مصادر فرنسية رسمية: اختلاف المواقف بين موسكو وطهران بشأن الحل في سوريا ومصير الأسد

مصادر فرنسية رسمية: اختلاف المواقف بين موسكو وطهران بشأن الحل في سوريا ومصير الأسد

باريس: روسيا لن تعارض خروج الأسد عندما «تنضج الظروف» وتحصل على ضمانات لمصالحها
الأربعاء - 5 ذو القعدة 1436 هـ - 19 أغسطس 2015 مـ

رغم التصريحات المشتركة والمتناغمة لوزيري خارجية إيران وروسيا محمد جواد ظريف وسيرغي لافروف عقب لقائهما في موسكو الاثنين الفائت بشأن الحل السياسي في سوريا ومصير الرئيس السوري بشار الأسد ورفض تنحيه كشرط من شروط المعارضة وعدد من الدول الرئيسية الداعمة لها إلى المفاوضات، فإن الصورة تبدو من باريس «مغايرة»، لا بل إن المصادر الفرنسية التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط» تعتبر أن التمايز في المواقف بين البلدين هو «إحدى العقد» التي من شأنها أن تعيق التوصل إلى مخرج سياسي للأزمة في سوريا.
ترى باريس أن الاختلاف الرئيسي بين موسكو وطهران، كما تبدو من خلال الاتصالات الكثيرة مع الطرفين، أن العاصمة الروسية أخذت تميل إلى تبني مبدأ «البرغماتية» في التعاطي مع الأزمة السورية ومصير الأسد، بينما طهران ما زالت تتمسك بمقاربة «قطعية» ومغلقة تماما لجهة الرفض المطلق لرحيل الأسد. ورغم أن التصريحات العلنية للجانب الروسي ما زالت تتسم بـ«الحذر» وتأكيد الدعم العلني للرئيس السوري ورفض الاستجابة لشرط تنحيه كمدخل للحل السياسي، فإن روسيا، كما تقول المصادر الفرنسية، تعطي أكثر فأكثر الانطباع بأنها «غير منغلقة تماما» على تنحي الأسد، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من تصويت المندوب الروسي لصالح بيان مجلس الأمن الأخير.
بيد أن موسكو «لم تر بعد أن الأمور نضجت إلى درجة تكشف فيها عن أوراقها الحقيقية» وحتى تقبل بالذهاب إلى جنيف3 من أجل الوصول إلى الحل السياسي. وفي أي حال، فإن باريس تعي أن روسيا تريد التأكد من ثلاث نقاط جوهرية بالنسبة إليها: الأولى، الاتفاق سلفا على مصير الرئيس السوري والتأكد من خروجه المشرف من السلطة والحصول على ملجأ آمن له ولعائلته، كما أنه سيكون بمنأى عن الملاحقات القضائية المحلية والدولية. والثانية، التوافق سلفا معها على ميزان القوى الذي سيحل داخل هيئة الحكم المرتقبة عند ولوج المرحلة الانتقالية بحيث تتوافر لموسكو الضمانات «الكافية» لجهة المحافظة على مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية والاستراتيجية. أما النقطة الثالثة فهي تمسك الطرف الروسي بالإبقاء على بنى الدولة الإدارية والعسكرية والأمنية، لأنها ترى فيها الضامن لعدم تفككها ولعدم تكرار التجربة العراقية أو الليبية وتلافي سيطرة المنظمات المتطرفة كـ«داعش» وأخواتها على دمشق وكل التراب السوري. وفي أي حال، فإن الخوف من تمدد المنظمات الإرهابية بما فيها إلى داخل الأراضي الروسية والجمهوريات الدائرة في فلكها (روسيا هي ثاني بلد أجنبي «مصدر» للمتشددين إلى سوريا والعراق) هو المحرك الرئيسي الذي يدفع الدبلوماسية الروسية إلى التحرك في كافة الاتجاهات، داخل وخارج سوريا. ولهذا الغرض، طرح الرئيس بوتين «خطته» الداعية إلى إقامة تجمع إقليمي - دولي لمحاربة الإرهاب يضم المملكة السعودية والأردن والعراق والنظام السوري وربما أطرافا أخرى إقليمية ودولية. وتشكل هذه النقطة بالذات محور التقارب الأول بين واشنطن وموسكو اللتين تنظران كلتيهما إلى محاربة «داعش» كأولوية الأولويات.
وتقول المصادر الدبلوماسية الفرنسية إن التمايز في المواقف بين موسكو وطهران لجهة النظر إلى النظام السوري، مرده الأول لنوعية العلاقة التي تربط كلا من روسيا وإيران بدمشق. فمن جهة، هي تعتبر أن المصالح التي بنتها روسيا مع دمشق هي، بالدرجة الأولى: «مصالح من دولة إلى دولة» حيث نسج الطرفان شبكة علاقات كثيفة ومعقدة بحيث إنها تشمل، منذ عقود، التعاون العسكري والدفاعي والعلاقات الاقتصادية والتجارية والثقافية والإنسانية، وبالتالي فإن «سقوط الأسد لا يعني حكما سقوط العلاقات والمصالح الروسية في شرق البحر الأبيض المتوسط». ولذا، فإن موسكو أخذت تبدو أكثر ليونة من طهران وعلى الأرجح لأنها «لن تخسر كل شيء» في حال خرج الأسد من الصورة إذا كان هذا الخروج «منتظما ونتيجة اتفاق وترتيبات تكون هي أحد مهندسيها إن لم تكن مهندسها الأول».
غير أن هذه الصورة لا تنطبق على المقاربة الإيرانية، إذ ترى باريس أن طهران «استثمرت في شخص الأسد ونظامه، ولذا، فإن انهياره يعني حكما انهيار تأثيرها في سوريا». فضلا عن ذلك، فإن تداعي النظام السوري ستكون له تداعيات جسيمة على المصالح الإيرانية في كل المنطقة وعلى حليفها حزب الله في لبنان وعلى إطلالتها عل المتوسط ووجودها على تخوم إسرائيل. فضلا عن ذلك، فإن انهيار نظام الأسد «سيعني فشل المشروع الإيراني ونجاحا لخصوم طهران» في العالم العربي وخصوصا في منطقة الخليج. وتؤكد المصادر الفرنسية التي واكبت عن قرب زيارة الوزير فابيوس إلى طهران الشهر الماضي، أن إيران يمكنها أن «تتساهل» في الملف اللبناني مثلا، كالدفع باتجاه إجراء انتخابات رئاسية والمحافظة على استقرار لبنان، إلا أنها لن تتساهل قط في الموضوع السوري، بسبب ما تعتبره «مصالح استراتيجية عليا غير قابلة للمساومة».
في أي حال، ستتاح الفرصة لباريس لأن تسبر غور المواقف الإيرانية ومخططات طهران على أعلى المستويات من خلال مناسبتين رئيسيتين: الأولى، الاجتماع المرتقب بين الرئيس هولاند والرئيس حسن روحاني في شهر سبتمبر (أيلول) القادم على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وستكون المرة الثالثة التي يلتقي فيها الرئيسان في المدينة الأميركية. أما المناسبة الثانية «والأهم»، فتتمثل في الزيارة الرسمية التي سيقوم بها روحاني إلى العاصمة الفرنسية تلبية لدعوة من فرنسوا هولاند نقلها إليه الوزير فابيوس لدى زيارته الأخيرة إلى طهران. وكشفت المصادر الفرنسية أن الزيارة ستتم في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني). وستكون المناسبة مزدوجة إذ من المقرر أن يلقي روحاني خطابا في اليونيسكو في السادس عشر من الشهر نفسه. وتريد باريس أن تتم الزيارة «الثنائية» أولا يليها الشق الخاص بمنظمة والتربية والعلوم والثقافة. فضلا عن ذلك، وفي إطار قرار البلدين إقامة حوار سياسي منتظم، من المقرر أن يقوم الوزير ظريف، هو الآخر، بزيارة للعاصمة الفرنسية. لكن المطروح اليوم خياران: مجيئه قبل روحاني بغرض التحضير للزيارة الرئاسية أو بعدها بمناسبة انعقاد الاجتماع الأول للحوار الثنائي على المستوى الوزاري.
بيد أن باريس تبدو واثقة من أن طهران، في حال سعيها جديا لترجمة وعود رئيسها روحاني الذي أكد أكثر من مرة أن السير بالاتفاق النووي المبرم في 14 يوليو (تموز) الماضي إلى حقائق، سيسهل التغلب على أزمات المنطقة، فإنها «لن تقدم أي شيء مجانا» وستسعى إلى «قبض الثمن». والسؤال المطروح مزدوج: متى ستقدم طهران على مد يد المساعدة للتوصل إلى حل؟ وما هو الثمن المطلوب؟
الجواب على السؤال الأول، بحسب المصادر الفرنسية، أن طهران لن تحرك ساكنا قبل أن يصبح الاتفاق النووي نافذا ويجتاز اختبار الكونغرس الأميركي. أما بالنسبة للثمن المطلوب، فالتخمينات كثيرة والأبواب مشرعة على كل الاحتمالات. لكن الثابت أن طهران تريد اعترافا من الدول الكبرى بمصالحها وبموقعها ودورها الإقليمي.


أخبار ذات صلة



اختيارات المحرر

فيديو