والتعليمي والثقافي.

فعالية تعبوية أقامها الحوثيون في صعدة حيث معقلهم الرئيسي (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن هذا النمط من الإنفاق، في ظل الموارد المحدودة والاقتصاد المنهك، يسهم بصورة مباشرة في تعميق الاختلالات القائمة، ويزيد الضغوط على المجتمع الذي يواجه أصلاً مستويات غير مسبوقة من الفقر، في وقت تتراجع فيه فرص العمل، وتتآكل القدرة الشرائية بوتيرة متسارعة، وسط غياب أي مؤشرات على انفراج اقتصادي قريب.

كما يربط بعض المراقبين هذه المناسبة بسياقات رمزية تتجاوز البعد المحلي، باعتبارها جزءاً من منظومة شعارات وطقوس جرى إدخالها إلى خطاب الجماعة منذ سنوات، لتصبح لاحقاً ركناً ثابتاً في نشاطها العام، وأداة متكررة للحشد والتعبئة، بما يعكس استمرار توظيف البعد الآيديولوجي بوصفه أولوية تتقدم على متطلبات الحياة اليومية للمواطنين.

خطر المجاعة يقترب

في موازاة هذا المشهد، تتزايد التحذيرات الدولية من انزلاق اليمن نحو مستويات أشد خطورة من الأزمة الإنسانية؛ إذ حذرت «منظمة الأغذية والزراعة» التابعة للأمم المتحدة، من التدهور المستمر في الوضع الغذائي.

الحوثيون يحرمون الموظفين من الرواتب ويبددون الأموال لإحياء مناسبة طائفية (إكس)

وأكدت المنظمة أن اليمن بواجه خطراً حقيقياً بالانزلاق نحو المجاعة خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار القيود على إيصال المساعدات، وتراجع التمويل الإنساني، وتأثيرات التصعيد الإقليمي على الوضع الاقتصادي والإنساني.

ووفق أحدث التقديرات، يعاني نحو 18.3 مليون شخص في اليمن، من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي مع بداية عام 2026، وهو رقم يعكس حجم الكارثة المتفاقمة، ويضع البلاد ضمن أعلى المعدلات العالمية في مستويات الطوارئ المرتبطة بالجوع وسوء التغذية.