مصر تواصل «معركة» بسط سيطرتها على المساجد بـ«ترسانة» إجراءات وقوانين

كاميرات مراقبة للأئمة وشركات حراسة > توحيد خطبة الجمعة ومنع غير الأزهريين من الخطابة * إقرارات توبة للدعاة لرفض عنف الإخوان ومصادرة كتب «البنا وقطب»

عدد المساجد في مصر التي تتبع الأوقاف يقدر رسميا بنحو 120 ألفا («الشرق الأوسط»)
عدد المساجد في مصر التي تتبع الأوقاف يقدر رسميا بنحو 120 ألفا («الشرق الأوسط»)
TT

مصر تواصل «معركة» بسط سيطرتها على المساجد بـ«ترسانة» إجراءات وقوانين

عدد المساجد في مصر التي تتبع الأوقاف يقدر رسميا بنحو 120 ألفا («الشرق الأوسط»)
عدد المساجد في مصر التي تتبع الأوقاف يقدر رسميا بنحو 120 ألفا («الشرق الأوسط»)

تواصل السلطات المصرية معركتها لبسط سيطرتها الدعوية على منابر المساجد، منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي عن السلطة في يوليو (تموز) قبل عامين، بعد أن أصبحت أرضا خصبة لدعاة التطرف والتحريض، وذلك عبر ترسانة من القوانين والإجراءات. وقالت مصادر مصرية إن «وزارة الأوقاف وضعت خطة متكاملة للوصول بالخطاب الدعوى إلى الوسطية ومواجهة العشوائية في الدعوة والانحراف الفكري، لتجفيف منابع التطرف في الزوايا والمساجد التي سيطر عليها أصحاب الفكر المتشدد لفترات طويلة».
ويقدر عدد المساجد في مصر، التي تتبع الأوقاف رسميا بنحو 120 ألف مسجد، ويقول مسؤول قيادي في الأوقاف، إن «الوزارة ضمت جميع مساجد مصر، وتمكنت من سد العجز في المساجد الحكومية بتعيين خطباء أزهريين بنظام المكافأة مشهود لهم بالوسطية»؛ لكن مراقبين أكدوا أنه «لا تزال هناك آلاف المساجد والزوايا تابعة لتيارات تعدها الحكومة جماعات إرهابية ويسيطر عليها متشددون».
وخاضت السلطات المصرية معارك سابقة لإحكام سيطرتها على المنابر، وقال القيادي في الأوقاف إن «الوزارة وحدت خطبة الجمعة للقضاء على الأفكار المتشددة، كما فرضت سيطرتها على المساجد التابعة لجمعيات الإسلاميين المجمدة أرصدتهم من قبل الحكومة تنفيذا للحكم الصادر بحظر نشاطها ومصادرة ممتلكاتها، كما جرى منع غير الأزهريين من اعتلاء المنابر وغلق الزوايا».
لكن مراقبين قالوا إن «منابر الأوقاف ما زال يعتليها غير الأزهريين من المشايخ المتشددين ويدعون فيها للممارسة العنف ضد السلطة الحالية».
في المقابل، قال القيادي المسؤول في الأوقاف إن «الوزارة ضمت مساجد الجمعية الشرعية التي سيطر عليها متشددون وتضم دعاة غير رسمين وتسهم في نشر التشدد والتطرف الفكري».
ويصل عدد مساجد الجمعية الشرعية إلى 6 آلاف مسجد وزاوية في مختلف قرى ونجوع مصر. كما يسيطر دعاة حزب النور (أكبر الأحزاب الدينية) على عدد من المساجد في القاهرة والإسكندرية والجيزة والشرقية وكفر الشيخ، فضلا عن مساجد محدودة ما زالت تابعة لـ«الجماعة الإسلامية».
وتؤكد الأوقاف أنها لا تعرف سياسة الإمساك بالعصا من المنتصف، أو المراهنة على أنصاف الحلول، وأنها انحازت بقوة إلى المصلحة الوطنية التي تحقق مقاصد الشريعة.
في غضون ذلك، قال القيادي المسؤول، إن «الأوقاف طالبت الأئمة الرسميين بالتوقيع على إقرارات توبة موثقة بشكل رسمي في مصلحة الشهر العقاري يؤكدون فيها رفضهم العنف والتخريب الذي تمارسه جماعة الإخوان المسلمين»، مضيفا: «هذه الإجراءات هدفت لضبط المتشددين من دعاة الإخوان المحسوبين فعليا على الأوقاف والموجودين في المساجد، وذلك للقضاء على التحريض على العنف».
وتقول المصادر الرسمية إن «مديريات الأوقاف بالمحافظات ما زال بها عدد من الدعاة والقيادات التابعين للإخوان يستغلون أموال المساجد التي يتم جمعها عن طريق التبرعات أو أموال الجمعيات في دعم مسيرات وعنف الإخوان ونشر الأفكار المتطرفة، ودعوى سيطرة الأوقاف على الصناديق الخاصة بالزكاة بالمساجد غير حقيقية».
ولمحت المصادر إلى أن «هذا الكلام موجه أيضا إلى حزبي النور (الذي يضم دعاة غير رسميين)، والبناء والتنمية (الذراع السياسية للجماعة الإسلامية) تحديدا، لكونهما ما زالا يمتلكان جمعيات داخل المساجد غير الخاضعة للأوقاف».
وكانت الأوقاف قد فرضت حالة الطوارئ في جميع المساجد والزوايا، لتفعيل قرار وزير الأوقاف محمد مختار جمعة، بمنع أي جهة غير الأوقاف من جمع أموال التبرعات، وقال القيادي المسؤول في الأوقاف لـ«الشرق الأوسط» إن «عقوبة مخالفة ذلك من الأئمة أو القائمين على المسجد وصلت إلى الحبس والغرامة والعزل من الوظيفة».
في السياق ذاته، دخلت الأوقاف معركة شرسة مع الجمعيات الدعوية التي لديها مساجد ومعاهد لإعداد الدعاة، وحذرت الوزارة أكثر هذه الجمعيات من استخدام المنابر في الهجوم على مؤسسات الدولة والتحريض على العنف من خلال الدعاة المنتمين لبعض التيارات الدينية، كما طالبت الأوقاف هذه الجمعيات بأن تشرف الوزارة على المساجد ومعاهد الدعاة التابعة للجمعيات.
وقال مسؤول في الأوقاف: «عدد كبير من هذه الجمعيات لم يلتزم بتلك الضوابط، لذلك شرعت الأوقاف في ضم مساجد كانت تمثل معاقل للفكر المتشدد، وأرسلت الأوقاف علماء ودعاة تابعين لها لتولي أمور الخطابة والدعوة في هذه المساجد، واعتلى أئمة وعلماء الأوقاف والأزهر منابر مساجد العزيز بالله بالزيتون (شرق القاهرة) والحمد بالتجمع الخامس بالقاهرة الجديدة، والقائد إبراهيم بالإسكندرية، والتوحيد برمسيس، وغيرها من المساجد التي كانت تسيطر عليها جماعات معينة لفترات طويلة جدا».
ويرى مراقبون أن «الأوقاف خطت خطوة مهمة بالتنسيق مع الأزهر في إرسال قوافل دعوية أسبوعية للمحافظات، وحتى تكتمل المنظومة وتنجح الجهود في المواجهة مع التيارات المتشددة».
من ناحية أخرى، وفي إطار مسيرة الدولة المصرية لضبط المنابر، شرعت الحكومة مؤخرا في مراقبة المساجد، وطبقت ذلك على 5 مساجد بالعاصمة المصرية، تفاديا لأي تجمعات من قبل عناصر جماعة الإخوان في المناطق التي تشهد حشدا إخوانيا داخل العاصمة القاهرة، ولتوقيف ومنع الدعاة المتشددين من اعتلاء المنابر، بحسب القيادي المسؤول في الأوقاف.
وأعلنت الحكومة الإخوان تنظيما إرهابيا، وحملتها مسؤولية جميع أحداث العنف التي شهدتها البلاد منذ عزل مرسي، والتي أسفرت عن سقوط آلاف القتلى والجرحى.
ورغم تأكيد الأوقاف في بيان رسمي لها أن «تركيب الكاميرات في المساجد يستهدف مراقبة الأئمة والدعاة وضبط المتشددين منهم»؛ فإن وزير الأوقاف، جمعة، أكد أن «تركيب الكاميرات للحفاظ على أمن وسلامة وقدسية المساجد، وهذه الكاميرات لا علاقة لها على الإطلاق بعمل الإمام أو بأداء الناس نسكهم وعبادتهم»، مضيفا لـ«الشرق الأوسط»، أن «الكاميرات تهدف لحماية دور العبادة من الإرهاب والتفجيرات خارجها، ومراقبة الأفكار المتطرفة والتكفيرية داخلها».
كما تعاقدت الأوقاف مع شركات حراسة لتأمين المساجد، بهدف التصدي لدعاة التشدد والتطرف. وأكدت المصادر المصرية، أن «شركات الحراسة على المساجد سوف تساعد الأئمة على التفرغ للجانب الدعوى، فضلا عن الحفاظ على مكتبات المساجد من الكتب التي يتم إدخالها للمساجد وتدعو للتشدد والتطرف.. وسيكون لهم زى مدني وعمل محدد يختلف بطبيعة الحال عن مهام أفراد وزارة الداخلية».
وبالتوازي مع ذلك، تقوم وزارة الأوقاف المصرية بحملة تطهير لتنقية مكتبات المساجد من الكتب المحرضة على العنف، بعدما تم رصد كتب قادة جماعة الإخوان ومشايخ الفكر المتشدد وهي تتصدر مكتبات الجوامع، وأكدت المصادر المصرية: «تم تطبيق إجراءات حاسمة لمصادرة كتب قادة الإخوان، التي تضمنت أسماء حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان، وسيد قطب أحد القادة التاريخيين للجماعة وأبرز مفكريها، والداعية يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الأب الروحي للجماعة».
ويرى مراقبون أن «المساجد تحولت خلال فترة حكم جماعة الإخوان إلى معقل للدعاة غير الرسميين»، وهو ما أرجعه مراقبون لسحب البساط وقتها من تحت أقدام علماء الأزهر، لتصبح المساجد مركز الثقل للشيوخ والدعاة غير الأزهريين، بعيدا عن الوسطية المعهودة بالأزهر.
وقالت المصادر المصرية لـ«الشرق الأوسط»، إن «بعض الأئمة والمشايخ ما زالوا يشرحون كتب قادة الإخوان في الدروس اليومية والأسبوعية للمصلين عقب صلاة العصر.. والمساجد ما زالت عامرة بهذه الكتب، ووزارة الأوقاف لم تجمعها وتحرقها كما زعمت قيادات مسؤولة بالوزارة».
وأعلنت الحكومة الإخوان تنظيما إرهابيا وحملتها مسؤولية عمليات إرهابية استهدفت أبرياء في قلب العاصمة المصرية والمحافظات وشبه جزيرة سيناء، خلال الشهور الماضية. وتحاول الدولة المصرية منع استخدام دور العبادة في أي صراع سياسي خاصة مع قرب الانتخابات البرلمانية، الاستحقاق الثالث لخارطة طريق المستقبل، وحذرت الوزارة «من إقامة الأفراح (مراسم عقد القران للمقبلين على الزواج) وأي نشاط دعوي أو اجتماعي في مساجدها دون تصريح رسمي مسبق، وقبل الموعد بوقت كاف». وأضاف القيادي المسؤول أن «الأوقاف أرجعت ذلك لمنع استغلال المساجد سياسيا في الدعاية لانتخابات البرلمان المقبل».
من جهته، حذر وزير الأوقاف من استخدام دور العبادة في الدعاية الانتخابية لمرشحي مجلس النواب، وقال الوزير: «إجراءات مشددة ضد من يستغل المنابر في الدعاية سواء من قبل المرشحين المحتملين أو المسؤولين عن المسجد من الأئمة والعمال». في سياق ذي صلة، أكدت الأوقاف أمس، عزمها الإعلان عن قائمة سوداء للممنوعين من الخطابة وإلقاء الدروس بمساجدها، من رواد الخطاب التحريضي، حيث تصدر القرضاوي القائمة. ويرفض القرضاوي، المقيم في قطر، عزل مرسي، ويحرض دائما ضد قوات الشرطة والجيش والأزهر، وقد قضت محكمة مصرية في يونيو (حزيران) الماضي غيابيا بإعدام القرضاوي لإدانته في قضية اقتحام السجون خلال ثورة يناير (كانون الثاني) عام 2011، التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك.
وقال القيادي المسؤول نفسه في الأوقاف إن «القائمة تضم أعضاء جبهة علماء الأزهر (وهي جبهة غير رسمية تضم علماء من جامعة الأزهر)، وسلامة عبد القوى، مستشار وزير الأوقاف في عهد الإخوان، وجمال عبد الستار وكيل الأوقاف في عهد الإخوان، والداعية محمد جبريل، وصلاح سلطان القيادي الإخواني المحبوس على ذمة قضايا عنف وتخريب، وعددا من أئمة الأوقاف الرسميين في المحافظات، بعد أن ثبت ولاؤهم للإخوان».



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.