كيف أغوى «داعش» 3 مراهقات لندنيات؟!

فتيات «بيثنال غرين» صورة مقلقة عن التطرف النسوي

شوارع «بيثنال غرين» شرقي لندن حيث تعيش جالية مسلمة محافظة من أصول هندية وباكستانية (نيويورك تايمز)، فتيات «بيثنال غرين» عبر كاميرات المراقبة في مطار غاتويك يتجهن لركوب طائرة تتبع شركة الخطوط الجوية التركية المتجهة إلى إسطنبول (نيويورك تايمز)
شوارع «بيثنال غرين» شرقي لندن حيث تعيش جالية مسلمة محافظة من أصول هندية وباكستانية (نيويورك تايمز)، فتيات «بيثنال غرين» عبر كاميرات المراقبة في مطار غاتويك يتجهن لركوب طائرة تتبع شركة الخطوط الجوية التركية المتجهة إلى إسطنبول (نيويورك تايمز)
TT

كيف أغوى «داعش» 3 مراهقات لندنيات؟!

شوارع «بيثنال غرين» شرقي لندن حيث تعيش جالية مسلمة محافظة من أصول هندية وباكستانية (نيويورك تايمز)، فتيات «بيثنال غرين» عبر كاميرات المراقبة في مطار غاتويك يتجهن لركوب طائرة تتبع شركة الخطوط الجوية التركية المتجهة إلى إسطنبول (نيويورك تايمز)
شوارع «بيثنال غرين» شرقي لندن حيث تعيش جالية مسلمة محافظة من أصول هندية وباكستانية (نيويورك تايمز)، فتيات «بيثنال غرين» عبر كاميرات المراقبة في مطار غاتويك يتجهن لركوب طائرة تتبع شركة الخطوط الجوية التركية المتجهة إلى إسطنبول (نيويورك تايمز)

في الليلة السابقة لمغادرة خديجة سلطانة البلاد متجهة إلى سوريا، كانت ترقص داخل غرفتها. كان ذلك خلال العطلة المدرسية في فبراير (شباط)، وكانت برفقتها ابنة أختها وصديقتها المقربة، البالغة من العمر 13 عامًا وتصغرها بثلاثة أعوام فقط. وقضت الفتاتان الليلة في الرقص والضحك.
في تلك الليلة، عرضت خديجة على ابنة أختها أن تبيت في غرفتها، بينما ذهبت هي لتشارك والدتها فراشها. وقد كانت ابنة مثالية، خاصة منذ وفاة والدها.
وفي تلك الليلة، التي سجلت ابنة أختها لحظات منها عبر كاميرا هاتفها الجوال، تبدو خديجة بالصورة التي عرفها بها أقاربها دومًا: فتاة مرحة واجتماعية وعطوفة.
بيد أنه اتضح لاحقًا أن تلك كانت ليلة الوداع التي خططت لها هذه المراهقة الذكية وصاحبة الشخصية الاستثنائية، منذ شهور، للرحيل عن منزل طفولتها في «بيثنال غرين» شرق لندن. وقررت خديجة واثنتان من زميلاتها في الدراسة السير على نهج صديقة أخرى سافرت بالفعل إلى مناطق تخضع لسيطرة «داعش».
صباح الثلاثاء، استيقظت خديجة مبكرًا ووضعت عطر «لاكوست» المفضل لديها ولدى ابنة شقيقتها. وأخبرت والدتها بأنها ستذهب للمدرسة للحصول على بعض الكتب وقضاء اليوم بالمكتبة، ووعدت بالعودة في الرابعة والنصف مساءً.
ولم تشعر أسرتها بأن هناك خطبا ما سوى بحلول المساء، فعندما لم تعد خديجة إلى منزلها بحلول الخامسة والنصف مساءً، طلبت أمها من شقيقتها الكبرى، حليمة خانوم، أن تبعث لها برسالة نصية عبر الهاتف الجوال، لكنها لم تجب. وعليه، اتجهت خانوم للمكتبة للبحث عن شقيقتها، لكن لم تجدها. وعندما توجهت للإدارة أخبروها بأنه لم يحضر للمدرسة أي طلاب ذلك اليوم.
وبحلول وقت عودتها المنزل، كانت والدتها قد فتشت غرفة خديجة، ووجدت الدولاب خاليا من الملابس. وعندئذ أصابها الذعر.
وفي وقت مبكر من صباح اليوم التالي، أبلغت الأسرة عن غياب خديجة. وبعد ساعة، قدم إلى المنزل ثلاثة ضباط من فرقة مكافحة الإرهاب بشرطة العاصمة (اسكوتلانديارد). وقال أحدهم للأم: «نعتقد أن ابنتك سافرت لتركيا مع اثنتين من صديقاتها».
في اليوم التالي، شاهدت خانوم شقيقتها في نشرات الأخبار، حيث أظهرت كاميرات المراقبة خديجة، وصديقتيها البالغتين من العمر 15 عامًا، شاميمة بيغوم، وأميرة عباس، وهن يعبرن بهدوء عبر أمن مطار غاتويك لركوب طائرة تتبع شركة الخطوط الجوية التركية متجهة إلى إسطنبول، وبعد ذلك استخدمن حافلة في الانتقال إلى الحدود السورية.
وحولت هذه الصور فتيات «بيثنال غرين»، حسبما أصبح يعرفن الآن، إلى الوجه المميز لظاهرة جديدة ومثيرة للقلق: انجذاب فتيات صغيرات لما يطلق عليه بعض الخبراء «ثقافة تطرف نسوية».
وتشير الإحصاءات إلى أن قرابة 4 آلاف غربي سافروا إلى سوريا والعراق، بينهم أكثر من 550 سيدة وفتاة، للانضمام إلى «داعش»، تبعًا لما أفاده به تقرير صدر حديثًا عن «معهد الحوار الاستراتيجي»، الذي يساعد في إدارة أكبر قاعدة بيانات للمسافرات إلى المنطقة.
وبينما يميل الرجال إلى أن يكونوا مقاتلين مثلما كانت الحال مع الأجيال السابقة من المتطرفين الذين سعوا للقتال في ميادين مثل البوسنة وأفغانستان والعراق، فإنه لا تتوافر كثير من المعلومات بخصوص دور النساء الغربيات المنضمات إلى «داعش». ونظرًا لمنعهن من ممارسة القتال، فإنه من المعتقد أنهن يشاركن في جهود بناء «الدولة» زوجات وأمهات ومسؤولات عن عمليات تجنيد، وأحيانا مؤيدات عبر الإنترنت لأعمال العنف.
والملاحظ أن معظم هؤلاء الغربيات غير متزوجات وصغيرات في السن، عادة في سن المراهقة أو بداية العشرينات (أصغر حالة معروفة يبلغ عمرها 13 عامًا). وتتباين ظروفهن من حيث الخلفية الاجتماعية والاقتصادية والعرق والجنسية، لكنهن في الغالب أفضل تعليمًا وأكثر مثابرة من نظرائهن الذكور.
ويرى مسؤولون أمنيون حاليًا أنهن قد يشكلن خطرًا على الغرب لا يقل عن خطر الرجال، ذلك أنهن أقل احتمالاً لأن يتعرضن للقتل وأكثر احتمالاً لأن يفقدن زوجًا في القتال، وعليه قد يحاولن العودة للوطن حاملات مرارة شديدة بداخلهن.
يذكر أن واحدة من كل أربعة نساء في قاعدة بيانات «معهد الحوار الاستراتيجي»، أصبحت بالفعل أرملة. ومع ذلك، فإنه في الوقت الذي تمثل فيه النساء أصلا استراتيجيا لـ«داعش»، فإنهن نادرًا ما يجري التركيز عليهن في الجزء الأكبر من الجهود الغربية لمكافحة الإرهاب.
في ما يخص فتيات «بيثنال غرين»، فقد حظين بإشادة المدرسين وإعجاب زملائهن داخل «أكاديمية بيثنال غرين». ورأى المدرسون أن خديجة على وجه التحديد كانت أفضل طلاب صفها، تبعًا لما ذكره خطاب تلقته والدتها قبل اختفاء خديجة بأسابيع.
أما صديقتها أميرة، فكانت نجمة رياضية داخل مدرستها ومن الطالبات اللائي يحظين باحترام زملائهن. وكانت أميرة ممن يرتادون المكتبة بانتظام.
ووصفت زميلة لهن بالمدرسة، 14 عامًا، الفتيات الثلاثة بأنهن: «كن من النمط الذي يتمنى المرء أن يصبح مثله».
ربما كان ذلك السبب وراء إخفاق الجميع في الالتفات إلى الإشارات التحذيرية التي بدأت في التصاعد، حيث عزتْ أسرهن تبدل سلوكهن إلى التقلبات المعتادة في فترة المراهقة، بينما أخفق مسؤولو المدرسة في إخطار أسرهن بتردي مستوياتهن التعليمية. حتى الشرطة التي تحدثت مرتين إلى الفتيات بشأن صديقتهن التي سافرت لسوريا، لم تخطر الأسر قط بهذا الأمر.
هؤلاء كن فتيات ذكيات من عالم يجري خلاله التعبير عن تمرد المراهقة عبر التطرف الديني الذي يثير الشكوك في كل ما هو محيط بالمرء. في ذلك العالم، تصبح الثقافة المقابلة محافظة، ويتحول الحجاب إلى مؤشر على التحرر، وتصبح اللحية من الأمور الجذابة في مظهر الرجل.
في هذا الصدد، أوضحت زهرة قدير، 22 عامًا، التي تشارك في جهود لمكافحة الراديكالية لصالح مؤسسة «أكتيف تشينج فاونديشن»، وهي منظمة خيرية يترأسها والدها في شرق لندن، أنه «اعتادت الفتيات الميل نحو الشباب الوسيم، لكنهن الآن يرغبن في الشباب الملتزم دينيًا»، مشيرة إلى أن المنازل القائمة وراء شارع بيثنال غرين الرئيسي تضم مجتمعًا مسلمًا محافظًا للغاية، تتداخل فيه أحيانا الخطوط الفاصلة بين التدين والتطرف.
من جهته، يعمد «داعش» لاجتذاب هؤلاء الفتيات عبر محاولة مس أوتار نقاط ضعفهن وأحلامهن وإحباطاتهن، وملء فراغ عجز الغرب حتى الآن عن تناوله. وداخل بريطانيا خلال حقبة ما بعد 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وهي فترة اجتاحت خلالها بريطانيا أزمة هوية عميقة، كان التكيف والتواؤم مع البلاد أكثر صعوبة لدى الفتيات عنه بالنسبة لدى الفتيان. وعانت الفتيات من أزمة جراء تنامي العداء حيال الإسلام وإجراءات التقشف ونقص الإنفاق التي اتخذتها البلاد، مما أثر بالسلب على النساء والشباب من مجتمعات الطبقة العاملة، مثل تلك التي تعيش في بيثنال غرين. ودفعهن ذلك لكراهية الحريات الغربية والفرص التي سعى آباؤهن وأمهاتهن وراءها. وبينما تنظر هؤلاء الفتيات إلى صيحات الموضة الغربية باعتبارها تتعامل مع الفتيات كأدوات جنسية منذ سن صغيرة، ينظر المعنيون بحقوق المرأة في الغرب إلى الحجاب باعتباره رمزًا لقمع المرأة.
وخلال الاتصالات العشوائية التي جرت بينهن وبين أسرهن بعد فرارهن، وفي إجابتهن عن التساؤلات حول أسباب رحيلهن، ذكرت الفتيات أنهن تركن خلفهن مجتمعًا منحلا أخلاقيًا للبحث عن فضيلة ومعنى ديني.
ورغم أن الفتيات المسلمات بوجه عام أكثر تفوقًا عن الفتيان بالمدرسة، فإنهن يبقين قيد الإقامة بالمنزل. وكثير من الفتيات، مثل خديجة، لديهن شقيقات ارتبطن بزيجات معدة سلفًا عندما كن في سن المراهقة. وكانت خانوم (حاليًا تبلغ 32 عامًا) في الـ17، أي أكبر من خديجة بعام واحد، عندما تزوجت. ومع ارتدائهن الحجاب، فإن الفتيات غالبًا ما يعرفن أنفسهن بأنهن مسلمات أثناء مرورهن بشوارع تبدي كراهيتها للمسلمين.
يقول تسنيم اكونجي، المحامي الذي يمثل عائلات الفتيات الثلاث: «في خيالهن الخاص، فإن الذهاب إلى سوريا والالتحاق بالخلافة المزعومة، ليس إلا طريقة لتقرير مصيرك بنفسك».
ويتابع السيد اكونجي قائلا: «يدور جل الأمر حول الاختيار، وهو الأمر الأكثر بشرية في القضية. هؤلاء الفتيات يتمتعن بالذكاء، وهن طالبات متفوقات دراسيا. فإذا ما تميزت بذكاء خاص على بقية أقرانك، فإنك تعتقد إمكانية القيام بأي شيء».
منذ مغادرتهن منازلهن، ظهر كثير من التفاصيل حول الصديقات الثلاث، وتكشف مزيج من السذاجة الشبابية مع قدر من العزم والتصميم.
تقول أميرة صديقة خديجة ومن معارف الأسرة: «الوقوع في عشق فكرة أن تكون محبوبا». من زاوية، قامت بنشر صورة لزوجين مسلمين متحابين مع تعليق يقول: «ومن كل شيء خلقنا زوجين».
أما خديجة، على العكس من ذلك، فقد أخبرت شقيقتها عبر إحدى محادثات «إنستغرام» الأولى عقب وصولها إلى سوريا: «لست موجودة هنا لأجل الزواج فحسب».
لقد أثبت التنظيم الإرهابي براعة فائقة في اصطياد مختلف الضحايا من الإناث، باستخدام استراتيجيات التجنيد الأنثوية، والصور التي تبرز ملامح النساء والرموز التعبيرية المثالية.
ولأنهن مسلمات، فسوف تتلقى الفتيات معاملة تختلف تماما عن نساء وفتيات الأقلية الايزيدية، اللاتي يعدهن التنظيم الإرهابي جواري ويتعرضن للاغتصاب تحت مبرر أنهن غير مؤمنات.
يدير التنظيم مكتبا لتزويج النساء الغربيات غير المتزوجات. وخلال هذا العام، نشرت الذراع الإعلامية لـ«كتيبة الخنساء»، وهي الميليشيا الأخلاقية النسائية بالتنظيم، بيانا ينص على استكمال النساء مرحلة التعليم الأساسي حتى بلوغ سن الـ15، وأنهن يمكنهن الزواج بدءا من سن التاسعة، ويثني البيان على وجودهن بين صفوف الخلافة المزعومة ويصفهن بـ«الطاهرات».
واتخذ أبو بكر البغدادي، الخليفة ذاتي التنصيب بالخلافة المزعومة، لنفسه فتاة ألمانية صغيرة السن من أصول عراقية زوجة ثالثة وكلفها مسؤولية شؤون النساء في الخلافة، وفقا للمعلومات المتداولة بين مختلف حسابات وسائل الإعلام الموالية للخلافة المزعومة.
أتاحت وسائل الإعلام لأتباع التنظيم استهداف صغار الفتيات بصورة مباشرة، حيث يسهل الوصول إليهن في خصوصية غرف نومهن بوسائل الدعاية التي تستقي أساليبها من ثقافة البوب الغربية، حيث صور المقاتلين وقت غروب الشمس مع تعليقات حول الخلافة والتمكين. وهناك تعليق ظهر مؤخرا يعزى إلى حساب تابع للتنظيم الإرهابي يقتبس إعلان ماكياج من شركة «لوريال» بجانب صورة فتاة تحمل وشاحا على رأسها ويقول: «فتاة محجبة. لأنني أستحق الاحترام».
تقول ساشا هافلتشيك، المؤسسة المشاركة والمديرة التنفيذية لـ«معهد الحوار الاستراتيجي»، التي شهدت حول النساء الغربيات الموجودات لدى التنظيم أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأميركي بتاريخ 29 يوليو (تموز) الماضي: «إنها نسخة ملتوية من النسوية».
وتابعت تقول: «بالنسبة للفتيات، يعد الانضمام لـ(داعش) وسيلة لتحرير الذات من الأبوين ومن المجتمع الغربي الذي خذلهن. وبالنسبة لـ(داعش)، يعد الأمر عظيما من حيث رفع الروح المعنوية للجنود، لأن المقاتلين هناك يريدون زوجات غربيات. وفي خضم معركة الأفكار يمكنهم الإشارة إلى أولئك الفتيات ويقولوا: انظروا، إنهن فضلن الخلافة على الغرب».
* مغادرة صديق
في يناير (كانون الثاني) 2014، فقدت أعز صديقات خديجة وتدعى شارمينا بيغوم، ولا علاقة لها بشاميمة، والدتها بسبب مرض السرطان. ثم شرع والدها بعد ذلك في مقابلة امرأة بهدف أن تكون زوجة ثانية له.
سبب ذلك لشارمينا، الطفلة الوحيدة، هزة نفسية عميقة. وحتى ذلك الحين، لم تكن الفتاة متدينة للغاية. ووفقا لأحد معارف الأسرة، فإنها «كانت تصلي بالكاد قبل ذلك. ولكن بعد وفاة والدتها، بدأت في أداء الصلاة بانتظام وقضاء مزيد من الوقت في المسجد».
ولكن كانت هناك إشارات تفيد بأنها لم تكن تتجه للدين من أجل الراحة النفسية.
تعد «أكاديمية بيثنال غرين» من المدارس الثانوية الممولة حكوميا وتضم نحو 900 طالبا، وغالبيتهم من المسلمين. وعند إحدى المراحل بالعام الماضي، كانت هناك مناقشة حادة بين شارمينا وأحد المدرسين، وكانت تدافع عن تنظيم داعش. وكان المعلم، المسلم أيضا، يناقضها الرأي، وكما يقول أحد الشهود فإن شارمينا تغيرت تماما عما كانت عليه من قبل.
* خدمة «نيويورك تايمز»



الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
TT

الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)

أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع، اليوم (السبت)، لتفريق نحو 150 شخصاً كانوا يحتجون في مدينة ليون بجنوب شرقي فرنسا، وذلك في منطقة يُحظر فيها تنظيم أي مظاهرات، وفقاً لما رصده صحافي في «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستخدمت الشرطة عدداً من قنابل الغاز المسيل للدموع لإبعاد المحتجين الذين تجمعوا بالقرب من إحدى كليات الجامعة ومركز للشرطة في المدينة، في إطار احتجاجات تشهدها البلاد ضد ارتفاع تكاليف المعيشة. وجاء تدخل الشرطة بعد أن حاول المتظاهرون قطع الطريق، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».


فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
TT

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)

لم تعد الأزمة الفرنسية موجة احتجاجات اجتماعية عابرة، أو تعثّراً اقتصادياً يمكن احتواؤه بإجراءات عاجلة؛ فالتطورات المتلاحقة تكشف أزمة متعددة الأوجه، يتقاطع فيها ضعف المالية العامة مع تصاعد الغضب الشعبي، وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وبينما تستعد فرنسا لاستحقاق رئاسي حاسم في ربيع 2027، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة، ولمكانة البلاد داخل الاتحاد الأوروبي وفي العالم.

زائرون ينتظرون خارج متحف اللوفر في باريس الذي أغلقه محتجون (إ.ب.أ)

في شوارع مدن وبلدات عديدة، تتعدد مظاهر الاحتقان؛ فقد شهدت البلاد احتجاجات صاخبة على تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص المدرّسين، وانضم موظفون وعاملون في القطاع العام إلى التحركات اعتراضاً على تجميد الأجور. وقبل ذلك، أغلق صيادون موانئ ومحطات للوقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل. ولم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، أسفرت عن أضرار مادية كبيرة ومئات الإصابات والتوقيفات، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة.

واكتملت الصورة بعودة «السترات الصفر» إلى الساحة، بعد «استراحة» استمرت سنوات، علماً بأن أحداً لا يعلم أين كان هؤلاء الذين عرقلوا الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون، ومن هم قادتهم... والمهم أن «تحالف الشارع» في وجه السلطة صار مكتمل الأركان وعلى أتمّ الاستعداد لمواصلة «المعركة».

محتجون مقنعون قرب دراجات تحترق في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

ووسط فسيفساء المطالب، تجمع التحركات أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الثقة بالخدمات العامة، والشعور بأن النموذج الاجتماعي الفرنسي لم يعد قادراً على توفير الوعود التي ارتبطت به لعقود؛ فالدولة التي اعتاد مواطنوها الاستفادة من شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية، تواجه اليوم سؤالاً صعباً: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكتسبات في ظل ارتفاع تكلفة تمويلها وتزايد أعباء الدين؟

* الدَّين يضيّق هامش المناورة

لا شك في أن المالية العامة تحتل موقعاً مركزياً في الأزمة؛ فقد اقترب الدين العام الفرنسي (4 تريليونات دولار) من 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.55 تريليونات دولار)، فيما يتباطأ الاقتصاد إلى مستويات نمو تدور حول 0.4 إلى 0.5 في المائة لعام 2026. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يتجاوز العجز العام 5 في المائة من الناتج المحلي، الأمر الذي يعقّد مهمة الحكومة في إعادة التوازن إلى الحسابات العامة.

وتزداد المشكلة خطورة مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح خدمة الدين أكثر تكلفة، وتُضطر الدولة إلى تخصيص موارد متزايدة لسداد التزاماتها بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار والخدمات. وتشير التقديرات الواردة إلى أن فرنسا ستحتاج إلى إصدار ما قيمته 340 مليار يورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل خلال العام المقبل، في وقت يتراجع فيه إقبال المستثمرين على شرائها في ظل المخاطر المالية والسياسية.

مبنى بلدية مدينة ليموج الذي أحرق جزءاً منه مشاغبون (أ.ف.ب)

لكن ذلك لا يعني أن فرنسا تتجه حتماً إلى أزمة شبيهة بما شهدته اليونان (2009 - 2010)، أو إلى انهيار مفاجئ في ثقة الأسواق؛ فحجم الاقتصاد الفرنسي ومكانته داخل الاتحاد الأوروبي يمنحان باريس ثقلاً مختلفاً. لكن هذا الثقل نفسه يجعل الأزمة أكثر أهمية: فأي تدهور حاد في قدرة باريس على إدارة دينها الثقيل، قد ينعكس على الاستقرار المالي الأوروبي برمته.

* أربعون عاماً من التأجيل

الواقع أنه لا يمكن تفسير الوضع الراهن بقرار حكومي واحد، أو تحميل رئيس معيّن المسؤولية الكاملة عنه؛ فقد تراكمت الاختلالات المالية على مدى عقود، وتعاقبت حكومات من اليمين واليسار من دون أن تنجح في وقف الزيادة الهيكلية للدين. ويعود أحد التحولات المهمة إلى عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في ثمانينات القرن الماضي، حين توسعت السياسات الاجتماعية والإنفاق العام، وأدّت إصلاحات مثل خفض سن التقاعد إلى الستين وتقليص ساعات العمل وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، إلى زيادة الأعباء على المالية العامة.

غير أن اختزال الأزمة فيما حصل في تلك المرحلة سيكون تبسيطاً مضللاً؛ فالحكومات اللاحقة، من عهد جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، لم تتمكن بدورها من عكس مسار الدين، ويُعزى ذلك في المقام الاول إلى التخوف من رد فعل الجمهور على سلبه قسطاً من الرفاه. كما أسهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، في زيادة الضغوط على الموازنات العامة.

الرئيس المأزوم إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

والحقيقة أن النموذج الاجتماعي الفرنسي «الفضفاض» أصبح موضوع مواجهة سياسية متكررة؛ فكل محاولة لإصلاح التقاعد أو التأمين ضد البطالة أو الإنفاق العام، تصطدم بمقاومة شعبية عنيدة، فيما يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى تضييق الخيارات المتاحة مستقبلاً. وهكذا تجد الدولة نفسها بين حاجتها إلى ضبط الإنفاق وخشيتها من تفجير احتجاجات جديدة.

* شلل سياسي وصعود اليمين المتطرف

لم يكن مفاجئاً في خضمّ الورطة الاقتصادية أن تتلبد الغيوم السوداء في سماء السياسة. ومنذ حل الجمعية الوطنية عام 2024، لم يتمكن المشهد البرلماني من إنتاج أكثرية مستقرة، وتوزعت القوى بين 3 كتل كبيرة متعارضة يصعب عليها التوصل إلى تسويات دائمة. وأصبح تمرير مشروع الموازنة اختباراً متكرراً لقدرة الحكومة على الصمود، فيما تتراجع ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات.

وليس مفاجئاً أيضاً أن يستفيد اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني»، من هذا المناخ؛ فخطابه يربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان السيطرة على الأمن وأعباء الهجرة، ويقدم نفسه بديلاً قادراً على إعادة الانتظام إلى النظام. وفي المقابل، تستقطب حركة «فرنسا الأبية» اليسارية الراديكالية، بقيادة جان لوك ميلانشون، جزءاً من الغاضبين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وبين الطرفين، يتراجع الوسط السياسي الذي شكّل القاعدة السياسية والشعبية لماكرون، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تشتت الأصوات المعتدلة إلى تعزيز فرص المتنافسين الأكثر تطرفاً.

ويجب التنبّه إلى أن استمرار المواجهة بين القوى السياسية قد يعطل الإصلاحات الضرورية، ويطيل حالة عدم اليقين التي تؤثر في الاستثمار والاستهلاك وثقة الأسواق. كما أن ربط الاضطرابات حصراً بالهجرة، والاكتفاء بتشديد الإجراءات الأمنية، لا يعالجان حتماً الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية التي تؤجج نار الاحتقان.

محتجون بمواجهة الشرطة في باريس (أ.ب)

* الامتحان الانتخابي الصعب

تواجه فرنسا اليوم معادلة شديدة التعقيد: استعادة النظام من دون تجاهل أسباب الغضب، وضبط الدين من دون تقويض الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة السياسية قبل أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مواجهة «انتحارية» بين قوى متعارضة جذرياً.

فمن سينجح في اجتراح خطة واضحة توزع أعباء الإصلاح بصورة عادلة، وتحدد أولويات الإنفاق، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، بالتوازي مع استعادة القدرة على اتخاذ القرار داخل المؤسسات السياسية، لا سيما البرلمان؟

لقد وعد ماكرون، عند وصوله إلى السلطة عام 2017، بتقديم صورة متفائلة عن فرنسا قادرة على التجدد واستعادة موقعها الدولي. لكن تراجع شعبيته واتساع الإحساس بالتراجع يكشفان عمق الهوّة بين هذا الوعد والواقع. ومع ذلك جددت غالبية الفرنسيين الثقة به وأعادت انتخابه عام 2022.

ومع اقتراب انتخابات 2027، لن يكون التحدي محصوراً في تحديد هوية الرئيس المقبل؛ بل في تقرير ما إذا كانت فرنسا قادرة على إصلاح ماليتها العامة وتجديد عقدها الاجتماعي، أم إنها ستترك الأزمات المتراكمة تعيد تحديد هويتها السياسية.

جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب) تحدث فيها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن الاحتجاجات (إ.ب.أ)

ولنتذكّر أن فرنسا ليست مجرد اقتصاد كبير يواجه مشكلة ديون؛ بل إحدى ركائز المشروع الأوروبي. وأي إخفاق في احتواء أزمتها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها. أما نجاحها فلن يتحقق إلا بكسر حلقة التأجيل والانقسام، قبل أن يصبح ثمن الإصلاح أعلى من قدرة المجتمع والدولة على تحمّله.

فرنسا الأنوار والفكر والتقدّم تشعر بأنها ترهّلت، ويُدرك الفرنسيون أن نظامهم السياسي والاجتماعي لم يعد قابلاً للتطور ومواكبة الحياة العصرية... والأدهى أن الاقتصاد لم يعد قادراً على توليد ثروة كافية لاستعادة ما كان، خصوصاً أن «الوجود» في بلاد الغير انتهى أو يكاد...

الزمن يتغيّر!


فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)

استنفرت السلطات الفرنسية قواها الأمنية، واستعانت بالجيش، واتخذت سلسلة إجراءات قضائية وأمنية لمحاولة تجنب تكرار «السبت الأسود» اليوم، بالتزامن مع دعوات جديدة إلى التظاهر في باريس ومرسيليا وليون وغيرها من المدن الكبرى والصغرى.

وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز، أمس، عن خطة أمنية تقضي بنشر ما لا يقل عن 70 ألف رجل من الشرطة والدرك، بمؤازرة فرق وحدات النخبة التي لا تتدخل عادة للحفاظ على الأمن في الشوارع، ولا التصدي للمتظاهرين. كما ستتم الاستعانة بوحدات من الجيش التي سبق أن نُشرت في فترة الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في عامي 2015 و2016.

وبعد ساعات من إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون منع «المظاهرات في الأيام المقبلة»، سمحت مديرية الشرطة في باريس بمسيرة واحدة لنقابة «كونفدرالية العمل» القريبة من الحزب الشيوعي.

بينما منعت ترخيص مظاهرة طلبتها مجموعات من «السترات الصفراء» والطلاب. كما طال المنع مدينتي مرسيليا وليون والعديد من المدن الأخرى.