الجيش العراقي يعلق عملياته في الفلوجة 72 ساعة «حقنا للدماء»

حكومة كردستان تنفي طلب اقتراض أموال من تركيا لدفع رواتب موظفيها

الجيش العراقي يعلق عملياته في الفلوجة 72 ساعة «حقنا للدماء»
TT

الجيش العراقي يعلق عملياته في الفلوجة 72 ساعة «حقنا للدماء»

الجيش العراقي يعلق عملياته في الفلوجة 72 ساعة «حقنا للدماء»

علقت القوات المسلحة العراقية عملياتها العسكرية لمدة ثلاثة أيام في مدينة الفلوجة التي يسيطر عليها مسلحون، منذ بداية العام، وذلك «حقنا للدماء». وأوضحت وزارة الدفاع في بيان أنه «تم إيقاف العمليات العسكرية التي تتخذ نحو أهداف منتخبة للمجاميع الإرهابية لمدينة الفلوجة، ولمدة 72 ساعة اعتبارا من مساء الجمعة، ولغاية يوم الاثنين».
وذكر البيان أن قرار تعليق العمليات العسكرية التي تشمل ضربات جوية وقصفا متواصلا لمواقع المسلحين جاء «استجابة للنوايا الطيبة والاتصالات المتكررة مع قوى الخير ودعاة السلم، ولحقن الدماء في الفلوجة، من رجال دين وشيوخ عشائر وضباط». وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، حذرت وزارة الدفاع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» والتنظيمات الجهادية الأخرى التي يوالي بعضها «القاعدة» من استغلال فترة توقف العمليات العسكرية ضمن المهلة المحددة «للاعتداء على القوات المسلحة والمواطنين ومنشآت الدولة والمستشفيات».
وتابعت: «نؤكد أننا سنتابع ونرصد تلك التحركات الشريرة، وسيكون الرد قاسيا وعنيفا».
كما جددت وزارة الدفاع مطالبة أهالي المدينة الواقعة في محافظة الأنبار على بعد 60 كلم فقط غرب بغداد بـ«العمل على عزل التنظيمات الإرهابية وطردها من مدينتهم».
ومنذ بداية العام الحالي، يسيطر مقاتلون مناهضون للحكومة، ينتمي معظمهم إلى «داعش»، على الفلوجة وعلى أجزاء من الرمادي (100 كلم غرب بغداد) المجاورة. وتتريث القوات العراقية في مهاجمة الفلوجة وتفرض عليها حصارا تتخلله ضربات جوية وقصف لمواقع المسلحين، إلا أنها تخوض معارك في بعض مناطق الرمادي بهدف استعادة السيطرة الكاملة على هذه المدينة أولا. وأدت الأحداث الأخيرة في الفلوجة والرمادي إلى نزوح مئات الآلاف من هاتين المدينتين نحو محافظات أخرى في البلاد.
وكان المئات من المواطنين في عدة أحياء من مدينة الفلوجة قد تظاهروا أمس للمطالبة بإيقاف «القصف العشوائي» على المدينة، داعين إلى رفع الحصار عن مدينتهم، والسماح بوصول السلع والمواد التموينية والمشتقات النفطية إليها. وقال الشيخ محمد فياض أحد منظمي المظاهرة في تصريح صحافي «إن الهدف من هذه المظاهرة هو دعوة مجلس محافظة الأنبار لأخذ دوره الفعال لإيقاف القصف العشوائي على مدينة الفلوجة، وأن تكون الاتفاقات التي أبرمت بين الحكومة المحلية ووزير الدفاع وكالة سعدون الدليمي واقعية، وليست حبرا على ورق، خاصة أنها نصت على وقف القصف العشوائي على المدينة».
من جهته، أكد الشيخ محمود الشكر أحد وجهاء مدينة الفلوجة لـ«الشرق الأوسط» أن «القصف العشوائي يعد من المسائل التي تعرقل إمكانية التوصل إلى حل لأزمة الفلوجة بسبب إنه عشوائي، وبالتالي يسقط على المنازل الآمنة التي لا صلة لها بهذا الطرف أو ذاك، وبالتالي فإن وقفه يعد بادرة حسن نية مطلوبة من قبل الحكومة لكي تكسب الناس المحايدين»، مشيرا إلى أن «التعامل مع المسلحين الملثمين الذين يجوبون شوارع المدينة يكون أسهل من دون قصف، لأن المواطنين يريدون أن يروا الحياة المدنية الواضحة من شرطة وأجهزة إدارة مدنية، وليس جماعات غامضة». وبشأن ما يُشاع عن وجود محاكم شرعية إسلامية وغيرها، قال الشكر إن «هذه الأمور مبالغ فيها حيث إننا نسمع بالفعل ولكن لا نرى ذلك على أرض الواقع، وهو ما يؤشر على أن هذه الجهات لا تجد تفاعلا من قبل الناس لتوجهاتهم» مبينا أنها «تريد أن ترى مطالبها المشروعة وقد تحققت، كما تريد العودة إلى مساكنها، حيث إن الحياة تعطلت خلال هذه الفترة بسبب نزاع هم ليسوا طرفا فيه».
من ناحية ثانية، أعلن مسؤول عراقي لوكالة الصحافة الفرنسية أن القوات العراقية استعادت السيطرة على ناحية استراتيجية شمال بغداد سيطر عليها مسلحون لأسبوع، لكنها ترفض السماح للسكان بالعودة إليها. وقال سليمان البياتي، مدير ناحية سليمان بيك (150 كلم شمال بغداد) الواقعة على الطريق الذي يربط بغداد بشمال البلاد، إن «الناحية محررة بالكامل (منذ أمس الجمعة) ولا يوجد أي مسلح، فقط قوات الشرطة والجيش». وأضاف أن «الجيش داخل المدينة يعزز وجوده فيها عبر بناء أبراج مراقبة ووضع سواتر ترابية».
وعلى الرغم من تحرير الناحية من المسلحين، قال البياتي إن «القوات الأمنية تمنع العائلات من العودة إليها لأسباب غير معروفة». وسيطر مسلحون ينتمي بعضهم إلى تنظيم «داعش» على بعض أجزاء هذه الناحية لنحو أسبوع شهد اشتباكات يومية بين المسلحين وقوات الشرطة والجيش.
وكانت ناحية سليمان بيك قد سقطت في أيدي مجموعات من المسلحين المناهضين للحكومة في أبريل (نيسان) الماضي لعدة أيام، قبل أن تستعيد القوات الحكومية السيطرة عليها.

وعلى صعيد اخر، نفت حكومة إقليم كردستان العراق تقريرا أفاد بأنها اقترضت أموالا من تركيا لدفع مرتبات موظفيها التي لم تدفعها الحكومة الاتحادية بسبب الخلاف النفطي بين أربيل وبغداد. من ناحية ثانية، لوّح مسؤولون أكراد بالانسحاب من بغداد إذا لم تكف الحكومة الاتحادية عن ضغوطها على حكومة الإقليم.
وقال سفين دزيي، الناطق الرسمي باسم حكومة إقليم كردستان العراق، في بيان نشره الموقع الرسمي لحكومة الإقليم، إن ما نشره الموقع الإلكتروني لصحيفة «هاولاتي» الكردية بهذا الشأن، ونسبه إلى عضو في المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني، لم يُذكر اسمه، أن الاجتماع الذي عقده أخيرا رئيس الحكومة نيجيرفان بارزاني ورئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان، في إسطنبول: «لم يتطرق إلى هذا الموضوع، وكل ما ذكرته هذه الصحيفة بعيد عن الصحة، ولا أصل له»، مشيرا إلى أنه «كان الأجدر بالصحيفة أن تكشف اسم عضو المكتب السياسي للاتحاد الذي أطلق هذه التصريحات».
وحسب «هاولاتي»، فإن نيجيرفان بارزاني طلب من تركيا «إما منح الإقليم جزءا من المستحقات المالية العراقية الموجودة لديها، أو منحها نسبة 17 في المائة من العائدات النفطية العراقية كنصيب الإقليم، بعد تصدير النفط إليها أو إقراضها مبالغ مالية لسد العجز الحاصل في الإقليم». ونسب الموقع إلى عضو المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه الرئيس العراقي جلال طالباني أن أردوغان «رفض الطلبات المقدمة من بارزاني».
من جهة أخرى، لوح الكثير من المسؤولين الكرد في بغداد، من وزراء ونواب في البرلمان، باحتمال «انسحاب الكرد من العملية السياسية العراقية، وترك بغداد ما لم تكف عن الضغط على حكومة الإقليم بورقة الموازنة وقطع حصتها من الموازنة العامة أو التهديد بقطعها عندما يحصل أي خلاف حول الموازنة».
وقال مؤيد طيب، الناطق الرسمي باسم كتلة التحالف الكردستاني في البرلمان العراقي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن تصريحات مسؤولي الإقليم حول إمكانية الانسحاب من العملية السياسية في بغداد «ليست تهديدا أو ضغطا أو مجرد تصريحات إعلامية لنيل الاستعطاف من هذا وذاك»، مؤكدا أن الإقليم «جاد فيما يصرح به».
وبيّن طيب أن إقليم كردستان «يعني ما يقول»، مضيفا أن «قطع رواتب موظفي الإقليم يدخل في خانة التمييز العنصري، وهو تصرف غير مقبول، وليست هناك دولة في العالم تستخدم هذه الطريقة لمحاربة مواطنيها».
وشدد طيب على أن الإقليم جزء من العراق، وأن موظفي إقليم كردستان «يقومون بواجباتهم على أتم وجه، وهم يستحقون الرواتب، وإن استمر هذا الحال فإن الإقليم سيتخذ مواقف حاسمة»، مضيفا أن الإقليم «يريد تنفيذ الدستور الذي صوتت عليه الغالبية العظمى من الشعب العراقي».
ووصف طيب الوضع العراقي بشكل عام بأنه «غير مقبول»، موضحا أن «الاقتصاد معطل بسبب تعطل الموازنة». وأضاف أن قانون موازنة هذا العام «لن يُمرّر ما لم تصوت عليها القوائم الكردية، ومن دون (النواب الكرد) لن يكتمل النصاب القانوني». ورأى طيب أنه من الضروري حل هذه المسألة «ولو بشكل مؤقت، والتوصل إلى اتفاق، إذ لم يبق الكثير من عمر هذه الحكومة».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.